بسنت جمال

بسنت جمال

مقالات وتحليلات

خلافًا للتوقّعات: كيف تحسّنت حركة الملاحة في قناة السويس رغم تداعيات جائحة كورونا؟

يُعتبر النقل البحري أهم سبل انتقال السلع والبضائع بين الدول وبعضها بعضًا، حيث يتم نقل أكثر من 90% من التجارة العالمية عبر البحار والمحيطات، وفقًا للغرفة الدولية للشحن البحري، كما أنه يمثل حلقة أساسية في سلاسل التوريد العالمية لعدد لا حصر له من السلع والمنتجات. 

وشهد قطاع الشحن البحري اضطرابًا قويًّا منذ عام 2018 مع اندلاع شرارة الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم (الولايات المتحدة، والصين)، وتضاعفت هذه الاضطرابات بضغطٍ من انتشار وباء كورونا بحلول بداية العام الجاري، الذي وجه ضربة قوية للتجارة العالمية بشكل عام والنقل البحري بشكل خاص في ظل إغلاق أجزاء رئيسية من الاقتصاد العالمي.

وبالتطبيق على قناة السويس، باعتبارها أحد المعابر البحرية الهامة في العالم؛ نجد أنه لم تظهر أي تأثيرات سلبية على أداء القناة حتى نهاية النصف الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019، بل على العكس من ذلك، أظهرت جميع المؤشرات (أعداد السفن العابرة – الحمولة العابرة للقناة – الإيرادات) تحسنًا في نشاطها.

ويتناول هذا المقال التحليلي، تأثير وباء كورونا على حركة التجارة البحرية منذ بداية العام بالتطبيق على أداء قناة السويس خلال هذه الفترة مع عرض تطور نشاطها خلال السنوات العشر السابقة.

تأثير جائحة كورونا على حركة التجارة البحرية

ظهر فيروس كورونا منذ ديسمبر 2019 في مدينة “ووهان” الصينية لينتشر بعد ذلك إلى جميع دول العالم تقريبًا، مما أدى إلى إغلاق عدد كبير من المصانع والمحال التجارية، وفرض حالة من الإغلاق العام للحد من انتشار الوباء، وهو ما أسفر عن تراجع الإنتاج الصناعي، وبناءً عليه انخفاض حركة التجارة العالمية. وكشفت بيانات منظمة التجارة الدولية تسجيل مؤشر التجارة السلعية العالمي أدنى مستوى على الإطلاق عند 84.5 نقطة بانخفاض قدره 18.6 نقطة.

كما توقعت المنظمة انخفاض حركة التجارة حول العالم بما يتراوح بين 13% وحتى 32% خلال 2020 بسبب وباء كورونا، بما يتجاوز الركود الناجم عن الأزمة المالية العالمية عام 2008، مؤكدة على انتشار حالة من عدم اليقين حيال التأثير الاقتصادي للأزمة الصحية غير المسبوقة، وبطبيعة الحال تأثر قطاع النقل البحري والشحن والتفريغ بسبب توقف حركة التجارة العالمية وتقليص عدد الرحلات لبعض الموانئ، فضلًا عن إلغاء العديد من الصفقات التجارية بين الدول وبعضها بعضًا، بالإضافة إلى اتخاذ بعض الدول قرارًا بحظر تصدير عدد معين من السلع الاستراتيجية. ويُعتبر تراجع الإنتاج الصناعي العالمي مؤشرًا على انخفاض الطلب على خدمات النقل البحري، بسبب قلة حجم البضائع التي يتم نقلها بحرًا، وهو ما يتضح على النحو الآتي:

الشكل رقم (1): نمو الإنتاج الصناعي العالمي بحسب المنطقة

 Source: Statista, Global industrial production growth between April 2019 and April 2020, by region.

يتبين من الرسم السابق أن الإنتاج الصناعي سجل تراجعًا ملحوظًا في الفترة بين أبريل 2019 وحتى أبريل 2020؛ إذ انكمش الإنتاج الصناعي العالمي، باستثناء الولايات المتحدة، بنسبة 8.95% خلال أبريل الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ويقارن هذا بانكماش بنسبة 8.5٪ على أساس سنوي في الاقتصادات المتقدمة (باستثناء الولايات المتحدة) خلال الفترة نفسها.

ثانيًا- أداء قناة السويس خلال جائحة كورونا

تعتبر قناة السويس أحد أهم ممرات النقل البحري بين أوروبا وآسيا، وواحدة من أهم مصادر العملة الأجنبية للحكومة المصرية، وعلاوة على ذلك فإنها توظف 14 ألف عامل مصري، وتوفر العديد من الوظائف بشكل غير مباشر في عدد من القطاعات الأخرى، وحظيت القناة بإشادة دولية من منظمة “BIMCO” -التي تُعد أكبر تجمع دولي للنقل البحري في العالم- بشأن أداء قناة السويس المتميز رغم تداعيات فيروس كورونا المستجد، ويُمكن الاستدلال على قوة نشاط قناة السويس من المؤشرات الآتية

1- أعداد السفن العابرة بالقناة

شهدت أعداد السفن المارَّة بقناة السويس زيادة تبلغ نسبتها 10.28% بداية من العام المالي 2009-2010 وحتى 2019-2020، حيث ارتفعت من 17.5 ألف سفينة إلى 19.3 ألف سفينة. انظر الشكل (2)

الشكل (2): أعداد السفن العابرة في القناة سنويًّا (ألف سفينة)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020 & الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة خلال العام المالي 2019-2020.

يتضح من الشكل السابق ارتفاع أعداد السفن إلى أعلى مستوياتها خلال العام المالي السابق عند 19.3 ألف سفينة بارتفاع سنوي يبلغ 4.4%، وذلك بدعم من نجاح سياسات إدارة القناة على مدار السنوات القليلة الماضية. وعن أداء القناة خلال أزمة كورونا، يُمكن توضيحه من خلال الشكلين التاليين:

الشكل رقم (3): أعداد السفن شهريًّا (2019-2020)

المصدر: الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة شهريًّا.

الشكل رقم (4): أعداد السفن النصف سنوية (2019-2020)

المصدر: الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة النصف السنوي.

يتبين من الشكل (3) أن أعداد السفن شهدت ارتفاعًا بداية من يناير 2020 وحتى يونيو 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019. أما فيما يتعلق بعام 2020، فسنجد أن أعداد السفن تراجعت بنحو 14.7% منذ أبريل 2020 عند 1731 سفينة وحتى يونيو 2020 عند 1476 سفينة. في حين يتضح من الشكل (4) أن الأداء النصف السنوي للقناة ككل شهد تحسنًا مقارنة بعام 2019؛ إذ ارتفع عدد السفن العابرة للقناة خلال الفترة (يناير- يونيو 2020) بنحو 4.7% من 9114 سفينة إلى 9545 سفينة.

2- حمولات السفن العابرة في القناة

ارتفعت الحمولات العابرة للقناة خلال النصف الأول من 2020 بحوالي 0.6% أو 3.5 ملايين طن إلى 587.6 مليون طن مقابل 584.1 مليون طن خلال أول ستة أشهر من 2019، مما يدلل على عدم تأثير فيروس كورونا بشكل بالغ على هذا المؤشر. وعلى الأداء السنوي، يُمكن النظر للشكل التالي:

الشكل رقم (5): حمولة السفن العابرة سنويًّا (مليون طن)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020 & الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة خلال العام المالي 2019-2020.

من الشكل السابق، يُمكن القول إن حمولة السفن العابرة للقناة قفزت بنسبة 53.6% منذ 2009-2010 إلى العام المالي 2019-2020، مسجلة أعلى مستوياتها خلال الأخير عند 1.21 مليار طن.

3- رسوم المرور من قناة السويس

ارتفعت إيرادات قناة السويس خلال الفترة محل الدراسة بنحو 26.5% من 4.52 مليارات دولار خلال 2009-2010 إلى 5.72 مليارات دولار في 2019-2020. انظر الشكل (6).

الشكل (6): رسوم المرور من قناة السويس سنويًّا (مليار دولار)

 المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020 & الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة خلال العام المالي 2019-2020.

يتبين من الشكل السابق أن رسوم المرور من قناة السويس تراجعت بنحو طفيف 0.17% على أساس سنوي، ويرجع ذلك إلى انخفاض حركة التجارة العالمية بنسبة 18.5% خلال الربع الثاني لعام 2020 (الربع الرابع للعام المالي 2019-2020) بضغطٍ من تداعيات أزمة كورونا على سوق النقل البحري بشكل عام وبعض فئات السفن بشكل خاص، أبرزها فئة سفن الركاب وحاملات السيارات.

وعن الأداء الشهري لإيرادات القناة خلال 2020، فقد تبين أن رسوم المرور تراجعت بحوالي 18% من 497.1 مليون دولار في يناير 2020 إلى 406.7 ملايين دولار بحلول يونيو 2020. أما عن النشاط نصف السنوي فيُمكن توضيحه كما يلي:

الشكل رقم (7): رسوم المرور من قناة السويس النصف سنوية (مليار دولار)

المصدر: الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة نصف السنوي.

ورغم انخفاض رسوم المرور على أساس شهري خلال العام الجاري؛ إلا أنها قد ازدادت خلال النصف الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق بنحو 3.7% على أساس سنوي.

وفي الختام، يُمكن تأكيد أن أداء قناة السويس جاء أفضل من التوقعات التي أشارت إلى تراجع عدد السفن العابرة بالقناة والإيرادات، وذلك رغم تراجع هذه المؤشرات خلال بعض الشهور بسبب تراجع التجارة العالمية، وأيضًا بسبب انخفاض أسعار النفط الذي ساهم في اتجاه السفن للعبور من خلال رأس الرجاء الصالح بدلًا من قناة السويس تجنبًا لرسوم العبور المفروضة.

مقالات وتحليلات

تداعيات فيروس كورونا على قطاع الملابس الجاهزة

امتدّت تأثيرات فيروس كورونا إلى كافة القطاعات الرئيسية والفرعية في جميع دول العالم، وهو ما ترتّب عليه انخفاض حركة التجارة العالمية بنحو 3% خلال الربع الأول من العام الجاري، مع وجود توقعات بتراجع التجارة السلعية بحوالي 20% هذا العام. ومن المتوقّع أيضًا أن يشهد الاقتصاد العالمي أكبر انكماش منذ الحرب العالمية الثانية. وتعتبر صناعة الملابس الجاهزة في مقدمة القطاعات المتضررة من انتشار الوباء، حيث أضفى المزيد من الصعوبات على هذه الصناعة، والتي كانت تعاني قبل الأزمة من تفاقم فوائض الإنتاج، وارتفاع المخزونات بالمصانع، وزادها انتشار الفيروس سوءًا مع توقف أغلب الطلبيات من الأسواق الرئيسية المستهلكة.

ويعرض هذا المقال أهم تداعيات فيروس كورونا على صناعة الملابس الجاهزة عالميًّا ومحليًّا، مع توجيه التركيز على أهمية هذه الصناعة للاقتصاد المصري.

أولًا- كورونا يزيد التحديات أمام صناعة الملابس والأزياء حول العالم

ألقى فيروس كورونا بالمزيد من العقبات أمام صناعة الملابس الجاهزة حول العالم بسبب ارتباطها بظاهرة العولمة بشكل كبير في ظل اعتمادها في العديد من البلدان على مدخلات الإنتاج الصينية. ولهذا أدى انتشار الوباء في الصين أولًا إلى تعطيل سلاسل التوريدات العالمية مع اضطراب حركة الشحن الجوي والبحري والبري، وهو ما يبرز مفهوم تأثير الدومينو Domino effect الذي ظهر جليًّا خلال أزمة كورونا.

كما تضررت الصناعة في ظل حالات الإغلاق التي شهدتها المصانع ومتاجر تجارة التجزئة مع فرض حظر التجوال على حركة المواطنين، هذا بالإضافة إلى إلغاء أو تأجيل العديد من الدول لطلبياتها من الموردين. أمّا المستهلكون فقد لجأ قطاع عريض منهم بشكل كبير إلى شراء السلع الأساسية كالغذاء، مع تأجيل فكرة شراء ملابس جديدة، خاصة في ضوء انخفاض معدلات الخروج من المنازل. إضافة إلى كل ما سبق، فإن صناعة الملابس تتسم بأنها صناعة ذات دورة حياة قصيرة بسبب تغير أذواق المستهلكين بشكل سريع، فضلًا عن ارتباط كل موسم بمنتجات معينة من الملابس. ويوضح الشكل رقم (1) وضع الصين داخل هذه الصناعة مقارنة بعدد من الدول الأخرى.

الشكل (1): أهم 20 دولة مصدّرة للمنسوجات والملابس (% من الصادرات العالمية) في عام

2019

Source: UNCTAD, Textile and garment supply chains in times of COVID-19: challenges for developing countries, May 2020.

