ألاء نصار

ألاء نصار

مقالات وتحليلات

غياب البيانات يثير التساؤلات حول اللقاح الروسي

أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، في الحادي عشر من شهر أغسطس الجاري، عن بدء بلاده في إنتاج أول لقاح مُسجل رسميًّا في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، والذي أُطلق عليه اسم “سبوتنيك 5″، بالرغم من عدم إنهاء اللقاح لكافة مراحل الاختبارات السريرية اللازمة للتأكد من سلامته على المرضى وفعاليته في الوقاية من الفيروس. ووفقًا للتصريحات الرسمية، ستتم عملية إنتاج اللقاح بالتوازي مع إجراء المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية للقاح، والتي ستُجرَى بالتعاون مع عدد من الدول، منها السعودية والإمارات والبرازيل والهند، وبمشاركة 2000 متطوع خلال شهر سبتمبر المقبل. لكن مع استمرار غياب البيانات ونتائج الدراسات التي أُجريت على هذا اللقاح، ازدادت مخاوف العلماء حول ما قد يسببه اللقاح من آثار جانبية على صحة المرضى، قد تفوق بمراحل التأثيرات التي من الممكن أن يُسببها الفيروس، والتي قد تصل في بعض الأحيان للوفاة.

اللقاحات ومراحل تطويرها

اللقاح هو مستحضر بيولوجي يقوي مناعة جسم الإنسان لحمايته من الإصابة بالأمراض التي تُسببها الميكروبات (الفيروسات أو البكتيريا)؛ حيث يتكون اللقاح من الميكروب المُسبب للمرض ولكن في أشكال مختلفة يتم تحضيرها معمليًّا، فمن الممكن أن يحتوي اللقاح على الميكروب ميتًا، أو ضعيفًا، أو على أجزاء معينة منه فقط. ويعمل اللقاح على تحفيز جهاز المناعة في الجسم لإنتاج أجسام مضادة ضد هذا الميكروب الميت أو الضعيف. وتظل تلك الأجسام المضادة في الجسم لفترات طويلة لمنع الإصابة بهذا الميكروب مرة أخرى في المستقبل.

وتُعتبر عملية تطوير وإنتاج اللقاحات دقيقه ومعقدة للغاية، فيجب أن يمر اللقاح بعدد من المراحل قبل أن يتم اعتماده رسميًّا وبدء إنتاجه؛ فبعد أن يتم التأكد من فعالية اللقاح مختبريًّا يتم تجربته على حيوانات التجارب، ويطلق على هذه المراحل الاختبارات ما قبل السريرية للقاح. ومن ثم، يتم اختبار اللقاح سريريًّا على البشر، وهي الخطوة التي تستغرق سنوات عدة قبل إتمامها بالكامل، فأسرع مدة تم خلالها إنتاج لقاح بلغت أربع سنوات، فيما تستغرق عمليه إنتاج معظم اللقاحات عادة من عشرة إلى خمسة عشر عامًا.

تقسم اللقاحات إلى عدة أنواع، منها:

1- اللقاحات الحية المضعّفة: يُحضر هذا النوع من اللقاحات باستخدام بكتيريا أو فيروسات كاملة تم إضعافها لتخلق استجابةً مناعيةً وقائيةً تستمر لمدة طويلة.

2- اللقاحات غير الحية: تحتوي هذه اللقاحات على عينات ميتة من الميكروب المُسبب للمرض؛ لذا فهي لا توفر مناعة قوية كاللقاحات الحية المضعّفة، بل وتحتاج أيضًا إلى عدة جرعات تنشيطية من اللقاح مع مرور الوقت للحصول على مناعة مستمرة ضد الأمراض.

3- اللقاحات القائمة على الأحماض النووية: يتم تصنيع هذه اللقاحات باستخدام جزء صغير من الحمض النووي للفيروس أو البكتيريا (RNA أو (DNA، ويتم حقنها بالجسم حتى يتمكن الجهاز المناعي من التعرف عليها وتوليد استجابة مناعية ضدها.

4- اللقاحات القائمة على النواقل الفيروسية: الناقل الفيروسي هو فيروس نُزع منه جين التكاثر؛ أي لا يُمثل خطرًا على الجسم من ناحية العدوى، ويتم استخدامه كناقل في إيصال أجزاء معينة من الميكروب (مثل: البروتينات الموجودة على سطح الفيروس أو الحمض النووي الموجود داخل الفيروس أو البكتيريا) إلى الخلية في جسم الإنسان؛ حتى تُكوّن الخلايا استجابة مناعية تستهدف هذه الأجزاء الرئيسية من الميكروب.

التاريخ الروسي في إنتاج اللقاحات

تمتلك روسيا تاريخًا ثريًّا من الإنجازات في مجال تطوير وتصنيع الأمصال واللقاحات، فالاتحاد السوفيتي كان شريكًا رئيسيًا في الجهود الدولية لإنتاج أول لقاح فموي (يُعطَى عن طريق الفم) ضد مرض شلل الأطفال خلال فترة الخمسينيات. كذلك استطاع العلماء الروس خلال الفترة نفسها ابتكار تقنية جديدة في صناعة المستحضرات الدوائية -يتم استعمالها حتى يومنا هذا- تسمى تقنية التجفيد (Freeze-drying Technique)، وهي تقنية يتم استخدامها خلال عملية التصنيع لتحويل المستحضر من سائل إلى حبيبات جافة (بودرة)؛ من أجل ضمان ثبات المادة الفعالة داخل اللقاح في درجات الحرارة العالية خلال نقلها إلى الدول الأخرى. كما تبرع الاتحاد السوفيتي، خلال فترات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بكميات ضخمة من لقاح الجدري لمنظمة الصحة العالمية في حملتها للقضاء على مرض الجدري.

لكن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأ الاقتصاد الروسي في الانهيار، وتبع ذلك هجرة أغلب العلماء الروس إلى دول أخرى في أوروبا والولايات المتحدة، وتخلّت روسيا عن صدارتها في مجال الفيروسات وإنتاج اللقاحات. وحاولت روسيا إصلاح ذلك عبر زيادة استثماراتها في مجالات الأبحاث الدوائية، وتبنت استراتيجية “فارما 2020” التي هدفت بشكل رئيسي لتوطين صناعات الأدوية واللقاحات في روسيا، ولكن لا تزال منتجاتها الدوائية غير قادرة على استيفاء المعايير والمتطلبات العالمية. كما أن أغلب اللقاحات التي تم الإعلان عن اكتشافها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لم يتم إنتاجها بالفعل. على سبيل المثال، لقاح فيروس الإيدز الذي تم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من الاختبارات السريرية له في عام 2014، لكن لم يتم البدء في إنتاجه أو إتاحة أي معلومات عنه حتى يومنا هذا. وكذلك هو الحال مع لقاحين لفيروس الإيبولا، اللذين أعلن عنهما الرئيس الروسي لأول مرة في عام 2016، ثم مرة أخرى في عام 2018، ولكنهما ما زالا قيد التطوير.

الجهود الروسية في إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا

تأثرت روسيا بشدة من وباء كورونا المستجد، فهي تحتل المركز الرابع عالميًّا من حيث عدد الإصابات الذي يقترب من مليون حالة إصابة بالفيروس حتى وقت كتابة هذا المقال. فيما بلغ إجمالي عدد الوفيات حوالي 17 ألف حالة. وبالرغم من إعلان الحكومة الروسية عن وجود سبعة وأربعين لقاحًا مختلفًا يتم تطويرها حاليًّا من قبل مراكز الأبحاث وشركات المستحضرات الدوائية في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، ألا أن لقاحين فقط هما الأقرب لإتمام كافة مراحل التطوير. اللقاح الأول الذي تم الإعلان عن تسجيله رسميًّا من قبل وزارة الصحة الروسية ضد فيروس كورونا المستجد، هو لقاح “سبوتنيك 5” الذي يتم تطويره داخل مركز أبحاث غماليا الروسي. أما اللقاح الآخر فيتم تطويره حاليًّا من قبل مركز فيكتور للأبحاث العلمية. ويتصدر الآن “سبوتنيك 5” سباق تطوير اللقاحات في روسيا، بعد أن كان مركز فيكتور البحثي في الصدارة لعدة أشهر؛ نظرًا لاحتكاره التسلسل الجيني لفيروس كورونا المستجد. الصراع الذي واجهته وزارة الصحة الروسية بحجب بيانات المرضى عن مركز فيكتور اضطر المركز في نهاية الأمر إلى إتاحة التسلسل الجيني لكافة مراكز الأبحاث الأخرى.

ووفقًا للموقع الإلكتروني الذي دشنته الحكومة الروسية من أجل الترويج للقاح “سبوتنيك 5″، فإن اللقاح يعتمد على تقنية النواقل الفيروسية؛ حيث يتم استخدام ناقلين فيروسين تم تحضيرهما من نوعين مختلفين من الفيروسات الغدية (adenoviruses)، والتي تسبب الزكام العادي للإنسان، لإيصال الجين الخاص بفيروس كورونا إلى داخل الخلية حتى تكون أجسامًا مضادة ضد الفيروس، ويتم التلقيح على جرعتين يفصل بينهما ٢١ يومًا لتأمين مناعة طويلة الأمد ضد الفيروس.

ويوضح الموقع الإلكتروني أيضًا أن ما سرّع عملية تطوير اللقاح هو أن التقنية المستعملة في تصنيع هذا اللقاح هي نفسها التي تم استخدامها خلال تطوير لقاحات فيروسي الإيبولا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. ولكن بالرغم من ذلك أثار الإعلان عن الإنتاج المبكر للقاح تساؤلات العديد من العلماء حول العالم. التساؤل الأول كان السبب وراءه هو التعتيم الكامل لتفاصيل نتائج التجارب التي أجراها مركز غماليا الروسي خلال المرحلتين الأولى والثانية من الاختبارات السريرية، والتي أجريت على ٧٦ متطوعًا، ولم يتم توفير تلك النتائج حتى لمنظمة الصحة العالمية، والتي لا تزال تُدرج اللقاح في المرحلة الأولى من التجارب الإكلينيكية. أما التساؤل الثاني فتمحور حول التسرع الروسي في تسجيل وإنتاج اللقاح رسميًّا قبل البدء في المرحلة الثالثة والنهائية من الاختبارات السريرية، واللازم إجراؤها لإثبات ما إذا كان اللقاح التجريبي آمنًا ويعمل حقًا، وتُجرَى عادة على عدد كبير من الأفراد يقدر بالآلاف. فوفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، يوجد بالفعل ستة لقاحات في هذه المرحلة الثالثة، ولم تعلن أي من الشركات المطورة لها عن أي خطط لتسجيل أو إنتاج تلك اللقاحات. وأخيرًا، التساؤل حول الحملة الإعلامية الضخمة التي تقوم بها الحكومة الروسية للترويج لهذا اللقاح بسبع لغات، وصدور بعض التصريحات الجدلية التي تُفيد بأن ابنة الرئيس الروسي كانت من أوائل من تم اختبار هذا اللقاح عليهم.

لقد أثّرت هذه التساؤلات بالطبع على انطباعات المواطنين في روسيا حول اللقاح، فوفقًا لأحد استطلاعات الرأي التي أُجريت في منتصف شهر يونيو 2020 من قبل المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، فإن أقل من ١٦٪ من المواطنين الروس يخططون لأخذ لقاح ضد فيروس كورونا فور إتاحة اللقاح؛ فيما سينتظر ٧٪ من المواطنين مرور بضعة أشهر قبل أخذ اللقاح؛ وحوالي ١١٪ سيقررون أخذ اللقاح من عدمه بحلول العام المقبل؛ و٤٪ سينتظرون توفر لقاحات أجنبية ضد الفيروس؛ أما الغالبية العظمى التي تُقدر بـ٣٨٪ من المواطنين الروس فاختاروا عدم أخذ لقاح ضد فيروس كورونا المستجد على الإطلاق.

مصادر:

https://www.thinkglobalhealth.org/article/vaccine-dreams-and-russian-reality

https://www.elisagenie.com/covid19-vaccine-candidates

https://sputnikvaccine.com/ara/about-vaccine/human-adenoviral-vaccines/

https://www.who.int/publications/m/item/draft-landscape-of-covid-19-candidate-vaccines

مقالات وتحليلات

التباعد الاجتماعي: الأداة الأهمّ للسيطرة على وباء كورونا

مُنذ تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم، بدأت الحكومات في وضع إجراءات وخطط وقائية لوقف انتشار الفيروس. من أهم هذه الإجراءات حَث الناس على ضرورة الالتزام بسياسات التباعد الاجتماعي؛ أي منع الاختلاط مع الآخرين والالتزام بالمنازل، من أجل مكافحة انتشار الوباء. وفي حين استطاعت العديد من بلدان العالم أن تطبق هذه السياسات بشكل فعال، عانت الدول العربية، التي اعتاد مواطنوها على التقارب الاجتماعي بشكل كبير، في تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل ناجع. وربما يَرجع السبب في ذلك إلى نقص التوعية اللازمة للمواطنين عن مفهوم التباعد الاجتماعي، وكيفية تطبيقه بشكل فعال؛ باعتباره من الوسائل المهمة للحماية من الإصابة بالفيروس، في ظل تكهنات العلماء حول احتمال الاضطرار للتعايش لفترة طويلة مع الفيروس، قد تصل إلى أكثر من عامين.

