كَنزي سيرِج

كَنزي سيرِج

مقالات وتحليلات

مستقبل التجارة الدولية بعد جائحة كورونا

مع استمرار انتشار فيروس كورونا، وتراجع حجم التجارة الدولية بسبب تطبيق العديد من الدول سياسات الإغلاق التام؛ يسلط الكثيرون الضوء الآن على مخاطر الاعتماد على سلاسل القيمة العالمية. وهناك حديث متواتر عن تراجع العولمة. العولمة تعتمد على الروابط المعقدة (سلاسل القيمة العالمية) التي تربط المنتجين في العديد من البلدان. وغالبًا ما يستخدم هؤلاء المنتجون سلعًا وسيطة عالية التخصص، أو مدخلات ينتجها مورد خارجي واحد فقط.

هذا المقال يُناقش تأثير فيروس كورونا على التجارة الدولية، ومستقبل ظاهرة العولمة بعد جائحة كورونا، وأخيرًا ما يمكن للدول القيام به للحد من الاضطرابات الاقتصادية.

تأثير كورونا على التجارة الدولية

توقعت منظمة التجارة العالمية أن تنخفض التجارة الدولية خلال عام 2020 بنسبة تتراوح بين 13٪ – 32٪، ويعود ذلك إلى عدم القدرة على المعرفة الدقيقة بحجم تأثير الأزمة الصحية على الاقتصاد. رغم أنه في ذروة الأزمة المالية في عام 2009، انخفضت التجارة بنسبة 12.5٪. وتوقعت المنظمة أن جميع المناطق تقريبًا ستعاني هذا العام من انخفاض مزدوج الرقم في التجارة، أي أكثر من 10%. كما أن القطاعات ذات سلاسل القيمة المعقدة، مثل الإلكترونيات ومنتجات السيارات، هي القطاعات التي من المتوقع أن تشهد انخفاضًا أكثر حدة، ولكن التجارة في قطاع الخدمات قد تكون هي الأكثر تضررًا من جائحة (كوفيد-19) بسبب قيود النقل والسفر وإغلاق المطاعم والفنادق وأماكن الترفيه. وتتوقع المنظمة انتعاشًا في تجارة السلع العالمية خلال العام المقبل 2021 بنسبة تتراوح بين 21٪-24٪، ويتوقف ذلك على مدة تفشي الفيروس التاجي وفعالية الاستجابات السياسية. 

وبالإضافة إلى ذلك، تتوقع منظمة التجارة العالمية أن تكون الصادرات من أمريكا الشمالية وآسيا أكثر تضررًا. ووفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، انخفضت قيمة الصادرات الصينية في الشهرين الأولين من عام 2020 بنسبة 17.2٪ على أساس سنوي، في حين تباطأت الواردات بنسبة 4٪. وأثر هذا الانخفاض في التجارة الصينية على بعض الأسواق أكثر من غيرها، حيث انخفضت الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 29.9٪ في الشهرين الأولين من هذا العام عن العام السابق، بينما انخفضت الواردات من الاتحاد الأوروبي بنسبة 18.9٪. وانخفضت الصادرات والواردات من الولايات المتحدة بنسبة 27٪ و8٪ على التوالي. في عام 2019، كانت الولايات المتحدة أكثر البلدان اعتمادًا على الصين تجاريًّا، تليها سبع دول أوروبية واليابان. وبحلول عام 2020، تقدمت الدول الأوروبية أكثر في التصنيف العالمي. لذلك فإن هذه الانخفاضات الكبيرة مرتبطة بالاعتماد المتبادل القوي بين الشركات الأوروبية والأمريكية والصينية.

هل هذه نهاية العولمة أو التجارة الدولية؟

هناك نقاش حول تأثير جائحة (كوفيد-19) على هيكل الإنتاج العالمي وسلاسل التوريد العالمية. بالنسبة للبعض، تكشف جائحة كورونا عن أهمية إعادة تأميم سلاسل التوريد، أو على الأقل تقصيرها، للحد من المخاطر العالمية. ومن هذا المنظور، قد تحتاج الشركات إلى إعادة التفكير في قراراتها المتعلقة بمصادر الإمداد، مما يؤدي إلى إعادة ترتيب سلاسل الإنتاج العالمية. وبالمثل، هناك نقاش حول ما إذا كانت الحكومات تحتاج إلى إعادة النظر في قائمة السلع الاستراتيجية التي تتطلب إنتاجًا محليًّا، أو فرض قيود جديدة على مصادر الإمداد على الشركات، وما إذا كانت أيضًا بحاجة إلى إعادة النظر في ممارسات المشتريات الحكومية. على سبيل المثال، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لين”، إلى تقصير سلاسل التوريد العالمية لأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على عدد قليل من الموردين الأجانب. كما دعا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، إلى تعزيز “السيادة الاقتصادية” الفرنسية والأوروبية من خلال الاستثمار داخل البلاد في قطاعات التكنولوجيا والطب. لكن لم يتخذ أي بلد أي إجراء جاد لإلغاء أو عكس تحالفاتهم ومصالحهم واستراتيجياتهم العالمية. فحتى الآن، لم تغير أي من الدول الكبرى استراتيجيتها في السعي من أجل اقتصاد أكثر ترابطًا. فما زالت الصين تواصل استثماراتها الهائلة في مبادرة “الحزام والطريق” التجارية، ويحاول الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية التوصل إلى اتفاق بخصوص فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى (جوجل، فيسبوك، ومايكروسوفت) وهذا لتجنب حرب الرسوم الجمركية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال ألمانيا حريصة على تجنب الخلافات مع الولايات المتحدة أو الصين. 

لذلك، هناك خطر من افتراض افتراضات سريعة حول ما هو ضروري لضمان المرونة. على الصعيد الدولي، غالبًا ما يكون الإنتاج المتنوع مصدرًا للمرونة والتكيف للشركات في بيئة مختلفة، فالاكتفاء الذاتي من العرض يختلف عن ضمان العرض. ستكون هناك أيضًا حاجة لكل من الشركات والحكومات للتفكير مرة أخرى في أفضل السبل لضمان مرونة سلاسل التوريد. وسيتطلب ذلك فهمًا أفضل لنقاط القوة ونقاط الضعف في سلاسل التوريد الرئيسية في الأزمة الحالية، والنظر مرة أخرى في أدوات المرونة في ضوء ذلك. بالنسبة للحكومات، ستكون هناك حاجة للنظر في سياسات التجارة والاستثمار التي يمكن أن تدعم المرونة على أفضل وجه. على سبيل المثال، توفُّر البنية التحتية الرقمية لتقليل الضربات المتعلقة بالإنتاجية والتي تساعد على استئناف التجارة الدولية في أوقات الأزمات. وفي هذا الصدد، قال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية “روبرتو أزيفيدو” في مؤتمر صحفي إن البلدان التي تعمل معًا ستشهد انتعاشًا أسرع مما لو تصرفت كل دولة بمفردها، وأن التحول إلى سياسات الحماية سيخلق صدمات جديدة، ولن تكون أي دولة مكتفية ذاتيًّا بالكامل، وأن الإجابة هي التنويع بحيث تأتي الإمدادات من أكثر من منطقة واحدة أو لاعب واحد. 

وهناك ما يبرر المخاوف بشأن الاعتماد المفرط على سلاسل القيمة العالمية المعقدة في حالة المنتجات المتعلقة بالأمن القومي، مثل الإمدادات الطبية. ولكن هذه ليست نهاية العولمة، بل إعادة تكوين سلاسل القيمة العالمية. فعلى الرغم من أن سلاسل التوريد العالمية معقدة للغاية، إلا أن سلاسل القيمة العالمية تتبع مبدأ الكفاءة، وهذا نتيجة قيام الشركات بتوظيف أفضل المدخلات الممكنة لتلبية احتياجات الإنتاج بأقل تكلفة، أينما كان الموقع الذي تأتي منه هذه المدخلات، مما يضمن بقاء العولمة. فبينما تظل الكفاءة الهدف الرئيسي، ستستمر الشركات في التسوق عالميًّا.

ما الذي يمكن للدول القيام به؟

بعض البلدان غير قادرة على إنتاج الإمدادات الطبية الخاصة بها بكميات كافية أو بشكل فعال من حيث التكلفة. هذا هو الحال بشكل خاص في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث بدأ الفيروس في السيطرة عليها. ففي هذه البلدان، لا ينبغي أن تكون أولوية الميزانيات الصحية المحدودة بناء قدرات التصنيع المحلية. بالنسبة لهذه البلدان -كما كان الحال بالنسبة للبلدان الأخرى التي عانت من الفيروس حتى الآن- فإن التجارة الدولية ضرورية.

وبناء على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وللحفاظ على الثقة في الأسواق العالمية، هناك حاجة لتجنب المزيد من التصعيد في التوترات التجارية المستمرة. ومع التوترات المتزايدة في الشركات بسبب الانهيار في الطلب وعدم اليقين المستمر فيما يتعلق بمدة وشدة جائحة كورونا وتدابير الاحتواء ذات الصلة، فإن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لفرض المزيد من التكاليف. ففرض تكاليف إضافية على الشركات والمستهلكين من خلال التعريفات الجمركية لا يتسبب فقط في مشقة لأولئك الذين يعانون بالفعل من فقدان الدخل بسبب الأزمة، ولكن أيضًا يخاطر بزيادة حجم المساعدة الحكومية اللازمة لدعم تلك الشركات والمستهلكين. لذلك، من بين الخطوات الإيجابية لتعزيز الثقة وتخفيف الأعباء أن تلتزم الحكومات بعدم فرض تعريفات جمركية جديدة أو إجراءات تقييدية تجارية.