يتضح من الشكل السابق أن الصين تستحوذ على أكثر من 35% من إجمالي صادرات الملابس العالمية بما في ذلك المنسوجات ومدخلات الإنتاج، وهو ما يعني أن حدوث أي ضرر بسيط في معدلات إنتاج مصانع الملابس الصينية أو قدرتها التصديرية، سيُلقي بظلاله على باقي دول العالم. ويوضح الشكل رقم (2) النسبة التي تمثلها صادرات الملابس من إجمالي صادرات أهم 20 دولة في تلك الصناعة. وكانت الدولة الآسيوية الأكثر تضررًا من تفشي المرض هي بنجلاديش التي تمثل صادراتها للملابس نحو 85% من إجمالي صادراتها.

شكل (2): أهم 20 دولة مصدّرة للمنسوجات والملابس (حصة من إجمالي صادرات الدولة) – عام 2019

 Source: UNCTAD, Textile and garment supply chains in times of COVID-19: challenges for developing countries, May 2020.

ثانيًا- أهمية صناعة المنسوجات والملابس الجاهزة للاقتصاد المصري

يمثل قطاع الملابس الجاهزة والصناعات النسيجية عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد المصري، حيث يعد واحدًا من أكبر ‏القطاعات إسهامًا في التشغيل؛ إذ يوظف القطاع حوالي 1.5 مليون عامل، ويساهم بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي. كما يمثل حوالي 12% من الصادرات غير البترولية، وفقًا للهيئة العامة للرقابة على ‏الصادرات والواردات.

ومن المنطقي أن تتأثر صناعة الملابس الجاهزة المصرية بأزمة كورونا، وذلك بسبب احتلالها مكانة أساسية بين أهم 20 دولة مصدرة للمنسوجات والملابس، حيث تشارك بنسبة أقل من 5% في صادرات الملابس العالمية، فيما تحتل هذه الصناعة أكثر من 10% من إجمالي الصادرات المصرية (انظر الشكلين رقم 1، 2).

ويُمكن توضيح تأثير أزمة كورونا على هذا القطاع في مصر من خلال النقاط التالية:

1- الوباء يهدد استراتيجية الحكومة لتطوير قطاع المنسوجات

أصدرت وزارة قطاع الأعمال العام في سبتمبر 2019 استراتيجية جديدة تهدف إلى تعزيز مكانة صناعة النسيج المصرية محليًا وعالميًا. وتضمنت الخطة تقليل خسائر الشركات وزيادة الأرباح بتكلفة استثمارية إجمالية تبلغ 21 مليار جنيه. كما خططت الحكومة لزيادة صادرات المنسوجات والملابس إلى أربعة أضعاف بحلول عام 2025.

ولكن لم تضع الحكومة المصرية بالطبع فيروس كورونا في اعتبارها عند رسم هذه الاستراتيجية، ولهذا من الممكن أن يهدد فيروس كورونا تنفيذ الخطة، لا سيّما في ضوء استيراد مصر المواد الأولية من خمس دول كبرى، هي: الصين، والهند، وتركيا، وإندونيسيا، والولايات المتحدة. فيما تتركز صادراتها في خمس دول أيضًا، هي: الولايات المتحدة، وإسبانيا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وتركيا. ومع اضطراب حركة التجارة الدولية بشكل عام، فمن المتوقع أن تتأثر معدلات إنتاج هذا القطاع وحجم صادراته خلال الفترة المقبلة.

2. اتجاه مصانع المنسوجات والملابس لتصنيع الكمامات

لجأ عدد كبير من مصانع تصنيع الملابس إلى تصنيع الكمامات. كما بدأت هذه المصانع في إجراء اختبارات مطابقة أقنعة الوجه الطبية للمواصفات التي أقرتها وزارة التجارة والصناعة في خطوة تهدف إلى تنشيط المبيعات والاستفادة من الأزمة في ظل زيادة الإقبال على الكمامات مع إلزام الحكومة للمواطنين بارتدائها.

وفي السياق ذاته، اتفقت د. نيفين جامع، وزيرة التجارة والصناعة، مع ممثلي قطاع صناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة من أجل البدء فورًا في تصنيع الكميات اللازمة من القماش لتلبية احتياجات وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي لإتاحتها للطلاب خلال امتحانات نهاية العام، مع السعي إلى توفيرها لكافة فئات الشعب المصري خلال المرحلة المقبلة بالتزامن مع خطة الدولة لإعادة افتتاح بعض الأنشطة تدريجيًا.

3. صادرات الملابس الجاهزة في ظل انتشار كورونا

تحتل صادرات الملابس الجاهزة نسبة لا يستهان بها من إجمالي الصادرات المصرية، كما أنها شهدت ارتفاعًا على مدار السنوات الماضية، ولكن من المتوقع أن تنكمش صادرات قطاع الملابس الجاهزة والمفروشات المنزلية بنسبة تتراوح بين 30-40% خلال العام الجاري نتيجة لتداعيات كورونا وتأثيراته السلبية على حجم الطلب في الأسواق العالمية، وذلك وفقًا لـ”محمد قاسم”، نائب رئيس غرفة الملابس الجاهزة والمفروشات المنزلية باتحاد الصناعات. ويوضح الشكلان (3) و(4) قيمة صادرات الملابس الجاهزة خلال الأعوام المالية (2010/2011 – 2018/2019).

شكل (3): قيمة صادرات الملابس الجاهزة (مليون دولار)

المصدر: البنك المركزي المصري.

شكل (4): قيمة صادرات الملابس الجاهزة شهريًّا (مليون دولار)

المصدر: المجلس التصديري للغزل والنسيج والملابس الجاهزة والمفروشات المنزلية.

ويتضح من الرسم السابق أن صادرات مصر من الملابس الجاهزة سجلت انخفاضًا في الفترة من يناير وحتى مارس 2020، وذلك على الرغم من أن تطبيق حظر التجوال وقرارات الإغلاق تمت في منتصف مارس، وهو ما يؤكد أن الإضرار بصناعة الملابس المحلية لم يتوقف على انتشار كورونا بداخل الدولة فحسب، ولكنه يعتمد على مدى تفشي المرض في باقي الدول التي تلعب دورًا رئيسيًا في سلاسل الإمدادات.

وبناء على ما سبق، تراجعت قيمة صادرات مصر من الملابس الجاهزة خلال الربع الأول من 2020 بنسبة 8% لتبلغ 372 مليون دولار في مقابل 406 ملايين دولار خلال الربع الأول من 2019. ويوضح الجدول التالي التوزيع الجغرافي للصادرات.

جدول (1): توزيع صادرات الملابس الجاهزة جغرافيًّا خلال الربع الأول من 2019-2020

المصدر: المجلس التصديري للغزل والنسيج والملابس الجاهزة والمفروشات المنزلية.

ثالثًا- سبل تخفيف حدة تداعيات الوباء على صناعة الملابس

يُمكن تخفيف حدة تداعيات فيروس كورونا على صناعة الملابس من خلال سعي المصانع والمتاجر إلى استخدام أساليب غير تقليدية لزيادة المبيعات، والاعتماد على التجارة الإلكترونية بشكل أوسع من أجل تقليل الزحام مراعاة للإجراءات الاحتزارية الهادفة للحد من انتشار الوباء. كما يُمكن أن توجه الحكومة حزمًا تحفيزية مباشرة لهذا القطاع، مع تشجيع المصانع لإعادة توجيه مواردها لتصنيع منتجات يزداد عليها الطلب خلال الفترة الراهنة كالكمامات والرداء الطبي.

ومن المرجّح أن يعيد فيروس كورونا رسم صناعة الملابس الجاهزة من كافة النواحي، حيث تشير التوقعات إلى إمكانية اتجاه الحكومات إلى الاعتماد على سلاسل توريد أقل طولًا وفي نطاق الإقليم الجغرافي، مع زيادة التركيز على مستلزمات الإنتاج المحلية أو الإقليمية بما سيؤدي إلى خفض المدد الزمنية للإنتاج، كما أنه من الممكن أن يتجه مصممو الأزياء ومنتجو الملابس نحو تصنيع منتجات لا تعتمد على موسم بعينه.

مقالات وتحليلات

تعزيز الشمول المالي في مواجهة كورونا

يُعد مصطلح “الشمول المالي” من أهم الركائز التي يقوم عليها النمو الاقتصادي على مستوى العالم. ويقصد بالشمول المالي سعي البنوك للوصول إلى الشرائح المجتمعية التي لا تمتلك تعاملات بنكية من أجل مساعدتهم على الاستفادة من الخدمات المالية المختلفة كالاقتراض والإيداع والادخار. ويسهم الشمول المالي في تخفيف حدة الفقر، بالإضافة إلى أبعاده الاجتماعية، بدءًا من الاهتمام بالأسر محدودة الدخل وتمكين المرأة اقتصاديًّا، وحتى تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر ودمجها بالقطاع المالي الرسمي، ما يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة، وبالتالي خفض معدلات البطالة والفقر وتحسين توزيع الدخل ورفع مستوى المعيشة، الأمر الذي يحقق النمو الاقتصادي والاجتماعي المستدامَيْن.

ومنذ عام 2010، تعهدت أكثر من 55 دولة بتحقيق الشمول المالي، وقامت أكثر من 30 دولة بإطلاق وإعداد استراتيجيات ومبادرات وطنية لتحقيق هذا المفهوم بجوانبه الواسعة، وذلك انطلاقًا من أهميته في تعزيز الإصلاح الاقتصادي ودعم الأنشطة الاقتصادية مع تشجيع جميع الأفراد من كافة المستويات المعيشية على الانخراط في النظام المالي. ولا تقتصر أهمية الشمول المالي على ذلك فقط، بل إنه يُمكن أن يساعد في تعزيز إجراءات مواجهة فيروس كورونا الذي جاء ليفرض ضغوطًا جديدة على النظام المصرفي في ظل زيادة الحاجة إلى التحول الرقمي وتطوير الخدمات المالية الرقمية وتطبيقات المدفوعات الإلكترونية أكثر من أي وقت مضى. ومع البحث وجدنا أن هناك علاقة تبادلية بين تعزيز الشمول المالي وسبل مكافحة تداعيات كورونا.

هذا المقال يحاول إلقاء الضوء على طبيعة العلاقة بين الشمول المالي ومواجهة أزمة كورونا، مع تحديد حالة الشمول المالي في مصر والعالم. 

أولًا- تطور الشمول المالي حول العالم

كشف تقرير صادر عن البنك الدولي في عام 2017 عن قاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي، الذي يغطي أكثر من 140 دولة حول العالم، أن هناك 515 مليون بالغ قاموا بفتح حسابات إما لدى البنوك أو من خلال شركات تقديم الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول في الفترة (2014-2017)، ما يعني أن 69% من البالغين -أي 3.8 مليارات شخص- يمتلكون حسابات مصرفية، مقارنة بحوالي 62% في عام 2014، وحوالي 51% في عام 2011.

وعلى الرغم من تسارع وتيرة تحقيق الشمول المالي عالميًا، إلا أن هناك تفاوتًا بين الدول النامية والمتقدمة في هذا الشأن، حيث يمتلك 94% من البالغين في الدول مرتفعة الدخل حسابات مصرفية، مقابل 63% فقط في البلدان الفقيرة، ولهذا فإن غالبية الأفراد الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية -والبالغ عددهم 1.7 مليار شخص حتى عام 2017- يعيشون في الدول النامية. ويرجع ذلك التفاوت إلى أسباب عديدة، منها أن بعض الأفراد لا يمتلكون أموالًا كافية تستدعي فتح حسابات مصرفية، والبعض الآخر يجد أن تكلفة فتح الحساب مرتفعة، خاصة في حالة وجود مسافة كبيرة بين محل السكن وأقرب فرع مؤسسة مالية، بالإضافة إلى عدم توفر المستندات المطلوبة لدى آخرين، أو انعدام الثقة في النظام المالي والمصرفي.

لكن لا يقتصر مفهوم الشمول المالي على فتح حساب مصرفي فحسب، بل يمتد إلى كيفية استفادة الفرد من هذا الحساب على أكمل وجه، وذلك عن طريق ربط الحساب باستخدام الهواتف الذكية والإنترنت لإجراء المعاملات المالية. فقد ارتفعت نسبة مالكي الحسابات الذين يقومون بإرسال أو تلقي المدفوعات رقميًّا خلال الفترة (2014-2017) من 67% إلى 76% عالميًا. وعلى الرغم من هذا التحسن، إلا أن هناك حوالي مليار فرد بالغ حول العالم من مالكي الحسابات يدفعون فواتير المرافق نقدًا، كما يعمل حوالي 300 مليون بالغ من مالكي الحسابات في القطاع الخاص ولا يزالون يتقاضون أجورهم نقدًا، وهو ما يستدعي الحاجة إلى تطوير التكنولوجيا الرقمية والاستفادة من المعاملات النقدية الحالية لإدخال أكبر عدد ممكن من المواطنين في النظام المصرفي وتعزيز الشمول المالي بدوره.