مفهوم التباعد الاجتماعي

يُقصد بالتباعد الاجتماعي الحفاظ على مسافة أو مساحة بين الأشخاص للمساعدة في منع انتشار الفيروس فيما بينهم. ويؤكد الخبراء أنه يمكن إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد وتقليل خطر الإصابة به من خلال ابتعاد الأفراد عن بعضهم مسافة لا تقل عن 6 أقدام (1.80 متر). فكما هو موضح بالصورة التالية، عندما يسعل الشخص الذي يحمل الفيروس أو يعطس، من الممكن أن ينتقل رذاذ القطيرات الصغيرة الناتجة منه لمسافة تصل إلى 6 أقدام، لتستقر بعدها هذه القطيرات على أفواه الأشخاص القريبين أو أنوفهم وإصابتهم بالعدوى؛ لذا يعد الحفاظ على التباعد الجسدي أمرًا مهمًّا، حتى ولو لم يكن الفرد مريضًا، مع البقاء في المنزل قدر الإمكان.

وتَهدف سياسات التباعد الاجتماعي بشكل رئيسي إلى إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد بين الأفراد، وهو ما يطلق عليه العلماء مُصطلح “تسطيح منحنى الفيروس”. ويتم استخدام هذا المنحنى في توضيح العلاقة بين عدد المصابين والفترة الزمنية منذ بدء انتشار الفيروس، مع تحديد الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس الذين يمكن أن تقدم لهم المستشفيات الرعاية الطبية اللازمة. لذا، إذا حدث تباطؤ في انتشار الفيروس أو تم تسطيح منحنى الانتشار، فستكون المستشفيات أكثر قدرة على استيعاب المرضى وتقديم العناية الطبية لهم. على عكس ما سيحدث إذا كان معدل الانتشار سريعًا؛ حيث ستزداد أعداد المصابين بمعدل سريع يفوق الإمكانيات الطبية والبشرية المتوفرة لدى المستشفيات، وهو ما يتسبب في خروج إدارة أزمة الفيروس عن السيطرة كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

هل سيكون هناك منحنى واحد من انتشار الفيروس؟

أجرى الباحثون حول العالم العديد من الدراسات لتوقع موعد انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد، كما قاموا بإنشاء العديد من نماذج المحاكاة لوضع تصور مستقبلي لمسار نشاط الفيروس أثناء تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك في حال رفعها. وأوضحت نتائج هذه النماذج أنه من المحتمل أن يتبع انتشار الفيروس شكلًا متكررًا من المنحنيات -أو ما يعرف بموجات الانتشار- التي تصعد وتنخفض وفقًا لوضع سياسات التباعد الاجتماعي حتى عام 2022، إذا لم يتم إيجاد لقاح ضد فيروس كورونا المستجد.

وأبرزت نتائج إحدى الدراسات التي أجراها مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية، أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتمله لانتشار الفيروس كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

1- السيناريو الأول يتوقع حدوث موجة كبيرة من انتشار الفيروس، وهي الموجة التي نعيشها الآن، وسيتبع ذلك موجات صغيرة من الانتشار، يمكن تشبيهُها “بقمم الجبال والوديان”، لكن على مدار العام أو العامين المُقبلين ستتقلص هذه الموجات تدريجيًّا.

2- السيناريو الثاني يفترض أن الموجة الحالية ستتبعها موجة أكبر مع بداية فصل الخريف أو ما يمكن تسميته بـ”ذروة الخريف”، مع موجات أصغر من الانتشار بعد ذلك، على غرار ما حدث خلال جائحة الإنفلونزا خلال عامي 1918-1919.

3- السيناريو الثالث يقترح أن تكون ذروة انتشار الفيروس في فصل الربيع، وسيتبع ذلك موجات انتشار متكررة ولكنها محدودة من الفيروس، أي “الانتشار البطيء للفيروس”.

كما أكد العلماء في نهاية الدراسة أن استمرار الدول في تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي مع غياب اللقاح، سيؤدي إلى استمرار نشاط الفيروس لمدة عام ونصف على أقل تقدير، مع احتمال ظهور بؤر جديدة من تفشي الفيروس في مختلف دول العالم.

أما الدراسة الثانية، التي قام بها علماء بجامعة هارفارد، فتم فيها دراسة تأثير تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي مع تأثيرات أخرى كتغيير المواسم على مدار العام، ومضاعفة قدرات العناية الحرجة في المستشفيات. وتشابهت استنتاجات هذه الدراسة مع نتائج الدراسة السابقة، حيث صورت أيضًا مستقبلًا متموجًا لانتشار الفيروس على هيئة منحنيات متكررة على غرار نموذج القمم والوديان، ولكن في ثلاثة مسارات مختلفة.

أوضح المسار الأول في تلك الدراسة تأثير الاستراتيجية التي تتبعها أغلب الدول في التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي فقط؛ بهدف حماية أنظمتها الصحية من الانهيار. وعكست النتائج معدل الإصابات المتوقع بفيروس كورونا المستجد خلال الفترة من يناير 2020 وحتى يوليو 2022، مع تحديد الحد الأقصى من أعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي سيتم عند الوصول إليه تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك الحد الأدنى من المصابين لكل 10 آلاف نسمة والذي سيتم عنده رفع سياسات التباعد الاجتماعي. وكما هو موضح بالرسم البياني التالي، سيظل مسار الفيروس مستمرًّا ولكن في شكل موجات مع تطبيق ورفع سياسات التباعد الاجتماعي وذلك حتى يوليو 2022. فيما يمثل الرسم البياني الأخضر الزيادة المقابلة في مناعة المواطنين في ظل تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وحدها، والذي يوضح أن مستوى المناعة الذي يجب الوصول إليه للسيطرة على انتشار الفيروس دون اتخاذ تدابير أخرى “تحقيق مناعة المجتمع” هو تمنيع 55% من إجمالي المواطنين. ويقصد بمناعة المجتمع أو “مناعة القطيع” أحد أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، وتتحقق عندما تكتسب نسبة كبيرة من المجتمع مناعة لعدوى معينة، إما عن طريق الإصابة بالعدوى مسبقًا أو من خلال التلقيح، وهو ما يوفر حماية للأفراد الذين ليست لديهم مناعة للمرض.

فيما يعرض المسار الثاني تأثير التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي، مع التغيير الذي سيحدث في المواسم على مدار العام، على انتشار الفيروس. ومن المتوقع أن تسمح التغيرات الموسمية بترك فترات أكبر بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي؛ أي رفع الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي يتم عنده تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، حيث إنه من المحتمل أن انتشار الفيروس سيكون أكثر بطئًا في أشهر الصيف. ولكن هذا العام، من المرجح أن تكون التأثيرات الموسمية ضئيلة، حيث إن نسبة كبيرة من السكان ستظل عرضة للفيروس حتى في موسم الصيف؛ لذا لا يمكن الاعتماد على تأثير التغييرات الموسمية وحده لدرء حدوث تفشٍّ آخر من الفيروس خلال أشهر الصيف القادمة.

أما المسار الأخير فيوضح التأثير المهم لمضاعفة السعة السريرية لأقسام العناية الحرجة بالمستشفيات مع تغيير المواسم في ظل التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي؛ فمن المتوقع أن تُسهم مضاعفة قدرات العناية الحرجة في السماح بفترات أطول بكثير بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي عما كان سيحدث بفعل تغير المواسم، وهو ما سيسمح بتمنيع نسبة أكبر من المواطنين كما هو موضح بالرسوم البيانية التالية.

ما يمكن استنتاجه بشكل عام من نتائج تلك الدراسات، أن سياسات التباعد الاجتماعي تظل شديدة الأهمية في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد وحماية النظم الصحية من الانهيار؛ لذا يجب توعية المواطنين بشكل مكثف حول كيفية تطبيقها في المجتمع بشكل ناجع. لكن لا يمكن للحكومات أن تعتمد فقط على جهود التباعد الاجتماعي وحدها للسيطرة على الوباء على المدى الطويل، والذي يُتوقع أن يمتد لعامين على الأقل، حيث إنه بمجرد رفع تدابير التباعد الاجتماعي من المُحتمل أن ينتشر الفيروس مرة أخرى بنفس السهولة التي انتشر بها في البداية، كل ذلك بالطبع في ظل غياب اللقاح.

رصد اعلامي

حلول تكنولوجية في مواجهة فيروس كورونا المستجد

على الرغم من كل الجهود العالمية المبذولة لاحتواء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ إلا أنه لا يزال يمثل تهديدًا كبيرًا للعالم إلى حين التوصل إلى لقاح أو دواء. وكان استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة (Big data) من أهم الجهود التي بذلتها مختلف الحكومات في إطار مواجهة الفيروس، وذلك بهدف اكتشاف المصابين وتعقب مخالطيهم، وأيضًا في مجال تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي من خلال تسهيل العمل من المنزل للأفراد، بجانب تعليم الطلاب عن بعد عبر المنصات الافتراضية التي دشنتها المؤسسات التعليمية منذ بدء الأزمة.

تطبيقات للعمل وللتعلم عن بعد

من الحلول التكنولوجية الأولى التي لجأت إليها الحكومات لمواجهة فيروس كورونا المستجد بعد إعلانه جائحة في مارس الماضي، هو استغلال تطبيقات تكنولوجيا المعلومات لتنفيذ إجراءات التباعد الاجتماعي، وذلك عبر تباعد الأشخاص بمسافات كافية لا تقل عن 6 أقدام؛ لتفادي التقاط العدوى من بعضهم. كما تم اتخاذ العديد من الإجراءات التنظيمية في أماكن العمل لتقليل عدد أيام التواجد بالعمل، بجانب العمل من المنزل. ومن أكثر التطبيقات التي تم الاعتماد عليها في تسيير الأعمال عن بعد خلال الفترة الماضية كانت التطبيقات التي تسمح بإجراء محادثات عبر الفيديو، مثل تطبيق zoom الذي يتيح تنظيم الاجتماعات واللقاءات بجودة عالية عن بعد مع عدد كبير من الأفراد -بحد أقصى 100 فرد- مع إمكانية مشاركة أي ملفات مع الحاضرين في اللقاء، وكذلك تطبيق Trello الذي يعد من التطبيقات المهمة بالنسبة لفرق العمل الكبيرة، حيث يُساعد هذا التطبيق في إدارة المهام عن بُعد بسهولة، عبر استخدام البطاقات واللوحات البسيطة؛ لعرض مهمة كل فرد في الفريق وتحديد التقدم الذي تم إحرازه في المشروع. 

أما بالنسبة للتعليم، فقد سعت مختلف الحكومات منذ بدء الأزمة إلى توفير منصات تعليمية للطلبة في المدارس والجامعات، لعرض المواد العلمية وللتواصل بشكل مباشر مع الطلاب أثناء وجودهم في المنازل. كما مَكّن الذكاء الاصطناعي من خلال تقنياته المختلفة من توفير منصات أكثر تفاعلية للتعلم عن بعد، عبر استخدام المعامل والتقنيات الافتراضية لتدريس التدريبات العملية إضافة إلى تقنيات الامتحانات الإلكترونية وبرمجياتها وبنوك الأسئلة والمتابعة المستمرة مع الطلاب ونتائج تقييمهم. وفي هذا الإطار، سارعت وزارة التربية والتعليم في مصر بالاعتماد على منصات التعليم عن بعد التي يوفرها بنك المعرفة المصري Egyptian Knowledge Bank كآلية سريعة وفعالة لتجاوز أزمة إغلاق المدارس.

تطبيقات سياسة “اختبر، تعقب، عالج”

من أنجح السياسات التي اتبعتها الحكومات في مجال احتواء انتشار الفيروس سياسة “اختبر، تعقب، عالج”، وهي سياسة تُطبق من خلال إجراء أكبر عدد ممكن من اختبارات الكشف عن الفيروس للأفراد، وتحديد المصابين وعزلهم للعلاج، وذلك بالتوازي مع تعقب المخالطين للحالات المصابة لرصد أي حالات إصابة جديدة بينهم. ولتطبيق هذه السياسة استعانت العديد من البلدان بتطبيقات الهواتف المحمولة أو الساعات الإلكترونية الذكية، والتي تستخدم تقنية البلوتوث لإخبار مستخدميها عما إذا كانوا بالقرب من شخص ثبتت بالفعل إصابته بالمرض، وتنبيههم إلى ضرورة إجراء اختبار للفيروس، وهو الأمر الذي ساعد الأشخاص على حماية أنفسهم، وكذلك في الحد من ظهور سلاسل جديدة من العدوى.

