مقالات وتحليلات

ما بعد كورونا.. ربيع القوميات، خريف الاتحاد الأوروبي، سقوط العولمة الصينية، أفول النيوليبرالية

تجاوز تأثير وباء كورونا حواجز عالم الطب، بكل ما جرى من غلق كامل لعشرات الدول والمجتمعات، وتعطيل السياحة العالمية وانهيار البورصة الدولية وغيرها من المؤثرات، ليصبح وباء كورونا هو الصانع الجديد لنظام عالمي مختلف تمام الاختلاف عما كان عليه المسرح الدولي قبل تفشي وباء كورونا.

ولعل أولى ملامح عالم ما بعد كورونا، هو غضب الشعوب الأوروبية من الاتحاد الأوروبي، سواء الدول التي انضوت تحت مظلة الاتحاد ومؤسساته، او التي سعت طيلة السنوات الماضية الى الإيفاء بشروط الانضمام للاتحاد ولم تتلق الدعم أو المساعدات الكافية خلال وباء كورونا رغم أنه يحق لها ذلك.

خريف الاتحاد الأوروبي

بعد الشعب الإيطالي، خرج الرئيس الصربي “ألكسندر فوتشيتش” ليصب غضبه على الاتحاد الأوروبي وأصر على المقارنة ثلاث مرات في خطابه بين عدم تقديم أوروبا لمساعدات الى بلجراد مقارنة بالمساعدات الصينية.

خطاب “فوتشيتش” نقطة فاصلة في تاريخ الجمهورية اليوغوسلافية السابقة، على ضوء أنه يتزعم التيار المؤيد لفكرة صربيا الأوروبية والتوجه إلى الوحدة الأوروبية بدلاً من فكرة “صربيا اليوغوسلافية” و”صربيا البلقان” التي ترى في الصرب أمة سلافية، إما أن تأخذ موقفًا حياديًا بين روسيا وأوروبا، او الانضمام الى الفلك الروسي السياسي.

“فوتشيتش” الذي يشغل منصبه منذ يونيو 2017 بعد سيرة موفقة كوزير للدفاع عامي 2012 و2013، يترأس الحزب التقدمي الصربي، الذي ينتمي إلى اليمين القومي المحافظ الراديكالي الصربي، ومع ذلك كان الحزب الذي يحكم بلجراد يرى أملًا في الاقتصاد النيوليبرالي، والتوجه إلى القارة الأوروبية قبل أن تبدأ دوائر الحزب في مارس 2020 عبر منابره الإعلامية والصحفية بمهاجمة الاتحاد الأوروبي ونظم الاقتصاد الغربية.

صربيا تسعى للانضمام الى الاتحاد الأوروبي، فهي ليست عضوة بالاتحاد بعد، ولكن بعد تصريحات “فوتشيتش” فإن العلاقة بين أوروبا وصربيا دخلت نفقًا مظلمًا على ضوء تطورات العمل المشترك في عالم ما بعد كورونا.

المفكر الألماني “أولريش شيفر Ulrich Schäfer”، في كتابه “انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود” Der Crash Des Kapitalismus، الصادر في نوفمبر 2008، رصد تململ وشك وعدم ثقة الشعوب الأوروبية في الاتحاد الأوروبي وآلياته القارية، وكانت مفاجأة هذه الدراسة أن التململ يضرب بجذوره دول تحكمها حكومات شديدة الإخلاص لفكرة الوحدة الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا.

ولكن من المستبعد ان تُسقط الحكومات الأوروبية فكرة الوحدة الأوروبية بشكل درامي كما حدث مع الاتحاد السوفيتي وسقوط فكرة الوحدة الاشتراكية بين الأمم الروسية والسلافية، ولكن سوف تسعى الدول الأوروبية إلى إنتاج اتحاد أوروبي جديد على أنقاض الاتحاد الحالي، على أن يصبح الاتحاد الجديد أشبه بجامعة الدول العربية، بعد أن كان الاتحاد الحالي يضم حكومة أوروبية موحدة.

المقترح الجديد هو أن يكون الاتحاد الأوروبي مجرد منتدى لحكومات الغرب دون محاولات الدعم العنيفة في عملة موحدة وقوانين واحدة، وأن تسعى أوروبا للتكامل الاقتصادي دون السعي لفرض عملة موحدة وحكومة موحدة وثقافة القومية الأوروبية على كافة شعوب القارة الأوروبية.