ثانيًا- أين تقع مصر في خريطة تطوير الشمول المالي؟

تتعامل الحكومة المصرية مع الشمول المالي كأولولية منذ إطلاق استراتيجية التنمية المستدامة 2030 التي ركزت على تعزيز هذا المفهوم. كما دشن البنك المركزي المصري الإدارة المركزية للشمول المالي في نوفمبر 2016 لتعزيز التنسيق والتعاون مع الأطراف المعنية في هذا الشأن. ومنذ ذاك التاريخ وحتى وقتنا هذا، أطلق المصرف المركزي والحكومة المصرية عدة مبادرات، واتخذ عددًا من القرارات التي ارتكزت على دمج الأفراد في القطاع المالي مع تقديم عدد من التسهيلات الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من أجل إدخال القطاع غير الرسمي تحت مظلة نظيره الرسمي، وفيما يلي أبرز هذه المبادرات:

1- إلزام البنوك بتأسيس إدارة للشمول المالي: اتخذ البنك المركزي هذا القرار في مارس 2020 من أجل إزالة العوائق الأساسية التي تحول دون وصول الخدمات والمنتجات المصرفية لكافة فئات المجتمع، خاصة الفئات المستبعدة ماليًّا. كما طالب البنك البنوك التجارية بإعداد استراتيجية متوسطة الأجل لتحقيق الشمول المالي، ووضع خطة عمل سنوية تتضمن التوسع الجغرافي، والتواجد في القرى والمناطق النائية، وتطوير المنتجات القائمة، والعمل على تلبية احتياجات فئات العملاء المستبعدة ماليًّا خاصة المرأة والشباب، فضلًا عن التوسع في تقديم الخدمات المالية الإلكترونية.

2- إعداد الاستراتيجية الوطنية للتكنولوجيا المالية: انتهى البنك المركزي من إعداد هذه الاستراتيجية في 2019 التي تُعَدُّ حلقة الوصل بين رؤية البنك المركزي ورؤية مصر 2030، خاصةً أن الاعتماد على تطبيقات التكنولوجيا المالية يحقق العديد من المنافع الاقتصادية، وتوفر تلك التطبيقات خدمات مالية تلبي احتياجات العملاء بأسعار تنافسية، كما تسهم في خفض تكاليف المؤسسات المالية، وتعظيم عوائدها.

وتتناول الاستراتيجية عددًا من المحاور الأساسية؛ أهمها: تلبية جانب الطلب على خدمات التكنولوجيا المالية، وتنمية واستغلال المواهب والقدرات الابتكارية، فضلًا عن استهداف زيادة تمويل مشروعات التكنولوجيا المالية، وتعزيز القواعد الرقابية والتنظيمية المشجعة لصناعة التكنولوجيا المالية، بالإضافة إلى تطبيق قواعد الحوكمة الداعمة لصناعة التكنولوجيا المالية.

3- إطلاق بطاقة “ميزة”: تم التشغيل التجريبي لمنظومة بطاقة الدفع ذات العلامة التجارية الوطنية “ميزة” بنهاية ديسمبر 2018. ويتشابه كارت “ميزة” مع البطاقات البنكية الأخرى، حيث تُمكِّن حاملها من إجراء المعاملات الإلكترونية، وسداد مقابل الخدمات الحكومية، والرسوم، وصرف أنواع الدعم المختلفة. وتساهم هذه البطاقة في تحقيق الشمول المالي، خاصة مع انخفاض تكاليف إصدارها.

4- مبادرة “حساب لكل مواطن”: أطلق البنك المركزي في مايو 2017 هذه المبادرة التي تتضمن قيام البنوك بفتح الحسابات بدون مصاريف خلال أسبوع “اليوم العربي للشمول المالي” لتشجيع المواطنين على فتح حسابات بنكية، مع زيادة توعية الأفراد في الأقاليم والمناطق النائية بأهمية المشاركة في المبادرة.

5- مبادرة تمويل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة: ألزم البنك المركزي المصري البنوك بتخصيص نسبة 20% من محافظها الائتمانية لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة على مدار 4 سنوات ابتداء من 2016. وقد بلغت الزيادة في محفظة القروض والتسهيلات لهذه المنشآت خلال الفترة من ديسمبر 2015 حتى سبتمبر 2018 حوالي 115.2 مليار جنيه، واستفاد منها عدد 491 ألف عميل.

ورغم هذه الجهود، كشفت إحصائيات البنك الدولي أن 33% فقط من المصريين الذين تتجاوز أعمارهم 15 عامًا يمتلكون حسابات مالية بالبنوك أو البريد، في حين وصل عدد البطاقات المصرفية ومحافظ الهاتف المحمول إلى 35 مليون بطاقة، و14.5 مليون محفظة على الترتيب. ويوضح الجدول التالي توزيع الحسابات المصرفية في مصر حتى 2018 على فئات مختلفة. 

وترجع نسبة انخفاض مالكي الحسابات المصرفية في مصر رغم الجهود المبذولة من قبل السلطات التنظيمية إلى عدم قدرة النظام المصرفي حتى الآن على الوصول إلى العاملين بالاقتصاد غير الرسمي، مع افتقار المواطنين للمعرفة المالية اللازمة لفتح حسابات بنكية وكيفية الاستفادة من الخدمات المتاحة، وهو ما يتطلب جهدًا إضافيًا من المؤسسات المالية لتوفير التثقيف المالي المناسب للفئات المختلفة. هذا إلى جانب عدم ثقة الأفراد في قنوات الدفع الإلكتروني، ولهذا تفضل نسبة كبيرة من مستخدمي منصات التجارة الإلكترونية اللجوء للدفع النقدي.

ثالثًا- تعزيز الشمول المالي في مواجهة كورونا

يرتبط الشمول المالي بإجراءات مواجهة فيروس كورونا بعلاقة تبادلية، ذلك أن تعزيز الشمول المالي يُمكن أن يساعد في تخفيف حدة تداعيات الوباء. كما أن قرارات مكافحة كورونا يعزز الشمول المالي والتحول الرقمي في مصر والعالم، حيث تتمثل أهم إجراءات الحد من انتشار الفيروس في فرض حظر التجوال ومنع المخالطة الاجتماعية، وهو ما قد يؤدي إلى اتجاه الأفراد لاستخدام المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية من أجل إجراءات المعاملات اليومية دون الحاجة للذهاب إلى فرع البنك. وهكذا، برزت خلال أزمة كورونا أهمية الشمول المالي للأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب ضرورة استخدام مزايا التكنولوجيا الرقمية في القطاع المالي من أجل قضاء المواطنين حاجاتهم المالية والمصرفية عن بعد. ولذلك، من المرجح أن تعزز القيود على حركة الأفراد من التكنولوجيا الرقمية كإحدى دعائم الشمول المالي.

من ناحية أخرى، من المتوقع أن يساعد تعزيز الشمول المالي في مواجهة تداعيات كورونا عن طريق تسهيل وصول حزم المساعدات المالية الحكومية إلى الأفراد والشركات المتضررة من الفيروس. كما يُمكن تطبيق سياسات تحويل الأموال مباشرة إلى الأسر بسهولة إذا كانت الدولة تتمتع بدرجة كبيرة من دمج الأفراد في النظام المصرفي.

مقالات وتحليلات

حركة الاندماج والاستحواذ بين الشركات عقب أزمة كورونا

لا تقتصر الخسائر الناجمة عن تفشي فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي على التأثيرات الكلية فقط المتمثلة في تداعيات الجائحة على نمو الناتج المحلي الإجمالي والصادرات أو معدلات البطالة على سبيل المثال؛ بل تمتد لتشمل المكونات الجزئية للاقتصاد، حيث تمثل الشركات جزءًا مهمًّا من تلك المكونات نظرًا لدورها في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير فرص للعمالة وزيادة معدلات الإنتاج. وقد تأثرت أنشطة تلك المؤسسات في جميع القطاعات وعلى كافة الأصعدة، ابتداءً من تسريح عدد كبير من عمالها أو تسجيلها خسائر باهظة في ظل انخفاض مبيعاتها بسبب إغلاق عدد كبير من مصانعها أو فروعها حول العالم، وخفض عدد ساعات العمل وفرض حظر التجوال. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليؤثر على حركة الاندماج والاستحواذ بين الشركات حول العالم، وهو الأمر الذي يستدعي إلقاء مزيد من الضوء على كيفية تأثير الوباء على تلك العمليات، مع عرض أهم التوقعات حول صفقات الاستحواذ بعد انتهاء الأزمة. 

كورونا ينال من عمليات الاندماج والاستحواذ حول العالم

يُقصد بالاستحواذ “قيام كيان بالسيطرة ماليًّا وإداريًّا على نشاط شركة أخرى عبر تملك حصة من رأس المال أو حقوق التصويت”، بينما يشير الاندماج إلى “توحيد شركتين أو أكثر تحت مظلة شركة واحدة لتشكيل كيان أكبر حجمًا”. وتهدف كلا العمليتين إلى تحقيق عدد من الأهداف، يتمثل أهمها في توسيع الأسواق التي تعمل فيها الشركات وزيادة إيراداتها وأرباحها، مع توفير الأيدي العاملة وتعزيز القدرة التنافسية، والنفاذ إلى أسواق تصديرية جديدة، فضلًا عن خلق فرصة للشركات للحيلولة دون الانهيار والإفلاس.

وتشهد الأسواق العربية والعالمية في الفترة الراهنة حالة ملحوظة من الركود في نشاط الاستحواذات والاندماجات من حيث قيمة الصفقات الجديدة وعددها، وذلك وسط انتشار حالة من عدم اليقين حول النشاط الاقتصادي، وعدم القدرة على تحديد سيناريو دقيق لكيفية تجاوز أزمة جائحة كورونا. ولهذا تعجز الشركات عن وضع أي خطط مستقبلية بناء على الوضع الحالي في ضوء ضبابية المشهد وعدم القدرة على معرفة موعد لانتهاء الأزمة. ولذلك، اضطرت الشركات إلى تأجيل التفكير في الأهداف طويلة الأجل مع التركيز فقط على ضمان سلامة موظفيها والحفاظ على استقرار أعمالها، مع دعم سبل استمرار تدفق السيولة النقدية. أما فيما يتعلق بالصفقات الجارية بالفعل، فمن المرجح أن يتم إرجاء تنفيذها بسبب تأخير الحصول على الموافقات التنظيمية الضرورية لإتمامها، مع تأجيل أو إلغاء زيارات المواقع واجتماعات العملاء والإدارة. هذا بالإضافة إلى محاولة معظم المشترين إعادة التفاوض على شروط الصفقة التي تمّ الاتفاق عليها مسبقًا من أجل إعادة تقييم الأسعار وجميع الشروط الأخرى وأخذ الظروف المترتبة على تفشي الوباء في الاعتبار. وأخيرًا من المتوقع أن ترفض العديد من الشركات بعض عروض الاستحواذ في ظل التقييمات المنخفضة خلال الفترة الحالية.

وبحسب توقعات مكتب “بيكر آند ماكينزي” للاستشارات القانونية، من المتوقع انخفاض حجم عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية بنسبة 25% خلال العام الجاري مع تراجع قيمة الصفقات من 2.8 تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار. وفيما يتعلق بالبيانات الفعلية المسجلة خلال الربع الأول من العام الجاري، نجد أن قيمة الاستحواذات بالشرق الأوسط قد تراجعت بنحو 90% على أساس سنوي إلى 9.28 مليارات دولار مقارنة بحوالي 88.27 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من 2019. وهبط عدد الصفقات المسجلة من 109 صفقات إلى 95 صفقة. كما انخفض حجم الصفقات المنفذة بدول الخليج بنسبة 51% على أساس فصلي من 49 صفقة إلى 24 صفقة فقط، وهبط نشاط الاندماج والاستحواذ في الولايات المتحدة وآسيا بمقدار النصف إلى 252 مليار دولار، وحوالي 17% على أساس سنوي إلى 142.9 مليار دولار على الترتيب.

أما على المستوى العالمي، فقد شهد الأسبوع المنتهي في السابع عشر من أبريل عدم الإعلان عن أي صفقات تفوق قيمتها مليار دولار، وذلك لأول مرة منذ سبتمبر 2004. كما تراجع نشاط الاندماج والاستحواذ عالميًّا منذ بداية العام الجاري وحتى أبريل بنحو 33% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي لتسجل 762.6 مليار دولار، وهو المستوى الأقل منذ عام 2013 (انظر الشكل المرفق). 

تاريخ عمليات الاندماج والاستحواذ في مصر

تُعتبر مصر سوقًا نشطة في مجال عمليات الاندماج والاستحواذ، ويظهر ذلك في ارتفاع قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ بنحو 286٪ من 389 مليون دولار خلال عام 2017 إلى 1.5 مليار دولار في عام 2018 لتسجل بعد ذلك 1.6 مليار دولار أمريكي في 2019، وذلك بدعم من استقرار قيمة العملة المحلية، وتعزيز ثقة المستثمرين في السوق المحلية بفضل برنامج الإصلاح الاقتصادي. ووفقًا لمنتدى الاندماج والاستحواذ والاستثمار المباشر الذي تنظمه شركة “ميرجر ماركت”، سجلت مصر ما تصل نسبته إلى 75.1% من قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ بشمال إفريقيا و58.3% من حجم الصفقات في 2019.