ومن أمثلة هذه التطبيقات أسورة “تطمن” الذكية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية لمتابعة الحالات المصابة بالفيروس في المنازل، وكذلك لتوجيه المواطنين القادمين من السفر إلى العزل المنزلي بدلًا من دور الضيافة الصحية مع متابعة حالتهم الصحية بشكل دوري، وفتح قنوات للتواصل المباشر مع وزارة الصحة السعودية عبر التطبيق. ويستخدم “السوار” لمدة 30 يومًا دون حاجة لإعادة الشحن، ويتصل بالهاتف المحمول عبر خاصية البلوتوث. ولضمان التزام الأفراد باستخدام هذا “السوار” فرضت السلطات السعودية غرامة مالية تصل إلى 200 ألف ريال أو السجن لمدة تصل إلى عامين، أو العقوبتين معًا، في حال انقطاع اتصال “السوار” بالهاتف المحمول عمدًا من خلال إيقاف تشغيل خاصية البلوتوث أو العبث بالسوار أو قطعه.

نماذج لمحاكاة انتشار الفيروس والتنبؤ بمستقبله

لدراسة مستقبل فيروس كورونا المستجد، يستخدم العلماء تقنيات الذكاء الاصطناعي في بناء النماذج والمعادلات الرياضية لوضع تصور مُستقبلي لمحاكاة السلوك المتوقع لانتشار الفيروس خلال فترة معينة. ويتم ذلك عبر تتبع التطور في أعداد المصابين بالفيروس في ضوء عدد من المتغيرات الأخرى، مثل: التغير في درجات الحرارة، والاختلاف في الرطوبة النسبية، والكثافة السكانية، ونمط الحياة، والمناعة الجسدية المختلفة للأفراد (الفئات العمرية، وأنواع التغذية)، ودقة القياسات والفحوصات الطبية، بجانب العديد من المتغيرات الأخرى. وتساعد تلك النماذج الحكومات في وضع المزيد من الخطط الاحترازية للاستعداد الجيد في حالة توقع أي موجات جديدة من انتشار الفيروس.

ويتم استخدام نماذج المحاكاة في توقع أعداد المرضى المصابين بالفيروس، خاصة هؤلاء الذين سيعانون من مضاعفات رئوية خطيرة؛ بما يساعد السلطات الصحية على تخطيط الاحتياجات المستقبلية، خاصة في أقسام الرعاية الحرجة بالمستشفيات.

التشخيص عن بعد

ساعدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي أيضًا في إيجاد حلول أكثر كفاءة وفاعلية لتسهيل وتسريع بعض الإجراءات، كالترصد وفحص الحرارة عن بُعد، من خلال الاستعانة بالكاميرات الحرارية الذكية التي تستطيع قياس درجة حرارة عدد كبير من الأفراد –حتى 200 فرد في الدقيقة الواحدة- والموجودين في المناطق العامة، عبر تقنية الأشعة تحت الحمراء وتقنية الذكاء الاصطناعي؛ بحيث يتم رصد أي فرد يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، أو تظهر عليه أعراض الفيروس في المطارات أو المحطات الكبرى أو الساحات العامة، وهو ما يطلق عليه التشخيص الرقمي digital diagnosis. وفي حالة الاشتباه في إصابة أي شخص يتم منعه من ركوب القطار أو الحافلة لحين إتمام الكشف الطبي عليه. 

الذكاء الاصطناعي لتقديم الخدمات الطبية وإنتاج المعدات الطبية

في محاولة لتخفيف انتشار فيروس كورونا المستجد بين الأطقم الطبية داخل المستشفيات ومراكز رعاية المرضى، بذلت العديد من الشركات التكنولوجية جهودًا كبيرة لأتمتة بعض الإجراءات الطبية Automation of medical procedures التي كانت تتطلب من العاملين الصحيين والأطقم الطبية التفاعل مع المرضى بشكل مباشر، وبالتالي تعريضهم لخطر الإصابة بالفيروس. وتم بالفعل إنتاج روبوتات لمساعدة الأطقم الطبية في رعاية المصابين بالفيروس بالعديد من البلدان، ومنها تونس، التي يوجد بمستشفياتها اليوم روبوتات طبية متحركة قادرة على قياس نبضات القلب وفحص الحرارة ومستوى الأكسجين في الدم للمرضى. وتسمح هذه الروبوتات كذلك للأطباء والأقارب بالاطمئنان على المرضى دون الاقتراب منهم؛ حيث تُمكن الشاشة المثبّتة أعلى الروبوت من التواصل عبر الفيديو مع المرضى الذين باستطاعتهم تمييز ملامح من يتحدث معهم، وهو ما لا يكون ممكنًا عند التواصل المباشر مع الأطقم الطبية بسبب وضع أدوات الحماية، بجانب إنشاء موقع إلكتروني تستعمله العائلات لحجز موعد لإجراء زيارات افتراضية عبر الفيديو مع أقربائهم المصابين بالفيروس داخل المستشفى.

كما تسعى العديد من الشركات التكنولوجية أيضًا إلى تطوير المزيد من الروبوتات الطبية للاستعانة بها في الأعمال الشاقة والخطيرة التي يجب على العاملين الصحيين الابتعاد عنها وتجنبها. من ذلك على سبيل المثال: تطهير أجنحة العزل ووحدات العناية المركزة وغرف العمليات وكافة الأماكن التي تستقبل مصابي الفيروس، وأيضًا في توصيل العلاجات والجرعات الطبية المقررة إلى المرضى، دون حدوث احتكاك مباشر بينهم وبين الأطقم الطبية لتفادي انتقال العدوى. 

كما ساعدت الطباعة ثلاثية الأبعاد جزئيًّا في حل مشكلة نقص بعض المعدات الطبية، مثل: نقص أجهزة التنفس الاصطناعي والأقنعة الحامية للوجه والنظارات الواقية، والتي عانت منها بعض المستشفيات في دول معيّنة أثناء الأزمة. ليس هذا فحسب، ففي الصين تمت الاستعانة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في بناء غرف عزل لحماية الأطقم الطبية خلال فترات الراحة في المستشفيات التي تعالج المصابين بالفيروس. وتبلغ مساحة الغرفة 10 أمتار مربعة وارتفاعها 2.8 مترًا وتتسع لسريرين. وقد أوضحت الشركة الصينية المصنعة لهذه الغرف أنها استخدمت خليطًا من الخرسانة والمواد المعاد تدويرها لطباعة هذه الغرف، وأن طباعة الغرفة الواحدة تستغرق حوالي ساعتين فقط، بتكلفة إجمالية قدرها 4000 دولار للغرفة.

مقالات وتحليلات

آن الأوان لإقرار قانون التجارب السريرية المصري

حتى هذه اللحظة، لا يوجد تشريع يُقنّن التجارب الطبية السريرية، أو ما يُعرف بالتجارب الإكلينيكية، في مصر. لكن مع اجتياح جائحة فيروس كورونا المستجد للعالم، وبدء الدول في إجراء التجارب السريرية للعلاجات المقترحة للفيروس؛ بدأت مصر هي الأخرى في إجراء تلك التجارب، وذلك بالاعتماد فقط على موافقة لجنة الأخلاقيات بوزارة البحث العلمي، وفي ظل غياب قانون التجارب السريرية الذي من شأنه حماية حقوق المتطوعين المشاركين في هذه التجارب، وذلك بسبب التأخّر في إدخال التعديلات اللازمة على هذا القانون، الذي كان قد أقرّه مجلس النواب في مايو 2018 ولم يُعتمد حتى الآن.

ما هي التجارب السريرية؟

يُمكن تعريف التجارب السريرية بأنها الدراسات الطبية التي تتم على متطوعين من البشر لتقييم سلامة وكفاءة أي تدخلات علاجية أو دوائية أو جراحية أو تشخيصية؛ بهدف التوصل إلى نتائج علمية وقائية أو تشخيصية أو علاجية للأمراض. وتُعد التجارب السريرية هي المرحلة الثالثة لتقييم أي تدخلات طبية بعد تجربتها معمليًا ثم على حيوانات التجارب. وتشترط هيئة الغذاء والدواء الأمريكية وجود ثلاث مراحل في التجارب السريرية قبل الموافقة على استخدام التدخل العلاجي، ومنحه الترخيص اللازم.

تُقيّم المرحلة الأولى من التجارب السريرية درجة أمان التدخل العلاجي، ويتم إجراء الاختبارات على مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة؛ لمعرفة تأثيرات الدواء على البشر، بما في ذلك التأثيرات العلاجية، والجرعات الآمنة من الدواء. ونظرًا لأن تجارب المرحلة الأولى تُجرَى على أشخاص أصحاء، فلا يحصل المشاركون في الدراسة على فوائد طبية مباشرة، ولكن فائدتها على صحة الآخرين تكون كبيرة. ويحصل المشاركون في المرحلة الأولى من التجارب السريرية على تعويض مالي لقاء مشاركتهم فيها، ويعتمد مقدار التعويض على الوقت المطلوب تخصيصه للمشاركة في التجربة، وطبيعة التدخل العلاجي الذي يتم اختباره.

إذا أظهرت نتائج المرحلة الأولى سلامة التدخل العلاجي يتم البدء في تجارب المرحلة الثانية، والتي تتم على مجموعة أكبر من الأشخاص المصابين بالمرض المُستهدف بالتدخل العلاجي. وتساعد تجارب هذه المرحلة على تحديد ما إذا كان استخدام الدواء آمنًا على المرضى. كما أنها تقدم فكرة أولية عن مدى فعالية التدخل العلاجي. 

في حال أظهرت نتائج اختبارات المرحلة الثانية أن التدخل العلاجي آمن وفعال، تبدأ اختبارات المرحلة الثالثة من التجارب السريرية. وخلال هذه المرحلة تُطبق التدخلات العلاجية على مجموعة أكبر من المرضى المصابين بالحالة المراد علاجها. وعادةً ما تجري مقارنة نتائج التدخل العلاجي في المرحلة الثالثة مع العلاج التقليدي، أو مع دواء وهمي أو ما يُعرف بـ”بلاسيبو”، أو كليهما.

تُشكّل التجارب الطبية السريرية التي تتم داخل الجامعات والمراكز والمعاهد البحثية -كجزء من رسائل الماجستير والدكتوراه- حوالي 97% من إجمالي التجارب السريرية التي تتم في مصر. وبسبب غياب التشريعات اللازمة لتقنين هذه التجارب، يُسمح للهيئات البحثية بإجراء التجارب بعد الحصول على موافقه لجان الأخلاقيات العلمية التابعة لها. أما بالنسبة لشركات الأدوية في مصر، فلا يوجد إطار واضح يُمكن تلك الشركات من إجراء الدراسات السريرية على المركبات الدوائية المُكتشفة حديثًا لبدء طرحها في السوق المصري، مع غياب الاستراتيجيات اللازمة للربط بين شركات الأدوية والجهات البحثية للاستفادة من التجارب السريرية.

استدعت تلك الفجوة بين البحث العلمي وصناعة الدواء؛ أن تسعى الدولة بشكل جاد لإقرار تشريع ينظّم التجارب السريرية، وخصوصًا لدورها المهم في تطوير الصناعات الدوائية الوطنية، وإمكانية البدء في تصنيع أدوية الأورام والأمصال واللقاحات بشكل محلي، وتقليل الاستيراد من الخارج. وبالفعل أعدت الحكومة مشروعًا لتقنين التجارب السريرية، واشترطت في مشروع القانون الجديد أن يتم الحصول على موافقة كتابية من المتطوعين المشاركين في التجربة قبل البدء فيها، كما أوضح المشروع كافة الحقوق والمسئوليات لكلٍّ من المتطوع والباحث لضمان الالتزام الكامل بالمعايير الأخلاقية خلال التجارب السريرية، وقدمت الحكومة هذا المشروع للبرلمان.

قانون التجارب السريرية في مصر

أقرّ مجلس النواب مشروع القانون المقدم من الحكومة في مايو 2018، ولكن الرئيس “عبدالفتاح السيسي” أعاد مشروع القانون إلى البرلمان مرة أخرى، بعد حالة الجدل الكبيرة التي أثارها التشريع، وإعلان أوساط علمية وطبية رفضها لمشروع القانون المقترح؛ وذلك لما انطوى عليه مشروع القانون من عرقلة للبحث العلمي. فتم انتقاد العديد من المواد بمشروع القانون، لا سيما المواد الخاصة بصلاحيات المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية (المسئول عن وضع السياسات العامة لإجراء البحوث الطبية ومتابعة تنفيذها)، وكذلك المواد الخاصة بالمسئوليات والعقوبات.

