مقالات وتحليلات

غياب البيانات يثير التساؤلات حول اللقاح الروسي

أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، في الحادي عشر من شهر أغسطس الجاري، عن بدء بلاده في إنتاج أول لقاح مُسجل رسميًّا في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، والذي أُطلق عليه اسم “سبوتنيك 5″، بالرغم من عدم إنهاء اللقاح لكافة مراحل الاختبارات السريرية اللازمة للتأكد من سلامته على المرضى وفعاليته في الوقاية من الفيروس. ووفقًا للتصريحات الرسمية، ستتم عملية إنتاج اللقاح بالتوازي مع إجراء المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية للقاح، والتي ستُجرَى بالتعاون مع عدد من الدول، منها السعودية والإمارات والبرازيل والهند، وبمشاركة 2000 متطوع خلال شهر سبتمبر المقبل. لكن مع استمرار غياب البيانات ونتائج الدراسات التي أُجريت على هذا اللقاح، ازدادت مخاوف العلماء حول ما قد يسببه اللقاح من آثار جانبية على صحة المرضى، قد تفوق بمراحل التأثيرات التي من الممكن أن يُسببها الفيروس، والتي قد تصل في بعض الأحيان للوفاة.

اللقاحات ومراحل تطويرها

اللقاح هو مستحضر بيولوجي يقوي مناعة جسم الإنسان لحمايته من الإصابة بالأمراض التي تُسببها الميكروبات (الفيروسات أو البكتيريا)؛ حيث يتكون اللقاح من الميكروب المُسبب للمرض ولكن في أشكال مختلفة يتم تحضيرها معمليًّا، فمن الممكن أن يحتوي اللقاح على الميكروب ميتًا، أو ضعيفًا، أو على أجزاء معينة منه فقط. ويعمل اللقاح على تحفيز جهاز المناعة في الجسم لإنتاج أجسام مضادة ضد هذا الميكروب الميت أو الضعيف. وتظل تلك الأجسام المضادة في الجسم لفترات طويلة لمنع الإصابة بهذا الميكروب مرة أخرى في المستقبل.

وتُعتبر عملية تطوير وإنتاج اللقاحات دقيقه ومعقدة للغاية، فيجب أن يمر اللقاح بعدد من المراحل قبل أن يتم اعتماده رسميًّا وبدء إنتاجه؛ فبعد أن يتم التأكد من فعالية اللقاح مختبريًّا يتم تجربته على حيوانات التجارب، ويطلق على هذه المراحل الاختبارات ما قبل السريرية للقاح. ومن ثم، يتم اختبار اللقاح سريريًّا على البشر، وهي الخطوة التي تستغرق سنوات عدة قبل إتمامها بالكامل، فأسرع مدة تم خلالها إنتاج لقاح بلغت أربع سنوات، فيما تستغرق عمليه إنتاج معظم اللقاحات عادة من عشرة إلى خمسة عشر عامًا.

تقسم اللقاحات إلى عدة أنواع، منها:

1- اللقاحات الحية المضعّفة: يُحضر هذا النوع من اللقاحات باستخدام بكتيريا أو فيروسات كاملة تم إضعافها لتخلق استجابةً مناعيةً وقائيةً تستمر لمدة طويلة.

2- اللقاحات غير الحية: تحتوي هذه اللقاحات على عينات ميتة من الميكروب المُسبب للمرض؛ لذا فهي لا توفر مناعة قوية كاللقاحات الحية المضعّفة، بل وتحتاج أيضًا إلى عدة جرعات تنشيطية من اللقاح مع مرور الوقت للحصول على مناعة مستمرة ضد الأمراض.

3- اللقاحات القائمة على الأحماض النووية: يتم تصنيع هذه اللقاحات باستخدام جزء صغير من الحمض النووي للفيروس أو البكتيريا (RNA أو (DNA، ويتم حقنها بالجسم حتى يتمكن الجهاز المناعي من التعرف عليها وتوليد استجابة مناعية ضدها.