ولإيضاح تأثير أزمة فيروس كورونا على عمليات الاستحواذ والاندماج في السوق المصرية –التي شهدت رواجًا كما ذكرنا خلال الأعوام السابقة- كشف أحد مكاتب الاستشارات القانونية عن إرجاء نحو 60% من إجمالي عدد الصفقات التي يتولى تقديم الاستشارات القانونية لها تحت تأثير الوباء. وقد تعطلت بعض الصفقات الكبيرة بسبب عدم وضوح الآفاق الاقتصادية بشكل دقيق، كإيقاف الاستحواذ المحتمل من قبل بنك “أبو ظبي الأول” على بنك عودة في مصر، وتعطيل سير المفاوضات الجارية بشأن استحواذ مجموعة مستشفيات “كليوباترا” على شركة “ألاميدا” القابضة المالكة لمستشفيات دار الفؤاد والسلام الدولي، وذلك بسبب تأثير الفيروس على تقييم الصفقة.

لكن ينبغي الإشارة إلى أن الصورة لم تكن قاتمة بشكل كامل، حيث دخلت مجموعة من عمليات الاستحواذ الأخرى حيز التنفيذ فعليًّا، من بينها عملية شراء شركة “كايرو ثري إيه” للمصرية للنشا والجلوكوز في الحادي عشر من مايو بقيمة إجمالية تبلغ 420.2 مليون جنيه، وإتمام صفقة شراء “سيكا مصر” لكيماويات مواد البناء لشركة “مودرن” للمواد العازلة في أواخر أبريل الماضي، وكذلك استحوذت مجموعة “تانا أفريكا كابيتال” على حصة أقلية بمجموعة مستشفيات “مبرة” العصافرة بالإسكندرية، في حين تتفاوض مؤسسة “CDC” الإنجليزية للاستحواذ على حصة أقلية في شركة “ألفا جروب” الطبية مقابل 1.5 مليار دولار، كما تم الكشف عن مساعي شركة “ازدهار” للاستثمار المباشر للاستحواذ على حصة غير حاكمة بمجموعة مستشفيات التيسير الطبية القابضة.

انتعاش محتمل لعمليات الاستحواذ عقب انتهاء الأزمة

على الرغم من وضوح التداعيات قصيرة الأجل الناتجة عن كورونا على صفقات الاندماج والاستحواذ، إلا أنه من الصعب التنبؤ بكيفية تأثير الجائحة على المدى الطويل. وتُشير التوقعات إلى وجود احتمالات لانتعاش عمليات الاستحواذ والاندماج التي قد تكون طوق النجاة والبديل الأخير أمام الشركات المتعثرة والمثقلة بالديون مع استنفاد كل الحلول الأخرى المطروحة أمامها بسبب حاجتها إلى السيولة الفورية. ومن المرجّح أن تشهد بعض القطاعات رواجًا في تلك العمليات عقب انتهاء الأزمة، مثل: الأغذية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والرعاية الصحية، وهي قطاعات يُمكن أن تقود الانتعاش الاقتصادي العالمي بعد مرور الأزمة.

وانطلاقًا من فرضية أن الكوارث والأزمات تخلق عقب انتهائها حالة من التغيرات في الكيانات الاقتصادية، فسوف تقتنص بعض المؤسسات الناجية من الأزمة والتي تتمتع بملاءة مالية فرصة الاستحواذ على بعض الشركات ذات التقييم المالي المنخفض بسبب عدم قدرة الأخيرة على الصمود أمام الأزمة بسبب تراكم الالتزامات المالية واضطراب سلاسل الإمدادات عالميًّا الذي ساهم في هبوط إيراداتها وأرباحها. وبناء على ذلك، من المتوقع أن تطفو ظاهرة “العروض العدائية” على السطح والتي تقوم على تقديم المؤسسات الكبرى عروضًا للشركات بقيمة أقل من قيمتها الحقيقية استغلالًا للأزمات التي تمرّ بها.

مقالات وتحليلات

تداعيات كورونا على قطاع الزراعة وسبل تعزيز الأمن الغذائي

واجه الأمن الغذائي في مصر عدة مشكلات قبل انتشار فيروس كورونا، أبرزها أسعار المواد الغذائية، ومستويات الإنتاج الزراعي، فضلًا عن مواجهة بعض المشكلات الفرعية، مثل: ندرة مصادر المياه، وصعوبة تأمين مصادر الطاقة للتنمية الزراعية، وأخيرًا، صعوبة تطوير القدرات التقنية والمؤسسية. ولهذا وضعت وزارة الزراعة المصرية في عام 2019 عشرة محاور أساسية لتحقيق الأمن الغذائي، وذلك من خلال تبني الدولة عددًا من التوجيهات، تضمنت تعزيز الاكتفاء الذاتي من بعض السلع الغذائية المستوردة مثل الفواكه والخضروات والأرز والدواجن والأسماك، مع تضييق الفجوة الاستهلاكية في القمح والسكر والذرة، وتقديم مواد غذائية ذات جودة جيدة وبأسعار مناسبة إلى الأسر الفقيرة. هذا إلى جانب تطوير قطاع الإنتاج الحيواني، ووضع تشريعات زراعية تسمح باستصلاح أراضي جديدة، وعدم التعدي على الأراضي الزراعية ومواجهة الزحف العمراني.

لكن جاء وباء كورونا ليمثل عقبة أساسية وتهديدًا مباشرًا ورئيسيًا للقطاع الزراعي، يمكن أن يساهم في إرجاء تنفيذ السياسات السابقة التي تهدف إلى تعزيز مفهوم الأمن الغذائي. 

في هذا السياق، تثور تساؤلات مهمة، أبرزها: ما أهمية القطاع الزراعي للاقتصاد المصري؟ وما هو مدى تأثير فيروس كورونا على هذا القطاع الرئيسي؟ وكيف يُمكن مواجهة تلك العقبات الناجمة عن الأزمة الراهنة؟ 

أولًا: أهمية القطاع الزراعي داخل الاقتصاد المصري 

يعتبر القطاع الزراعي من القطاعات الحيوية للاقتصاد المصري، كما أنه يُعد من المصادر الرئيسية لدخل الملايين من المواطنين. ووفقًا للجمعية المصرية للاقتصاد الزراعي، يوفر القطاع الزراعي حوالي 55% من احتياجات البلاد من الغذاء، ويعمل به نحو ثلث القوة العاملة المصرية، كما يساهم بحوالي 12% في الناتج المحلي الإجمالي، وبحوالي 20% في الصادرات السلعية. علاوة على ذلك، فإنه يرتبط بالعديد من القطاعات الأخرى مثل قطاع الأسمدة الكيماوية والغزل والنسيج والصناعات الغذائية. كما أصبحت الصادرات الزراعية المصرية من أهم مصادر النقد الأجنبي، لا سيما في الوقت الحرج الذي تمر به البلاد إزاء تأثير فيروس كورونا على مصادر الاحتياطي النقدي الأخرى.

وفي السياق ذاته، احتلت صادرات قطاع الحاصلات الزراعية المرتبة الرابعة بين جميع القطاعات الأخرى بقيمة 821 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الجاري (انظر جدول رقم 1). 

المصدر: وزارة التجارة والصناعة

كما يُمكن الاستدلال على أهمية القطاع الزراعي من خلال مؤشر القيمة المضافة للقطاع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي والذي يعني صافي ناتج القطاع بعد جمع كافة المخرجات وطرح المدخلات الوسيطة، ويتم حسابه دون إجراء أي خصومات فيما يتعلق بإهلاك الأصول المصنعة أو بنضوب أو تدهور الموارد الطبيعية.

المصدر: البنك الدولي. 

وكما هو واضح في الشكل السابق فإن القيمة المضافة للقطاع الزراعي تتناقص منذ عام 2000 وحتى عام 2018، وذلك بسبب حدوث تقدم في إنتاج بعض القطاعات الرئيسية الأخرى، إلا أنها لا تزال تحتل نسبة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 11% إلى 15.5%.

ثانيًا: تداعيات كورونا على القطاع الزراعي والأمن الغذائي

تعمل جميع قطاعات وزارة الزراعة بكامل طاقتها على توفير الغذاء للمواطنين خلال الجائحة الراهنة التي يشهدها العالم بأكمله. وأكدت الإدارة المركزية للحجر الزراعي أن أزمة كورونا أثرت على صادرات الزراعة المصرية بنحو ضعيف نسبيًّا يتراوح بين 10% إلى 15%، ويتضح ذلك في ارتفاع صادرات مصر الزراعية لأكثر من 3 ملايين طن حتى الآن، وارتفاع صادرات الموالح بمقدار مليون و350 ألف طن وذلك بسبب مساهمة فيروس كورونا في فتح المجال أمام الصادرات المصرية للنفاذ لأسواق تصديرية جديدة، خاصة في ظل زيادة الطلب على المنتجات الزراعية والغذائية وقت الأزمات ووسط إغلاق بعض الدول لحدودها. 

من ناحية أخرى، يُمكن أن يؤثر فيروس كورونا في الأمد الطويل سلبًا على تنمية القطاع الزراعي والصناعات المرتبطة بشكل مباشر بهذا القطاع مثل الغزل والنسيج، وذلك بسبب تداعيات الوباء على استيراد مستلزمات الإنتاج والمواد الخام وقطع الغيار والآلات الزراعية. أما فيما يتعلق بالأمن الغذائي، فمن المرجح أن يتأثر سلبًا بفعل اتخاذ عدد من الدول قرارًا بحظر تصدير المواد الغذائية والحاصلات الزراعية للبلدان الأخرى لضمان الحفاظ على مخزونها السلعي لتلبية الاحتياجات المحلية، بالإضافة إلى تأثره بنقص العمالة الناتجة عن تقييد الحركة ومنع التجمعات.

لهذا تستهدف الحكومة المصرية زيادة مخزوناتها الاستراتيجية من جميع السلع الغذائية الأساسية، كما تسعى لتعزيز مخزون القمح في الوقت الذي قد تتعرض إمداداته العالمية إلى الخطر بسبب الآثار التي سببها الفيروس، وهو ما يتضح في شراء مصر 1.6 مليون طن من القمح المحلي في الأسابيع الثلاثة الأولى من موسم الحصاد الذي بدأ في منتصف الشهر الماضي، وهو ما يمثل ضعف الكمية التي اشترتها خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وتدرس وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية حاليًّا إمكانية تشييد مخازن استراتيجية عملاقة للسلع الأساسية مثل القمح في سبع محافظات بتكلفة قد تصل إلى 21 مليار جنيه مصري (1.3 مليار دولار) من أجل تعزيز المخزون المصري من السلع الأساسية لمدة تكفي ما يتراوح بين 8 إلى 9 شهور بدلًا من 4 إلى 6 شهور.

كما اتخذت الحكومة المصرية العديد من الإجراءات الهادفة لتعزيز دور القطاع الزراعي في ضوء الأزمة الراهنة حتى يستطيع تجاوز تداعياتها السلبية. من ذلك إطلاق مبادرات مثل تخصيص الأموال للمزارعين من أجل ضمان الإدارة السليمة للمحاصيل، وضمان إطلاع المزارعين على معايير سلامة الأغذية. علاوة على ذلك، تتعاون الحكومة باستمرار مع المؤسسات الدولية المتخصصة في الأمن الغذائي مثل الصندوق الدولي للتنمية الزراعية “ايفاد”، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة التابعين للأمم المتحدة بهدف التخفيف عن العاملين في مجال الزراعة، وضمان توفير الأمن الغذائي للمواطنين. وفي السياق ذاته، وافق البنك المركزي المصري في أواخر مارس الماضي على ضم القطاع الزراعي لمبادرة الـ100 مليار جنيه –المقدمة في الأساس لدعم القطاع الصناعي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة- وذلك عقب مطالبة المستثمرين والمصدرين في القطاع بأهمية مساندتهم من قبل أجهزة الدولة الرسمية.

***

في ضوء ما سبق، نلاحظ أن استمرار فيروس كورونا لفترة أطول من المتوقع قد يهدد مفهوم الأمن الغذائي، وبناء على ذلك تم اتخاذ التدابير اللازمة لتلبية الاحتياجات الوطنية المصرية من الغذاء، ورفع سعة المخزون الاستراتيجي منه، خاصة المحاصيل الاستراتيجية لضمان استقرار أسعار السوق والأمن الغذائي المصري، وهو ما سيؤدي أخيرًا إلى تعزيز مفهوم الاكتفاء الذاتي الغذائي في ضوء تعطيل سلاسل الإمدادات العالمية. 