وفي حين كانت التجارة الدولية واحدة من أولى ضحايا الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، إلا أن إجراءات تقييد التجارة الجديدة أثرت على حوالي 1٪ فقط من الواردات العالمية. ففي ذلك الوقت، التزم قادة مجموعة العشرين بالامتناع عن تدابير الحماية والتمسك بنظام التجارة القائم على القواعد، وأوجدت قواعد التجارة في منظمة التجارة العالمية بعض اليقين للشركات، واستقر النظام من خلال وضع سقف على الإجراءات الجمركية. وفي حين أن هناك بعض الاختلافات، وكذلك التشابهات، بين أزمة عام 2008 وأزمة كورونا، فإن البيئة الاقتصادية غير المؤكدة الحالية تزيد من الحاجة إلى الالتزام بالتجارة المستندة إلى القواعد والابتعاد عن سياسات الحماية التجارية.

مقالات وتحليلات

التجارة الإلكترونية بعد جائحة “كوفيد-19”

أدت جائحة فيروس “كوفيد-19” إلى خسائر فادحة للعديد من الشركات أجبرت الكثير منها على الخروج من السوق. ولكن في محاولة من جزء كبير من الشركات الأخرى لتكون مرنة وتتكيف مع الأزمة الحالية غير المسبوقة، اتجهت هذه الشركات إلى التجارة الإلكترونية. والتجارة الإلكترونية هي عمليات البيع والشراء للسلع والخدمات، أو إرسال الأموال أو البيانات، عبر شبكة إلكترونية، وبشكل أساسي الإنترنت. تحدث هذه المعاملات إما من شركة إلى شركة، أو من شركة إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى شركة.

هذا المقال يناقش أولًا تأثير فيروس “كوفيد-19” على التجارة الإلكترونية، وبشكل خاص تلك العمليات من الشركة إلى المستهلك، ومن ثم تأثير التجارة الإلكترونية على الخدمات اللوجستية. 

لقد غيرت جائحة “كوفيد-19” العالم كما نعرفه. فقد تغير سلوك الأشخاص بعد أن تعرضوا إلى الصدمة الحالية الناجمة عن الجائحة. وبعض هذا التغيير في سلوك الأشخاص (المستهلكين وبالتالي المنتجين) سوف يظل حتى بعد انتهاء الجائحة. ولكن على الرغم من أن الاتجاه نحو التجارة الإلكترونية كان في تزايد بالفعل قبل تفشي الجائحة؛ إلا أن الجائحة أثرت في سرعة انتشار هذا النمط من التجارة. 

بناء على موقع “ستاتيستا” Statista، وموقع أوبرلو Oberlo؛ من المتوقّع أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية عالميًّا من 1.3 تريليون في عام 2014 إلى 4.5 تريليونات في عام 2021، وهذا يعني نموًّا بنسبة 346% على مدى 7 سنوات. وبناء على ماركت واتش MarketWatch، من المتوقع أن ترتفع معدلات انتشار التجارة الإلكترونية من 15% في 2020 إلى 25% في 2025.

سوق التجارة الإلكترونية في مصر

يشهد سوق التجارة الإلكترونية المصري ازدهارًا ملحوظًا، ومن المقرر أن يكون الأكبر في إفريقيا بفضل العدد الكبير من السكان مقارنة بباقي الدول، وزيادة معدلات انتشار الإنترنت بسرعة. وكدولة مرتبطة بالعالم العربي وإفريقيا، فإن مواقع التجارة الإلكترونية العربية مثل موقع “سوق”، والإفريقية مثل موقع “جوميا”، تحظى بشعبية في مصر، إلى جانب مواقع أخرى وسيطة مثل موقع “اشتريلي” الذي يتعامل مع تسليم المنتجات التي يتم طلبها من الأسواق العالمية، بما في ذلك “أمازون” و”إي باي”.

في عام 2017، نمت مبيعات التجارة الإلكترونية المصرية بنسبة 22% لتصل إلى 5 مليارات دولار أمريكي. ومع ذلك، فإنها لم تمثل سوى 0.4% من مبيعات التجزئة في البلاد في ذلك العام، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في عام 2018. وفيما يتعلق بمدى جاهزية التجارة الإلكترونية، جاءت مصر في ذلك العام أيضًا في الترتيب رقم 116 وفقًا لمؤشر التجارة الإلكترونية للأونكتاد. 

وفي العام نفسه أيضًا، دخلت الحكومة المصرية في شراكة مع الأونكتاد لتطوير استراتيجية جديدة تهدف إلى زيادة حصة التجارة الإلكترونية إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 2.32%، ومضاعفة عدد الشركات التي تبيع عبر الإنترنت (بلغت في عام 2017 حوالي 14725) بحلول عام 2020. ووفقًا لستاتيستا، فإن حوالي 17% من الشركات الكبيرة و3% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في عام 2017 تبيع عبر الإنترنت.

مبيعات التجارة الإلكترونية والعملاء

وفقًا لسوسايتي جينيرال، فإن عدد المتسوقين عبر الإنترنت يزداد بشكل مطرد في مصر، إذ ارتفع من 15.2 مليون في عام 2015 إلى 17.7 مليون في عام 2016، لكنه عدد قليل بالنسبة إلى عدد السكان. أيضًا هناك فرق كبير بين وصول سكان الحضر والريف إلى الأسواق عبر الإنترنت (70% من المتسوقين عبر الإنترنت في المناطق الحضرية). كما أن مستخدمي الإنترنت الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا هم أكثر المتسوقين نشاطًا عبر الإنترنت، ويمثلون نصف المستهلكين. ووفقًا للموقع ذاته، كانت الهواتف المحمولة هي المنتج الأكثر مبيعًا بين المتسوقين عبر الإنترنت في عام 2017 (61%)، تليها أجهزة الكمبيوتر المحمولة (37%) والملابس (34%). ولا يزال الدفع عند التسليم هو أكثر طرق الدفع شيوعًا، كما هو الحال في معظم الدول العربية الأخرى، حيث يمثل 70% من جميع المشتريات، تليها بطاقات الائتمان (16% من المشتريات). ولكن أحد التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية في السوق المصرية هو قلة عدد حاملي بطاقات الائتمان (حوالي 10 ملايين شخص). أيضًا من بين التحديات الأخرى قلة ثقة المستهلكين المصريين في التسوق عبر الإنترنت.

وقد تفوقت مصر على بقية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نمو مبيعات التجزئة عبر الإنترنت. وتوقعت شركة “البحث والأسواق” أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحلول عام 2022 بمقدار الضعف مقارنة بعام 2019. وبسبب جائحة “كوفيد-19″، وبسبب إغلاق تجار التجزئة الأبواب، ينتقل العديد من المستهلكين من الطريقة التقليدية للشراء إلى الطرق الحديثة مثل التجارة الإلكترونية. وحسب “سعيد أحمد ناجي”، المدير الإداري لوكالة Marketing Egypt للاستشارات الرقمية الرائدة في الشرق الأوسط، تضاعفت مبيعات التجارة الإلكترونية للتجار المصريين منذ 11 مارس؛ وهو اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن (كوفيد-19) جائحة عالمية. 

وبسبب الكساد في الشركات الناشئة -حيث لا تدخل الشركات الجديدة سوق العمل نتيجة للوباء- فإن الحل لهذه الأزمة هو التحول الرقمي والذهاب إلى التجارة الإلكترونية لبيع المنتجات والخدمات، وهو نوع التجارة الذي كان من المتوقع أن يشهد نموًّا بنسبة تزيد على 30% قبل حدوث الجائحة، وفقًا لتقرير سوق التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2019. أما بعد حدوث الجائحة فقد أصبحت صناعة التجارة الإلكترونية واحدة من أعلى القطاعات نموًّا وسط الجائحة، وتشهد نموًّا يتراوح بين 300% – 500%. وذكر منظمو قمة التجارة الإلكترونية في مصر أنه من المتوقع أن تبلغ قيمة المعاملات المالية الإلكترونية في مصر ملياري دولار، بما في ذلك عمليات الشراء عبر الإنترنت وحجوزات الفنادق وشركات الطيران.

وعلى الرغم من أن شركات الخدمات اللوجيستية عانت من خسائر بسبب إغلاق الأعمال؛ إلا أن النمو المطرد في التجارة الإلكترونية أثّر بلا شك على صناعة النقل والإمداد وساعد في الحد من الخسائر. ومع استمرار ارتفاع التجارة الإلكترونية، من المحتمل أن تحتاج الشركات إلى الاستمرار في تعديل نماذج الأعمال لاستيعاب خدمة التوصيل السريعة والمجانية التي يطلبها المستهلكون.

أيضًا، تتطور مصر كواحدة من الدول التجارية الرئيسية، وتخلق مجموعة واسعة من الفرص لمقدمي الخدمات اللوجستية. ومن المتوقع أن يتجاوز الإنفاق اللوجستي المصري 50 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2024. علاوة على ذلك، تهدف الحكومة إلى جعل البلاد مركزًا للإنتاج والتوزيع لخدمة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

مقالات وتحليلات

تأثير جائحة كورونا على تحويلات العاملين

شهدت العديد من المتغيرات الاقتصادية في اقتصادات العالم ومصر اضطرابات قوية بسبب فيروس كورونا. ومن بين هذه المتغيرات تحويلات العاملين بالخارج. وتعد تحويلات العاملين بالخارج من ضمن التحويلات الجارية بدون مقابل. كما أنها تعد مصدرًا أساسيًّا لتدفقات النقد الأجنبي في البلاد. ويؤثر حجم تحويلات العاملين بالخارج على الدولة بشكل عام وعلى القطاع العائلي بشكل خاص. فعلى مستوى الدولة بشكل عام، يؤثر حجم التحويلات في حجم إيرادات الدولة مما يؤثر على ميزان مدفوعاتها، وعلى قدرتها على خدمة ديونها الخارجية، وعلى الناتج المحلي والنمو الاقتصادي. أما بالنسبة لتأثيرها على القطاع العائلي فيكون من خلال تأثيرها على دخل هذا القطاع. ويكون تأثيرها على مستوى معيشة الأسر من خلال التأثير في قدرتهم على توفير مستوى معيشي مرتفع. 