وبعيدًا عن عملية إعادة إنتاج أو هيكلة الاتحاد الأوروبي، فإن الأزمات التي تسبب فيها كورونا سوف تجعل مؤسسات الاتحاد الأوروبي أقل تشددًا وصرامة مع بريطانيا في المفاوضات الجارية بين الطرفين لتنظيم العلاقة عقب الخروج البريطاني من الاتحاد، وهو ما يعني عمليًا أن “بوريس جونسون” رئيس الوزراء البريطاني، قد ظفر أخيرًا بالإذعان الأوروبي لرؤيته عن طبيعة العلاقة بين الطرفين فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية والحدود والتبادل الاقتصادي والعلاقات التجارية والدبلوماسية.

بل ولن تبالغ الصحف إذا ما عنونت طبيعة العلاقة بين “جونسون” وأوروبا بأن الاتحاد الأوروبي على ضوء أزمة كورونا سيركع أمام “جونسون” ويحاول أن يحصد تسوية سريعة لهذا الملف.

التوجه إلى روسيا بدلًا عن الاتحاد الأوروبي

وفيما يتعلق بالصراع القائم في الغرب بين الأحزاب التقليدية التي حكمت الغرب بالتناوب منذ الحرب العالمية الثانية من جهة، والقوى السياسية الجديدة التي ظهرت على ضوء الأزمة الاقتصادية العالمية (2008 -2013) من جهة أخرى، أو الصراع الذي يمكن اختصاره بأنه صراع بين التيارات الليبرالية/النيوليبرالية والقومية على زعامة النظام الرأسمالي العالمي، فإن هذا الصراع سوف ينتقل إلى صناديق الاقتراع، وسيلعب وباء كورونا دورًا مهمًا في تشكيل اختيارات الناخب الغربي.

ويترقب المراقبون صعود اليمين القومي في إيطاليا وزعيمه “ماتيو سالفيني” على ضوء الغضب الشعبي من الاتحاد الأوروبي، وتسعى الحكومة الإيطالية لتجنب الذهاب الى انتخابات مبكرة في صيف 2020 على ضوء حقيقة أن الانتخابات الإيطالية في زمن وباء كورونا لا تعني إلا نهاية اليسار الإيطالي التقليدي وصعود اليمين القومي الإيطالي الرافض لاستمرار إيطاليا في الاتحاد الأوروبي، ويسعى لتنظيم خروج إيطالي من الوحدة الأوروبية كما فعلت بريطانيا.

ويُلاحظ أن روسيا والصين اللتين تنافسا الاتحاد الأوروبي على إرضاء الدول الغاضبة من مؤسسات الاتحاد، قد سارعتا بإرسال مساعدات إلى روما، وقد أمعن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في الثقل السياسي للمساعدات الروسية، فأرسل فرقًا طبية من الجيش الروسي للمساعدة، وهو ما يُعدُّ أوسع انتشار للجيش الروسي في أوروبا الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تعزيز النفوذ الروسي في الدول الأوروبية الغاضبة من خذلان الاتحاد الأوروبي، يعزز فرضية أن دول اليمين القومي في أوروبا تجد في روسيا بديلًا مناسبًا عن منظومة العولمة الامريكية ممثلة في القطب الأمريكي ويجاوره الاتحاد الأوروبي كما تنص أدبيات اليمين القومي الجديد.

مشهد ختامي حزين لأنجيلا ميركل

ومع استقرار حكومات اليمين القومي في النمسا واليمين المحافظ التقليدي في اليونان، إلى جانب سيطرة التيار القومي على حزب المحافظين البريطاني بقيادة “بوريس جونسون” على حساب التيار المحافظ التقليدي، تتوجه الأنظار إلى برلين على ضوء حقيقة أن العد التنازلي لتقاعد المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” قد بدأ، عقب أربع ولايات و16 عامًا من الحكم.

“ميركل” صرحت قبل الأزمة بأنها لن تترشح في الانتخابات المقبلة صيف 2021، وعلى ضوء هشاشة التحالف بين حزبها “الاتحاد المسيحي الديمقراطي” و”الحزب الاشتراكي الديمقراطي”، فإن بعض العقلاء في برلين المتخوفين من صعود حزب البديل الذي يمثل اليمين القومي الجديد، يحاول إعادة التحالف بين “الاشتراكي” و”الخضر” واستعادة التحالف الذهبي الذي جرى في زمن “جيرهارد شرويدر” بين الأخير و”يوشكا فيشر”.