ويبدو من المناسب إعادة النظر في التركيب المحصولي للدورة الزراعية القادمة لتأمين أكبر كم ممكن من احتياجات مصر من المحاصيل الاستراتيجية محليًّا تحسبًا لأي ارتفاعات مستقبلية في الأسعار، أو أي قيود تصديرية يفرضها منتجو المحاصيل الاستراتيجية، فضلًا عن أهمية دعم المزارع المصري من خلال زيادة قروض البنك الزراعي مع تأجيل سداد أقساط القروض المستحقة عليهم.

مقالات وتحليلات

كورونا يعمق أزمات الاتحاد الأوروبي

واجه الاتحاد الأوروبي عددًا من الانقسامات حول العديد من القضايا على مدار السنوات الماضية، كأزمات الهجرة، واللجوء، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ليأتي فيروس كورونا ليكشف عن عمق الخلافات بين دول القارة العجوز التي تعتبر حاليًّا من أكبر بؤر انتشار الفيروس. وتعرضت استجابة الاتحاد الأوروبي للتعامل مع تفشي وباء كورونا للعديد من الانتقادات اللاذعة في ضوء ظهور النزعة القطرية في التعامل مع الأزمة، فضلًا عن الخلاف الدائر بين الدول الأعضاء حول أفضل سبل المكافحة، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات عديدة حول مستقبل الاتحاد بعد تجاوز أزمة كورونا، وكيف يُمكن تجنب حدوث السيناريو الأسوأ وهو تفكك الاتحاد.

يُنظر إلى فيروس كورونا على أنه تهديد للدعائم الأساسية للاتحاد الأوروبي، كما يعتبر أكبر اختبار يواجه التكتل منذ تأسيسه. ومع ذلك، اتسمت الإجراءات الأوروبية الرامية لمواجهة الفيروس بالتراخي. فعلى الرغم من دعوة البنك المركزي الأوروبي بقيادة “كريستين لاجارد” دول الاتحاد -في الكثير من الأحيان- إلى تخصيص حزمة مساعدات مالية إضافية بقيمة 1.5 تريليون يورو من أجل تقليص حجم التداعيات الاقتصادية السلبية المترتبة على انتشار الفيروس؛ إلا أن وزراء مالية منطقة اليورو اتفقوا بالكاد في التاسع من أبريل، وبعد مناقشات مطولة، على خطة تحفيز اقتصادي بقيمة تزيد على 500 مليار يورو فقط لدعم الاقتصادات المتضررة من الوباء. واعتمد المجلس الأوروبي الخطة ليبدأ تنفيذها بحلول الأول من يونيو المقبل.

وعلاوة على ذلك، اتفق قادة الاتحاد على إنشاء صندوق طوارئ بقيمة تريليون يورو للمساعدة في جهود التعافي الاقتصادي، ولكن لا تزال الخلافات بين حكومات الدول قائمة بشأن كيفية استغلال هذه الأموال وتفاصيل إنفاقها؛ إذ أخفقت الدول الأعضاء في الاتفاق حول ما إذا كان الصندوق سيقدم منحًا نقدية أم سيكتفي فقط بالإقراض.

وكسائر دول العالم، قرر الاتحاد الأوروبي إغلاق حدوده بهدف الحد من انتشار كورونا على نطاق واسع، كما اتخذت كل دولة على حدة عدة تدابير وقائية كإغلاق المصانع والمحال التجارية وتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي. وفي السياق ذاته، أعلن البنك المركزي الأوروبي في الثامن عشر من مارس الماضي عن خطته لشراء سندات الشركات ونظيرتها الحكومية بقيمة 750 مليار يورو على مدار العام الجاري.

عجز دول منطقة اليورو منذ بداية الأزمة عن الوصول إلى أرضية مشتركة يُمكن الانطلاق منها لمعالجة آثار تفشي وباء، يبدو أنه سيتسبب في حدوث أضرار كبيرة لاقتصادات المنطقة. وطوال أسابيع، دعا المسئولون في بروكسل إلى أهمية توحيد الرؤى والتوصل إلى تنسيق شامل، لكن لا تزال هناك قضايا عديدة موضوع خلاف كبير. وفيما يلي أبرز المشكلات التي كشفت عنها أزمة كورونا. 

من أهم المظاهر التي كشفت عنها الأزمة هو ضعف التضامن الأوروبي، وذلك على خلفية تقاعس العديد من الدول الأوروبية عن مساندة بعضها بعضًا في مواجهة أزمة “كورونا”، ولهذا لجأت بعض الدول إلى البحث عن بدائل خارج الاتحاد للحصول على ما تحتاجه من مستلزمات طبية لمكافحة انتشار الفيروس. ومن أبرز الأمثلة في هذا المجال التعامل الأوروبي مع تفاقم الأزمة في إيطاليا التي مثّلت واحدة من أكثر الدول الأوروبية تأثرًا بالأزمة، ما دفع السلطات الإيطالية إلى مطالبة باقي الدول الأوروبية لمساعدتها في توفير المعدات الطبية اللازمة لمواجهة الفيروس وعلاج المرضى المصابين به، لكن هذه المطالب قوبلت بالرفض، الأمر الذي دفعها إلى الاستغاثة بدول أخرى من خارج الاتحاد. ومقابل تراخي الأخير، قدمت الصين وروسيا وكوبا بعض المساعدات الطبية لإيطاليا، شملت إرسال فرق طبية وأقنعة واقية.

نتج عن هذا الموقف من الاتحاد أن سادت حالة من الاستياء العام في الشوارع الإيطالية، عبر عنها قيام البعض بإنزال علم الاتحاد الأوروبي عن الصواري بعدد من المدن ورفع علم الصين بدلًا منه. كما أزال “فابيو رامبيلي”، نائب رئيس مجلس النواب الإيطالي، علم الاتحاد من مكتبه واستبدله بعلم بلاده، مبررًا ذلك بتراخي الاتحاد في مساعدة الدول المتضررة. كما عبرت عن ذلك أيضًا تصريحات “جوسيبي كونتي”، رئيس الوزراء الإيطالي، الذي حذر من فقد الاتحاد سبب وجوده إذا لم يقم بمساعدة الدول الأوروبية المتضررة.

في ظل ما كشفت عنه الأزمة من نقص شديد في الأدوات الطبية، اضطرت بعض الدول الأوروبية إلى الاستيلاء على الشحنات الطبية قبل وصولها إلى وجهاتها النهائية. من ذلك، قيام السلطات التشيكية بالاستيلاء على شحنة صينية من أقنعة الوجه الطبية قبل وصولها إلى إيطاليا. وقد تذرعت السلطات التشيكية بأنه تمت مصادرة هذه الشحنة في إطار محاربة عمليات تهريب المعدات الطبية. وبعد محادثات بين الدولتين، أرسلت جمهورية التشيك 110 آلاف قناع وجه إلى إيطاليا في محاولة لمعالجة هذا الخطأ.

وقد عمّق من أزمة ضعف التضامن، اتجاه بعض الحكومات الأوروبية (ألمانيا وفرنسا) في ظل عجز الإمدادات العلاجية إلى اتخاذ قرارات بحظر تصدير المعدات الطبية إلى الخارج خوفًا من مواجهة مشكلة نقص محتمل في كميات الأقنعة والمعدات الطبية الواقية. هذا القرار أدى إلى مضاعفة الإضرار بالدول الأخرى المتأثرة بالفيروس مثل إسبانيا وإيطاليا التي سبق وطلبت المساعدة بالفعل من الدول المجاورة. وقد أدى هذا الموقف إلى تعرض الحكومتين الفرنسية والألمانية للنقد والإدانة.

وآخرًا وليس أخيرًا، يمكن الإشارة إلى مشكلة الانقسام حول إصدار ديون مشتركة؛ في ظل انقسام بين دول الشمال والجنوب الأوروبي، حيث ترى الأولى أن الاتحاد الأوروبي يجب ألا يتحمل خسائر اقتصادية تتكبدها أي دولة بسبب الفيروس، فيما تؤكد الثانية ضرورة لعب الاتحاد دورًا فاعلًا في مواجهة التبعات الاقتصادية الناجمة عن الوباء من خلال تقديم حزمة من المساعدات.

ورغم موافقة قادة الاتحاد الأوروبي على رصد حزمة تحفيزية؛ إلا أنهم لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق حول إصدار ما يُسمى “سندات كورونا”. ويرجع ذلك إلى وجود انقسام بين دول الجنوب الأشد تضررًا من الفيروس كإيطاليا وإسبانيا والتي تسعى إلى جمع التمويل عبر الأسواق المالية حتى تتمكن من زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية ومواجهة الآثار المدمرة للوباء، ودول شمال أوروبا المحافظة ماليًّا -كألمانيا وهولندا والنمسا- التي تعارض بشدة هذه الفكرة خوفًا من احتمال اضطرارها إلى سداد الدين المشترك في حالة تخلف بعض الدول عن القيام بذلك، فضلًا عن رفضها فكرة تقاسم الأعباء الناجمة عن انتشار الفيروس في بعض الدول بصورة أكبر عما عليه في دول أخرى. ولعل المناقشات الدائرة حول كيفية الاستجابة للوباء وتداعياته الاقتصادية والخلاف بين الدول الأعضاء في شمال وجنوب أوروبا تذكرنا بمباحثات أزمة الديون الأوروبية في عام 2010.

هذه المشكلات، تفتح النقاش حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، وتضعه أمام سيناريوهات مختلفة في مرحلة ما بعد أزمة كورونا. البعض يطرح في هذا السياق سيناريو تصدع الاتحاد وانهياره، أو على الأقل بدء موجة جديدة من الخروج من الاتحاد، قد تبدأها إيطاليا، وذلك على خلفية دعوات اليمين المتطرف للسلطات الإيطالية بمغادرة الاتحاد بسبب اعتقادهم بأن الدول الأوروبية تخلت عنهم في وقت محنتهم. لكن بعيدًا عن هذا السيناريو، فإن الثابت أن دول الاتحاد سوف تواجه أزمة اقتصادية حادة، عقب انتهاء أزمة كورونا.

مقالات وتحليلات

كيف تفاعلت 8 شركات اتصالات عالمية مع جائحة “كورونا”؟

تلعب شركات الاتصالات دورًا حاسمًا في جهود الاستجابة لفيروس كورونا وسط بقاء الملايين من الأفراد في منازلهم واتجاه العديد من الشركات لتشجيع فكرة العمل عن بعد ولهذا اعتمد عدد كبير من الأشخاص على شبكات الإنترنت في قضاء أوقات الترفيه أو استخدام التطبيقات لتوصيل المواد الغذائية وغيرها من السلع الأساسية، وفي هذا الإطار، سنركز هذا الأسبوع على دور أبرز شركات العالمية في مواجهة كورونا.

 1- فيرايزون – الولايات المتحدة:

استجابت “فيرايزون” لانتشار فيروس كورونا منذ بداية الأزمة؛ إذ أعلنت في مارس عن خطتها لإضافة 15 جيجابايت من بيانات الإنترنت عالية السرعة إلى الخطوط اللاسلكية في ظل بقاء عدد كبير من المواطنين في منازلهم خوفًا من الإصابة بالمرض، وبالإضافة إلى ذلك، قررت الشركة التنازل عن رسوم التأخير عن السداد عن المستخدمين المتضررين من أزمة كورونا.

كما تعهدت شركة الاتصالات بأنها سوف تلتزم بقرارات لجنة الاتصالات الأمريكية والمتعلقة بأهمية إبقاء الشعب الأمريكي على اتصال بالإنترنت مما يعني عدم إنهاء الخدمة للعملاء والشركات الصغيرة حتى في حالة التأخر عن السداد، مع توفير نقاط وصول لشبكات الـ”واي فاي” لأي أمريكي يحتاج إليها.

وفي منتصف أبريل، تبرعت وحدة الإعلانات التابعة لـ “فيرايزون” بمبلغ تصل قيمته إلى 10 ملايين دولار في صورة إعلانات من أجل التوعية بإرشادات الصحة العامة وزيادة الوعي بأهمية العناية بالنظافة الشخصية للوقاية من المرض، كما قدمت منحة نقدية بقيمة 2.5 مليون دولار للمؤسسات الخيرية الدولية التي تقدم دعمًا للرعاية الصحية والإغاثة الغذائية.

2– إيه تي آند تي – الولايات المتحدة:

تتمثل استجابة “إيه تي آند تي” في زيادة أعباء الديون الموضوعة على كاهل الشركة حيث أعلنت في السابع من أبريل عن نيتها لتأمين قرض بقيمة 5.5 مليار دولار من أجل مساعدتها على توفير السيولة النقدية اللازمة لمواجهة تداعيات فيروس كورونا.

وفي سياق منفصل، أعلنت شركة الاتصالات الأمريكية عن دفع مكافأة نقدية بنحو 20% لجميع الموظفين الأساسيين لعمليات الشركة من أجل الحفاظ على معدل تشغيل شبكاتها بنفس المعدل والكفاءة، كما منحت “إيه تي آند تي” موظفيها المصابين بفيروس كورونا أو الذين يعانون من أمراض مزمنة إجازات مرضية مدفوعة الأجر تصل إلى 160 ساعة.