يناقش هذا المقال أولًا تأثير فيروس كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم، ومن ثم تأثيره في مصر.

أولًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم 

تقوم تحويلات العاملين بالخارج بالتخفيف من حدة الفقر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وتحسين التغذية، كما أنها تساهم في رفع حجم الإنفاق على التعليم، والحد من عمالة الأطفال في الأسر الفقيرة. لذلك، يؤثر انخفاض التحويلات على قدرة الأسر على الإنفاق على هذه المجالات، حيث سيتم توجيه المزيد من مواردها المالية إلى تكاليف الغذاء والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية. وتعتمد حجم تحويلات العاملين بالخارج على مستوى أجور وتوظيف العمال المهاجرين الذين يميلون إلى أن يكونوا أكثر عرضة لفقدان وظائفهم وأجورهم خلال الأزمات الاقتصادية. 

على المستوى العالمي ووفقًا للبنك الدولي، من المتوقع أن تنخفض التحويلات العالمية بشكل حاد بنحو 20% في عام 2020 بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا وسياسة الإغلاق، وهو ما يُعد أكبر انخفاض لهذه التحويلات في التاريخ الحديث. ويتوقع أن تنخفض التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بنسبة 19.7% لتصل إلى 445 مليار دولار، مما يمثل خسارة لمصدر أساسي للتمويل للعديد من الأسر في البلدان النامية. وذلك يجعل من الضروري تقصير الوقت اللازم للتعافي في الاقتصادات المتقدمة التي تمتص نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية. كما أنه يتوقع أن تنخفض تدفقات التحويلات في جميع مناطق مجموعة البنك الدولي، حيث من المتوقع أن تنخفض في أوروبا وآسيا الوسطى بحوالي 27.5%، تليها إفريقيا جنوب الصحراء بــ23.1%، وجنوب آسيا بنسبة 22.1%، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 19.6%، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 19.3%، وأخيرًا شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 13%.

ويأتي الانخفاض الكبير في تدفقات التحويلات في عام 2020 بعد أن وصلت التحويلات للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​إلى رقم قياسي بلغ 554 مليار دولار في عام 2019. وحتى مع هذا الانخفاض، من المتوقع أن تصبح تدفقات التحويلات أكثر أهمية كمصدر للتمويل الخارجي للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​نتيجة انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث من المتوقع أن يكون الانخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر أكبر من الانخفاض في تحويلات العاملين بالخارج (من المتوقع أن ينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أكثر من 35%). كما أنه في عام 2019، أصبحت تدفقات التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر.

ووفقًا للبنك الدولي، فإنه من المتوقع في عام 2021 أن تتعافى التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وأن ترتفع بنسبة 5.6% لتصل إلى 470 مليار دولار. ولكن، لا تزال التوقعات بالنسبة للتحويلات غير مؤكدة، حيث إنها تعتمد على سرعة السيطرة على انتشار المرض، واكتشاف لقاح له، وعودة فتح البلاد واستئناف الأعمال.

كانت التحويلات في الماضي معاكسة للدورات الاقتصادية، حيث كان في أوقات الأزمات في الوطن يقوم العاملون بالخارج بإرسال المزيد من الأموال إلى أسرهم في الوطن. ولكن في هذه الأزمة العالمية، وحيث إن الوباء في جميع أنحاء العالم، انخفضت التحويلات بسبب الاضطرابات في جميع الدول وتوقف الأعمال وغلق البلاد.

وفي محاولة لتسهيل الإجراءات لتسهيل إرسال التحويلات وتلقيها، وهو ما يمكن أن يوفر الدعم الذي يحتاجه المهاجرون وأسرهم، يقوم البنك الدولي بمساعدة الدول الأعضاء في مراقبة تدفق التحويلات من خلال قنوات مختلفة، وتكاليف إرسال الأموال وتسهيلها، ولوائح لحماية السلامة المالية التي تؤثر على تدفقات التحويلات، وذلك أيضًا في محاولة من البنك الدولي ودول مجموعة العشرين للحد من تكاليف التحويلات وتحسين الشمول المالي للفقراء.

ثانيًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في مصر 

تطورت تحويلات العاملين في مصر بشكل سريع خلال السنوات القليلة الماضية، حيث باتت مصر تعتمد على تحويلات العاملين بالخارج بنسبة كبيرة، حيث بلغت تحويلات العاملين بالخارج في عام 2018 نحو 10.17% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ المتوسط العالمي لهذه التحويلات في نفس هذا العام استنادًا إلى بيانات 170 دولة نحو 4.93%.

يتضح من بيانات الشكل رقم (1)، أن تحويلات العاملين بالخارج كانت في تزايد بشكل عام على مر السنين، خاصة بعد تعويم الجنيه، حيث زادت قيمة التحويلات بنسبة 27.8% في العام المالي 2016/2017. ووفقًا لبيانات ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي، بلغ حجم تحويلات العاملين بالخارج 6712.6 مليون دولار في الربع الأول من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 13.6% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 5908.9 مليون دولار، و6963.9 مليون دولار في الربع الثاني من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 15.15% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 6047.8 مليون دولار. مما يشير إلى أنه كان من المتوقع ارتفاع التحويلات هذا العام قبل أزمة جائحة كورونا.

وقد توقع تقرير للبنك الدولي أن تتراجع تحويلات العاملين المصريين في الخارج بنسبة 21.5% خلال العام الجاري مقارنة بنمو بلغت نسبته 5% في العام الماضي. وبناء على دراسة لمعهد التخطيط القومي، هناك ثلاثة سيناريوهات لحجم تأثير فيروس كورونا على قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج. 

السيناريو الأول (المبني على افتراض أن تستطيع العمالة المصرية العالقة العودة إلى أعمالها) يتوقع أن تصل قيمة التحويلات خلال العام المالي 2019/2020 إلى 22.3 مليار دولار تحقق منها بالفعل 13.6 مليار دولار. 

السيناريو الثاني (المبني على افتراض عدم إمكانية رجوع العمالة العالقة، والاستغناء عن بعضها، وعدم التجديد لأي عقود قديمة، والتوقف عن قبول عقود جديدة) يتوقع التقرير أن تصل قيمة تحويلات المصريين إلى 21.5 مليار دولار عام 2020. وبافتراض تحسن ظروف التعافي في الأسواق الخليجية، فيتوقع أن ترتفع قيمة التحويلات إلى 24.9 مليار دولار في 2021. 

السيناريو الأخير (المبني على افتراض أن تتركز عمليات التسريح على العمالة المهاجرة من حاملي التأشيرات المؤقتة، واتباع سياسات انكماشية في الخليج، والالتزام بسياسات تقشفية، وذلك في ظل سيناريو تدهور النمو العالمي إلى أقل من 3%) يتوقع أن تكون التحويلات في حدود 13.4 مليار دولار في 2020، وأن تتحسن قليلًا لتصل إلى 18.7 مليار دولار في العام المقبل.

وقد قامت العديد من الدول مثل قطر والكويت بالفعل بتخفيض العمالة الأجنبية في الكثير من القطاعات وبتخفيض أجورهم، وجاء هذا خاصة بعد انخفاض أسعار البترول إلى جانب القيود الأخيرة على السفر إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك من أجل تخفيض التكاليف وتقليل العبء على ميزان المدفوعات. ففي قطر، أصدرت وزارة المالية تعليمات لخفض التكاليف الشهرية للموظفين غير القطريين بنسبة 30٪، بداية من الأول من يونيو والذي سيكون عن طريق خفض رواتب العاملين أو تسريحهم بإشعار مدته شهرين. وقامت الكويت أيضًا بالتخطيط لوقف تعيين العمال الأجانب في قطاع البترول، وقام بعض الممثلين التشريعيين في البرلمان الكويتي بصياغة مشروع قانون يقترح تحديد حصص للعمال الأجانب، بحيث يمكن أيضًا الحفاظ على التوازن الديموغرافي في البلاد، والذي يقترح ألا يتجاوز العمال الهنود أكثر من 15٪ من إجمالي سكان البلاد و10٪ للعمال المصريين، مما يعني أنه سيتم ترحيل أكثر من 844000 هندي وحوالي 50000 مصري. وهذا ما يشير إلى أن تحويلات العاملين بالخارج ستنخفض أكثر في الفترة القادمة مما سيؤثر سلبًا بنسبة أكبر على توقعات النمو. كما أنه يشير أيضًا إلى احتمال ارتفاع نسبة البطالة في الفترة المقبلة.

مقالات وتحليلات

كيف عملت دول مجموعة العشرين على مواجهة كورونا؟

ما تزال التوقعات حول حجم وتأثير جائحة فيروس كورونا على اقتصادات الدول أو الاقتصاد العالمي مجهولة، حيث تعتمد التداعيات الاقتصادية للجائحة على عوامل كثيرة تتفاعل بطرق يصعب التنبؤ بها، بما في ذلك كثافة وفعالية جهود احتواء الوباء، ومدى تعطل الإمدادات، ووضع الأسواق المالية العالمية، والتغيرات في أنماط الإنفاق، والتأثير على الثقة بين الأشخاص وأصحاب الأعمال والحكومات، والتغيرات في أسعار السلع. لكنْ في محاولة للحد من هذه الآثار، قامت أغلب البلدان المتأثرة بالجائحة باتخاذ حزمة من السياسات النقدية والمالية ذات الأولوية، بما يتناسب مع الموارد المتاحة، ولم تقتصر المواجهة على الدول فقط، لكنها شملت أيضا المجموعات الدولية، ومن ذلك مجموعة العشرين. 