وعلى ضوء حقيقة أن العالم لن يتعافى من الآثار الاقتصادية لوباء كورونا قبل عام على الأقل، فإن “ميركل” سوف تختتم عصرها في زمن أعتى وباء يضرب العالم منذ عقود، ليشكل كورنا مشهدًا ختاميًا حزينًا للمرأة الحديدية التي وُصفت بإمبراطورة أوروبا.

اليمين المحافظ الألماني التقليدي الداعم لـ”ميركل”، الذي يضم الحزب المسيحي البافاري وحزب الاتحاد المسيحي الاشتراكي، سوف يحسم أمره في صيف 2020 حينما يعقد مؤتمره السنوي لانتخاب رئيس جديد للحزب، وقتذاك سوف يحسم اليمين المحافظ الألماني أمره بالذهاب الى انتخابات مبكرة او الاستمرار في ائتلاف هش لعام جديد وأخير.

وإلى جانب تقاعد “ميركل” في 2021، إضافة الى آثار كورونا على الاقتصاد والحياة العامة الألمانية وتصدع اليمين المسيحي التقليدي المحافظ، فإن برلين تواجه أزمة ضعف الخبرة السياسية لزعامات حزبي الاشتراكي والخضر، سواء “نوربرت فالتر بوريانز” و”ساسكيا إسكن” وهما من قادة الاشتراكي الديموقراطي، أو “أنالينا بابوك” و”روبيرت هابك” من قادة الخضر، وكلها عوامل تصب في مصلحة اليمين القومي الجديد عبر حزب البديل الألماني.

هكذا تصبح ألمانيا على موعد مع أشرس أزمة يتعرض لها النظام الفيدرالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بل أن توحيد ألمانيا وانهيار الكتلة الشرقية لم يتسبب في ألمانيا بهذا المردود الذي صنعه تنحي “ميركل” المرتقب العام المقبل، لتصبح برلين امام 24 شهرًا من المنافسات السياسية الساخنة التي سوف تحدد هويتها السياسية لعقود.

أزمة اليسار القديم والجديد في إسبانيا

التحالف اليساري الهش في إسبانيا بين الحزب الاشتراكي و”بوديموس” أيضًا محل تساؤل، على ضوء صعود حزب فوكس اليميني من جهة، ومن جهة أخرى أن إسبانيا أصبحت ثاني أكثر دولة مصابة بكورونا في أوروبا بعد إيطاليا.

تعاني إسبانيا من عدم استقرار سياسي على ضوء محاولة إقليم كتالونيا الانفصال وتدخل السلطة الاسبانية المركزية لقمع الانفصال بشكل غير مألوف في الديمقراطيات الغربية، إضافة الى أن الانتخابات البرلمانية المبكرة لثلاث مرات لم تسفر عن حكومات مستقرة، سواء انتخابات ديسمبر 2015 التي جرت في موعدها، أو الانتخابات المبكرة في يونيو 2016 وابريل 2019 ونوفمبر 2019. ولولا تخوف اليساريين من صعود حزب فوكس المفاجئ في الانتخابات الأخيرة لذهبت اسبانيا الى انتخابات مبكرة لرابع أو خامس انتخابات برلمانية في اقل من خمس سنوات.

تسبب حزب “بوديموس” الذي يمثل اليسار المتشدد الجديد في هذه الأزمة حينما رفض المشاركة في الائتلافات الحزبية ما بين عامي 2015 و2019، ثم اضطر للذهاب الى الائتلاف الهش مع حزب العمال الاشتراكي خوفًا من تحالف بين حزب فوكس ممثل اليمين القومي الاسباني الجديد وحزب الشعب الجمهوري معقل اليمين المحافظ الاسباني التقليدي، واليوم يتخوف هذا الائتلاف الهش بين “بوديموس” والاشتراكيين من تفجر خلافات بين اركان الائتلاف ما يسفر عن الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

إعادة تقييم التجربة الماكرونية

وللمفارقة فإن الدولة الثالثة في الإصابة بكورونا في أوروبا هي فرنسا التي تشهد أيضًا اضطرابات سياسية ومخاوف أوروبية من صعود اليمين القومي للسلطة.