4- اللقاحات القائمة على النواقل الفيروسية: الناقل الفيروسي هو فيروس نُزع منه جين التكاثر؛ أي لا يُمثل خطرًا على الجسم من ناحية العدوى، ويتم استخدامه كناقل في إيصال أجزاء معينة من الميكروب (مثل: البروتينات الموجودة على سطح الفيروس أو الحمض النووي الموجود داخل الفيروس أو البكتيريا) إلى الخلية في جسم الإنسان؛ حتى تُكوّن الخلايا استجابة مناعية تستهدف هذه الأجزاء الرئيسية من الميكروب.

التاريخ الروسي في إنتاج اللقاحات

تمتلك روسيا تاريخًا ثريًّا من الإنجازات في مجال تطوير وتصنيع الأمصال واللقاحات، فالاتحاد السوفيتي كان شريكًا رئيسيًا في الجهود الدولية لإنتاج أول لقاح فموي (يُعطَى عن طريق الفم) ضد مرض شلل الأطفال خلال فترة الخمسينيات. كذلك استطاع العلماء الروس خلال الفترة نفسها ابتكار تقنية جديدة في صناعة المستحضرات الدوائية -يتم استعمالها حتى يومنا هذا- تسمى تقنية التجفيد (Freeze-drying Technique)، وهي تقنية يتم استخدامها خلال عملية التصنيع لتحويل المستحضر من سائل إلى حبيبات جافة (بودرة)؛ من أجل ضمان ثبات المادة الفعالة داخل اللقاح في درجات الحرارة العالية خلال نقلها إلى الدول الأخرى. كما تبرع الاتحاد السوفيتي، خلال فترات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بكميات ضخمة من لقاح الجدري لمنظمة الصحة العالمية في حملتها للقضاء على مرض الجدري.

لكن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأ الاقتصاد الروسي في الانهيار، وتبع ذلك هجرة أغلب العلماء الروس إلى دول أخرى في أوروبا والولايات المتحدة، وتخلّت روسيا عن صدارتها في مجال الفيروسات وإنتاج اللقاحات. وحاولت روسيا إصلاح ذلك عبر زيادة استثماراتها في مجالات الأبحاث الدوائية، وتبنت استراتيجية “فارما 2020” التي هدفت بشكل رئيسي لتوطين صناعات الأدوية واللقاحات في روسيا، ولكن لا تزال منتجاتها الدوائية غير قادرة على استيفاء المعايير والمتطلبات العالمية. كما أن أغلب اللقاحات التي تم الإعلان عن اكتشافها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لم يتم إنتاجها بالفعل. على سبيل المثال، لقاح فيروس الإيدز الذي تم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من الاختبارات السريرية له في عام 2014، لكن لم يتم البدء في إنتاجه أو إتاحة أي معلومات عنه حتى يومنا هذا. وكذلك هو الحال مع لقاحين لفيروس الإيبولا، اللذين أعلن عنهما الرئيس الروسي لأول مرة في عام 2016، ثم مرة أخرى في عام 2018، ولكنهما ما زالا قيد التطوير.

الجهود الروسية في إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا

تأثرت روسيا بشدة من وباء كورونا المستجد، فهي تحتل المركز الرابع عالميًّا من حيث عدد الإصابات الذي يقترب من مليون حالة إصابة بالفيروس حتى وقت كتابة هذا المقال. فيما بلغ إجمالي عدد الوفيات حوالي 17 ألف حالة. وبالرغم من إعلان الحكومة الروسية عن وجود سبعة وأربعين لقاحًا مختلفًا يتم تطويرها حاليًّا من قبل مراكز الأبحاث وشركات المستحضرات الدوائية في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، ألا أن لقاحين فقط هما الأقرب لإتمام كافة مراحل التطوير. اللقاح الأول الذي تم الإعلان عن تسجيله رسميًّا من قبل وزارة الصحة الروسية ضد فيروس كورونا المستجد، هو لقاح “سبوتنيك 5” الذي يتم تطويره داخل مركز أبحاث غماليا الروسي. أما اللقاح الآخر فيتم تطويره حاليًّا من قبل مركز فيكتور للأبحاث العلمية. ويتصدر الآن “سبوتنيك 5” سباق تطوير اللقاحات في روسيا، بعد أن كان مركز فيكتور البحثي في الصدارة لعدة أشهر؛ نظرًا لاحتكاره التسلسل الجيني لفيروس كورونا المستجد. الصراع الذي واجهته وزارة الصحة الروسية بحجب بيانات المرضى عن مركز فيكتور اضطر المركز في نهاية الأمر إلى إتاحة التسلسل الجيني لكافة مراكز الأبحاث الأخرى.