وفيما يلي أهم مواد القانون التي حظيت بالنقد:

1- المواد: 4، 5، 9، 11، 20، 22، التي اشترطت موافقة المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية، والهيئات القومية الرقابية، وجهاز المخابرات العامة، على بروتوكول البحث، وكذلك التفتيش عليه قبل إجرائه، وبعد استيفاء موافقة اللجنة المؤسسية في الجهة البحثية التي يجري فيها البحث. وقد رأى البعض أن هذا الشرط سيعطل إجراء التجارب السريرية في ظل الأعداد الكبيرة للبحوث سنويًّا، سواء الخاصة برسائل الماجستير أو الدكتوراه أو الأبحاث الحرة (حوالي 16000 بحث في العام الواحد).

2- المادة 8، والخاصة بأعضاء المجلس الأعلى للبحوث الطبية الإكلينيكية، حيث يتضمن تشكيل المجلس طبقًا للقانون أربعة ممثلين فقط يختارهم وزير التعليم العالي والبحث العلمي، من أصل 15 عضوًا في المجلس، على أن يتولى الأمانة العامة للمجلس رئيس الإدارة المركزية للبحوث الطبية بوزارة الصحة؛ مع العلم بأن عدد الأبحاث السريرية التي تُجريها وزارة الصحة لا تمثل إلا جزءًا ضئيلًا من إجمالي البحوث السريرية التي تُجرى سنويًا.

3- المادة 25، التي تنصّ على أن إرسال عينات بشرية إلى خارج جمهورية مصر العربية، سوف تترتب عليه عقوبات شديدة (السجن أو الغرامة) إلا في حالات الضرورة التي يصدر بها قرار بالموافقة من المجلس الأعلى بعد استطلاع رأي جهاز المخابرات العامة؛ الأمر الذي قد يصعب إجراء أي أبحاث مشتركة بين الجامعات والمراكز البحثية المصرية مع نظيراتها بالخارج، فضلًا عن أن إرسال العينات للخارج يُتيح فحصها باستخدام تقنيات وأجهزة متطورة غير متوفرة داخل مصر.

4- المواد من 28 وحتى 38، وهي المواد العقابية بمشروع القانون، التي لم تضع في اعتبارها ماهية الأبحاث العلمية، واعتبرت المخالفات متساوية في جميع أنواع التجارب السريرية بغض النظر عن طبيعة وتصميم البروتوكول البحثي؛ وهو ما يمكن أن يتسبب في ترهيب الباحثين وعزوفهم عن إجراء التجارب السريرية.

في ديسمبر 2018، تم تشكيل لجنة خاصة في البرلمان لتلقي كافة المقترحات بخصوص هذا القانون، وإعادة صياغة المواد محل الاعتراض؛ للوصول إلى أقصى درجة ممكنة من التوافق حول المواد الخلافية بين الجهات ذات الصلة بنطاق تطبيق مشروع القانون، ولكن اللجنة لم تنتهِ من تعديل مشروع القانون حتى الآن!

لماذا يجب إصدار القانون بشكل فوري؟

اليوم، نحن في حاجة ماسة لإصدار قانون التجارب السريرية، فهو السبيل الوحيد لخلق إطار تشريعي موحد قوي مدعوم بنظام رقابي فعال لإجراء هذه التجارب، ذلك أن جائحة كورونا المستجد أوضحت للعالم أجمع أن البحث العلمي هو الأساس من أجل حماية صحة الشعوب. ومُنذ أن اجتاح الفيروس العالم في ديسمبر الماضي، تسابقت المراكز البحثية الطبية في العالم لوضع بروتوكولات علاجية للفيروس. ووفقًا لموقع clinical trials التابع لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، يَبلغ إجمالي عدد التجارب السريرية التي تم إجراؤها عالميًّا لتقييم تلك العلاجات –وحتى كتابة هذا المقال- حوالي 1254 تجربة، أُجري منها 25 تجربة سريرية في الجامعات والمراكز البحثية المصرية، من أصل 35 تجربة نُفذت في القارة الإفريقية؛ أي إن مصر لديها الإمكانيات والقدرات العلمية اللازمة للمشاركة في مجال التجارب السريرية العالمية، ولكن تنقصها التشريعات اللازمة لوضعها على خريطة التجارب السريرية الدولية، خاصة أن الدول التي تشارك في تلك التجارب السريرية العالمية يكون لها الحق في الحصول على الأدوية المعالجة بأسعار أقل من الدول التي لم تشارك بها.

مقالات وتحليلات

منظمة الصحة العالمية في قلب الصراع الدوليّ

في الرابع عشر من شهر أبريل الماضي، أعلنت الإدارة الأمريكية وقف تمويلها لمنظمة الصحة العالمية لمدة 60-90 يومًا؛ حتى تتم مراجعة طريقة تعامل المنظمة مع انتشار فيروس كورونا المستجد، أو ما يُعرف بفيروس (كوفيد-19). وأرجعت الإدارة الأمريكية السبب في وقف التمويل إلى سوء إدارة منظمة الصحة العالمية لأزمة فيروس (كوفيد-19)، وكذلك التغطية على انتشاره بشكل يوحي بانحياز المنظمة للحكومة الصينية. وعلى الرغم من انتقاد الاتحاد الأوروبي للقرار الأمريكي؛ ارتأت دول أخرى كالهند وتايوان أن تأخر المنظمة في إعلان الفيروس كجائحة تسبب في تأخر استجابة البلدان للفيروس، وصعوبة السيطرة على انتشاره في العالم. وتشير هذه التطورات إلى أن منظمة الصحة العالمية أصبحت واقعة في قلب الصراعات بين الدول، ففي حين تتعرض للهجوم من جانب الولايات المتحدة والهند وتايوان، وهم أكبر خصوم الصين في النظام الدولي؛ يحاول الاتحاد الأوروبي حمايتها كواحدة من دعائم النظام الدولي المتعدد الأطراف الذي يسعى الاتحاد الأوروبي لتعزيزه.

التسلسل الزمني لتعامل المنظمة مع “كوفيد-19”

بعد أن أعلنت السلطات الصينية في 31 ديسمبر 2019 عن وجود حالات إصابة بفيروس جديد يسبب التهابًا رئويًّا في مدينة ووهان، قامت منظمة الصحة العالمية في اليوم التالي بتشكيل فريق لمتابعة الأزمة ووضع الخطة اللازمة للتصدي لهذا الفيروس الجديد، وأوصت بعدم فرض أي قيود على السفر أو التجارة مع الصين.

وأوضحت السلطات الصحية الصينية بعد ذلك بعدة أيام أن الفيروس الجديد هو من عائلة الفيروسات التاجية، حيث أُطلق عليه اسم فيروس “كورونا المستجد”. وفي اليوم التالي أعلنت تايلاند وجود أربع حالات يُشتبه في إصابتهم بهذا الفيروس، فيما أعلنت منظمة الصحة العالمية في العاشر من يناير 2020، أن انتقال الفيروس الجديد معدوم أو محدود بين البشر، وفقًا للبيانات التي كانت متاحة للمنظمة وقتها، وتبع ذلك في اليوم التالي إعلان الصين عن أول حالة وفاة بسبب فيروس كورونا المستجد.

في الثاني والعشرين من يناير، أصدرت المنظمة بيانًا أكدت فيه انتقال العدوى بين البشر في ووهان. حدث هذا بعد أن تأكد وجود حالات مصابة بالفيروس خارج الصين. بعدها بدأت المنظمة في عقد لجنة الطوارئ الصحية التي تشكلت بموجب اللوائح الصحية الدولية منذ عام 2005، لتقييم تفشي الفيروس. حتى هذه المرحلة كانت منظمة الصحة العالمية ترفض أن تُعلن أن انتشار الفيروس يُمثل حالة طوارئ صحية عالمية.

بعد مرور شهر على بدء الأزمة، أي في 30 يناير 2020، أعلنت المنظمة أن حالة فيروس كورونا المستجد تمثل حالة طوارئ صحية دولية، وكانت تلك هي المرة السادسة التي تُعلن فيها المنظمة عن طارئة كهذه منذ دخول اللوائح الصحية الدولية حيز النفاذ في عام 2005.

في منتصف فبراير 2020، أي بعد شهر ونصف من تسجيل أول إصابة، تم تنظيم بعثة مشتركة بين منظمة الصحة العالمية والصين، وضمت البعثة خبراء من كندا، وألمانيا، واليابان، ونيجيريا، وكوريا الجنوبية، وروسيا، وسنغافورة، والولايات المتحدة الأمريكية (خبراء من مراكز مكافحة الأمراض، ومعاهد الصحة الوطنية)، للاطلاع على الوضع في الصين، وبحث أسباب انتشار الفيروس. وطالب الفريق في تقريره الصين بأن تُعزز بشكل أكبر المشاركة المنتظمة والواقعية مع العالم للبيانات الخاصة بالوباء، إلى جانب النتائج السريرية والخبرة الخاصة بالفيروس.

تبع ذلك إعلان مدير عام منظمة الصحة العالمية خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في الثالث من مارس 2020 أن فيروس كورونا المستجد ليس مثل فيروس المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، ولا فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، ولا حتى فيروس الأنفلونزا الموسمية، وأن طبيعة فيروس كورونا المستجد تسمح بكسر سلسلة انتقال العدوى، وأنه من الممكن احتواء انتشاره على عكس فيروس الأنفلونزا الموسمية الذي لا يمكن أن يتم احتواء انتشاره أو تتبع المخالطين للحالات المصابة به، كما أن فيروس كورونا المستجد لا ينتقل بنفس السهولة التي ينتقل بها فيروس الأنفلونزا الموسمية.

وبعد هذا التصريح بثمانية أيام فقط، أي في 11 مارس 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا المستجد “جائحة”، بعد أن وصل إجمالي عدد المصابين به في العالم إلى أكثر من 126 ألف إصابة. 

الانتقادات الدولية للمنظمة

تسببت التناقضات في بيانات وتوصيات منظمة الصحة العالمية في تعرضها للعديد من الانتقادات الدولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. ويرى الخبراء الدوليون أن المنظمة قد ارتكبت خطأين رئيسيين خلال إدارة أزمة كورونا: الأول، عندما تأخرت في توضيح احتمال انتقال عدوى فيروس كورونا المستجد بين البشر. والثاني، عدم إعلانها فيروس كورونا المستجد جائحة إلا بعد تسجيل أكثر من 120 ألف إصابة بالفيروس في 114 بلدًا، وهو ما أثّر سلبًا على سياسات الدول التي تتبع إرشادات المنظمة وتأخير استجابتها للسيطرة على الفيروس.

بجانب ذلك، فقد تخبطت المنظمة في إصدار الإرشادات الوقائية لفيروس كورونا المستجد. ففي نهاية شهر مارس، أعلنت المنظمة أن ارتداء الكمامات الطبية غير ضروري للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، وأنه لا يُنصح للأصحاء بارتداء الكمامة الطبية، ثم عادت المنظمة بعدها بأربعة أيام فقط لتؤكد أنه يجب أن تُستخدم الكمامات الطبية في الدول التي يصعب فيها تحقيق قواعد التباعد الاجتماعي، في الوقت الذي كانت فيه الكمامات الطبية بالفعل جزءًا من التدابير الوقائية التي اتخذتها الدول الآسيوية، والتي تمكنت من محاصرة الوباء.

كما لم تستمع المنظمة للتحذيرات التي أطلقتها تايوان في 31 ديسمبر 2019، في نفس يوم اكتشاف أول حالة مصابة في الصين، والتي حذرت خلالها بأن عدوى الفيروس الجديد من الممكن أن تنتقل عبر البشر، وأوضحت صحيفة “آسيا تايمز” أن حكومة تايوان أكدت أنها علمت حينئذ بوجود عدوى تنفسية في ووهان الصينية، ولذلك حاولت التواصل مع الحكومة الصينية ومنظمة الصحة العالمية بحثًا عن توضيحات، ولكن الجواب الوحيد الذي تلقته تايوان لم يزد على بريد إلكتروني جاء فيه أن خبراء المنظمة سيحققون في الموضوع. وقد سبق لصحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية أن أعلنت أيضًا عن تجاهل منظمة الصحة العالمية للتحذيرات التايوانية.