تأسست مجموعة العشرين في سنة 1999 على خلفية الأزمة المالية الآسيوية في منتصف التسعينات، وتتكون المجموعة من 19 دولة، بجانب الاتحاد الأوروبي، هذه الدول هي: الصين، والهند، وإندونيسيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والمملكة العربية السعودية، وجنوب إفريقيا، والأرجنتين، والبرازيل، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وروسيا، وتركيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك، وأستراليا، وتستحوذ دول المجموعة على حوالي ثلثي التجارة العالمية، وأكثر من 90% من الناتج العالمي. 

وشملت الإجراءات المالية المتخذة من جانب المجموعة للحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لأزمة فيروس كورونا ضخ 7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي لحماية الوظائف والأعمال، وعمل وزراء مالية المجموعة وبنوكها المركزية على مساعدة الدول الأشد فقرًا والأكثر تضررًا من الأزمة الحالية، بجانب دعم القطاع الصحي.

يناقش هذا المقال أداء مجموعة العشرين في مواجهة جائحة كورونا، سواء على مستوى المجموعة أو أعضائها الرئيسيين. 

وفي ظل هذه الأزمة، تكُون لبعض السياسات أولوية في ظل حجم الموارد المتاحة لدى كل دولة، ويُعد تأمين موارد كافية لنظم الرعاية الصحية أولوية أولى، حيث يجب توفير الموارد اللازمة لأنظمة الرعاية الصحية للتعامل مع الحاجة المتزايدة لخدماتها، ويعني هذا توسيع الإنفاق العام على الاختبارات الإضافية، وشراء معدات الوقاية الشخصية وأجهزة التنفس، وتوسيع أجنحة العزل في المستشفيات. 

وبالإضافة إلى تعزيز أنظمة الرعاية الصحية، يعد تبني سياسات للحد من تأثير هذه الأزمة الصحية على النشاط الاقتصادي أمرًا له أولوية قصوى، وذلك من خلال تبني بعض السياسات لحماية الأشخاص والشركات المتضررة من تدابير الاحتواء الضرورية وتقليل الآثار المستمرة من التباطؤ الشديد الذي لا يمكن تجنبه، لكن على الرغم من أن أهداف هذه السياسات واحدة في البلدان كافة، إلا أن تنفيذها سيكون أسهل بالنسبة للاقتصادات المتقدمة عن الاقتصادات النامية، ويرجع ذلك إلى أن الاقتصادات المتقدمة -مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وغيرها- تتمتع بإمكانات ونظم رعاية صحية أقوى نسبيًّا، وإمكانية وصول أفضل إلى السيولة الدولية، وتكاليف اقتراض أقل نسبيًّا مما سيجعلها مجهزة بشكل أفضل لمكافحة الأزمة الصحية وتلبية الاحتياجات التمويلية الكبيرة لتنفيذ السياسات الداعمة.

وفي محاولة من جانب مجموعة العشرين لتخفيف الآثار على الاقتصاد العالمي قامت باتخاذ بعض الإجراءات، منها ضخ أكثر من 7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي لحماية الوظائف والأعمال، وبعد الاجتماع الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية للتصدي لأزمة النفط، قام وزراء مالية المجموعة بالموافقة على التجميد المؤقت لديون البلدان الأكثر فقرًا لمدة عام وبدون أي شروط، ومن المقرر أن تستفيد 76 دولة من هذه المبادرة، مع العلم أن الديون المستحقة على هذه الدول هذا العام وحده تتجاوز 50 مليار دولار، ودعت المجموعة أيضًا القطاع الخاص إلى المساهمة في تخفيف أعباء ديون الدول الأكثر فقرًا، والعمل على توفير سيولة عاجلة قصيرة الأجل للدول الأكثر حاجة من قبل صندوق النقد الدولي؛ واتخاذ التدابير الاحترازية التي من بينها دعم القطاع الصحي، حيث خصصت المجموعة تريليون دولار للدول الأكثر فقرًا لمواجهة الوباء. 

في ضوء السياسات المتخذة من قبل بلدان مجموعة العشرين على المستوى الفردي، قامت دول المجموعة بتنفيذ الكثير من التدابير النقدية والمالية، وكانت الاستجابة في تقديم وتفعيل سياسات نقدية ومالية في البلدان المتضررة سريعة وكبيرة في العديد من الاقتصادات المتقدمة (مثل أستراليا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة)، كما بدأت العديد من الأسواق الناشئة (مثل الصين، وإندونيسيا، وجنوب إفريقيا) في تقديم أو الإعلان عن دعم مالي كبير للقطاعات والعمال المتأثرين بشدة. 

وفي هذا الإطار، قامت الأرجنتين باتخاذ العديد من التدابير، بلغت قيمتها 3% من الناتج المحلي الإجمالي، استهدفت زيادة الانفاق على قطاع الصحة وبناء المستشفيات، ودعم العمال والفئات الضعيفة من خلال زيادة التحويلات إلى الأسر الفقيرة، واستحقاقات الضمان الاجتماعي (خاصة ذوي الدخل المنخفض)، واستحقاقات التأمين ضد البطالة، والمدفوعات للعمال ذوي الحد الأدنى من الأجور، ودعم القطاعات التي تضررت بشدة بما في ذلك الإعفاء من مساهمات الضمان الاجتماعي، والمنح لتغطية تكاليف الرواتب، والقروض المدعومة لبعض الأنشطة، ودعم الطلب -أو الاستهلاك- بما في ذلك الإنفاق على الأشغال العامة، وتوفير ضمانات ائتمانية للإقراض المصرفي للمؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة لإنتاج الأغذية والإمدادات الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت السلطات سياسات مكافحة التلاعب بالأسعار، حيث قامت بتحديد الأسعار للمواد الغذائية والطبية، وفرض بعض القيود على الصادرات من الإمدادات والمعدات الطبية.

وقامت أستراليا باتخاذ العديد من السياسات المماثلة لتحفيز الاقتصاد من خلال تخصيص حوالي 9.9% من الناتج المحلي الإجمالي حتى السنة المالية 2023/2024 على أن يتم تنفيذ معظمها في العامين الماليين 2019/2020، 2020/2021. كما التزمت الحكومة بتوفير رعاية مجانية للأطفال لحوالي مليون أسرة، وأعلنت دعمًا مستهدفًا لنظام التعليم. 

كذلك، اعتمدت الحكومة الفيدرالية الألمانية على ميزانية تكميلية بلغت 156 مليار يورو (4.9% من الناتج المحلي الإجمالي) لتنفيذ العديد من السياسات التحفيزية. في الوقت نفسه، تعمل الحكومة على توسيع حجم والوصول إلى ضمانات القروض العامة للشركات ذات الأحجام المختلفة وشركات التأمين من خلال صندوق الاستقرار الاقتصادي الذي تم إنشاؤه حديثًا وبنك التنمية العام. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت العديد من حكومات الولايات الألمانية عن إجراءاتها الخاصة لدعم اقتصاداتها، والتي تصل إلى 48 مليار يورو كدعم مباشر، و73 مليار يورو في شكل ضمانات القروض على مستوى الولاية، وبالنظر إلى امتلاك ألمانيا مؤسسات حكومية قوية، لم تكن هناك تأخيرات في توزيع هذه المنح على الشركات وأصحاب المتاجر.

وعلى مستوى السياسات النقدية، قرر البنك المركزي الأوروبي توظيف السياسة النقدية من خلال عمليات شراء أصول إضافية بقيمة 120 مليار يورو حتى نهاية عام 2020 في إطار البرنامج الحالي (APP)، وشملت التدابير الإضافية برنامجًا إضافيًّا لشراء الأصول بقيمة 750 مليار يورو من الأوراق المالية من القطاعين العام والخاص، وتخفيف المعايير الإضافية لعمليات إعادة تمويل نظام اليورو، وغيرها من السياسات. أيضًا مددت السلطات جميع الإغاثات التنظيمية والتشغيلية الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي للمصارف الألمانية. بالإضافة إلى ذلك، قدم البنك المركزي الأوروبي بعض التدابير على مستوى منطقة اليورو، شملت: تخفيض احتياطي رأس المال المعاكس للتقلبات الدورية للبنوك من 0.25% إلى الصفر، وتقديم 100 مليار يورو إضافية لإعادة توسيع توفير السيولة قصيرة الأجل للشركات من خلال بنك التنمية العام بالشراكة مع البنوك التجارية، بالإضافة إلى تخصيص 100 مليار يورو داخل صندوق الاستثمار الاجتماعي لحصول الشركات المتضررة على تحويلات مالية مباشرة.

وفي الولايات المتحدة تم تخفيض سعر الفائدة الفيدرالية بمقدار 150 نقطة أساس في مارس إلى ما يتراوح بين 0 إلى 0.25 نقطة أساس، وقدم الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) أيضًا تسهيلات لدعم تدفق الائتمان -في بعض الحالات مدعومة من الخزانة باستخدام الأموال المخصصة بموجب قانون CARES- مثل تقديم تسهيلات تمويل الأوراق التجارية لتسهيل إصدار الأوراق التجارية من قبل الشركات، وتقديم تسهيلات السيولة لصندوق استثمار سوق المال لتوفير القروض لمؤسسات الإيداع لشراء الأصول من صناديق أسواق النقد الرئيسية، وتسهيلات ائتمان الشركات في السوق الثانوية لتوفير السيولة لسندات الشركات المستحقة.

وقدم بنك الشعب الصيني (البنك المركزي الصيني) الدعم باستخدام السياسة النقدية والعمل على حماية استقرار سوق المال، شمل ذلك ضخ سيولة بمقدار 3.27 تريليون يوان في النظام المصرفي عبر عمليات السوق المفتوحة، وتوسيع تسهيلات إعادة الإقراض وإعادة الخصم من خلال 1.8 تريليون يوان لدعم مصنعي المستلزمات الطبية والضروريات اليومية للشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاع الزراعي بأسعار فائدة منخفضة، وخفض الفائدة على الاحتياطيات الزائدة من 72 إلى 35 نقطة أساس، كما اتخذت الحكومة خطوات متعددة للحد من تشديد الأوضاع المالية بما في ذلك تأخير مدفوعات القروض وإجراءات دعم الائتمان الأخرى للشركات الصغيرة والمتوسطة والأسر المؤهلة، ودعم إصدار السندات من قبل المؤسسات المالية لتمويل إقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودعم تمويل إضافي للشركات من خلال زيادة إصدار السندات من قبل الشركات، وتخفيف سياسات الإسكان من قبل الحكومات المحلية.