وعلاوة على ذلك، قررت الشركة تقديم الدعم الفني لعملائها عبر الإنترنت على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع من أجل ضمان توفير خدمة اتصال عالية الجودة لجميع المستخدمين، كما وفرت للمدارس الأمريكية اتصالًا مجانيًا غير محدود بالإنترنت لأجهزة الحاسب الآلي المحمولة والأجهزة اللوحية مع التنازل عن رسوم التأخر في السداد ورسوم المكالمات الصوتية والنصية الزائدة لأي عميل لا يستطيع دفع فواتيره حتى الثلاثين من يونيو.

3- فودافون آيديا – الهند:

قدمت “فودافون آيديا” عروض على باقات الإنترنت الخاصة بها للمستخدمين في الهند من أجل ضمان استمرار الاتصال بالإنترنت وذلك في ظل الإغلاق الذي تشهده البلاد بسبب انتشار كورونا، وعلاوة على ذلك، قامت الشركة بتطوير شبكاتها كي تتحمل الضغط المفروض عليها إزاء زيادة استخدام العملاء لشبكات الإنترنت بسبب الحجر الصحي.

كما أعلنت شركة الاتصالات الهندية -التابعة لمجموعة “فودافون”- في الأول من مايو عن تقديم اتصالًا مجانيًا بالإنترنت ومكالمات مجانية للمستخدمين، مع تزويد كل مستهلك بباقات إنترنت تصل إلى 2 جيجا بايت يوميًا ولمدة سبعة أيام.

4– دويتشه تيليكوم – ألمانيا:

اتخذت “دويتشه تيليكوم” العديد من الإجراءات الوقائية لحماية موظفيها من الإصابة بفيروس كورونا، وتتمثل تلك الإجراءات فيما يلي؛ عدم السماح للموظفين العائدين من الخارج بالعودة إلى العمل إلا بعد مرور أسبوعين على الأقل، أما في حالة إصابة أحد الموظفين بالفيروس، فيحظر عليه الذهاب إلى العمل حتى يمتثل الشفاء تمامًا، فضلًا عن إلغاء الاجتماعات وعقدها عبر الفيديو بدلًا من ذلك، كما وزعت الشرك جميع أدوات الوقاية اللازمة مثل منتجات التعقيم والكمامات، مع الالتزام بتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي.

كما أعلنت الشركة أنها تخطط للتعاون مع نظيرتها الكورية الجنوبية “إس كيه تيلكوم” لتوسيع نطاق التعاون في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات من أجل التخفيف من حدة التحديات الناجمة عن فيروس كورونا، كما ناقش المسؤولون التنفيذيون من الشركتين الخطط المتعلقة بتطوير شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية للمساعدة في تحسين الوضع الحالي والاستعداد لفترة ما بعد انتهاء الأزمة الراهنة.

5- تليفونيكا – إسبانيا:

أعلنت “تليفونيكا” في الحادي عشر من مارس عن مجموعة من المبادرات الفورية والمجانية للمستخدمين لتخفيف الأعباء المفروضة عليهم بفعل انتشار فيروس كورونا، ومن أهمها، منح 30 جيجابايت إضافية لجميع المستخدمين شهريًا خلال شهري أبريل ومايو، كما أكدت الشركة قدرتها على قوة الاتصال بالإنترنت بفضل البنية التحتية السليمة في إسبانيا.

ومن ناحية أخرى، ألغت شركة الاتصالات الإسبانية سفر الموظفين لأمور غير ضرورية، كما شجعتهم على العمل من المنزل كلما أمكن ذلك، مع خفض عدد الاجتماعات التي تتطلب حضور عدد كبير من الأفراد.

6– إن تي تي – اليابان:

أعلنت شركة “إن تي تي” في الكثير من الأحيان عن مساعيها لضمان تقديم خدماتها بنفس الجودة للعديم من الأفراد في جميع أنحاء اليابان وذلك عن طريق بذل قصارى جهدها لتلبية احتياجات العملاء بصورة مستمرة، ولهذا قدمت الشركة الدعم اللازم للعملاء المتضررين من فيروس كورونا وغير القادرين على سداد فواتيرهم، مع تطوير الأدوات التكنولوجية اللازمة لجعل تجربة العمل من المنزل والتعليم عن بعد أكثر سهولة بما في ذلك توفير بعض الخدمات مجانًا، ومراعاة اتخاذ حلول فورية وسريعة في حالة وجود أي مشكلات طارئة.

7– فيرجين ميديا-  المملكة المتحدة:

انطلاقًا من أهمية الحفاظ على صحة الموظفين، قررت شركة “فيرجن ميديا” توزيع مطهرات اليدين والقفازات والكمامات على الموظفين، مع إغلاق متاجر التجزئة ومنح اجورهم كاملة لمساعدتهم على تجاوز تداعيات الوباء، كما طرحت الشركة مجموعة من المبادرات المجانية أو منخفضة التكلفة للعاملين في مجال الرعاية الصحية في المملكة المتحدة لمساندتهم في جهود مواجهة انتشار الفيروس، مع توفير دقائق مكالمات إضافية للهاتف المحمول. أما عن العملاء، قررت الشركة تقديم عدد غير محدود من دقائق الاتصال للخطوط الأرضية والهواتف المحمولة حتى الثاني والعشرين من مايو، مع تقديم 10 جيجابايت إضافية لمدة شهر.

8- زيد تي إيه – الصين:

اتخذت “زيد تي إيه” عدة قرارات سريعة فور انتشار فيروس كورونا في الصين من أجل ضمان الحفاظ على تشغيل شبكاتها مع عدم التضحية بصحة وسلامة موظفيها، وذلك عن طريق تأمين شبكات الجيل الخامس في العديد من المدن الصينية، كما وضعت الشركة عدة تدابير وقائية للحد من انتشار الفيروس على نطاق أوسع، مثل مطالبة الموظفين بالتحقق من حالتهم الصحية بشكل يومي عن طريق فحص درجات حرارتهم، مع توزيع الأقنعة الطبية مجانًا للعاملين في ووهان.

وعلاوة على ما سبق، عززت شركة الاتصالات الصينية من قنوات الاتصال مع الحكومات والمستشفيات المحلية لضمان الحصول على الدعم في الوقت المناسب في حالات الطوارئ.

وختامًا: يُمكن عرض الإجراءات التي اتبعتها شركات قطاع الاتصالات لمواجهة جائحة كورونا فيما يلي: 

1– تقديم باقات إضافية للإنترنت ودقائق اتصال مكالمات الهاتف المحمول.

2- تعزيز شبكات الاتصالات مع ضمان إبقاء جميع المستخدمين على اتصال بالإنترنت طوال أيام الأسبوع.

3- تأجيل سداد الفواتير مع التنازل عن رسوم التأخير عن السداد.

4- توعية الموظفين بأهمية تطبيق قواعد التباعد الاجتماعي وتنفيذ ارشادات السلطات الصحية.

5- تقديم إجازات مرضية مدفوعة الأجر للموظفين المصابين بالفيروس لمدة أربعة عشر يومًا.

مقالات وتحليلات

أزمة كورونا: تحدٍّ جديد للمشروعات الصغيرة والمتوسطة

“تعتبر الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا هي الأسوأ على مستوى العالم منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تشير التوقعات إلى انكماش اقتصاد 170 دولة في جميع أنحاء العالم انكماشًا حادًا هذا العام. وسوف يتأثر الاقتصاد المصري كسائر اقتصاديات الدول الأخرى تأثرًا سلبيًّا، وبالأخص القطاعات الهشة التي تتأثر بصورة مباشرة وكبيرة بالأزمات، مثل: البورصة، وقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة”، هكذا قالت “ريم السعدي”، المدير الإقليمي لبرنامج المشروعات الصغيرة والمتوسطة في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بشأن تأثير تفشي وباء كورونا على قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي يعتبر من العوامل المحورية في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الاقتصادات الناشئة، حيث يلعب دورًا فاعلًا في توفير فرص العمل، واستيعاب عدد كبير من العاطلين والباحثين عن وظائف مناسبة. ويعمل بالشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر من 75% من العمالة المصرية، ولذا فهي تُعد أكبر موظِّف للعمالة في مصر.

وانطلاقًا من أهمية هذا القطاع للاقتصاد المصري، ومن تأثير هذا الفيروس المستجد على كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية؛ يعرض هذا المقال لأهم آثار انتشار المرض على هذا القطاع، وكيف قدمت الحكومة المصرية ومنظمات المجتمع المدني يد العون لمساعدته في تجاوز هذه الأزمة، مع تقديم أهم التوقعات حول مستقبل الشركات الصغيرة والمتوسطة بعد انتهاء الأزمة.

أولًا- تداعيات انتشار فيروس كورونا على قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة

هناك مجموعة من المعايير المحددة والدقيقة حتى يمكن تصنيف مشروع ما ضمن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تضم المشروعات الصغيرة كل مشروع يبلغ حجم أعماله السنوية ما يتراوح بين مليون جنيه وحتى 5 ملايين جنيه، أما المشروعات المتوسطة فتتضمن كل مشروع يبلغ حجم أعماله السنوية 50 مليون جنيه ولا يتجاوز 200 مليون جنيه. انطلاقًا من هذا التعريف، يمكن الاستدلال على حجم تأثير تفشي الفيروس والإجراءات الاحترازية المتبعة للحد من انتشاره على أعمال هذا القطاع الذي يتسم بحجم صغير نسبيًا من رؤوس الأموال.

تعاني المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الاضطرابات المفاجئة التي تعرّض لها السوق بفعل انتشار فيروس كورونا، مع انخفاض معدلات التجارة الداخلية والخارجية، وتراجع نشاط البيع والشراء. ومن المرجّح أن تتعرض تلك الشركات لنقص وعجز في السيولة النقدية خلال الفترات المقبلة بضغطٍ من هبوط حجم المبيعات الناتج عن خسارة العملاء، وهو الأمر الذي يجعلها تواجه صعوبة في الوفاء بالالتزمات المالية ودفع الرواتب بانتظام من أجل حماية حقوق العمال والموظفين واستمرار النشاط الاقتصادي، ولهذا تزيد احتمالات أن تضطر هذه الشركات إلى تسريح عدد كبير من قوتها العاملة لكي تخفض من حجم التكاليف. وفي الحالات القصوى، ومع استمرار قرار حظر التجوال لفترة أطول، من المتوقع أن تلجأ بعض الشركات إلى إعلان إفلاسها في حالة عدم قدرتها على تجاوز تداعيات الأزمة. وحذر بعض الخبراء الاقتصاديين من خطورة امتلاك الشركات الصغيرة والمتوسطة احتياطات مالية محدودة يُمكنها أن تنتهي في غضون شهرين فقط، وبعد ذلك ستُفلس الشركات بسبب اعتمادها على تلك الاحتياطات في دفع الرواتب وتغطية التكاليف الأخرى، وذلك بالتوازي مع انقطاع مصادر الدخل المتجددة، وانخفاض الإيرادات والتدفقات النقدية بما يصل إلى النصف مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي في ظل خفض عدد ساعات العمل، وبقاء عدد كبير من الموظفين في منازلهم خوفًا من الإصابة بالعدوى.

وعبّر عدد لا بأس به من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة -خاصة تلك العاملة في مجالات مثل: التسويق الإلكتروني، وتوصيل الطعام والتجارة بالتجزئة- عن امتعاضهم بشأن تأثير الفيروس سلبًا على أعمالهم، وذلك بسبب انخفاض عدد العملاء المترددين على تلك المتاجر، وكذلك تراجع عدد الأشخاص الذين يطلبون طعامًا من خارج المنزل خشية انتقال المرض عبر الشخص القائم بأعمال التوصيل.

ثانيًا- إجراءات مساندة الشركات الصغيرة والمتوسطة

لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي أمام وقوع الشركات الصغيرة والمتوسطة تحت وطأة ضغوط فيروس كورونا، ولهذا قدمت العديد من الإجراءات التحفيزية التي تمثلت في تأجيل مدفوعات الضرائب، والمساعدة في تغطية نسبة من أجور العاملين، مع دعم القطاعات المتضررة عن طريق توفير السيولة والائتمان، وتخفيف الأعباء عن الشركات العاملة في هذه القطاعات. ويُمكن تقسيم هذه الجهود وفقًا للجهة المسئولة على النحو الآتي.

1- البنك المركزي

يُعد البنك المركزي المصري من أكثر الجهات الداعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وفي هذا الإطار، قَرر في السادس والعشرين من مارس تأجيل أقساط قروض الشركات الصغيرة والمتوسطة لمدة ستة أشهر لتخفيف حدة تداعيات فيروس كورونا. كما أصدر تعليمات للبنوك تتضمن إجراءات استثنائية كتأجيل الاستحقاقات الائتمانية للشركات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وتعليق غرامات تأخر السداد مع إلغاء الرسوم والعمولات على عمليات نقاط البيع والسحب من الصرافات الآلية والمحافظ الإلكترونية خلال المدة نفسها.