لكن أكبر الانتقادات الدولية بحق منظمة الصحة العالمية كانت في طريقة تعاملها مع الصين، فوصفت بعض التقارير الصحفية المنظمة بـ”منظمة الصحة الصينية” بدلًا من العالمية؛ حيث تضمن البيان الذي أعلنت خلاله المنظمة فيروس كورونا المستجد حالة الطوارئ الصحية، إشادة مبالغًا فيها بجهود الحكومة الصينية، وبما أسمته المنظمة “التزام الحكومة الصينية بأعلى درجات الشفافية في تعاملها مع فيروس كورونا المستجد”، وهو ما أثار شكوكًا عديدة حول تأثير الصين على المنظمة؟

مبررات المنظمة في تأخير إعلان “كوفيد-19” جائحة

نظريًّا لم تتأخر منظمة الصحة العالمية في إعلان فيروس كورونا المستجد جائحة. فقبل الإعلان عن تحول أي فيروس ما إلى جائحة، يجب أن تتحقق منظمة الصحة العالمية من وجود ثلاثة معايير رئيسية:

1- أن يتسبب الفيروس في الوفاة (تحقق ذلك في 10 يناير 2020).

2- انتقال العدوى الفيروسية بين البشر (تحقق ذلك في 22 يناير 2020).

3- انتشار الفيروس في جميع أنحاء العالم (لا توجد آلية واضحة لتحديد عدد البلدان التي يجب أن ينتشر بها الفيروس لتحقيق هذا الشرط). 

كذلك لم تُرد المنظمة أن تكرر ما حدث قبل أحد عشر عامًا، وتحديدًا في 11 يونيو 2009، عندما أعلنت عن تحول فيروس أنفلونزا الخنازير أو ما يعرف بفيروس H1N1، إلى جائحة. بدأت الدول بعد الإعلان في تطبيق خطط التأهب الاحترازية والوقائية للتصدي للفيروس، لكن بعد أن نفّذت الدول تلك الخطط المُكلفة ماديًّا واقتصاديًّا؛ اتضح أن احتواء فيروس H1N1 لا يستدعي كل تلك الإجراءات، وتم انتقاد منظمة الصحة العالمية بشكل كبير لتعجلها في إعلان فيروس H1N1 جائحة عالمية. وأصبحت المنظمة أكثر حرصًا في الإعلان عن أي وباء، ولذلك لم تستطع أن تعلن عن فيروس كورونا المستجد كجائحة حتى 11 مارس 2020. 

الموقف الراهن للمنظمة

لا يمكن إنكار الدور المهم الذي تقوم به منظمة الصحة العالمية في المجال الصحي عالميًّا، منذ إنشائها في عام 1948 وحتى هذه اللحظة، فلها يرجع الفضل في القضاء على مرض الحصبة وشلل الأطفال في العالم. ولا يمكن أيضًا إغفال حقيقة أن دور المنظمة مبنيّ في الأساس على نسج وتفعيل التعاون بين الدول لتحسين وتعزيز الصحة العامة، مع عدم امتلاك أي سلطة إلزامية على الدول، بل وعليها أن تعتمد على البيانات والتصريحات الرسمية التي تُصدرها الدول لتجنب إيقاع نفسها في أي خلافات سياسية قد تمنعها من إتمام دورها بشكل كامل.

لكن يجب أن تلتزم المنظمة بأعلى درجات الحيادية والمهنية خلال تعاملها مع الأزمات، فيجب أن تتفادى البيانات التي تتضمن إشادة مبالغًا فيها، كما من الممكن أن تقوم المنظمة بتوسيع دائرة البيانات التي تعتمد عليها لإصدار التوصيات، فلا يجب الاعتماد بشكل كامل على البيانات الرسمية التي تُصدرها الدول، بل يمكن اللجوء للتقارير الصادرة عن المعامل المرجعية والتابعة بالفعل للمنظمة، وتكون نتائجها معتمدة على الأبحاث والتجارب العلمية الموثقة، وكذلك التقارير الصادرة عن المكاتب القطرية والإقليمية للمنظمة؛ للإسراع في عملية اتخاذ القرارات الحاسمة، مثل إعلان الجائحة، خصوصًا أن مرور يوم واحد دون حلّ الأزمة يُكلف المزيد من الأرواح.

مقالات وتحليلات

هل التوسع في اختبارات فيروس كورونا هو الحل؟

مع تخطي أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، حاجز الثلاثة ملايين إصابة؛ نستطيع أن نرى الاختلافات الكبيرة بين تعامل الحكومات حول العالم مع أزمة تفشي الفيروس. ومن أبرز تلك التباينات، التي عكست قدرًا كبيرًا من التنوع في الاستجابة الدولية لهذا الوباء، سياسات التعامل مع اختبارات الكشف عن هذا الفيروس القاتل. وتثير تلك الاستجابات المختلفة العديد من التساؤلات حول ماهية أنواع الاختبارات المتاحة للكشف عن الإصابة بالفيروس، والسبب وراء اختلاف الدول في إجراء هذه الاختبارات، وهو ما سنحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

كيف يتم تشخيص الإصابة بفيروس (كوفيد-19)؟

تتشابه أعراض الإصابة بفيروس (كوفيد-19) مع أعراض الإصابة بمرض الأنفلونزا العادية، فيشعر المريض بالحمى، أو السعال، أو احتقان الحلق، وبالتالي يلجأ الأطباء إلى استخدام الأجهزة المختبرية لتأكيد إصابة المريض بالفيروس. ووفقًا للتقنية التي يعتمد عليها الجهاز المستخدم في تحليل عينات المرضى، يمكن تقسيم الاختبارات إلى نوعين، كما هو موضح بالرسم التوضيحي التالي.

1- اختبار Polymerase Chain Reaction PCR

النوع الأول من تلك الاختبارات هو اختبار تفاعل البوليمريز المتسلسل، أو ما يُعرف باسم PCR. يستطيع هذا الاختبار أن يُشخّص إصابة المرضى بفيروس (كوفيد-19) من خلال تحليل العينات التي يتم سحبها من الأنف أو مؤخرة الحلق، ومن ثم يقوم الفنيون داخل المعمل باستخدام معدات تشخيصية معينة (COVID-19 PCR kits) تتضمن المواد الكيماوية اللازمة لإجراء التحليل للعينة.

خلال التحليل تتم مضاعفة الحمض النووي الخاص بالفيروس، أو ما يُعرف بالجينوم الفيروسي RNA، لكي تتمكن المجسات الموجودة داخل الجهاز من كشف وجودها داخل العينة. ويُكلف هذا الاختبار في المعامل المركزية التابعة لوزارة الصحة والسكان حوالي 1050 جنيهًا مصريًّا، ويتم إعادة اختبار PCR للمرضى المصابين بفيروس (كوفيد-19) خلال فترة العلاج، وبعد تحسن الأعراض عدة مرات، للتأكد من شفائهم بشكل كامل من الفيروس.

لكن على الرغم من أن نتائج جهاز PCR تُعتبر موثوقة؛ إلا أنه بسبب الضغوط المتزايدة لإجراء المزيد من الفحوصات، تتأثر في بعض الأحيان جودة العينات التي يتم سحبها من المرضى، وقد لا تتواجد كمية كافية من الفيروس داخل العينة ليتم رصدها، وتظهر النتائج سلبية على الرغم من إصابة المريض بالفيروس، أو ما يُعرف بالنتائج السلبية الكاذبة. ووفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز”، نشر علماء صينيون دارسة في شهر فبراير الماضي حول نسبة النتائج السلبية الكاذبة لجهاز PCR في مستشفى Third people’s، في مدينة شنتشن بجنوب الصين، خلال الفترة بين 11 يناير إلى 3 فبراير، بلغت 40%. كما أدت تلك الضغوط أيضًا إلى اعتماد كمٍّ هائل من العدد التشخيصية اللازمة للكشف عن الفيروس في العديد من البلدان كالولايات المتحدة الأمريكية، والتي خففت بها إدارة الغذاء والدواء (FDA) العديد من المعايير اللازمة للموافقة على اعتماد تلك العدد التشخيصية، وهو ما أدى في النهاية إلى انخفاض جودتها، وبالتالي عدم دقة نتائج تحاليل جهاز PCR.

2- اختبار الأجسام المضادة أو أجهزة الكواشف السريعة

النوع الثاني من الاختبارات هو اختبار الكشف عن الأجسام المضادة في دم المرضى. فعند الإصابة بأي نوع من الفيروسات، يبدأ الجهاز المناعي في الجسم بإفراز أجسام لمحاربة هذا الفيروس يُطلق عليها اسم الأجسام المضادة أو antibodies، ويمكن تعريفها بأنها بروتينات تحمي الجسم من الأجسام الغريبة (مثل: الجراثيم، أو الفيروسات)، ويتغير شكلها وفقًا لنوع الفيروس المستهدف. ويوجد عدّة أنواع من الأجسام المضادة، وتسمّى كل مجموعة منها بحرف لاتيني كبير. فالأجسام المضادة من نوع IgM تطلق في الجسم بعد التقاط أي عدوى، موفرة حماية فورية للجسم بعد الإصابة المباشرة. بينما الأجسام المضادة من النوع IgG يرتفع عددها في الدم بعد وقت متأخر نسبيًّا من الإصابة؛ فهي تُفرز في الجسم مستهدفة هذا الفيروس خصوصًا، وإفرازها في جسم المريض يعني قدرته على مكافحة هذا الفيروس، وبدء مرحلة التعافي منه. وتظل الأجسام المضادة من النوع IgG في الجسم مدة طويلة، ويؤكد وجودها في الجسم حدوث إصابة سابقة بهذا النوع من الفيروسات كما هو موضح بالرسم التالي.

ويتم رصد الأجسام المضادة في دم المريض من خلال استخدام الكواشف السريعة، والتي يستغرق ظهور النتيجة بها عادةً دقائق معدودة. وتتراوح تكلفة الكاشف السريع لتشخيص الإصابة بفيروس (كوفيد-19) من 180-550 جنيهًا للكاشف الواحد وفقًا للمدة الزمنية التي يستغرقها الاختبار. لكن يجب أن يتم إجراء الاختبار بعد التقاط العدوى بفترة، وبدء الجسم في إفراز الأجسام المضادة حتى يستطيع الكاشف رصدها.

ويأمل الباحثون في أن تُكسب الأجسام المضادة من النوع IgG المرضى مناعةً ضد الإصابة مرة أخرى بفيروس (كوفيد-19). وبدأت العديد من البلدان بالفعل، ومنها مصر، في إجراء تجارب سريرية لاختبار هذه النظرية من خلال استخدام البلازما المستخلصة من دم المتعافين من فيروس (كوفيد-19)، والتي تتوفر بها أجسام مضادة ضد الفيروس، وحقنها للمرضى ذوي الحالات الحرجة كأحد سبل العلاج. ولكن حتى كتابة هذا المقال، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، لا يمكن تأكيد أن التعافي من فيروس (كوفيد-19) يمنح مناعة ضد العدوى بهذا الفيروس مرة أخرى.

لماذا لا يمكن إجراء الفحص للجميع؟

لا يوجد حتى الآن علاج أو لقاح لفيروس (كوفيد-19)، وقد يستغرق إنتاج اللقاح مدة تتراوح بين 12-18 شهرًا، من أجل إتمام كافة الاختبارات المعملية والسريرية للقاح وبدء إنتاجه بكميات كبيرة. لذا فإن إجراء عدد كبير من الاختبارات للكشف عن أكبر عدد ممكن من المصابين بالفيروس هو السبيل الوحيد المتوفر في الوقت الحالي لتخفيف وتيرة انتشار الفيروس من خلال عزل المصابين بالفيروس عن الأصحاء.

لكنّ المؤسسات الطبية والمختبرات، حتى في أكثر البلدان تقدمًا في المجال الصحي، عندما يتعلق الأمر بتفشي عدوى ووصولها إلى مستوى الجائحة، تصطدم سريعًا بمحدودية الطاقة الاستيعابية، فمن المستحيل أن يتم إجراء الاختبارات على ملايين الأشخاص في وقت واحد. وقد أوصت منظمة الصحة العالمية بإجراء أكبر عدد ممكن من الاختبارات، ولكن للمشتبه في إصابتهم؛ نظرًا لمحدودية إنتاج تلك الكواشف، وصعوبة تلبية احتياجات كل دول العالم في الوقت نفسه. ولكن بالطبع كلما زادت أعداد اختبارات الفحص التي يتم إجراؤها على المواطنين، يزداد عدد الحالات التي يتم كشف إصابتها بالفيروس.

تتبع الدول نهجًا مختلفًا في إجراء تلك الفحوصات، فمثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة أعلى عدد إصابات بفيروس (كوفيد-19)، تم إجراء ما يزيد على 6 ملايين اختبار حتى كتابة هذا المقال، وبالرغم من ذلك لا يتم عمل الاختبارات إلا للأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض المرض فقط، فعندما يشعر الشخص بأعراض الفيروس يتوجه إلى المستشفى لتوقيع الكشف الطبي عليه، ومن ثم يتم إجراء تحليل فيروس (كوفيد-19) لتأكيد الإصابة من عدمه، فيما تتاح إمكانية إجراء التحاليل في المعامل والعيادات الخاصة على نفقة الشخص في حال أراد أن يطمئن على نفسه دون ظهور أعراض.