مقالات وتحليلات

أثر فيروس كورونا على الاستثمار الأجنبي المباشر

خلقت جائحة فيروس كورونا حالةً من عدم اليقين بين البلدان، فأصبحت مصدرًا جديدًا للتقلبات، وتهديدًا للمرونة والاستقرار الاقتصادي، وعبئًا إضافيًّا على تلك البلدان التي تعاني بالفعل من تدهور الاقتصاد الكلي. وفي حين أنه لا يزال من السابق لأوانه فهم تأثير الجائحة بشكل كامل على القيمة العالمية لسلاسل التوريد، وكيف ستؤثر على العمالة والإنتاجية والدخل؛ لكنه بات من المؤكد أن (كوفيد-19) ينتشر بمعدل متسارع، ويتسبب في اضطرابات كبيرة في سلاسل القيمة العالمية، لا سيما في الاقتصادات الكبرى. وقد استجابت هذه البلدان بإجراءات احترازية صحية واقتصادية عامة غير مسبوقة، وفرضت إغلاق الأعمال وتقديم حزم التحفيز على نطاق كان يُعتقد في السابق أنه مستحيل. وفي سياق تطور هذا الوباء، قامت أكبر 5000 شركة متعددة الجنسيات في العالم بمراجعة أرباحها لعام 2020 بشكل كبير، وأكدت أن العالم يشهد أكبر انخفاض في الإنفاق الرأسمالي للاستثمار الأجنبي المباشر منذ الركود العالمي في عام 2008، وتراجعًا كبيرًا محتملًا من عمليات الاستثمار الأجنبي المباشر. ويتوقع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية انخفاضًا في الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة تتراوح بين 30٪ – 40٪ حتى عام 2021، في حين أنه قبل الوباء كان من المتوقع أن ينمو الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة 5٪ خلال الفترة (2020-2021).

تأثير كورونا على الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًّا

التأثير الاقتصادي لـ(كوفيد-19) غير متساوٍ بين البلاد، مع الآثار الناجمة عن صدمات الطلب التي تتركز في تلك الاقتصادات الأكثر تضررًا من الوباء، والآثار الناجمة عن توقف الإنتاج وتعطل سلاسل التوريد في الاقتصادات المندمجة بشكل وثيق في سلاسل القيمة العالمية مثل الصين، واقتصادات جنوب شرق آسيا، والولايات المتحدة. سوف يكون الأثر الاستثماري أكثر تركيزًا في تلك البلدان التي اضطرت إلى اتخاذ تدابير أشد لاحتواء انتشار الفيروس (والتي تشمل: حظر التجوال، وحظر السفر، وإغلاق الحدود، وإغلاق العديد من القطاعات الاقتصادية)؛ حيث سيؤدي الفيروس إلى انخفاض النفقات الرأسمالية، وانخفاض أرباح الشركات متعددة الجنسيات. إضافة إلى ذلك، ستؤدي مواقع الإنتاج التي يتم إغلاقها أو التي تعمل بسعة أقل إلى توقف الاستثمار الجديد مؤقتًا وتأخير التوسعات. وهذا سيتسبب في آثار سلبية على جميع أنواع الاستثمار الأجنبي المباشر الثلاثة الرئيسية؛ البحث عن السوق، والبحث عن الكفاءة، والبحث عن الموارد الطبيعية. وبالمثل، أدى انتشار الفيروس في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى تثبيط الطلب في سلاسل التوريد. وكلما طالت فترة إيقاف الفيروس للنشاط الاقتصادي في البلدان الأكثر تضررًا؛ تم الشعور بالآثار المتتالية غير المباشرة في بقية أنحاء العالم، بالإضافة إلى الآثار المباشرة لمزيد من الدول التي وقعت ضحية للفيروس. وكلما طال استمرار عمليات الإغلاق العالمية وظل الطلب مكبوتًا؛ كان من الصعب إعادة الاقتصاد العالمي إلى ما كان عليه واستئناف الأنشطة الاقتصادية بعد الأزمة.

كما سيكون للانخفاض المتوقع في أرباح أكبر 5000 شركة متعددة الجنسيات على الصعيد العالمي تأثير غير مباشر على الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث إن أي انخفاض في أرباحها سيؤدي إلى انخفاض في الأرباح المحتجزة، وبالتالي انخفاض في الأرباح المعاد استثمارها، والتي تمثل 52٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي. وقد لوحظ ذلك في انسحاب المستثمرين من المشاريع الممولة في البلدان النامية للتقليل من خسائرها. كما أن المشاريع الاستثمارية الجديدة ستتأثر أيضًا بهذا الأمر. 

وفي حين أن جميع الصناعات من المحتمل أن تتأثر، فإن بعضها سيتضرر بشكل خاص أكثر من البقية. على سبيل المثال، من المتوقع أن تكون صناعات الطاقة والمواد الأساسية، وشركات الطيران، وصناعة السيارات؛ هي الأكثر معاناة عالميًا، حيث من المتوقع انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 208٪ و116٪ و47٪ في هذه القطاعات على الترتيب، وفقًا لتقديرات منتدى البحوث الاقتصادية. كما أن أرباح الشركات متعددة الجنسيات الموجودة في الاقتصادات الناشئة ستكون أكثر عرضة للخطر عن تلك القائمة في البلدان المتقدمة، ما يعني أن حصة الأرباح المعاد استثمارها في الاستثمار الأجنبي المباشر للبلدان النامية ستتأثر بنسبة أكبر من البلدان المتقدمة. ووفقًا لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فالتأثير المحتمل على البلدان النامية سيكون أكثر من الضعف مقارنة بالبلدان المتقدمة.

ومن المتوقع أيضًا تأخر إعلانات المشاريع الجديدة، كما يمكن أن تشهد عمليات الاندماج والاستحواذ تباطؤًا خلال هذا العام، فمثل الاستثمارات الأجنبية الجديدة، تعتبر عمليات الاندماج والاستحواذ بشكل عام التزامات طويلة الأجل للأسواق الخارجية. وبناء على ذلك، تُظهر بيانات شهر فبراير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية انخفاضًا كبيرًا في معدل إكمال عمليات الاستحواذ عبر الحدود إلى أقل من 10 مليارات دولار من القيم الشهرية العادية البالغة ما بين 40-50 مليار دولار.

تأثير كورونا على الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم العربي

للدول العربية روابط مهمة مع الدول الرئيسية المتأثرة بفيروس كورونا بشكل عام، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين بشكل خاص. تطورت العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية والاقتصادات الرئيسية الثلاثة في العقود الأخيرة، لا سيما من خلال التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر. وتشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة العربية بلغت حوالي 30.8 مليار دولار في عام 2018. واستوعب أكبر خمسة مستفيدين من الاستثمار الأجنبي المباشر الأغلبية الساحقة من إجمالي التدفقات الوافدة إلى المنطقة في عام 2018، إذ استحوذت على 92٪ من إجمالي هذه التدفقات، مقارنة بـحوالي 84٪ في عام 2017. واستحوذت الإمارات العربية المتحدة على النسبة الأكبر، بنسبة 33.7%، تليها مصر بنسبة 22.1%، ثم عمان بنسبة 13.6%، ثم المغرب بنسبة 11.8%، والمملكة العربية السعودية بنسبة 10.4%. ولذا فإن الاستثمار الأجنبي المباشر في هذه البلدان بشكل خاص وفي الوطن العربي بشكل عام يلعب دورًا مهمًّا باعتباره أحد المحركات الثلاثة للنمو الاقتصادي، بالإضافة إلى الطلب المحلي والصادرات. والواقع أن الآثار المحتملة للاقتصاد الكلي للأزمة ستزداد سوءًا إذا انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

وبناءً على التوقعات، هناك سيناريوهان؛ إما أن يتم استثمار جزء من أرباح هذه الشركات فقط أو استثمارها كلها. إذا تم استثمار جزء فقط من الأرباح بناءً على الاتجاهات السابقة، فمن المتوقع أن تنخفض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة العربية بنسبة تتراوح بين 21٪ – 29٪ في عام 2020 مقارنة بالتوقعات السابقة. بالإضافة إلى ذلك، سيؤدي هذا الانخفاض في تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى خسائر في خلق فرص العمل بنسبة 13٪ – 16٪ مقارنة بالتوقعات السابقة قبل الجائحة. ومن المتوقع أن تكون أكثر الدول تضررًا العراق، تليها مصر والسعودية وموريتانيا وتونس. وبغض النظر عن القطاعات التي تعاني أكثر بسبب الجائحة، فإن انخفاض الاستثمار بهذا الحجم سيكون مكلفًا اقتصاديًا واجتماعيًا من خلال الآثار المباشرة وغير المباشرة. وفي الوقت الراهن، تعد الخسارة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بين القطاعات في الوطن العربي غير متساوية، حيث من المرجح أن يتأثر قطاع الصناعة والتعدين بشدة، تليه قطاعات البناء والتعليم.