تشهد فرنسا اضطرابات السترات الصفراء منذ 17 نوفمبر 2018 لليوم، وتتأهب “مارين لوبان” زعيمة اليمين القومي رئيسة حزب التجمع الوطني (حزب الجبهة الوطنية سابقا) لخوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022 للمرة الأخيرة بعد خسارتها انتخابات 2012 و2017 الرئاسية، وكانت الأصوات قد تعالت بتنحي “لوبان” لصالح أبنة أختها “ماريون لوبان” ولكن “مارين” تمسكت برئاسة حزب والدها وأصبحت انتخابات 2022 هي فرصتها الأخيرة.

لن تسمح أوروبا بأن تخسر “ماكرون” عام 2022 بعد خسارة “ميركل” عام 2021 – وربما العام الجاري – لذا فإن أوروبا تحتشد خلف “ماكرون” بشكل علني، خاصة وأن “مارين لوبان”، مثل البديل الألماني و”ماتيو سالفيني” في إيطاليا، مناهضة للاتحاد الأوروبي وتريد تنظيم استفتاء للخروج الفرنسي من الاتحاد كما فعلت بريطانيا.

ربما كانت مقاومة كورونا هي مفتاح “ماكرون” للاستمرار بعد سنوات من تآكل شعبيته على ضوء انتفاضة السترات الصفراء ومطرقة اليمين القومي التي لا تهدأ، إضافة إلى خلافات أيدولوجية مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية استمرارًا لرؤية فرنسا المختلفة عن باقي دول الغرب، في حتمية تحسين آليات تلك المؤسسات والعلاقات، ما صنع حالة “ماكرونية” خاصة في السياسة الخارجية أصبحت تذكر المراقبون بـ”الشيراكية” نسبة للرئيس الراحل جاك شيراك..

ايضاً يرأس “جاستين ترودو” حكومة وسط ليبرالية لا تحظى بالأغلبية في كندا، ولكن من غير المتوقع ان ينجح اليمين الكندي في الذهاب الى انتخابات مبكرة نظراً لان “ترودو” سارع بإجراءات مبكرة أسرع من أغلب الدول المصابة بالوباء، إضافة الى حالة التعاطف الشعبي التي حصدها على ضوء إصابة زوجته بالمرض وهي امرأة عصامية وقفت بجانب “ترودو” حتى أستطاع ان يصل إلى المنصب الذي تولاه والده يوماً ما.

هكذا يمكن القول إن التيار القومي عمومًا واليمين القومي خصوصًا، سوف يكون الرابح الأكبر من أزمة كورونا في إطار صراع الأيدولوجيات مع التيار الليبرالي وحلفائه المحافظين التقليديين والاشتراكين وحتى الخضر في الغرب، وان مارثون الظفر بقيادة النظام الرأسمالي العالمي على وشك الدخول الى نقطة حاسمة بسقوط العديد من القوى التقليدية وتسليمها مقاليد الحكم في بلادها للتيار القومي.

سؤال الحسم في إعادة انتخاب ترامب

وبعيدًا عن القارة الأوروبية فإن الولايات المتحدة الامريكية، سوف تشهد في نوفمبر 2020 انتخابات الرئيس ونائبه إضافة الى مجلس النواب كاملاً وقرابة نصف أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 100 عضوًا بالإضافة الى بعض حكام الولايات وعمداء بعض المدن.

ورغم أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قد حقق أقل نسب للبطالة وأعلى نسب لفرص العمل في الولايات الامريكية منذ نصف قرن، وأعاد الاقتصاد الأمريكي إلى أرقام حقبة “بيل كلينتون” الذهبية، وللمفارقة فإن “ترامب” وقتذاك كان عضوًا نشطًا في الحزب الديموقراطي ومن أهم داعمي حملتي “كلينتون”، فإن سؤال انتخابات 2020 اليوم لن يكون إلا “هل استطاع الرئيس الأمريكي حماية الشعب من وباء كورونا من عدمه”.