على العكس من ذلك، فإن هناك دولًا أخرى تستهدف الكشف عن أكبر عدد من المصابين بالفيروس، ومن ثم فإنها توقع الكشف على الأفراد مجانًا، حتى في حالة عدم وجود أعراض ظاهرة؛ للكشف المبكر عن الإصابات وعزلها سريعًا عن الحالات غير المصابة، فهناك بعض الأفراد الذين يكونون حاملين للفيروس دون ظهور أي أعراض عليهم، ويجب الكشف عليهم بشكل أسرع. وتأتي الإمارات العربية المتحدة في المقدمة بأعلى عددٍ من الاختبارات تم إجراؤه مقارنةً مع عدد السكان بحوالي 113 ألف اختبار لكل مليون نسمة، كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

وفي مصر، ووفقًا لتصريحات المكتب القطري لمنظمة الصحة العالمية في القاهرة، يتم إجراء حوالي 2000 اختبار لفيروس كورونا يوميًّا، ويبلغ إجمالي عدد الاختبارات التي تم إجراؤها -حتى كتابة هذا المقال- 90 ألف اختبار. وقد يبدو هذا الرقم منخفضًا بالمقارنة مع الدول الأخرى، ولكن مصر تتبع سياسة مختلفة فيما يتعلق بإجراء اختبارات فيروس (كوفيد-19)؛ فلا يتاح إجراء الاختبار إلا بعد ظهور الأعراض على المريض، ويتم سحب عينة منه وإرسالها للمعامل المركزية لإجراء التحليل، فيما يُمنع تمامًا إجراء التحاليل في المعامل أو العيادات الخاصة، أو حتى أن يتوجه الفرد بنفسه للمعامل المركزية لإجراء التحليل على نفقته الخاصة. ولم يتم الإعلان عن مبررات هذا المنع بشكل واضح، ولكن لربما ارتأت وزارة الصحة والسكان المصرية أن السماح بإجراء تحاليل فيروس (كوفيد-19) في المعامل الخاصة قد يزيد الطلب على إجراء التحاليل، وبالتالي ارتفاع ثمنها، خصوصًا مع صعوبة فرض السيطرة والرقابة على العدد الهائل من المعامل الخاصة الموجودة في مصر، وكذلك لمنع الإهدار في المعدات التشخيصية الخاصة بالفيروس (COVID-19 PCR kits)، والمتوفرة بكميات محدودة، وترشيد استهلاكها لمن هم حقًّا أكثر احتياجًا لها.

في النهاية، يمكن القول إن العالم اليوم أصبح في حاجة ماسة للتعاون بشكل حقيقي للسيطرة على هذا الفيروس. فيجب أن تتحد الحكومات من خلال المراكز البحثية الطبية ومصانع إنتاج المعدات والمستلزمات الطبية، لزيادة الإنتاج العالمي من المعدات التشخيصية للتمكن من إجراء المزيد والمزيد من اختبارات الكشف عن فيروس (كوفيد-19). كما يقترح بعض الخبراء أيضًا أن يتم استحداث منظمة دولية جديدة، على غرار منظمة الصحة العالمية، تكون مُتخصصة فقط في الأوبئة؛ وأن يكون أساس عمل المنظمة هو تطوير اختبارات للكشف عن الفيروسات، وبالأخص الفيروسات ذات المصدر الحيواني التي تتسبب في حدوث أوبئة، والتأكد من صحة نتائج هذه الاختبارات، وجعلها متاحة بشكل سريع لكافة دول العالم.

مقالات وتحليلات

إيران: نظام صحي جيد لم يصمد بسبب إدارة سياسية فاشلة لأزمة (كوفيد-19)

أربعة عقود من الإصلاح الصحي في إيران راحت هباء مع انتشار فيروس كورونا المستجد أو ما يُعرف بـ(كوفيد-19)، فيوميًّا يتم الإعلان عن إصابة الآلاف من المواطنين ووفاة المئات منهم بسبب هذا الفيروس القاتل. وعلى الرغم من إعلان الحكومة الإيرانية في السابق أنها ستحقق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2025، إلا أن أغلب المصابين بالفيروس لا يجدون أماكن للعلاج داخل المستشفيات. فسرعة انتشار الفيروس تفوق بكثير الجهود الإيرانية المبذولة في القطاع الصحي.

مراحل عملية الإصلاح الصحي في إيران

قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، وأدت الثورة إلى إدخال تعديلات جوهرية على الدستور الإيراني، بجانب سن العديد من التشريعات لإدخال سياسات إصلاحية جديدة من أجل تحسين الأوضاع في إيران، وبالأخص في القطاع الصحي كما هو موضح بالجدول رقم (1). 

بدأت الإصلاحات في عام 1983 عندما أنشأت إيران شبكة الصحة الوطنية، من أجل تحقيق العدالة الصحية في كل أنحاء إيران، وخصوصًا في المناطق المحرومة التي كانت تعاني من فقر شديد في الخدمات الصحية. استطاعت هذه الشبكة الصحية أن توفر إطارًا فريدًا للرعاية الصحية الأولية في تلك المناطق. وبالفعل تحسنت المؤشرات الصحية بها. ومع ذلك، لم تظهر النتائج الإيجابية لشبكة الصحة الوطنية في كل مستويات النظام الصحي، بل اقتصرت على مستوى الرعاية الأولية بسبب ثلاثة عوامل. أولها: الاختلافات التي كانت موجودة في إدارة السياسات الصحية. وثانيها: عدم وجود هيكل واضح لتدفق البيانات والمعلومات، وهو ما أدى إلى ضعف نظام إحالة المرضى إلى المستشفيات. وثالثها: التحضر وهجرة المواطنين داخليًّا من المناطق الريفية إلى الحضرية، وهو ما تسبب في إنشاء مناطق عشوائية لا يحصل المواطنون فيها على الرعاية الصحية الملائمة.

الإصلاح الرئيسي الثاني كان في عام 1985، حينما دمجت الحكومة الإيرانية قطاع الخدمات الصحية مع قطاع التعليم الطبي. هذه الخطوة مكنت من إدخال تحسينات على كلا القطاعين؛ فزادت القدرة على تدريب مقدمي الرعاية الصحية في جميع المستويات، وتعديل مناهج التعليم الطبي. وكذلك توسعت تغطية شبكة الصحة الوطنية لتصل إلى عدد أكبر من المواطنين. ومع ذلك، لم تتحقق جميع أهداف هذا الإصلاح، فلم تتم عملية الدمج بين التعليم ونظام الرعاية الصحية بشكل كامل، وظل الوصول غير المتكافئ للخدمات الصحية يمثل تحديًا كبيرًا للحكومة الإيرانية.

في أوائل التسعينيات أقرت الحكومة الإيرانية سياسة استقلال المستشفيات، وهو ما سمح للمستشفيات بالحكم والتوجيه الذاتي، وكذلك إيجاد مصادر ذاتية للتمويل، ولكن لم يكن لهذا الإصلاح أي تأثير إيجابي على جودة الرعاية في المستشفيات؛ حيث كانت النتيجة هي زيادة تكاليف الرعاية الصحية للمستخدمين.

وتأسس برنامج طبيب الأسرة في عام 2005، ونُفذ في المناطق الريفية والمدن التي يقل عدد سكانها عن 20000 شخص، بهدف تحسين نظام الإحالة وتقديم خدمات الرعاية الصحية للمواطنين بكفاءة وإنصاف. وعلى الرغم من أن هذا البرنامج كان بمثابة فرصة واعدة لتحسين النظام الصحي في إيران، إلا أنه لم ينجح بشكل كامل لعدة أسباب منها وجود فجوة بين الخطة المُصممة للبرنامج وبين تنفيذها، وغياب الدعم المالي من قبل الحكومة الإيرانية، ووجود قصور في تدريب أطباء الأسرة. 

ومن أحدث سياسات الإصلاح الصحي الإيراني، خطة التحول الصحي التي أُطلقت في عام 2014 من خلال وزارة الصحة والتعليم الطبي، بهدف الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2025. نجحت خطة التحول الصحي في توسيع التأمين الصحي الأساسي المجاني ليغطي 10 ملايين شخص إضافي لم يكن لديهم تأمين من قبل، وأصبح أكثر من 92٪ من السكان مشمولين بنظام تأمين واحد على الأقل. لكن كانت هناك بعض التحديات التي أثرت سلبيًا على التحقيق الكامل لخطة التحول الصحي في إيران، منها -على سبيل المثال- قلة الموارد المالية، وزيادة العبء المالي على الحكومة الإيرانية.

نتائج عملية الإصلاح الصحي

استطاعت السياسات الإصلاحية التي طبقتها إيران أن تُحسن من المؤشرات الصحية والخصائص الديمغرافية للمواطنين كما هو موضح في الجدول رقم (2)؛ حيث انخفضت نسب وفيات الرضع لكل ألف مولود حي من 81.4 مولودًا إلى 9.48 مواليد. كذلك انخفض معدل وفيات الأمهات لكل 100 ألف ولادة حية من 273 وفاة إلى 19 وفاة فقط. وزادت الأعمار المتوقعة عند الميلاد للذكور والإناث لتصبح 75.4 سنة، و79.3 سنة، على الترتيب. كما زادت نسبة السكان الذين يمكنهم الحصول على الرعاية الصحية الأولية في المناطق الريفية من 8% في عام 1979 إلى 99% في عام 2017. فيما بلغ إجمالي عدد أسرة الرعاية المركزة في عام (2010) 3720 سرير رعاية مركزة؛ أي حوالي 5.3 سرير رعاية لكل 100 ألف مواطن. كما ساهمت خطة التحول الصحي أيضًا في خفض نسبة إنفاق المواطنين على الخدمات الصحية (الإنفاق الشخصي من الجيب) من إجمالي الإنفاق على الصحة من 55٪ في عام 2012 إلى 35٪ في عام 2016 (انظر الجدول رقم 2، والرسم البياني رقم 1).

الاستجابة الإيرانية لفيروس (كوفيد-19)

أعلنت الحكومة الإيرانية، في 19 فبراير الماضي، عن أول حالة إصابة بفيروس (كوفيد-19)، لتنتقل بعدها في أقل من أسبوع إلى أكثر دول الشرق الأوسط تضررًا من هذا الوباء، حيث تزداد أعداد الإصابات والوفيات يوميًّا بمعدل سريع للغاية كما هو موضح بالرسم البياني التالي، مع وجود شكوك حول صحة أرقام الإصابات الرسمية التي تصدرها إيران بسبب غياب شفافية الدولة في التعامل مع الأزمة. وأرجع الخبراء الانتشار السريع لفيروس (كوفيد-19) داخل إيران إلى عدة أسباب منها:

1- إخفاء وتأخير الإعلان عن وجود حالات مصابة بفيروس (كوفيد-19) داخل إيران، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى التأخر في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.

2- غياب التنسيق بين مؤسسات الدولة لوضع خطط لمواجهة الأزمة، واستخفاف المسئولين الإيرانيين بخطورة الوضع.

3- التأخر في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة بمدينة “قم” الإيرانية، وكان لرجال الدين في تلك المدينة دور كبير في زيادة تفشي الفيروس؛ إذ عارضوا فكرة إغلاق الأضرحة ووضع المدينة تحت الحجر الصحي، بل ودعوا المواطنين إلى زيارتها. وتشير بعض التقارير إلى أن حوالي مليون و213 ألف شخص قاموا بزيارة مدينة “قم” منذ تفشي فيروس (كوفيد-19) حتى الثاني من أبريل. 

4- دعوة رجال الدين البارزين في إيران المواطنين للذهاب إلى الأضرحة بمدينتي “قم” و”مشهد”؛ للتبرك والشفاء من الفيروس، متجاهلين بذلك كافة تحذيرات الأطباء.

5- انعدام ثقة الشعب الإيراني في التصريحات التي يدُلي بها كبار المسئولين الإيرانيين، بسبب التضارب الكبير في البيانات الصادرة. 

6- عدم وجود سياسة صحية واضحة للحد من انتشار الفيروس، والتركيز على عمل سياسات لاستمرار الحياة الاقتصادية فقط في ظل الأزمة.

7- التأخر في إقرار سياسات لإغلاق المصانع والشركات، على الرغم من ازدياد أعداد الإصابات بشكل مخيف.

خلاصة القول، إن القطاع الصحي في إيران استطاع أن يحقق مجموعة من الإنجازات الجيدة خلال السنوات الماضية، لكن بسبب عدم وجود خطة رئيسية واضحة لتطوير القطاع، ظلت هناك ثغرات رئيسية لم تستطع الحكومة الإيرانية التغلب عليها؛ فالنظام الصحي لم يكن مجزأ فقط في التمويل ولكن أيضًا في القيادة، مع وجود خلل كبير في إدارة الموارد المتاحة. وقد انعكس كل ذلك في التعامل مع أزمة (كوفيد-19) في إيران؛ فلم تكن هناك خطة تأهب للطوارئ الصحية للتعامل مع الأزمات الصحية، ولم يكن هناك قائد حقيقي لإدارة الأزمة؛ وبالتالي خسرت إيران معركتها أمام (كوفيد-19)، ولا تزال أعداد المصابين والوفيات في ازدياد. 