علاوة على ذلك، أعلن “طارق عامر”، محافظ المركزي المصري، أن البنك يخطط لتجديد مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة –التي تُلزم البنوك المحلية بتوجيه ما لا يقل عن 20٪ من محافظ قروضها إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة- لمدة أربع سنوات أخرى، أي حتى عام 2024. وقد ساهمت هذه المبادرة حتى بداية العام الجاري في ضخ 160 مليار جنيه لتمويل 86 ألف شركة صغيرة ومتوسطة. وأخيرًا، حدّد البنك المركزي معدلات إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة عند مستويات منخفضة تتراوح بين 5% إلى 12% وفقًا لحجم الشركة.

2- لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بجمعية رجال الأعمال

جمعية رجال الأعمال هي إحدى الجهات المعنية بتعزيز مكانة المشروعات الصغيرة والمتوسطة داخل المجتمع المصري، ولهذا فهي تبحث دائمًا عن أفضل السبل الممكنة لمساعدة تلك المشروعات. وفي ظل الظروف الراهنة، تدرس لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التابعة للجمعية إمكانية دعم الجمعيات المعنية بتمويل متناهي الصغر عبر تأجيل الأقساط لبعض الشركات التي تواجه مشاكل مالية تتعلق بالسيولة النقدية. كما ساعدت الجمعية في خلق فرص استثمارية جديدة بمجالات تصنيع أقنعة الوجه والقفازات الطبية، وذلك انطلاقًا من فكرة استغلال زيادة الطلب على منتجات بعض القطاعات بعينها دون الأخرى خلال فترة الأزمات، مثل الصناعات الغذائية والمستلزمات الطبية.

3- جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر

استمرّ جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في تقديم الدعم اللازم لجميع الشركات الممولة من خلاله حتى تنتهي أزمة كورونا وتتلاشى آثارها الاقتصادية السلبية. كما قرّر الجهاز تمديد فترة سداد القروض الممنوحة لأي مشروع تضرر أو واجه عقبات أدت لإغلاقه أو تراجعت إنتاجيته لمدة ثلاثة شهور دون فرض أي فوائد أو غرامات. كما ساعد الجهاز في توفير منتجات التعقيم والمسلتزمات الطبية لسد احتياج تلك المشروعات. 

وإلى جانب ما سبق، قدم الجهاز في السابع من أبريل مبادرة جديدة لدعم كافة المشروعات الصغيرة المتضررة من الفيروس، تمثّلت في توفير قرض بقيمة مليون جنيه لهذه الشركات ضمن جهود الاستجابة لمساندة تلك المشروعات.

ثالثًا- ماذا بعد انتهاء الأزمة؟

سيجبر فيروس كورونا الشركات الصغيرة والمتوسطة على اتخاذ مسارات مستقبلية بديلة بعيدة عن الطرق التقليدية المتعارف عليها، وذلك في حالة قدرتها على الاستمرار في أعمالها رغم كل التأثيرات السلبية سالفة الذكر. وتتمثل تلك البدائل الموجودة أمامها في تعزيز مساعيها للعمل على حماية أعمالها من أي أزمات أو صدمات مستقبلية، مثل: زيادة الاحتياطات النقدية المتواجدة لديها، أو تقليص حجم النفقات قدر الإمكان، مع الاعتماد على فكرة العمل عن بعد كي لا تتأثر فيما بعد إذا واجهت مثل هذه الظروف مرة أخرى، فضلًا عن تطبيق وسائل تقنية حديثة للتخفيف من الآثار السلبية للأمراض والأوبئة والاهتزازات السوقية العنيفة.

كما يتطلب استئناف نمو قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بعد انتهاء جائحة كورونا العديد من الإجراءات، ومن أهمها: التوسع في إنشاء الشركات الداعمة للقطاع مثل شركات التأجير التمويلي، مع تشييد جهاز بحثي من أجل استكشاف الفرص الاستثمارية الجديدة في السوقين المحلي والخارجي، وتطوير منصة معلوماتية لشركات الصناعات التكميلية وإعطائها الأولوية في التمويل بهدف توفير احتياجات الصناعات الوطنية من مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والتي تأثرت بتوقف سلاسل التوريد العالمية، هذا بالإضافة إلى ابتكار طرق جديدة لتسويق المنتجات بشكل غير تقليدي.

مقالات وتحليلات

مخاطر بيئية تتجدد عقب أزمة كورونا

تُعتبر التغيرات المناخية من أكبر التهديدات التي تواجه العالم في الآونة الأخيرة، وذلك بالنظر لما تمثله من تأثيرات واضحة على جميع الأنشطة البشرية والاقتصادية، ولهذا حددت الأمم المتحدة هدف مكافحة التغيرات المناخية ضمن مجموعة أهداف التنمية المستدامة، انطلاقًا من إيمانها بأن كافة الأهداف الأخرى لن تتحقق بدونه؛ إذ من الممكن أن تُساهم أزمة المناخ في زيادة مخاطر الجوع وسوء التغذية، وزيادة عدد الفقراء حول العالم، كما أنها تُهدد حياة الملايين من الأفراد في ظل زيادة أعداد الوفيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية مثل حرائق الغابات.

واحتل عام 2019 المرتبة الثانية في قائمة أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، حيث ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.6 درجة مئوية مقارنة مع متوسط الأعوام الممتدّة بين 1981 و2010، فيما سجلت الأعوام الخمسة السابقة أعلى درجات حرارة على سطح كوكب الأرض بسبب الأنشطة البشرية الضارة بالبيئة. ومن المحتمل أن تزيد الحرارة بدرجة ونصف مئوية بين عامي 2030 و2052 إذا استمر سلوك البشر على المنوال الراهن. 

وكانت هذه التوقعات قبل ظهور شبح فيروس كورونا الذي أجبر العديد من الحكومات والدول حول العالم على فرض حظر صارم على تحركات المواطنين مع تقييد حركة السفر، وإغلاق الحدود، وخفض عدد الرحلات الجوية، فضلًا عن إغلاق المصانع والمتاجر والمدارس، مما أسفر عن بقاء عدد كبير من الأفراد في منازلهم خوفًا من الإصابة بالفيروس. كما اتجهت العديد من الشركات لتطبيق فكرة العمل عن بعد للحد من تفشي الوباء على نطاق أوسع.

ورغم أن الهدف من كافة الإجراءات السابقة يُكمن في الحد من انتشار الفيروس المستجد؛ إلا أنه قد ترتب عليها العديد من النتائج غير المتوقعة، ومنها الانخفاض المفاجئ في الانبعاثات الحرارية والكربونية المسببة للاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، لا سيما في الدول الصناعية الكبرى مثل الصين، وذلك مع انخفاض الطلب على الفحم والنفط، وتراجع حجم التكدس المروري وعوادم السيارات، الأمر الذي أدى إلى انخفاض التلوث وانبعاثات الغازات الدفيئة.

ولعل السؤال الأهم: هل هذا التغيير مجرد أمر عابر أم سيترك كورونا أثرًا دائمًا على البيئة؟

هذا المقال يحاول الإجابة عن هذه التساؤلات انطلاقًا من بعض الإحصائيات المرتبطة بتأثير كورونا على التغيرات المناخية خلال الفترة الماضية.

1- التغيرات المناخية بعد انتشار فيروس كورونا

تسهم وسائل النقل بما يصل إلى 23% من الانبعاثات الكربونية العالمية، فيما تسيطر قيادة السيارات والنقل الجوي على نحو 72% و11% على الترتيب من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في قطاع النقل. ولهذا سجلت الانبعاثات الحرارية في الصين تراجعًا بنحو 25% (ما يُعادل 200 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون) في بداية العام الجاري بفضل الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة لاحتواء انتشار الفيروس، وهبط استهلاك الفحم بنحو 40% في أكبر ست محطات للطاقة، كما تحسنت جودة الهواء في حوالي 337 مدينة. وقد ينتج عن ذلك انخفاض إجمالي الانبعاثات بنسبة 1% بحلول نهاية 2020.

وانخفضت نسبة تلوث الهواء في هونج كونج لنحو الثلث خلال شهري يناير وفبراير. وغالبًا ما تتسبب عطلة رأس السنة القمرية الجديدة في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين سنويًّا، ولكن ما حدث هذا العام كان مختلفًا قليلًا، حيث أظهرت بعض التقارير تراجع هذا المستوى بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50% على أساس سنوي.

وفي الوقت نفسه، شهدت بعض المدن الأوروبية انخفاضًا في مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 45% منذ بداية تطبيق الحجر المنزلي. كما كشفت صور القمر الصناعي في الآونة الأخيرة عن انخفاض مستويات تلوث الهواء في شمال إيطاليا ومدريد وباريس والمناطق شديدة الازدحام في غرب ألمانيا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. أما عن إيطاليا -التي تعتمد على الغاز الطبيعي في المقام الأول لتوليد الكهرباء- فقد تراجع مستوى طلبها على الطاقة بنسبة 27% بحلول نهاية مارس. ومن المرجح أن تُساهم الإجراءات الوقائية بالقارة الأوروبية في تراجع الانبعاثات الكربونية بنحو 400 مليون طن متري هذا العام.

كما كشفت دراسة حديثة عن بدء تعافي طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية مع اقتراب التئام الثقب. ومن المتوقع أن تتعافى الطبقة إلى مستويات الثمانينيات بحلول عام 2030 في خطوط العرض الوسطى في نصف الكرة الشمالي، وبحلول 2050 في خطوط العرض الوسطى الجنوبية. وبالإضافة إلى ما سبق، يتوقع عدد لا بأس به من العلماء انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بأكبر نسبة ممكنة منذ الحرب العالمية الثانية هذا العام في ضوء توقف النشاط الاقتصادي تقريبًا بسبب كورونا.

2- ارتباط انتشار الأوبئة بالتغيرات المناخية على مر العصور

غالبًا ما يرتبط انتشار الأمراض والأزمات العالمية بانخفاض مستويات ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين المسببين لظاهرة الاحتباس الحراري، مما يعني أن التأثير الإيجابي لفيروس كورونا على التغيرات المناخية لا يعتبر الأول في تاريخ البشرية؛ إذ نتج عن وباء الإنفلونزا الإسبانية تراجع في انبعاثات الكربون بحوالي 400 مليون طن بين عامي 1918 و1919. كما انخفضت تلك النسبة بأكثر من 20% خلال أزمة “الكساد العظيم”، وكذلك هبطت أثناء الأزمة المالية العالمية بنحو 1.4%. والقاسم المشترك بين هذه الأزمات هو تعطل الأنشطة الاقتصادية وإغلاق المصانع وبقاء الأشخاص في منازلهم. وعلى الرغم من هذه النتائج الإيجابية، إلا أنه سرعان ما عاودت الانبعاثات الارتفاع مرة أخرى بضغطٍ من انتعاش النشاط الاقتصادي من جديد، وعودة الأفراد إلى حياتهم الطبيعية بمجرد انتهاء الأزمة، مما يؤكد أن هذه الآثار ما هي إلا نتائج قصيرة الأجل.

وبتطبيق الأمثلة التاريخية سالفة الذكر على أزمة كورونا، سنجد أنه من المتوقع أن يتوقف مدى تأثيرها على التغييرات المناخية على مدة انتشار هذا المرض، وبمجرد انتهاء الأزمة الراهنة ستنحسر هذه التطورات الإيجابية. ويدلل على ذلك الحزم التحفيزية التي قدمتها العديد من الحكومات لصناعة الطيران والسيارات مما يبرهن على عدم سعي هذه الدول مستقبلًا إلى تقليص استخدام الوقود الأحفوري. كما بدأ استهلاك الفحم بالصين في الاتجاه إلى الارتفاع عقب عودة البلاد إلى العمل بشكل تدريجي، وهو ما يُشير إلى إمكانية عودة ثاني أكسيد النيتروجين قرب مستويات ما قبل الأزمة. كما تمتلك الدول كمية كبيرة من مخزونات النفط، وسرعان ما سيتم استخدام هذا المخزون في حالة عودة الإنتاج إلى طبيعته مع انتهاء الأزمة الحالية.

3- ماذا سيحدث على المدى طويل الأجل؟

إذا نظرنا إلى الأمر على الأجل الطويل، سنجد أن فيروس كورونا -إذا استمر لفترة أطول من المتوقع- قد يضر المناخ ولكن بصورة مختلفة، حيث أدت عمليات الإغلاق والتباعد الاجتماعي إلى إبطاء وتيرة إجراء الأبحاث المناخية الرامية إلى إيجاد حلول جذرية وفعالة لمشكلة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية. وتم تأجيل أو إلغاء موعد انعقاد العديد من اجتماعات زعماء العالم لمعالجة أزمة المناخ بسبب الفيروس، مثل إرجاء قمة المناخ التي كان من المقرر عقدها في نوفمبر 2020، مما يدل على احتمال مساهمة الفيروس في عرقلة المحادثات التي من المفترض أن تسفر عن تعهدات جديدة بخفض الانبعاثات الحرارية بشكل أكثر استدامة.