صحيح سؤال الاقتصاد والسياسة الخارجية وغيرها سوف يكون حاضراً في المناظرات الرئاسية الثلاث، وفى الحملات الانتخابية، ولكن من المؤكد أن مرشح الحزب الديموقراطي للرئاسة بوجه ترامب، سوف يركز على ما يراه أخطاء وسلبيات “ترامب” في ملف كورونا على ضوء أن هذا هو الملف الساخن الذي يحصد اهتمام المجتمع الأمريكي بكامل تركيبته العرقية والثقافية بل واللغوية المعقدة.

ورغم عدم وجود أرقام واضحة لشعبية “ترامب” أمام مرشحي الحزب الديموقراطي سواء “جو بايدن” او “بيرنى ساندرز”، إلا أن الانتخابات التمهيدية الديموقراطية حتى اليوم لا تحصد الزخم الشعبي أو الإعلامي اللازم لتقديم مرشح قوي أمام “ترامب”، لذا وعلى ضوء نجاحات “ترامب” المتعددة فإن ملف كورونا أصبح الملف الوحيد القادر على صناعة انقلاب في المشهد الانتخابي الأمريكي لصالح مرشح الحزب الديموقراطي.

انهيار العولمة الصينية المضادة

في سبعينات القرن العشرين وعقب مرورها بمجاعة، قررت حكومة الصين الشيوعية تنفيذ سياسات الانفتاح الاقتصادي واقتحام العالم الرأسمالي والتحول من النظام الاقتصادي الشيوعي إلى الليبرالية الاقتصادية، مع عدم التخلص من النظام السياسي الشيوعي وأخذ الليبرالية الاقتصادية دون الليبرالية السياسية من الغرب الرأسمالي.

وخلال عقدين من الزمن، تحولت الصين إلى نمر ورأس حربة النظام الرأسمالي الغربي، فأصبحت أسواق الرأسمالية في قلب الولايات المتحدة تعتمد على الصناعة الصينية وأصبحت كبريات الشركات عابرة القارات تتخذ من الصين مقراً لها بعد عقود من الاستقرار في أوروبا وامريكا.

عمليًا التهمت الصين العولمة الغربية من الداخل، وأصبحت فكرة انتاج بكين لعولمة صينية مضادة للعولمة الامريكية مسألة وقت.

وعلى ضوء مخاوف الرأسمالية الغربية ولوبي الصناعة الوطنية إضافة الى الرأسمالية الوطنية في الولايات المتحدة الامريكية من هيمنة الصين على النظام الرأسمالي العالمي، صعد “ترامب” إلى سُدة حكم الولايات المتحدة لأنه يؤمن بنفس هذه المخاوف، هو المرشح الذي عزف عن الديباجات الاكاديمية والسياسية وقال علناً في مؤتمراته الانتخابية صيف 2016 “الصين تغتصبنا”.

منذ توليه الحكم في يناير 2017، عمد “ترامب” على تخليص الاقتصاد الأمريكي من هيمنة الصين، عبر تقليل الاعتماد على الاستيراد من الصين، وصناعة فكر الاقتصاد القومي بدلاً من الاقتصاد النيوليبرالي والسوق الوطني بدلاً من السوق الحر، وعلى ضوء غياب البضائع الصينية من السوق الأمريكي بدأ السوق المحلي ينتج البديل، وعلى ضوء الحاجة الى ايدي عاملة زادت نسب التوظيف والعمل وهبطت نسب البطالة وزادت ارقام الإنتاج والمكاسب والضرائب، هكذا صنع “ترامب” نجاحه الاقتصادي عن طريق فرملة الصين داخل الأسواق الامريكية.

ورغم أن “ترامب” ليس من أنصار العولمة بل وندد بقيم العولمة علناً من منبر الأمم المتحدة، ولكن عملياً كان “ترامب” يحرر العولمة الامريكية من الهيمنة الصينية، ويقضى على فرص قيام العولمة الصينية كبديل او منافس للنظام الرأسمالي العالمي المعروف بـ العولمة الأمريكية.

ورغم أن “ترامب” تشدد مع بعض الدول في حملته الانتخابية ثم تراجع، إلا أن تشدده مع الصين أستمر عقب توليه الرئاسة، حيث أنحاز علناً لتظاهرات هونج كونج الليبرالية، وهو ما جعل متظاهرو شرق الصين يرفعون العلم الأمريكي ويطالبون بتدخل أمريكي حاسم لثورتهم في مشهد غير مسبوق بالدولة الشيوعية ذات القرارات الصارمة بحق دعوات التدخل الخارجي.