مصادر:

– Heshmati, Bahram, Joulaei, and Hassan. (2016). Iran’s health-care system in transition. The Lancet. 387. 29-30. 10.1016/S0140-6736(15)01297-0.

– Leila Doshmangir, Mohammad Bazyar, Reza Majdzadeh, and Amirhossein Takian, So Near, So Far: Four Decades of Health Policy Reforms in Iran, Achievements and Challenges. Arch Iran Med. 2019; 22: 592-605. 

مقالات وتحليلات

أسِرَّة الرعاية: خط الدفاع الأخير ضد كورونا

حتى هذه اللحظة لا يوجد علاج حاسم لفيروس (كورونا المستجد) أو “كوفيد-19″، وبالتالي يلجأ الأطباء إلى إيداع المرضى المصابين في وحدة الرعاية بالمستشفى (بمختلف درجاتها) لتقديم الرعاية الطبية اللازمة، وبالأخص للحالات غير المستقرة، في محاولة أخيرة لإبقائهم على قيد الحياة. ومع الارتفاع السريع يوميًّا في أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد؛ ازداد الضغط على وحدات الرعاية، وخصوصًا أسِرَّة الرعاية المركزة والحرجة الموجودة في المستشفيات، وأصبحت الأعداد الموجودة من هذا النوع من الأسِرَّة غير كافية لرعاية العدد الكبير من المصابين، وهو ما يشكل أزمة حقيقية لأغلب بلدان العالم اليوم. 

وحدات الرعاية بالمستشفيات

وحدة الرعاية هي قسم خاص في المستشفى يقدم أقصى أنواع الرعاية الصحية الممكنة للمرضى أصحاب الحالات الحرجة والخطيرة. وتتدرج إلى ثلاثة مستويات بتخصصات مختلفة (على سبيل المثال: رعاية قلب، رعاية حروق، حديثو الولادة) وفقًا لحالة المريض. 

وتُعد غرف الرعاية من أهم وأغلى المرافق، من حيث التكلفة التشغيلية داخل المستشفى؛ حيث توجد بها كافة الآلات والأجهزة المتخصصة -مرتفعة التكلفة- اللازمة للمراقبة المستمرة لعمل وظائف الجسم، وأجهزة التنفس الصناعي، والأجهزة اللازمة لإنعاش الدورة الدموية للمريض وقت الاحتياج. كما يتطلب هذا القسم وجود عدد أكبر من الكوادر الطبية المتخصصة والمدربة. على سبيل المثال، تكون نسبة عدد الممرضين إلى المرضى 1:1 تقريبًا (أي ممرض لكل مريض)، لكن للمرضى ذوي الحالات المستقرة نسبيًّا من الممكن أن ترتفع نسبة عدد الممرضين إلى المرضى إلى حوالي 1:2 أو 1:3، بينما قد ترتفع في حالة المرضى ذوي الحالات غير المستقرة إلى ممرضين اثنين لكل مريض، وذلك مقارنةً بمتوسط ممرض واحد لكل 4 أو 5 مرضى في الأقسام العادية داخل المستشفى.

أسِرَّة الرعاية عالميًّا في مواجهة كورونا

تتباين أعداد أسِرَّة الرعاية الموجودة في مستشفيات العالم وفقًا للميزانيات التي تخصصها تلك البلدان للقطاع الصحي وقوة الأنظمة الصحية لديها. ففي حالة المستشفيات الأوروبية، يبلغ متوسط أعداد أسِرَّة الرعاية الحرجة 11.5 سرير لكل 100 ألف مواطن، بينما يبلغ في حالة المستشفيات الآسيوية حوالي 3.6 سرير فقط لكل ألف مواطن (انظر الرسوم البيانية التالية). 

وعلى الرغم من ارتفاع المتوسط في أوروبا، إلا أن أغلب البلدان الأوروبية، خاصةً إيطاليا وإسبانيا، تعاني اليوم من نقص حاد في أسرة الرعاية المركزة والحرجة المتوفرة للمرضى، بسبب الزيادة الهائلة في أعداد المصابين يوميًّا. فحتى كتابة هذا المقال، وصل عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في إيطاليا إلى حوالي 87 ألف مصاب، بينما في اسبانيا وصل العدد إلى حوالي 73 ألف مصاب. 

ولا يقتصر الأمر فقط على المستشفيات في أوروبا ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني أيضًا، رغم أنها تمتلك واحدًا من أقوى الأنظمة الصحية في العالم، ولديها بالفعل أعلى متوسط لأسرة الرعاية الحرجة عالميًّا (حوالي 34.7 سريرًا لكل 100 ألف مواطن)، بسبب الارتفاع الهائل في معدل انتشار فيروس كورونا المستجد (104 آلاف مصاب بالفيروس)، وبدأ النظام الصحي في بعض الولايات، خاصة ولاية نيويورك، بالانهيار في مواجهة هذا الفيروس.

أسِرَّة الرعاية في مصر

وفقًا للموقع الرسمي لوزارة الصحة والسكان، ووفقًا لآخر إحصاءات رسمية منشورة، يبلغ إجمالي عدد أسِرَّة الرعاية في مصر 3047 سريرًا موزعة على 375 مستشفى حكوميًّا تابعًا لوزارة الصحة والسكان (بمتوسط 3.04 سرير رعاية لكل 100 ألف مواطن) كما هو موضح في الجدول رقم (1). ورغم غياب الإحصائيات الرسمية، إلا أن بعض المصادر تشير إلى أن هذا العدد يرتفع إلى (7000) سرير رعاية، إذا أضفنا الإمكانيات المتوافرة في المستشفيات الجامعية والخاصة، بخلاف المنشآت الطبية التابعة للقوات المسلحة.

ولطالما شكلت الأعداد المحدودة من أسِرَّة الرعاية تحديًا يواجه وزارة الصحة، وهو ما استدعى ضرورة عمل غرفة مركزية (غرفة الخدمات الطارئة لوزارة الصحة، ويمكن الاتصال بها على الرقم 137). ولدى الغرفة قاعدة بيانات كاملة لكل المستشفيات الحكومية والأسِرَّة المتاحة بكل مستشفى، وذلك بهدف التنسيق بين المستشفيات وتسهيل إحالة المرضى من مستشفى إلى آخر حسب الإمكانات الطبية المتاحة في أقسام الرعاية داخل كل مستشفى. كما تم الإعلان في شهر فبراير الماضي عن تخصيص 5 مليارات جنيه من موازنة وزارة الصحة للعام المالي 2020/2021 لمبادرات تطوير أقسام الرعاية المركزة، وحضّانات الأطفال، وأقسام الطوارئ بالمستشفيات.

ونظرًا لتداعيات الموقف الحالي من تفشي فيروس كوفيد-19 في العالم، أعلن السيد الرئيس “عبدالفتاح السيسي” عن تخصيص 100 مليار جنيه (6.38 مليارات دولار) من أجل تمويل الخطة الشاملة، وما تتضمنها من إجراءات احترازية للسيطرة على الفيروس. ويُتوقع أن يتم تخصيص جزء كبير من هذه الميزانية للمستشفيات من أجل سرعة تطوير وزيادة أعداد أسرّة الرعاية المركزة والحرجة؛ لدورها المحوري في علاج ورعاية المصابين بالفيروس، مع الاستغلال الأمثل للوضع الحالي من الانتشار المحدود لفيروس كورونا المستجد في مصر (أعداد المصابين 536 حالة).

جدول (1): بيان بتوزيع أسِرَّة الرعاية داخل المستشفيات الحكومية بمحافظات الجمهورية لعام 2016

المحافظةعدد المستشفياتعدد أسِرَّة الرعاية
القاهرة53522
الجيزة26253
الإسكندرية1187
مطروح1272
جنوب سيناء851
بني سويف847
الفيوم753
الإسماعيلية842
دمياط1491
كفر الشيخ18103
بورسعيد685
الدقهلية26193
الوادي الجديد517
البحر الأحمر626
القليوبية16130
البحيرة19169
الغربية19255
المنوفية18130
الشرقية25203
شمال سيناء530
قنا1059
السويس233
أسوان840
الأقصر870
سوهاج14106
أسيوط1284
المنيا1196
الإجمالي3753047

مقالات وتحليلات

وفيات وإجراءات احترازية.. فيروس “كورونا” الجديد يثير ذعر العالم

ارتفعت أعداد الوفيات الناتجة عن الإصابة بفيروس “كورونا” الجديد في مدينة ووهان الصينية، وفقًا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة اليوم الخميس 23 يناير، لتصل الي 17 شخصًا، إضافة إلى تأكيد إصابة أكثر من 547 آخرين بالفيروس في شتي انحاء الصين، فضلًا عن ظهور بعض الحالات المصابة في الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وتايوان. فيما قدر الباحثون في جامعة نورث إيسترن وجامعة إمبريال كوليدج في لندن أن عدد الحالات قد يكون خمسة أو عشرة أضعاف ما تم الإعلان عنه؛ أي حوالي 4000 حالة، وفقًا للتقديرات، والتي ستتغير مع معرفة المزيد من المعلومات حول الفيروس.

وأعلنت السلطات الصينية إغلاق وسائل النقل الداخلية والخارجية (المطارات، محطات القطار، وسائل النقل العام) بشكل مؤقت بدءًا من اليوم وحتى إشعار آخر في مدينة ووهان، والتي تعد أحد المدن الرئيسية في وسط الصين، ويعيش فيها نحو 9 ملايين مواطن، لكونها مصدر ظهور وانتشار فيروس كورونا الجديد، وناشدت مواطنيها بعدم السفر خارج المدينة في محاولة لوقف تفشي الفيروس واحتوائه، كما ألغت الاحتفالات الشعبية التي كانت ستقام بمناسبة رأس السنة الصينية في العاصمة بكين.

مصدر الفيروس الجديد

تُرجح السلطات الصينية أن نقطة انطلاق الفيروس الجديد كانت في سوقٍ محليٍ للمأكولات البحرية والحيوانات البرية الحية والدواجن في مدينة ووهان، حيث إن أوائل المصابين بالفيروس كانوا من العمال أو من العملاء في هذا السوق. ولكن حتى الآن لم يتم تأكيد إصابة الكائنات البحرية بالفيروس، لذا من الممكن أن يكون فيروس “كورونا” قد نشأ من حيوانات أخرى تُباع في هذا السوق.

وعندما أجرى الباحثون تحليلًا أكثر تفصيلًا للتسلسل الجيني لفيروس “كورونا” الجديد باستخدام عينات من الفيروس المعزولة عن المرضى، والذي أطلق عليه اسم ((Novel Coronavirus-2019 واختصارًا (2019-nCoV)، فإنه يشير إلى أن فيروس “كورونا” الجديد قد يكون انتقل للإنسان من الثعابين، وبالأخص ثعبان “الكرايت” الصيني أو “الكوبرا” الصينية. كما ستسهم دراسة التسلسل الجيني في تطوير اختبارات تشخيصية للكشف عن المصابين بشكل أدق وأسرع، والمساعدة في تطوير لقاح مضاد للفيروس.

إعلان تفشي الفيروس كحالة طوارئ صحية دولية

أشادت منظمة الصحة العالمية بالمجهودات التي قامت بها السلطات الصينية في التعامل مع الفيروس حتى الآن، خاصة وأن اللجنة الوطنية الصينية للصحة أعلنت كافة البيانات حول تفشي المرض بشكل مفصل، كما اتسمت البيانات بالوضوح والشفافية حول الأدلة على انتقال العدوى من شخص إلى آخر، وأعداد المصابين الذين تم اكتشاف إصابتهم بالفيروس، وأيضًا حظر خروج المواطنين لكبح مخاطر تفشي الفيروس عالميًا. وأعلنت المنظمة أنها ستقرر اليوم الخميس، ما إذا كانت ستعلن حالة طوارئ عالمية بسبب تفشي الفيروس الجديد، وذلك في أعقاب الاجتماع الذي قام به فريق خبراء المنظمة في جنيف بالأمس. وأطلقت منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمي مجموعةً من المنشورات التي تتضمن إرشادات للمواطنين للحد من انتشار الفيروس ونصحت بعدم فرض أي قيودٍ على التجارة أو السفر مع الصين.