كما أصبح وباء كورونا وكيفية مواجهته واكتشاف علاج للقضاء عليه على رأس أولويات الدول في الوقت الحالي، وهو ما يعني زيادة احتمالات توجيه الموارد لتجاوز تداعياته على حساب التوجه لمصادر الطاقة النظيفة والمتجددة. كما أنه سيصرف انتباه صانعي السياسة وقادة الأعمال والمستثمرين عن التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة. وهكذا، يتمثل الهدف الأساسي الآن في دفع عجلة الاقتصاد مرة أخرى في أسرع وقت ممكن دون النظر إلى مدى انعكاس ذلك على البيئة.

أخيرًا، من الممكن أن يؤدي انتشار الفيروس إلى تعطيل استثمارات الطاقة النظيفة في أوروبا التي تهدف إلى القضاء على الانبعاثات الحرارية بشكل تام بحلول عام 2050، لأن الاتفاقية الخضراء للاتحاد الأوروبي لم تأخذ في اعتبارها الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن كورونا. ويُمكن أن نستدل على ذلك بقول رئيس الوزراء التشيكي “أندريه بابيس” إن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى التركيز أكثر على احتواء تفشي كورونا، وتأجيل تنفيذ هدف “الحياد الكربوني”. وبينما كانت شركات صناعة السيارات في القارة العجوز تستعد لكي تمحور تركيزها على زيادة إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة، وتطبيق معايير جديدة لضبط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مدار العام الحالي؛ إلا أنها واجهت ضيفًا غير مرحب به منعها من تنفيذ هذه الخطط في ظل إغلاق مصانعها أو تحويلها لإنتاج أجهزة التنفس الصناعي.

ختامًا، يُمكن القول إنه لا ينبغي النظر إلى الوباء العالمي الذي يحصد أرواح الناس كوسيلة لإحداث التغيير البيئي، ولا يُمكن أن نعلق عليه آمالًا لمعالجة التغيرات المناخية، ولذلك يجب اتباع حلول هيكلية وجذرية تساهم في المزيد من الاعتماد على الطاقة المتجددة، والابتعاد عن التوليد القائم على الفحم.



مقالات وتحليلات

كيف استطاع الجنيه المصري الصمود أمام جائحة كورونا؟

بدأ انتشار فيروس كورونا المستجد في مدينة “ووهان” الصينية في أواخر ديسمبر الماضي ليجتاح بعد ذلك أغلب دول العالم في غضون فترة قصيرة، حيث سجلت أكثر من 200 دولة حالات إصابة مما عصف بالنشاط الاقتصادي العالمي، لا سيما مع تعليق شركات الطيران عددًا كبيرًا من الرحلات الجوية، وإغلاق الحدود بين الدول لإبطاء وتيرة انتشار الفيروس. لهذا توقع العديد من الخبراء انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي في ظل الأزمة الراهنة بسبب زيادة احتمالات تراجع إيرادات السياحة، وانخفاض عائدات قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، مما قد يؤدي إلى انخفاض الاحتياطات النقدية الأجنبية.

لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ إذ استطاعت العملة المصرية الصمود أمام نظيرتها الأمريكية خلال الفترة الماضية. وبالنظر إلى البيانات المنشورة على موقع البنك المركزي المصري، سنجد أن سعر الدولار وصل إلى 15.73 جنيهًا مصريًا للشراء و15.86 جنيهًا للبيع في أوائل فبراير، لينخفض بعد ذلك بشكل طفيف في الأول من أبريل إلى 15.68 جنيهًا مصريًّا للشراء و15.81 جنيهًا للبيع. ولا يقارن هذا الانخفاض بما تحقق من انخفاض كبير في قيمة عملات بعض الاقتصادات الناشئة والكبيرة.

ونتناول في هذا المقال أهم العوامل التي ساهمت في هذا الصمود. 

1- برنامج الإصلاح الاقتصادي 

مهد برنامج الإصلاح الاقتصادي الطريق أمام العملة المصرية لتتخطى جميع العوائق الموضوعة أمامها بفعل أزمة كورونا الحالية؛ إذ بدأ البرنامج –الذي انطلق عام 2016- يؤتي ثماره، خاصة مع تحقيق نمو اقتصادي بأكثر من 5% خلال العامين الماضيين.

كما استطاعت الحكومة المصرية بناء أساس قوي للعملة المحلية خلال السنوات القليلة الماضية، مما ساهم في زيادة قدرتها على تحمل الصدمات المستقبلية، وذلك عن طريق معالجة جوانب الضعف الاقتصادية الكلية، وخلق فرص عمل جديدة، فضلًا عن دعم قطاع السياحة، وتعويم الجنيه، مما رفع من تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق الخارجية، بالإضافة إلى الاهتمام بمشاريع البنية التحتية القومية، واكتشاف حقول جديدة للبترول والغاز الطبيعي، الأمر الذي أسفر عن جذب الاستثمارات الأجنبية، ورفع الاحتياطيات النقدية.

علاوة على ذلك، ساعد برنامج الإصلاح الاقتصادي الدولة في جهود محاربة فيروس كورونا من خلال توافر أرصدة آمنة وكافية لعدة أشهر من السلع الغذائية الأساسية، وذلك بدعم من استصلاح 1.5 مليون فدان ضمن خطة الرئيس “عبدالفتاح السيسي” لاستصلاح وزراعة 4 ملايين فدان.

2- معدل التضخم وتحويلات المصريين العاملين بالخارج 

شهد معدل التضخم السنوي في مصر تراجعًا إلى 4.9% خلال شهر فبراير الماضي مقارنة مع 6.8% في يناير، مما ساهم أيضًا في دعم قيمة العملة المحلية. في حين ارتفعت تحويلات المصـريين العاملين بالخارج بنحو 33.6% خلال شهري يناير وفبراير من العام الجاري إلى 5.2 مليارات دولار مقابل حوالي 3.9 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من 2019، وهو ما يمثل ارتفاعًا بمقدار 1.3 مليار دولار.

3- الصادرات 

ساهم ارتفاع الصادرات المصرية خلال الفترة الماضية في زيادة رصيدها من الاحتياطي النقدي، مما عزز من وضع الجنيه أمام باقي العملات الرئيسية وخاصة الدولار. إذ ارتفعت الصادرات المصرية غير النفطية خلال الربع الأول من العام الجاري بنحو 2% إلى 6.72 مليارات دولار مقارنة مع حوالي 6.58 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من عام 2019.

كما تراجعت الواردات بنسبة 24% إلى 13.8 مليار دولار، مما ساهم في تراجع العجز في الميزان التجاري بقيمة 4.56 مليارات دولار أو بنسبة 39% على أساس سنوي بسبب مساهمة فيروس كورونا في تقليل الواردات المصرية من السلع غير الأساسية، واعتمادها فقط على ما هو ضروري، مع زيادة الاعتماد على المنتجات الوطنية في تلبية احتياجات السوق المحلية.

وقد قفز حجم الصادرات غير البترولية خلال شهري يناير وفبراير بنحو 5% أو حوالي 140 مليون دولار لتسجل 4.393 مليارات دولار رغم تأثير فيروس كورونا على حركة التجارة العالمية بشكل عام.

وترجع هذه الزيادة إلى سيطرة صادرات الصناعات الغذائية والحاصلات الزراعية على نسبة كبيرة من إجمالي الصادرات التي لم تتأثر مع انتشار كورونا بسبب زيادة طلب الدول على المنتجات الغذائية والسلع الأساسية نتيجة زيادة الاستهلاك بشكل كبير عن المستويات الطبيعية. ومع مراقبة النمط الاستهلاكي منذ بداية ظهور الفيروس وحتى الآن، سنجد أنه قد تغير كثيرًا؛ إذ اندفع عدد كبير من الأفراد حول العالم إلى متاجر البيع بالتجزئة من أجل شراء كميات من الغذاء أكثر من احتياجاتهم الشخصية في الأوقات العادية لتخزينها خوفًا من نقص هذه السلع أثناء الأزمة.

ومما يُدلل على ذلك استحواذ عدد كبير من السلع الغذائية على قائمة الصادرات المصرية خلال فبراير مثل الخضروات والجبن والفواكه الطازجة والمخبوزات وقصب السكر وكذلك دقيق القمح. كما صدّرت مصر 68 ألف طن من البصل منذ سبتمبر الماضي، وانتعشت صادرات المنتجات الحمضية إلى الصين، وتحسنت صادرات البطاطس إلى الأسواق الأوروبية. وقد جاء ذلك نتيجة عدد من القرارات المهمة التي استهدفت إزالة العوائق القائمة، مثل: تسهيل عمليات النقل إلى الدول العربية والأوروبية، فضلًا عن استثناء السيارات التي تنقل الخضروات والفواكه من حظر التجوال، هذا إلى جانب تقديم القطاع المصرفي والبنك المركزي العديد من المبادرات الهادفة إلى تأجيل أقساط القروض الخاصة بالمزارعين ومربي الماشية لمدة 6 أشهر. كما قررت وزيرة الصناعة والتجارة “نيفين جامع” إعفاء الفاصوليا الخضراء والبازلاء والفول السوداني من المرسوم الذي يحظر تصدير البقوليات لمدة ثلاثة أشهر لتلبية الاحتياجات المحلية، مشيرة إلى تزايد الطلب المحلي والدولي على المواد الغذائية والمعدات الطبية ومنتجات التعقيم.

4- السياحة 

تعتبر السياحة هي المصدر الثالث للعملات الأجنبية في مصر بعد كل من الصادرات غير النفطية وتحويلات المصريين العاملين بالخارج. وقد ارتفعت إيرادات القطاع السياحي خلال عام 2019 بنحو 67% لتصل إلى 13.03 مليار دولار، وهو المستوى الأعلى على الإطلاق الذي سجلته إيرادات القطاع.

ولكن من المرجح تراجع عائدات السياحة في ضوء تعليق حركة الطيران العالمية وإغلاق المتاحف والمواقع الأثرية. ولهذا قرر البنك المركزي، في الرابع والعشرين من مارس الماضي، تقديم قروض لمدة عامين وفترة سماح تصل إلى 6 أشهر لشركات السياحة، كما خصص حوالي 50 مليار جنيه لتمويل المنشآت السياحية.

5- إيرادات قناة السويس 

سجلت قناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي السابق 2018-2019 لتصل إلى 5.9 مليارات دولار، وهو ما يمثل زيادة بنحو 5.4% على أساس سنوي أو بحوالي 300 مليون دولار. 

ولم تتأثر حركة الشحن البحري في قناة السويس بفيروس كورونا، حيث وصل عدد السفن التي مرت بالممر المائي في الاتجاهين إلى 6621 سفينة خلال مارس الماضي، بزيادة قدرها 4.6% على أساس سنوي. كما سجل الربع الأول من عام 2020 نموًا في عدد السفن بنسبة 8.4% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. ويذكر أن قناة السويس تعتبر أسرع ممر للنقل البحري بين قارتي أوروبا وآسيا، كما أنها من أهم مصادر العملة الأجنبية للحكومة المصرية.

6- الاحتياطي النقدي 

ساهمت كل العوامل سالفة الذكر في زيادة الاحتياطي النقدي الذي يعمل كحاجز أمان للجنيه المصري ضد الهبوط أمام العملات الأخرى؛ إذ ارتفع ليبلغ رصيد الاحتياطي النقدي خلال يناير الماضي 45.457 مليار دولار.

وتجلت أهمية هذا الرصيد في قرار البنك المركزي المصري باستخدام 5.4 مليارات دولار من احتياطات النقد الأجنبي خلال شهر مارس الماضي، وهو ما أدى إلى انخفاض الاحتياطي الأجنبي إلى حوالي 40 مليار دولار. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال المتوسط ​​الحالي للاحتياطي الأجنبي قادرًا على تغطية حوالي 8 أشهر من واردات مصر السلعية، وهو ما يؤكد أن ارتفاع هذا الاحتياطي عبر الثلاث سنوات الماضية إلى أكثر من 45 مليار دولار لأول مرة يعتبر أحد أسس استقرار الاقتصاد المصري، وتعزيز قدرته على استيعاب آثار الصدمات التي تعاني منها أكبر الاقتصادات العالمية.

في الختام، يُمكن القول إن الجنيه المصري لا يزال قادرًا على النجاة من تداعيات فيروس كورونا والضغوط التي تفرضها سرعة انتشاره، وحتى إن تأثرت قيمته مستقبلًا بشكل طفيف فلن تكون بنفس السوء الذي كان يتوقع أن تصل إليه في حالة عدم تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي واتخاذ الدولة للإجراءات التي سبقت الإشارة إليها.