مقالات وتحليلات

“كوفيد-19” يُعطّل نموّ قطاع الطاقة المتجددة



مع تحول وباء فيروس كورونا إلى أزمة دولية غير مسبوقة في عصرنا الحديث، وتأثيره المتسارع والعنيف ليس فقط على صحة الإنسان، ولكن أيضًا على النشاط الاقتصادي العالمي، وهو ما اتضح في انخفاض معدلات النمو وارتفاع معدلات البطالة والركود الاقتصادي العالمي الوشيك؛ يبقى قطاع الطاقة العالمي هو أحد أهم القطاعات الحيوية للاقتصاد الذي بلغت تأثيرات أزمة فيروس كورونا عليه مستويات غير مسبوقة، نتيجة التدابير الاحترازية التي تُطبقها معظم حكومات العالم من عمليات حظر التجول وغلق الحدود والمطارات والموانئ والمصانع وغيرها، والتي ساهمت بشكل ملحوظ في تراجع الطلب على الطاقة، خاصة البترول والغاز الطبيعي، ما أدى إلى انهيار أسعار النفط الخام من حوالي 70 دولارًا للبرميل في يناير الماضي إلى أقل من 30 دولارًا للبرميل حاليًّا، وهو أشد انخفاض لأسعار النفط في السنوات الثلاثين الماضية. أضف إلى ذلك حدوث انخفاض هائل في سعر الغاز الطبيعي، ليصل إلى ما دون 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفقًا لمؤشر Platts JKM الفوري. وقد ظهرت تداعيات هذه الأزمة على قطاع الطاقة المتجددة أيضًا بسبب توقف سلاسل الإمداد لمشروعات الطاقة المتجددة وزيادة غرامات التأخير. والأخطر من ذلك تراجع الدافع نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتحول سياسات الدول والمستثمرين نحو مواجهة تبعات الوباء على الاقتصاد على حساب التفكير في آليات للطاقة النظيفة أو الحفاظ على البيئة. 

1- تأثيرات “كوفيد-19” على سلاسل إمداد الطاقة المتجددة

الصين هي أكبر منتج للألواح الشمسية وتوربينات الرياح، وهي أيضًا المورد الرئيسي لمكونات ألواح الطاقة الشمسية لمنتجين آخرين مثل الهند والولايات المتحدة وأوروبا والتي تعتمد سلاسل الإمداد فيها على المنتجات الصينية، حيث تنتج المصانع الصينية حوالي 70% من المعروض العالمي للألواح الشمسية، وتأتي 10٪ إلى 15٪ أخرى منها من الشركات الصينية العاملة في جنوب شرق آسيا. ومما لا شك فيه أن كثيرًا من المشروعات تأثرت وبشكل مباشر بسبب الإغلاق المؤقت للمصانع الموجودة في الصين منذ فبراير الماضي، وكذلك التأخير الناتج عن غلق الموانئ والمطارات وتأخير عمليات الشحن من الموانئ الصينية، حيث شهدت أسواق الطاقة المتجددة تأخيرات كبيرة في تسليم ألواح الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح. وقُدرت الخسائر المباشرة لمشروعات الطاقة الشمسية بحوالي 2.4 مليار دولار أمريكي في الهند وحدها، والتي تعتمد على الصين في إنتاج 80% من مكونات أنظمة الطاقة المتجددة.

من ناحية أخرى، فإن سلسلة إمدادات طاقة الرياح شهدت تأثيرات ملحوظة هي الأخرى، حيث تعد أوروبا مركزًا صناعيًّا رئيسيًّا لتوربينات الرياح، فيما أدت اضطرابات الإنتاج المرتبطة بتفشي الفيروس إلى توقعات بخفض بناء مشروعات طاقة الرياح في الصين والولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين 10-50% خلال العام الحالي بسبب القيود المفروضة على العمال وتأخر الحصول على الموافقات الرسمية. كما تم وقف تشغيل حوالي 11% من توربينات طاقة الرياح في العالم، بحسب نشرة بلومبرج لتمويل الطاقة الجديدة في عام 2020. وتعرضت المصانع الأوروبية في البداية لتعطل توريد الأجزاء القادمة من الصين في فبراير الماضي، حيث تم إغلاق أكثر من 18 من مرافق التصنيع في إيطاليا وإسبانيا منذ منتصف مارس بسبب إجراءات الغلق الصارمة. بالإضافة إلى ذلك تطلّب الإغلاق الأخير في الهند إغلاق معظم منشآت التصنيع، بما في ذلك توربينات الرياح ومصانع مكونات الطاقة الشمسية الفوتوفلطية، الأمر الذي يؤدي إلى تأخير استكمال العديد من المشاريع في جميع أنحاء العالم. وفي الإطار نفسه، من المرجح أن تتسبب جائحة كورونا أيضًا في تراجع إنتاج البطاريات الصينية، وبالتالي توجيه ضربة قاصمة لأسواق السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة.