مقالات وتحليلات

جائحة كورونا المستجد و”الركود الكبير”.. هل من أوجه شبه؟

يختلف السبب الكامن وراء التباطؤ أو الركود الاقتصادي الحالي اختلافًا جوهريًّا عن الركود الكبير الذي حدث عام 2008/2009. فعلى عكس الركود الكبير الذي كان نتيجة للاختلالات المالية التي بدأت بشكل أساسي في الرهن العقاري؛ يُعد التباطؤ الاقتصادي الحالي نتيجة لعامل خارجي هو فيروس كورونا المستجد الذي أثر على الاقتصاد بجميع جوانبه. ولكن على الرغم من أن السبب وراء الركود الاقتصادي مختلف؛ إلا أن هناك بعض الأخطاء المشتركة بين الأزمتين وبعض الدروس المستفادة من أزمة الركود الكبير.

من الممكن أن يكون هذا الانكماش -أو الانتعاش الاقتصادي فيما بعد- للأزمة الحالية على شكل حرف (U)، وهذا يعني أن الاقتصاد سيكون في حالة انكماش لمدة طويلة من الزمن إلى حدٍّ ما حتى يبدأ الاقتصاد في التعافي من هذه الأزمة (فترة من النمو)، أو أن يكون على شكل حرف (L)، وهذا يعني أن الاقتصاد سيكون في حالة انكماش إلى مدة طويلة من الزمن غير معروف متى سيتعافى الاقتصاد منها.

يناقش هذا المقال أولًا أسباب أزمة الركود الكبير، ثم أسباب الركود الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا المستجد، ثم يقارن بين الأزمتين من حيث الاختلافات والتشابهات والدروس المستفادة.

أولًا- أسباب أزمة الركود الكبير

بسبب العولمة التي جعلت العالم أكثر ترابطًا، أدت الأزمة المالية في الولايات المتحدة إلى أزمة مالية عالمية (2008/2009). بدأت الأزمة حينما فقد المستثمرون الأمريكيون الثقة في الرهون العقارية عالية المخاطر. أحد أنواع هذه الرهون العقارية عالية المخاطر هو الرهن الثانوي، وهو نوع من القروض يُستخدم عادة لشراء منزل لأولئك الذين يبدو أن وضعهم الائتماني ضعيف وربما يواجهون صعوبة في سداد القروض. عادة ما يكون لهذا النوع من القروض شروط غير مواتية، وضمانات منخفضة الجودة، وأسعار فائدة عالية للتعويض عن المخاطر.

أسباب الأزمة تمثلت بالأساس في ضعف الجدارة الائتمانية للمقترضين، واللوائح أو القواعد التنظيمية الضعيفة، وارتفاع الأقساط الشهرية نتيجة ارتفاع تكاليف الفائدة، وعدم قدرة المقترضين على سداد القروض بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى السبب الرابع وهو تقصير المؤسسات المالية في الدفع لحملة السندات، وهو ما أدى إلى عدة آثار كارثية، مثل؛ أولًا: فقدان المستثمرين للثقة في سوق الأسهم. ثانيًا: أزمة الرهن العقاري. ثالثًا: أزمة الديون؛ حيث واجهت البنوك خسائر كبيرة، وأعلن الكثير منها إفلاسه مثل “ليمان براذرز” و”أمريكان هوم”. 

وقد واجهت المؤسسات المالية تخفيضات وخسائر، وتم تأميم العديد من هذه المؤسسات المالية، وبعضها تم بيعه. بالإضافة إلى ذلك، أدى فقدان الوظائف إلى انخفاض إنفاق المستهلكين بسبب عدم كفاية الأموال وعدم رغبة المستهلكين في الشراء كما كانوا يفعلون عادة، مما تسبب في الركود وانخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي. لذلك أدى الاختلال في سوق المال إلى اختلال في سوق العمل وسوق السلع، مما أدى بدوره إلى اختلال في الاقتصاد بأكمله، ووجود دوامة انكماشية، ما أدى أيضًا إلى انخفاض الطلب وانخفاض الأسعار، ومن ثم ظهور حالات تخلف عن سداد الديون ليؤدي ذلك إلى الإفلاس، والذي ترتب عليه تسريح العمال وانخفاض الأجور، مما تسبب في انخفاض الطلب وما إلى ذلك. وهذه الدوامة أدت إلى أزمة الركود الكبير العالمية.

ثانيًا- أسباب الركود الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا

أيضًا بسبب العولمة التي جعلت العالم أكثر ترابطًا، أدى انتشار مرض فيروس “كورونا المستجد” في الصين إلى انتشاره في العالم. لكن التباطؤ الاقتصادي الناجم عن هذه الجائحة يختلف تمامًا عنه في وقت الركود الكبير. فالتباطؤ أو الركود الاقتصادي الحالي هو بسبب صدمة في العرض والطلب. وبحسب البروفيسور “محمد العريان”، فبسبب الحجر الصحي، وغلق المطارات، وقطاعات مثل قطاع الترفيه، وحث المواطنين على الالتزام بالبقاء في المنزل؛ فقد أدى ذلك إلى تقليل الطلب بشكل ضخم على هذه القطاعات. وهذه الصدمة في الطلب أدت إلى نقص ضخم في الإيرادات لهذه القطاعات، مما ترتب عليه محاولة الشركات تقليل تكاليفها بشكل سريع لتقليل الخسائر. وإحدى هذه الطرق السريعة هي تسريح العمال.

لكنّ هؤلاء العمال هم أيضًا مستهلكون، وهذا أدى إلى مزيد من التقليل في الطلب عند كل سعر، مما ترتب عليه مزيد من التسريح في العمال وتقليل الإنتاج والعرض، وهكذا. ولكن في هذه الحالة، الخسائر في الإيرادات الناجمة عن التوقف الاقتصادي هي التي أدت إلى أزمات مالية وأزمات في السيولة بين هذه القطاعات. لكن في هذه الأزمة، وعلى عكس الوضع في أزمة الركود الكبير، يمكن للبنوك أن تكون جزءًا من الحلول لهذه الأزمة. وأحد هذه الحلول هو إقراض هذه الشركات لمساعدتها في تخطي هذه الأزمة والتي بعدها ستعود هذه الشركات لوضعها كما كانت وتحقق أرباحها كالمعتاد. لذلك، أدركت الحكومات والبنوك أن الإنفاق المالي والتحفيز المالي يلعب دورًا مهمًّا لحل الأزمات المالية.

ثالثًا- مقارنة بين جائحة فيروس كورونا والركود الكبير

على الرغم من اختلاف أسباب الأزمة؛ إلا أن التوابع الاقتصادية متشابهة. على سبيل المثال، أدت الأزمتان إلى تسريح العمال، ونسبة عالية من البطالة، وانخفاض في إنفاق المستهلكين، وانخفاض الإنتاج، وارتفاع الديون، وركود اقتصادي. ولكن على عكس أزمة الركود الكبير، فإن الأزمة الراهنة ليست أزمة ثقة بين الأشخاص والحكومات أو البنوك، بل هي أزمة صحية في الأساس أثرت على جميع الأسواق. لذلك يجب أن يكون التعامل مع هذه الأزمة مختلفًا. ولكن هناك بعض الدروس المستفادة من أزمة 2008/2009. أول هذه الدروس أن الحكومات رفضت خلال هذه الأزمة ضخ الأموال في الاقتصاد، معتقدين أن الاقتصاد يمكن أن يتعافى بنفسه سريعًا، لكن هذا أدى إلى إفلاس البنوك، وقاد الاقتصاد كله إلى ركود كبير.

أيضًا أحد الدروس المستفادة من أزمة الركود الكبير هي أن الأزمة العالمية تتطلب حلًّا عالميًّا موحدًا ومشتركًا بين البلاد، وذلك من أجل تفادي الآثار الجانبية التي يمكن أن تتسبب بها كل دولة للدول الأخرى عند وضع سياسات لدولتها تفيد دولتها فقط دون احتساب الآثار الجانبية على باقي دول العالم. فبناء على الافتراض الأساسي للاقتصاد، وهو عقلانية جميع الأفراد الذي يقتضي من الجميع اختيار ما هو أنسب لهم، وما سيجعلهم في أفضل وضع يمكن أن يكونوا عليه، فإذا تصرفت جميع الدول على هذا النحو، فسوف ينتج عن هذا العديد من الآثار الجانبية التي ستتسبب فيها كل دولة لباقي الدول. لذلك يجب على الدول أن تكون أكثر ذكاء، وأن تدرك أن استراتيجيتها في اختيار ما هو أنسب لها هو نفس استراتيجية باقي الدول، ولتفادي الآثار الجانبية التي تتأثر بها من استراتيجيات باقي الدول والتي تضعها في وضع غير مناسب لها، ولذا يجب عليها التعاون مع باقي الدول. لذلك يجب تغيير مفهوم أن العقلانية تقتضي الأنانية. أيضًا يجب إدراك أن النمو الشامل هو ما سيجعل الدول أكثر مرونة وتحملًا لأزمات ذات احتمالات حدوث منخفضة ولكن بعواقب كبيرة. لذلك يجب أن يتحول هدف البلاد من تحقيق أكبر معدل نمو فقط إلى تحقيق أكبر معدل نمو شامل، وعلى أن يأخذ في الاعتبار قضايا –أو أهداف- الاستدامة.

هذا التغيير في الفكر أو السلوك أو الاستراتيجية يجب أن ينطبق أيضًا على القطاع الخاص. إذ يجب على رجال الأعمال إدراك أن كونهم مرنين -وحتى لو كان هذا سيكلفهم أكثر- هو الوضع الأكثر كفاءة وفعالية الذي يمكن أن يكونوا عليه من حيث التكلفة بالمقارنة بمجرد خفض التكاليف والمخاطرة بالوقوع في الأزمات ذات التبعات المرتفعة. لذلك، يجب على الحكومات، والمنتجين، والمستهلكين؛ أن يكونوا أكثر اهتمامًا بالتداعيات الاقتصادية والاجتماعية. وبناء على أزمة الركود الكبير التي كونت خبرات لدى من عاشها وأثرت في سلوكه، ستؤثر أزمة كورونا أيضًا في سلوك من عاصرها وتغير من سلوكه.

