مقالات وتحليلات

الآثار البيئية والاقتصادية لأزمة كورونا على الصين

شهد العالم خلال الأسابيع الأخيرة انخفاضًا كبيرًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وبطبيعة الحال، فأي انخفاض من هذا النوع يُعتبر مؤشرًا إيجابيًّا في إبطاء آثار التغيرات المناخية. لكن هذا الانخفاض غير المتوقع كانت له أسباب أخرى تتعلق بتفشي وباء فيروس كورونا المستجد في الصين.

لم يتسبب الفيروس في إمراض الآلاف فقط، لكنه تسبب في أضرار اقتصادية عديدة ناتجة عن إغلاق المصانع والمصافي والرحلات الجوية في جميع أنحاء الصين. كما طلبت الحكومة الصينية من مواطنيها البقاء في منازلهم في العديد من المدن، وهو ما أدى في النهاية إلى تخفيض معدل الانبعاثات الكربونية في الصين، حتى وصلت إلى ما هو أقل من 25% من مثيلاتها في العام الماضي في أول 3 أسابيع من بداية انتشار الوباء. فخلال الفترة نفسها من عام 2019، أطلقت الصين حوالي 400 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون (MtCO2)، وهو ما يعني أن انتشار الفيروس ارتبط بانخفاض الانبعاثات العالمية بمقدار 100 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، أي 6٪ من الانبعاثات العالمية خلال الفترة نفسها.

وتُعتبر الصين إحدى أكثر الدول مساهمة في زيادة وتيرة التغيرات المناخية بسبب انبعاثاتها الضخمة، حتى إن مقدار الانخفاض في الأسابيع الثلاثة الأولى يكاد يكون مساويًا لما تُساهم به ولاية نيويورك الأمريكية في عام كامل من نفس الانبعاثات (حوالي 150 مليون طن متري). كما انخفضت مستويات تلوث الهواء بغاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 36٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. 

وهناك تأكيد آخر على انخفاض استخدام الوقود الأحفوري في قياسات الأقمار الصناعية لغاز ثاني أكسيد النيتروجين NO2، وهو أحد ملوثات الهواء التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحرق الوقود الأحفوري. ففي الأسبوع الذي تلا عطلة رأس السنة الصينية 2020، كان متوسط ​​المستويات قد تدنى بالفعل بنسبة 36٪ في الصين مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.

تضرر القطاع الصناعي بالصين

نتج عن الإجراءات الحكومية التي استهدفت السيطرة على انتشار المرض تباطؤ في عدة أنشطة صناعية واقتصادية، وهو ما أدى إلى توقف شاحنات الشحن، وتقلص عدد الرحلات بحوالي 13000 رحلة يوميًّا. كما انخفض النشاط في القطاعات الصناعية الرئيسية بنسبة 15 في المائة إلى 40 في المائة مقارنة بالعام السابق. وانخفضت مستويات الطلب على الكهرباء والإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوياتها خلال السنوات الفائتة بنسبة تتراوح بين 15% إلى 40% في القطاعات الصناعية الرئيسية، بما يشمل استخدام الفحم في محطات الطاقة وخطوط إنتاج الصلب الرئيسية. كما تقلصت أعداد رحلات السفر الداخلية إلى 70% عن مثيلتها من شهر. ومع انخفاض إنتاج صناعات الصلب الرئيسية بمقدار الربع، أصبح من المتعين على أفران الصهر أن تغلق، ما لم يرتدّ الطلب سريعًا. وذلك بالإضافة إلى تضاؤل القدرة على الاحتفاظ بالأسهم وتوقعات الطلب المتوترة.

وحتى على الصعيد العالمي، أشارت التحاليل الأولية التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة IEA ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، إلى أن تداعيات تفشي المرض قد تؤثر بنسبة تصل إلى نصف في المائة عن الطلب العالمي على النفط خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر من هذا العام. 

وفي المعتاد خلال عطلة رأس السنة الصينية الجديدة، تتوقف العديد من الأنشطة لمدة أسبوع، وذلك بسبب إغلاق المتاجر ومواقع البناء وإنهاء معظم الصناعات عملياتها. ويتولد عن هذه العطلة تأثير ملحوظ على المدى القصير في معدلات الطلب على الطاقة، وبالتالي الانبعاثات. إلا أن هذا التأثير ما يلبث أن ينتهي لتعود المعدلات لترتفع وصولًا إلى وضعها الطبيعي. لكن هذا العام، وبعد أزمة الكورونا، استمر الانخفاض ولم يصعد كما كانت العادة، ودون وجود علامة على حدوث انتعاش، حتى بعد الاستئناف الرسمي للعمل في 10 فبراير.