وفى غرب الصين تبنت الخارجية الامريكية خطاب سياسي ينص على أن “الصين تقوم بقمع اقلية الايجور المسلمة في تركستان”، رغم أن حركات الانفصال في غرب الصين هي عرقية وليست دينية، فـ”الإيجور” ليسوا مسلمين فحسب بل ينتمي أبناء هذه العرقية الى العديد من الديانات والمذاهب الأخرى.

ما بين تأييد “ترامب” لثورة ليبرالية شرق الصين وتمرد انفصالي في غرب الصين، وحرب اقتصادية على مدار ثلاث سنوات، واخيراً تخسر الصين 18 % من فاعلية اقتصادها على ضوء ازمة كورونا، يحصد ترامب مكاسب مهمة في مضمار لعبته لتقليم أظافر بكين.

ويأتي قرار خفض الفائدة الى صفر % على أذون الخزانة الامريكية لتخسر الصين وروسيا ودول الخليج العربي استثماراتها في الدين المحلي الأمريكي، هذا الخفض ليس خسارة لتلك التكتلات الثلاث صاحبة النسب الأكبر في تلك الاذون فحسب، ولكنه يوفر على الحكومة الأمريكية تدبير 40 مليار دولار سنوياً فوائد تلك الاذون.

ورغم انه من السابق لأوانه الإشارة الى أن التنين الصيني قد خضع لـ”ترامب”، ولكن مما لا شك فيه أن “ترامب” هو أول رئيس امريكي بدأ تركيع التنين الصيني بشكل عملي وحاسم بعيداً عن حسابات أسلافه في البيت الأبيض.

انهيار سعر برميل النفط

سعر برميل النفط بدأ عام 2020 وهو يلامس الــ 68 دولاراً للبرميل، ومع بدء أزمة كورونا وقلة طلب الصين واليابان وكوريا الجنوبية للنفط، وصل سعر البرميل في اقل من 50 يوماً الى 20 دولار على الأقل.

وقد تداخل مع أزمة كورونا فيما يتعلق بانهيار سعر برميل النفط الخلاف العلني بين روسيا والمملكة العربية السعودية فيما يتعلق بسعر البرميل ونسب التصدير، ولكن بعيداً عن الأزمة الروسية السعودية وحتى كورونا، السؤال المهم هو عن الخاسر الأكبر والرابح الأكبر في وصول سعر برميل النفط الى عشرين دولاراً فحسب.

الخاسر الأول، ليس دول الخليج العربي أو روسيا، وكلا الطرفين قد أعلن عن قدرته على استكمال مخططاته الاقتصادية بهذه النسب، ولكن إيران قد خسرت سوق التصدير غير القانوني أو السوق السوداء للنفط، حيث كانت طهران تصدر نفطها علناً وسراً لليابان والصين وكوريا الجنوبية وباقي النمور الاقتصادية الآسيوية.

اما الرابح الأكبر، فهي واشنطن التي أعلن “ترامب” أنها سوف تملأ الاحتياطي النفطي لها بالنفط الرخيص، فيما يعد أكبر عملية شحن لبطاريات الصناعة الأمريكية منذ ثلاثينات القرن العشرين.

إيران التي يخنقها “ترامب” بالعقوبات الاقتصادية، وحصار صناعة النفط، وتفكيك الإمبراطورية التجارية للحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي والإعلامي للاضطرابات الشعبية الجارية داخل إيران، او التي جرت في العراق ولبنان ضد النفوذ الإيراني في كلا البلدين، والتي تلقت ضربة بأنها كانت الدولة المصدرة لوباء كورونا إلى دول الخليج العربي، ومن المتوقع حال انتشاره فيروس كورونا في تركيا أن تكون إيران المصدر الأول ايضاً، إضافة الى عدداً من ساستها الذين رحلوا عن عالمنا نتيجة الوباء.

كافة تلك العوامل تجعل وباء كورونا مساهمًا بشدة في رؤية “ترامب” في تصفية الدور الإقليمي لإيران، ويأمل الرئيس الأمريكي في إعادة انتخابه نوفمبر 2020 من أجل مواصلة التصعيد حيال الجمهورية الإسلامية الإيرانية.