مقالات وتحليلات

تأثيرات فيروس كورونا على أهداف التنمية المستدامة

أزمة فيروس كورونا ليست مجرد أزمة صحية عالمية، بل هي أزمة إنسانية. الأزمة لها العديد من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يكون لهذه الأزمة تأثير عميق وسلبي على جهود التنمية المستدامة؛ ذلك أن التباطؤ الاقتصادي العالمي الممتد سيؤثر سلبًا على تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، حيث إن نسبة كبيرة من موارد العالم ستذهب لمواجهة فيروس كورونا وستبقى نسبة أقل فيما بعد لتنفيذ الخطة.

تشمل أهداف التنمية المستدامة 17 هدفًا عالميًّا، تستهدف بناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع. وقد تم تحديد هذه الأهداف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015 والمزمع تحقيقها بحلول عام 2030، وهي جزء من قرار الأمم المتحدة 70/1 في خطة 2030. وتستند هذه الأهداف السبعة عشر إلى ما تم إحرازه من نجاحات في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية (2000-2015)، كما تشمل كذلك مجالات جديدة، مثل: تغير المناخ، وعدم المساواة الاقتصادية، وتعزيز الابتكار، والاستهلاك المستدام، والسلام، والعدالة، ضمن أولويات أخرى. جميع هذه الأهداف مترابطة، وتحقيق هدف منها سيكون له تأثير إيجابي على الأهداف الأخرى.

من ناحية، سيكون النساء والأطفال وكبار السن والعمال غير الرسميين هم الأكثر تضررًا من جائحة فيروس كورونا. ولكن من ناحية أخرى، من المحتمل أن يكون التأثير على البيئة إيجابيًّا على المدى القصير، حيث أدى الانخفاض الكبير في النشاط الاقتصادي الناجم عن الأزمة إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتلوث في العديد من المجالات. لكن من المتوقع أن تكون هذه التحسينات قصيرة الأجل ما لم تُنفِّذ البلدان التزامها بالتنمية المستدامة بمجرد انتهاء الأزمة، وإعادة تشغيل المصانع والإنتاج بكامل طاقتهما.

الحقيقة الثابتة هي أنه كان بإمكان بلاد العالم الاستعداد بشكل أفضل لهذه الأزمة، حيث كان يمكن لأهداف التنمية المستدامة أن تضعها على الطريق نحو عالم يتمتع بإمكانية الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة، والرعاية الصحية الجيدة، واقتصادات أكثر شمولًا واستدامة. لكن الاستثمار المحدود في هذه الأهداف أدى إلى مضاعفة آثار أزمة كورونا التي أثرت سلبًا على تنفيذ معظم أهداف التنمية المستدامة. بعض الآثار المتوقعة من الوباء تؤثر على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة بطريقة مباشرة، وبعضها الآخر بطريقة غير مباشرة.

في هذا الإطار، يُناقش هذا المقال تأثير فيروس كورونا على العديد من أهداف التنمية المستدامة، وعلى وجه الخصوص: القضاء على الفقر، والقضاء على الجوع، والصحة الجيدة والرفاه، والتعليم الجيد، والمياه النظيفة والنظافة الصحية، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد، والحد من أوجه عدم المساواة، ومدن ومجتمعات محلية مستدامة، والعمل المناخي، والسلام والعدل والمؤسسات القوية، وعقد الشراكات لتحقيق الأهداف، على النحو التالي: 

1- القضاء على الفقر (الهدف رقم 1): أثر فيروس كورونا على هذا الهدف مباشرةً، حيث أدى إلى فقدان الدخل لدى نسبة كبيرة من الناس، مما دفع الشرائح الضعيفة من المجتمع والأسر إلى الوقوع تحت خط الفقر. 

2- القضاء التام على الجوع (الهدف رقم 2): قد تؤدي التدابير اللازمة لاحتواء انتشار المرض من خلال فرض الحجر الصحي، وتقليل ساعات العمل، وغلق المدن؛ إلى تعطيل إنتاج الغذاء وتوزيعه. وهذا قد يؤدي إلى انخفاض العرض من الغذاء، وصعوبة توفره في بعض المناطق. 

3- الصحة الجيدة والرفاه (الهدف رقم 3): أظهر فيروس كورونا العديد من السلبيات في المجال الصحي على مستوى العالم، والتي من أهمها: عدم وجود أعداد كافية من المستشفيات بالدول، وعجز بالمستلزمات الطبية والأجهزة مثل أجهزة التنفس الصناعي، وعجز شديد في الأطباء ومقدمي الخدمة الطبية. كما أظهر عدم وجود خطط مسبقة لمواجهة الكوارث الطارئة، مما أثر على ارتفاع أعداد الوفيات على مستوى العالم.

4- التعليم الجيد (الهدف رقم 4): غلق معظم المدارس والمؤسسات العلمية سيؤدي إلى عدم تلقي الطلاب المناهج المعدة لكل مرحلة. كما أظهرت الأزمة عدم جاهزية غالبية الدول لنظام التعليم عن بعد، خاصة في الدول النامية التي لا تتاح فيها هذه الخدمة لغالبية الطلبة. وبالتالي سيؤثر ذلك على فرص تعلم الكثير من الطلاب، خاصة الذين ليست لديهم فرص للتعليم خارج المدرسة مثل الأسر منخفضة الدخل التي تكون فرصتها أقل في الوصول إلى التكنولوجيا والإنترنت وخدمات رعاية الأطفال.

أيضًا يعتمد العديد من الطلاب على وجبات مجانية أو مخفضة تقدم في المدارس، ومع إغلاق المدارس سيؤثر هذا على تغذيتهم، مما سيؤثر على الصحة العامة لهؤلاء الطلاب وقدرتهم على الاستفادة من التعليم في المستقبل.

5- المياه النظيفة والنظافة الصحية (الهدف رقم 6): من أهم الوسائل الوقائية من فيروس كورونا هو غسيل اليدين بالمياه النظيفة. هذه الوسيلة قد لا تكون متوفرة لبعض المواطنين، خاصة المقيمين ببعض الأماكن العشوائية والقرى النائية. وقد يؤدي هذا إلى انتشار الفيروس في هذه المناطق بسبب ضعف إمكانياتهم، وعدم وصول المياه النظيفة إلى منازلهم.

6- العمل اللائق ونمو الاقتصاد (الهدف رقم 8): أزمة جائحة كورونا أثرت على القوى العاملة في جميع أنحاء العالم، وقد أدت هذه الأزمة إلى إلغاء نسبة كبيرة من إجمالي ساعات العمل، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تقديم المساعدة الفورية للشركات والعمال لحمايتهم، خاصة في القطاعات الأكثر تضررًا التي تضم نسبة عالية من العمالة ذات الأجور المتدنية والعمالة غير الرسمية. وهذا قد يؤدي إلى خطر وقوعهم تحت خط الفقر ومواجهة تحديات أكبر في العودة لأشغالهم بعد فترة التعافي. 

اتساع خطر انتشار فيروس كورونا إلى كل دول العالم أثر سلبًا على حركة الطيران والسفر والتجارة والشحن، كما انعكس سلبًا في انخفاض وتذبذب الأسواق المالية وتراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها. كما أن الاضطرابات في التجارة العالمية والتوريد تسببت في تراجع نشاط التصنيع العالمي. كما تراجع الناتج في القطاعات الاستهلاكية والسلع الوسيطة والاستثمارية. وبالتالي أدى ذلك إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض معدل نمو التجارة العالمية.

7- الحد من أوجه عدم المساواة (الهدف رقم 10): أثر فيروس كورونا على هذا الهدف بطريقة غير مباشرة، حيث إن الأزمة ستؤدي إلى توسعة الفجوة بين الطبقات، خاصة بالنسبة للأسر الفقيرة والأشد فقرًا التي ليست لديها إمكانيات متاحة لمواكبة التعايش مع أزمة كورونا، خاصة الأسر بالمناطق النائية والأماكن العشوائية ذات الكثافة السكانية العالية والتي ليس بها خدمات إنترنت، وليس لديها الإمكانات المادية للحصول على التكنولوجيا، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى تدهور المستوى التعليمي للطلاب لعدم حصولهم على التعليم الموجه مقارنة بالطلاب المقيمين بالمناطق المتاح بها هذه الخدمة. بالإضافة إلى أن غالبية مسئولي هذه الأسر من العمالة غير المستديمة التي تأثرت أكثر بعد جائحة كورونا وفقدوا وظائفهم.

8- مدن ومجتمعات محلية مستدامة (الهدف رقم 11): يواجه السكان الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة خطرًا أكبر للتعرض لـفيروس كورونا بسبب الكثافة السكانية العالية، وسوء ظروف الصرف الصحي وصعوبة توافر مياه نظيفة.

9- العمل من أجل المناخ (الهدف رقم 13): على الرغم من أن فيروس كورونا كان له العديد من الآثار السلبية على مستوى العالم، إلا أنه نتج عنه أثر إيجابي للبيئة، حيث أدى إلى تقليل الغازات المنبعثة من المصانع وعوادم السيارات بسبب حظر التجوال الذي فرض في جميع أنحاء العالم، مما نتج عنه انخفاض في العوادم المنبعثة من السيارات، وأيضًا تقليل عدد ساعات العمل في المصانع التي تنبعث منها غازات ملوثة للبيئة، وهذا أدى إلى تقليل غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

10- السلام والعدل والمؤسسات القوية (الهدف رقم 16): أكثر المناطق في العالم تأثرًا بجائحة كورونا هي مناطق النزاع، لما يعانيه شعوب هذه المناطق من ضعف الإمكانيات في جميع المجالات الطبية والاجتماعية والاقتصادية من قبل ظهور هذا الفيروس. وبعد ظهور هذه الجائحة، تعاني هذه المناطق من عدم وجود وسائل الحماية من الفيروس والعلاجات المتاحة له أو المستشفيات التي يتلقى فيها المرضى العلاج من هذا الفيروس. بالإضافة إلى صعوبة وصول المساعدات الطبية لهذه المناطق بسبب الحروب والنزاعات الموجودة بها. على سبيل المثال، النزاعات الموجودة في سوريا وليبيا واليمن وفلسطين.