الآثار المتوقعة على الاقتصاد الصيني

على الرغم من أن التأثير قصير الأجل للأزمة الحالية كبير، فإنه لم يتأكد بعد حجم التأثير المباشر على المدى الطويل لإغلاق المصانع. فعلى سبيل المثال، من الناحية الإيجابية، فإن حسم 25٪ من استهلاك الطاقة وانبعاثاتها لمدة أسبوعين في هذه الفترة من شأنه أن يُقلل حجم الاستهلاك السنوي بحوالي واحد بالمائة فقط. وهو ما يعني أن الصين قادرة على اللحاق بالركب بسرعة بعد إيقاف التشغيل، إذا ما توفر الطلب. إلا أن هناك مؤشرات سلبية أخرى قد تصعب من عملية الرجوع بسرعة. إذ تشير المؤشرات الأولية إلى انخفاض مبيعات السيارات لشهر فبراير بنسبة 30٪ عن مستويات العام الماضي التي كانت منخفضة بالفعل.

وهناك بالفعل ضرر بالغ على القطاع الإنشائي، بسبب العمال المهاجرين الذين تأثروا بالقيود المفروضة على الحركة، وتدابير الحجر الصحي. ومع ذلك، تستمر الحكومات المحلية في الحفاظ على الضوابط على الحركة وتشديدها وتشجع الشركات على البقاء مغلقة، بسبب القلق من التسبب في تفشي الوباء بصورة أكبر. 

وإذا استمرت الأزمة لما هو أطول من ذلك، فستزيد احتمالات حدوث أزمات مالية للشركات والحكومات المحلية، بل والمواطنين أصحاب الديون العالية. إذ إن ضعف التدفق النقدي خلال فترة الإغلاق الممتد قد يؤدي إلى جعل بعض الديون غير قابلة للسداد. وتتفاقم تلك المشكلة بسبب الممارسة الواسعة النطاق التي تتخذها الشركات لتحمل ديون قصيرة الأجل لتمويل الإنفاق طويل الأجل. كما أن هناك احتمالات لانخفاض آخر للطلب على السلع الاستهلاكية، بسبب الأجور غير المدفوعة خلال الأزمة وتوقف الأعمال.

تحركات الحكومة الصينية لإنقاذ الاقتصاد ما بعد الأزمة

ويبدو أن القيادة الصينية أدركت المخاطر المادية بسبب أزمة الوباء، إذ بدأت حزمة من التدخلات الفورية. ومن أوائل تحركات الحكومة كان دعوة البنوك إلى تجديد القروض، ودعوة الحكومات المحلية إلى خفض الإيجارات والتكاليف الأخرى للشركات، وكذلك دعوة شركات السمسرة والتداول إلى منع أسعار الأسهم من الهبوط. وكان من المفترض تحديد هدف نمو إجمالي الناتج المحلي لعام 2020 رسميًّا في الدورة السنوية للبرلمان، والتي تعقد عادة في بداية شهر مارس، لكنها تأخرت بسبب ظروف الأزمة. وبات من الواضح أن اندلاع المرض قد يعوق جهود الصين المستمرة لتنمية اقتصادها ومحاولتها للمساهمة الإيجابية في مشكلة التغيرات المناخية.

وكانت الحكومة الصينية قد وضعت أهدافًا طموحة للنمو الاقتصادي هذا العام، وأصبح من المتعين عليها بعد انتهاء الأزمة السباق لتعويض ما فاتها، وهو ما قد يعني بالضرورة وضع سياسات جديدة لتحفيز الصناعات الملوثة مثل الصلب والإسمنت، وتخفيف الجهود المبذولة للابتعاد عن الفحم، وهي السياسات التي انتهجتها سابقًا المصانع الصينية، والتي تميل إلى زيادة الإنتاج لتعويض الإنتاج المفقود أو الإغلاق المؤقت، وهي سياسة تُعرف بمصطلح “التلوث الانتقامي” أي إنه من المتوقع أن تنتعش مستويات الانبعاثات الكربونية الضارة مرة أخرى، بل وبصورة أكبر خلال الفترة ما بعد احتواء تداعيات انتشار فيروس الكورونا. وقد لا يكون من أولويات القطاع الإنتاجي الصيني الالتزام بالمعايير البيئية مقارنة باسترجاع مقومات التنمية الاقتصادية، بهدف تقليل الضرر على المواطن الصيني بأقصى سرعة.