ووفقًا للموقع الإلكتروني الذي دشنته الحكومة الروسية من أجل الترويج للقاح “سبوتنيك 5″، فإن اللقاح يعتمد على تقنية النواقل الفيروسية؛ حيث يتم استخدام ناقلين فيروسين تم تحضيرهما من نوعين مختلفين من الفيروسات الغدية (adenoviruses)، والتي تسبب الزكام العادي للإنسان، لإيصال الجين الخاص بفيروس كورونا إلى داخل الخلية حتى تكون أجسامًا مضادة ضد الفيروس، ويتم التلقيح على جرعتين يفصل بينهما ٢١ يومًا لتأمين مناعة طويلة الأمد ضد الفيروس.

ويوضح الموقع الإلكتروني أيضًا أن ما سرّع عملية تطوير اللقاح هو أن التقنية المستعملة في تصنيع هذا اللقاح هي نفسها التي تم استخدامها خلال تطوير لقاحات فيروسي الإيبولا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. ولكن بالرغم من ذلك أثار الإعلان عن الإنتاج المبكر للقاح تساؤلات العديد من العلماء حول العالم. التساؤل الأول كان السبب وراءه هو التعتيم الكامل لتفاصيل نتائج التجارب التي أجراها مركز غماليا الروسي خلال المرحلتين الأولى والثانية من الاختبارات السريرية، والتي أجريت على ٧٦ متطوعًا، ولم يتم توفير تلك النتائج حتى لمنظمة الصحة العالمية، والتي لا تزال تُدرج اللقاح في المرحلة الأولى من التجارب الإكلينيكية. أما التساؤل الثاني فتمحور حول التسرع الروسي في تسجيل وإنتاج اللقاح رسميًّا قبل البدء في المرحلة الثالثة والنهائية من الاختبارات السريرية، واللازم إجراؤها لإثبات ما إذا كان اللقاح التجريبي آمنًا ويعمل حقًا، وتُجرَى عادة على عدد كبير من الأفراد يقدر بالآلاف. فوفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، يوجد بالفعل ستة لقاحات في هذه المرحلة الثالثة، ولم تعلن أي من الشركات المطورة لها عن أي خطط لتسجيل أو إنتاج تلك اللقاحات. وأخيرًا، التساؤل حول الحملة الإعلامية الضخمة التي تقوم بها الحكومة الروسية للترويج لهذا اللقاح بسبع لغات، وصدور بعض التصريحات الجدلية التي تُفيد بأن ابنة الرئيس الروسي كانت من أوائل من تم اختبار هذا اللقاح عليهم.

لقد أثّرت هذه التساؤلات بالطبع على انطباعات المواطنين في روسيا حول اللقاح، فوفقًا لأحد استطلاعات الرأي التي أُجريت في منتصف شهر يونيو 2020 من قبل المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، فإن أقل من ١٦٪ من المواطنين الروس يخططون لأخذ لقاح ضد فيروس كورونا فور إتاحة اللقاح؛ فيما سينتظر ٧٪ من المواطنين مرور بضعة أشهر قبل أخذ اللقاح؛ وحوالي ١١٪ سيقررون أخذ اللقاح من عدمه بحلول العام المقبل؛ و٤٪ سينتظرون توفر لقاحات أجنبية ضد الفيروس؛ أما الغالبية العظمى التي تُقدر بـ٣٨٪ من المواطنين الروس فاختاروا عدم أخذ لقاح ضد فيروس كورونا المستجد على الإطلاق.

مصادر:

https://www.thinkglobalhealth.org/article/vaccine-dreams-and-russian-reality

https://www.elisagenie.com/covid19-vaccine-candidates

https://sputnikvaccine.com/ara/about-vaccine/human-adenoviral-vaccines/

https://www.who.int/publications/m/item/draft-landscape-of-covid-19-candidate-vaccines