كل تلك التأثيرات على الإنتاج وسلاسل الإمداد في أسواق الطاقة المتجددة، فضلًا عن التأخيرات الواردة في مشروعات الطاقة المتجددة نتيجة صعوبة الاستيراد بسبب امتداد الحظر الجوي وإجراءات الموانئ والشحن، دفع بعض الدول لتأجيل مشروعاتها للتحول للطاقة المتجددة المعدة مسبقًا ضمن خططها الوطنية إلى ما بعد انتهاء الأزمة، في حين لجأت بعض الدول الأخرى إلى اختبار أفكار تتعلق بالتصنيع المحلي لبعض مكونات مشروعات الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الصين، وكذلك الاستفادة من أثر تذبذب الأسعار المتوقع لاحقًا.

2- الطاقة المتجددة عالميًّا

تُعد مصادر الطاقة المتجددة عنصرًا أساسيًّا في الاقتصاد العالمي اليوم، حيث تمثل ما يقرب من 30٪ من استهلاك الكهرباء العالمي، وبلغت القدرات العالمية للطاقة المتجددة 2537 جيجاوات في نهاية العام الماضي، بزيادة قدرها 176 جيجاوات مقارنة بعام 2018، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، التي ذكرت أن عام 2020 سيشهد عددًا من التحديات لقطاع الطاقة المتجددة، نتيجة لتأثيرات فيروس كورونا على القطاع مما يؤثر على كل من سلاسل التوريد ومرافق التصنيع لمكونات مشروعات الطاقة المتجددة.

في أكتوبر 2019، وقبل ظهور عدوى جائحة الفيروس التاجي بعدة أشهر، توقّعت وكالة الطاقة الدولية أن 2020 سيكون عامًا قياسيًّا لإضافات الطاقات المتجددة. وكان من المقرر أن تتجاوز المنشآت العالمية للطاقة الشمسية الفوتوفلطية والرياح مستويات عام 2018 بأكثر من 20٪. وكان من المتوقع أن تقود الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والهند هذا التوسع السريع في الطاقة النظيفة.

لكن سرعان ما أعلنت شركة بلومبرج المتخصصة في دراسات تمويل الطاقة عن توقعاتها المحدثة لعام 2020 بعد الأخذ في الاعتبار تأثيرات فيروس (كوفيد-19)، فقد انخفضت التوقعات بالنسبة للطاقة الشمسية بنسبة 9% لتتراوح بين (108-143) جيجاوات لعام 2020، والذي يعتبر أول هبوط على الطلب منذ عقد الثمانينيات، وذلك على عكس التوقعات المتفائلة التي كانت الشركة قد أعلنتها سابقًا في يناير من العام نفسه، والتي توقعت نموًّا للطلب على الطاقة ليصل بإنتاجها إلى (121-154) جيجاوات. 

https://lh3.googleusercontent.com/Nz865O3TaDY988CzIFpvC93dynNdQBLiWqTJ9omYxpNFqFjWtiiSkKW_4ZaIIlY0sJQTDCgif3ChbP1ZCeH4f8YJ_SpDyq56Cb6MNacEMDb54o8oqAyyKgoTnTLoDfE1M69TERUNcsg9OGiKnA

3- فرص التعافي

ستعتمد كيفية تأثير الوضع على مصادر الطاقة المتجددة على عاملين رئيسيين، هما: مدة الغلق والانكماش الاقتصادي وتدابير التباعد الاجتماعي في مختلف البلدان، وحزم التحفيز الاقتصادي وتوقيتها ومدى فاعليتها في إعادة الاقتصاد العالمي لمساره الصحيح. لكن عند تصميم هذه الحزم يجب على الحكومات أن تضع في اعتبارها الفوائد الهيكلية التي يمكن أن تجلبها مصادر الطاقة المتجددة من حيث التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل مع الحد من الانبعاثات وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وهو الأمر الذي يجب على واضعي السياسات ومتخذي القرار أخذه في الاعتبار لتجنب تراجع التحول نحو الطاقة المتجددة. 

إذ يمكن للحكومات مساعدة مطوري المشروعات على تجنب العقوبات المالية نتيجة التأخير وتوقف سلاسل التوريد وقيود العمل التي قد تضعف وضعهم المالي. كما يجب تضمين تدابير تمويلية محددة وحوافز لمشاريع الطاقة المتجددة في حزم التحفيز القادمة. وينبغي أن تركز هذه التدابير على الحد من المخاطر التي تتعرض لها مشاريع الطاقة الشمسية الفوتوفلطية وطاقة الرياح، خاصة بالنسبة لصغار المطورين. كما يمكن أن تتضمن حوافز إضافية مثل الإعفاءات الضريبية ومنح الاستثمار وخطط القروض الميسرة. كما يجب أن يجري توجيه جزء من الدعم المالي إلى تكنولوجيات الطاقة المتجددة الجديدة التي ما زالت تواجه صعوبات تسويقية، ولكن لديها إمكانات كبيرة لخفض التكاليف، مثل مزارع الرياح البحرية العائمة، وإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون. وربما تتيح حزم التحفيز فرصة فريدة لإعداد البنية التحتية للكهرباء لمستقبل يتطلب شبكات قوية ودرجة أكبر من المرونة لاستيعاب حصص متزايدة من مصادر الطاقة المتجددة المتنوعة.