تشديد إجراءات الحجر الصحي عالميًا

عقب إعلان السلطات الصحية الأمريكية أول أمس تسجيل أول حالة إصابة داخل البلاد بفيروس “كورونا” الجديد، بدأت الدول في تشديد الإجراءات الرقابية الصحية في المطارات. فخصص مطار هيثرو في إنجلترا صالات منفصلة لاستقبال المسافرين القادمين من المدن التي تفشي فيها الفيروس، وكذلك تطبيق إجراءات الحجر الصحي كقياس درجة حرارة الجسم عن بعد، وعمل استبيانات للركاب وتوعيتهم بالفيروس الجديد وأعراضه، وضرورة الإبلاغ عن أي اعراض قد تظهر عليهم بعد الوصول. فيما أعلن قسم مراقبة الأوبئة في روسيا عن تشديد الرقابة الصحية والحجر الصحي في جميع نقاط العبور الحدودية لروسيا، وليس فقط حدودها المشتركة مع الصين.

وأعلنت وزارة الصحة والسكان المصرية، رفع درجة الاستعداد القصوى بجميع أقسام الحجر الصحي بمنافذ الدخول المختلفة للبلاد (الجوية، البحرية، البرية)، للكشف عن أي مصابين محتملين قبل دخولهم البلاد. وأكدت أنه يتم مناظرة جميع المسافرين القادمين من المناطق التي ظهر بها المرض، ويعزل بشكل فوري أي حالة يشتبه إصابتها بالمرض، كما تم تعميم منشور على جميع المنشآت الصحية على مستوى الجمهورية يتضمن تعريف الحالات والتعامل معها، والإجراءات الوقائية لمقدمي الخدمات الطبية.

كما تم رفع درجة الاستعداد وإجراءات مكافحة العدوى، وتجهيز أقسام العزل بمستشفيات الحميات، وتنشيط إجراءات ترصد أمراض الجهاز التنفسي، بجانب متابعة التقارير العالمية التي تصدر عن فيروس كورونا لحظة بلحظة.

إجراءات احترازية في الدول العربية والخليج

دفعت تحذيرات منظمة الصحة العالمية الدول العربية إلى الإعلان عن بدء تطبيق إجراءات احترازية أكثر شدة لسرعة الكشف عن أي إصاباتٍ بالفيروس، مع الأخذ بكافة التدابير اللازمة للحد من انتشاره. وأصدرت دول الخليج وفي مقدمتها سلطنة عمان بيانًا اوضحت فيه أن هناك متابعة مستمرة للوضع الوبائي لفيروس “كورونا” الجديد وأعداد المصابين، كمان نصحت السعودية مواطنيها بضرورة توخي الحذر في حال السفر إلى مناطق ظهر فيها الفيروس.

تأثيرات الفيروس على الأسواق الصينية والعالمية

تُعدُّ الصين أحد أهم المراكز الاقتصادية العالمية، وتشهد حركة هائلة للمسافرين والبضائع، وهو ما يجعلها أكثر عرضة من غيرها لتفشي الأمراض والأوبئة. وصرّح كبار المستثمرين والخبراء في بورصة “وول ستريت” بأن الفيروس تسبب في خلق مستوى جديد من عدم اليقين بالنسبة للأسواق العالمية، في الوقت الذي يشعر فيه بعض المستثمرين بالقلق إزاء التقييمات العالية. وقورن تأثير الفيروس الجديد مع فيروس متلازمة التنفسية الحادّة “SARS”، والذي ظهر لأول مرة في أواخر عام 2002 في الصين، للحصول على أدلة على كيفية تأثيره على الاقتصاد والأسواق. فمقارنة بما حدث في عام 2003، تراوحت التقديرات بخسارة ما بين 0.5٪ و2٪ من الناتج المحلي الإجمالي للصين، و0.5% لجنوب شرق آسيا.

ما هو فيروس “كورونا”؟

جاءت تسمية الفيروس التاجي “كورونا” من اللغة الإنجليزية Coronavirus، وهي من الكلمة اللاتينية corona بمعنى تاج أو هالة، وذلك لأنها تحت المجهر الإلكتروني تبدو فيه نتوءات كبيرة بصلية الشكل تعطيها شبهًا بهالة الشمس او كزوائد التاج.

ويُعدُّ هذا الفيروس من الفيروسات حيوانية المنشأ؛ أي أنه فيروس ينتقل بين الحيوانات والبشر. وقد أظهرت بعض الدراسات أنّ الإصابة بالفيروس بدأت من خلال الاتصال المباشر أو غير المباشر مع الإبل المصابة بهذا الفيروس، ويعتقد البعض أنّ الفيروس قد نشأ بدايةً في الخفافيش، وانتقل فيما بعد إلى الجمال، ثم من الجِمال إلى الإنسان. وتهاجم هذه الفيروسات الجهاز التنفسي بشكل عام، وفي معظم الحالات لا تكون الإصابة به خطيرة باستثناء الإصابة بنوعَيه المعروفين بالمتلازمة التنفسية الحادّة (SARS) ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) والتي ظهرت لأول مرة في السعودية عام 2012.

أعراض الإصابة بالفيروس وكيفية انتقاله

يتسبب فيروس “كورونا” في ظهور أعراض تشبه أعراض الأنفلونزا، وتتراوح الأعراض من خفيفة إلى متوسطة الشدة، وغالبًا ما تتمثل بأعراض الجهاز التنفسيّ العلويّ مثل الزكام، والسعال، والتهاب الحلق، والحمى، والصداع، وتستمر هذه الأعراض في معظم الأحيان لفترة قصيرة من الزمن، وهذا لا يمنع احتمالية تسبّب فيروس كورونا في بعض الأحيان بظهور أمراض الجهاز التنفسي السفلي، مثل الالتهاب الرئوي أو التهاب الشعب الهوائية، وهذه الالتهابات تكون أكثر شيوعًا في الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والرئة، وكذلك الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، والرضع، وكبار السن.

يمكن أن ينتقل فيروس “كورونا” من مصاب إلى آخر عبر الهواء عن طريق السعال والعطس، أو الاتصال الشخصي مثل اللمس أو المصافحة، وكذلك لمس الأسطح الملوثة بالجراثيم ثم لمس الفم، أو الأنف، أو العيون قبل غسل اليدين. 

علاج فيروس كورونا

لا توجد علاجات محددة للأمراض الناجمة عن فيروس “كورونا”، وقد يستغرق تطوير لقاح ضد الفيروس الجديد عامًا على الأقل، وفقًا لتصريحات الاتحاد العالمي للقاحات والتحصين. ولكن معظم الناس الذين يعانون من العدوى بفيروس “كورونا” يتعافون بشكل تلقائي، وقد تساعد العلاجات التالية، والتي نشرها مركز المراقبة والسيطرة على الأمراض الأمريكي، في تخفيف الأعراض كاستخدام مرطب للغرفة أو الاستحمام بالماء الساخن للمساعدة على تخفيف التهاب الحلق والسعال، وتناول أدوية تخفيف الألم والحمى، وشرب الكثير من السوائل، بجانب البقاء في المنزل والراحة.

مقالات وتحليلات

سياسات ناجحة لمكافحة كوفيد-19

أربعة أشهر مرت منذ أن تم الإعلان عن تفشي فيروس “كورونا المستجد” أو “كوفيد-19” بمدينة ووهان بالصين في ديسمبر 2019، والذي أصبح الآن جائحة أصابت العالم كله. 

وقد تباينت آليات الاستجابة الدولية لهذا الفيروس، فبينما نجحت بعض الدول في تطبيق سياسات وإجراءات صارمة للسيطرة على الأزمة، سقطت دول أخرى فريسة للفيروس الجديد، ولا تزال تعاني في السيطرة عليه. ووفقًا لصحيفة “النيويورك تايمز”، هناك ثلاث دول آسيوية أثبتت نجاحها -حتى الآن- في التعامل مع تفشي فيروس كورونا المستجد من خلال تطبيق استراتيجيات وسياسات لم تستطع الولايات المتحدة والدول الأوروبية تطبيقها، وهي: سنغافورة، وتايوان، وهونج كونج.

الاستفادة من التجارب السابقة

في عام 2003، تفشّى في الصين فيروس المتلازمة التنفسية الحادة أو ما يُطلق عليه فيروس سارس، وتفشى من بعدها الفيروس في العديد من الدول، لكن التأثير الأكبر كان في الدول الآسيوية المحيطة بالصين (مثل: هونج كونج، وتايوان، وسنغافورة). ولكن بعد تلك الأزمة بدأت تلك البلدان في وضع خطط واستراتيجيات على مدار 17 عامًا، بهدف بناء أنظمة صحة عامة مدعمة بتشريعات قوية ارتكز أساسها على تقديم الصالح العام في مقابل أي مخاوف تتعلق بخصوصيات الأفراد. على سبيل المثال، تم فرض عقوبات جنائية على المخالفين لقواعد الحجر الصحي، والاستعانة بقواعد البيانات المسجلة في كافة مستشفيات التأمين الصحي. 

وتتكون الأنظمة الصحية العامة من ثلاثة مكونات رئيسية؛ أولها: عيادات متخصصة للأوبئة، من أجل ترصد وتعقب وكشف الفيروسات. ثانيها: إدارة الأزمات للتخطيط الدائم ووضع خطط استباقية لمواجهة أي أوبئة من المتوقع حدوثها. ثالثها: التوعية المستمرة للمواطنين خلال العام بالإجراءات الوقائية بهدف رفع مستوى الصحة العامة بين المواطنين.

ويُمكن تقييم فاعلية الأنظمة الصحية العامة في مواجهة الأوبئة من خلال مقارنة إحصائيات الإصابة والوفيات الناتجة عن كلٍّ من فيروس سارس في عام 2003 الذي أصاب حوالي 8400 شخص في العالم، وفيروس “كوفيد 19” الذي أصاب -حتى كتابة هذا المقال- حوالي 270 ألف شخص على مستوى العالم. ويتضح من الرسوم البيانية التالية انخفاض أعداد المصابين والوفيات الناتجة عن فيروس كوفيد-19 في هونج كونج، وسنغافورة، وتايوان، على الرغم من ارتفاع أعداد الإصابة به في العالم، وهو ما يؤكد نجاح السياسات الوقائية والصحية المُطبّقة في تلك البلدان حتى الآن.

سرعة الاستجابة والتدخل المبكر

في 31 ديسمبر 2019، عندما تم الإعلان ولأول مرة عن وجود فيروس كورونا المستجد في الصين، بدأت كل من سنغافورة وتايوان وهونج كونج في الاستعداد، وبحلول الوقت الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية العامة في نهاية يناير 2020، كانوا بالفعل على أتم الاستعداد للتعامل مع الأزمة من خلال حزمة من السياسات والاستراتيجيات، شملت ما يلي:

1- التتبع الجيد والتعقب السريع لمسار الفيروس مع الاستغلال الأمثل للبيانات المتاحة من خلال: 

– فحص كافة المسافرين القادمين من كافة البلدان داخل المطارات، وعزل المشتبه في إصابتهم فورًا، مع تعقّب وفحص كل الحالات المشتبه بإصابتها بالفيروس، وكذلك التواصل الفوري مع كافة المخالطين والمحتمل إصابتهم بالفيروس. 

– جمع ورصد كافة البيانات عن الشخص المصاب في أسرع وقت ممكن (خلال ساعتين على الأكثر): كيف أُصيب؟ أين أُصيب؟ من هم المخالطون له؟ 

– استخدام قواعد البيانات الخاصة بالتأمين الصحي وبيانات السفر والجمارك للكشف عن أي أشخاص من المحتمل أن يكونوا مصابين بالفيروس.

2- توعية المواطنين بشكل دائم، من خلال: 

– الإعلان الفوري عن التفاصيل الخاصة بأماكن عمل وإقامة المصابين بالفيروس، وبالتالي مساعدة الآخرين ممن خالطوهم على حماية أنفسهم.

– توفير الاختبارات الخاصة بفيروس كورونا بالمجان.

– توعية المواطنين بأهمية التباعد الاجتماعي ودوره في الحد من انتشار الفيروس.

3- فرض إجراءات عزل وحجر صحية صارمة، من خلال: 

– عزل الأشخاص الذين لديهم نتائج إيجابية في المستشفيات حتى تمام الشفاء.

– الحجر الصحي في المنزل للأشخاص القادمين من الخارج حتى في حال عدم ظهور أعراض عليهم. 

– عمل حجر صحي كامل في بؤر تفشي الفيروس داخل المدن، مع التعامل بصرامة وحزم مع المخالفين لقرارات الحجر.

وأخيرًا وليس آخرًا، شفافية الحكومات في التعامل مع الأزمة من خلال الإفصاح أولًا بأول عن أعداد المصابين وحالتهم الصحية، والوضع الحالي للفيروس. هكذا، استطاعت تلك البلدان أن تخلق حالة من الثقة المتبادلة بين الحكومة والمواطنين، وهو ما جعل المواطنين فيما بعد أكثر اطمئنانًا وثقةً في تنفيذ القرارات الحكومية الصادرة مهما بلغت صرامتها بشكل فوري، وهو ما ساهم بالفعل في السيطرة على تفشي الفيروس وانخفاض أعداد المصابين به.