11- عقد الشراكات لتحقيق الأهداف (الهدف رقم 17): على الرغم من أن أزمة كورونا أحدثت رد فعل قويًّا ضد العولمة، وإغلاق المجالات الجوية لكل دولة، وعدم استقبال رعايا الدول الأخرى، وإيقاف الرحلات السياحية خوفًا من انتقال العدوى من خلال انتقال رعايا الدول التي بها حالات إصابة كثيرة؛ إلا أنها أكدت على ضرورة إعطاء التعاون الدولي أهمية قصوى لتبادل الخبرات في مجال مكافحة الأمراض والفيروسات وما يستجد من وسائل للمكافحة والعلاج.

رصد اعلامي

“هارفارد بيزنس”: كيفية إدارة الأعمال خلال أزمة فيروس كورونا

نشرت مجلة Harvard Business Review التي تُصدرها جامعة هارفارد تقريرًا عن جهود الشركات للتغلب على أخطار كورونا للاحتواء وتخفيف المرض، مع مراعاة التأثيرات الاقتصادية. حيث تعمل العديد من الشركات على إيجاد طريقها نحو تطوير أساليب للفهم والاستجابة والتعلم من الأحداث الجارية. لذلك قام الإصدار الخاص بتسليط الضوء على 12 درس للشركات في هذا الإطار:

تحديث البيانات على أساس يومي:

تتكشف الأحداث بسرعة مذهلة، وتتغير الصورة بشكل يومي. في البداية، بدا أن التفشي كان محصورًا في الغالب في الصين وأنه تم السيطرة عليه. في الفترة الأخيرة، ظهر عدد من بؤر العدوى سريعة النمو خارج الصين، مما يشير إلى مرحلة جديدة وربما تتطلب استراتيجيات جديدة للتخفيف بدلاً من الاحتواء. يتم تحديث البيانات والصورة الكاملة للوضع الراهن يوميًا.

الحذر من تهويل الأخبار:

غالبًا ما تركز المؤسسات الإخبارية على ما هو جديد بدلًا من الصورة الكبيرة، وفي بعض الأحيان لا تميز بين الحقائق الصعبة وغير المثبتة والمضاربة. عند التعرض لمعلومات سريعة التغير، سواء كانت تقنية جديدة أو أزمة ناشئة، يكون هناك ميل للمبالغة في رد الفعل تجاه القضايا الناشئة قبل الاتجاه في النهاية لنظرة أكثر تحديدًا. بينما يتم استيعاب آخر الأخبار، يجب التفكير بشكل نقدي في مصدر المعلومات قبل التصرف بناءً عليها.

عدم افتراض أن سهولة الوصول للمعلومة تخلق معلومات:

في عالم مترابط، يمكن للموظفين الوصول المباشر إلى العديد من مصادر المعلومات. قد يستنتج القادة أن هناك الكثير من المعلومات والتعليقات المتاحة خارجيًا لدرجة أنهم لا يحتاجون إلى القيام بأي شيء إضافي. لذلك، يجب إنشاء ملخص للحقائق والآثار ومشاركته على نطاق واسع بشكل منتظم، وهو أمر لا يقدر بثمن، حيث أنه يحجم من الافتراضات الخاطئة التي يتبنها الأشخاص حول الأحداث.

الاستعانة بالخبراء واستخدام التنبؤات بعناية:

لا غنى عن الخبراء في علم الأوبئة، علم الفيروسات، الصحة العامة، اللوجستيات، وغيرها من التخصصات في تفسير المعلومات المعقدة والمتغيرة. ولكن من الواضح أن آراء الخبراء تختلف حول القضايا الحرجة مثل سياسات الاحتواء والأثر الاقتصادي، ومن الجيد استشارة مصادر متعددة. أيضًا، كل وباء لا يمكن التنبؤ به، حيث أنه فريد من نوعه، والأطباء والخبراء ما زالوا يتعلمون عن السمات الحاسمة للوباء الحالي. لذلك فالمؤسسات بحاجة إلى استخدام نهج تجريبي تكراري لفهم ما يحدث وما الذي يعمل – وإن كان أحدهما يسترشد برأي الخبراء.

إعادة صياغة المفاهيم لما يحدث باستمرار:

يمكن أن يصبح تجميع الصورة الكبيرة للوضع ووضع خطة للتعامل معه مصدرًا للقصور الذاتي. لكن المنظمات الكبيرة نادرا ما تكون مرنة للغاية. غالبًا ما يقاوم المديرون نشر الخطط حتى يصبحوا متأكدين تمامًا منها، ثم يترددون في تغييرها خوفًا من أن يبدووا غير حاسمين أو مضللين، أو من خلق ارتباك في المنظمة. لذلك، يجب إعادة فهم الوضع الحالي باستمرار والتصرف على أساسه بمرونة.

الحذر من البيروقراطية:

عادةً ما تجذب القضايا المثيرة للجدل الإدارة العليا مثل: شؤون الشركة، القانون، إدارة المخاطر، وغيرهم إلى مراجعتها، ويكون لكل منها اقتراحات حول كيفية التعامل مع هذه القضية، مما يؤدي إلى منظور عام أو محافظ بشكل مفرط ويبطئ من عملية اتخاذ القرار.

لذلك يجب تجنب التعقيدات الخاصة بإصدار وثائق متعددة والموافقة عليها، وهو ما يقلل من المخاطر، حيث يمكن تحديثها أو سحبها بسهولة حسب الضرورة. علاوة على ذلك، يمكن أن يساعد التمييز بوضوح بين الحقائق والفرضيات والمضاربات في توصيل صورة أكثر شمولاً ودقة.

التأكد من أن رد الفعل متوازن عبر هذه الأبعاد السبعة:

  • الاتصالات: يجب التأكد من توصيل السياسات على الفور وبشكل واضح وبطريقة متوازنة لتجنب تضارب المعلومات لدى الموظفين. علاوة على ذلك، يجب توصيل المعلومات في سياقها والأسباب الكامنة وراء السياسات حتى يتمكن الموظفون من تعميق فهمهم الخاص.
  • احتياجات الموظف: ستؤدي القيود المفروضة على السفر والتجمعات إلى زيادة احتياجات الموظفين للحصول على التعليم والرعاية الصحية والمخصصات اليومية وما شابه ذلك. لذلك، يجب توقع وتطوير حلول لهذه المشكلات وإنشاء مركز معلومات حيث يمكن للموظفين العثور على جميع المعلومات التي يحتاجونها.
  • السفر: يجب التأكد من أن سياسات السفر واضحة من حيث المكان الذي يمكن للموظفين السفر إليه، ولأي أسباب، وما هي التفويضات المطلوبة ومتى ستتم مراجعة السياسة.
  • العمل عن بُعد: يجب أن تكون سياسات الشركة واضحة – أين تنطبق، وكيف ستعمل، ومتى ستتم مراجعتها.
  • استقرار سلسلة التوريد: يجب محاولة تثبيت سلاسل التوريد باستخدام مخزون الأمان والمصادر البديلة والعمل مع الموردين لحل المشكلات. عندما لا تكون الحلول السريعة ممكنة، يجب المشاركة في وضع الخطط، ووضع الحلول المؤقتة، وإبلاغ الخطط لجميع أصحاب المصلحة المعنيين.
  • تتبع الأعمال والتنبؤ بها: من المحتمل أن تؤدي الأزمة إلى تقلبات غير متوقعة. لذلك، يجب وضع دورات إعداد التقارير السريعة حتى يسهل فهم كيفية تأثر الأعمال ومدى سرعة التعافي من هذه التقلبات.
  • كونك جزءًا من الحل الأوسع: يجب دعم الأعمال الأخرى في سلسلة التوريد، الصناعة، المجتمع، والحكومة المحلية ومعرفة كيفية المساهمة.

استخدام مبادئ المرونة في تطوير السياسات:

يكمن الهدف الرئيسي في إدارة التحديات الديناميكية والتي لا يمكن التنبؤ في المرونة – القدرة على البقاء والازدهار خلال الأحداث غير المتوقعة، المتغيرة، وربما غير مواتية. الأنظمة المرنة لها ست خصائص مشتركة يجب أن تنعكس في الاستجابة للأزمات.

  • التكرار: يمكن أن يساعد الوصول إلى قدرة تصنيع إضافية على تسهيل التقلبات في سلسلة التوريد.
  • التنوع: يمكن أن يكون وجود نُهج متعددة أقل كفاءة ولكنه أكثر مرونة في حالات الأزمات. وبالمثل، يمكن لمجموعة متنوعة من الأفكار أن تعزز تطوير الحلول بشكل كبير.
  • النموذجية: قد تكون الأنظمة المتكاملة عالية الكفاءة، ولكنها عرضة لانهيارات ثلجية أو حتى انهيار النظام الكلي في حالة الاضطراب. في المقابل، يوفر النظام المعياري – حيث يمكن دمج المصانع أو الوحدات التنظيمية أو مصادر التوريد بطرق مختلفة – مرونة أكبر.
  • قابلية التطور: يمكن بناء الأنظمة من أجل التحسين ورفع الكفاءة أو يمكن بناؤها من أجل قابلية التطور – التحسين المستمر في ضوء الفرص الجديدة أو المشاكل أو المعلومات. الاستجابات للأزمات الديناميكية مثل أزمة فيروس كورونا تضع أهمية على الأنظمة المبنية على قابلية التطور.
  • الحكمة: لا يمكن التنبؤ بمسار الأحداث أو الآثار الناتجة عن أزمة مثل أزمة فيروس كورونا، ولكن يمكن تصور سيناريوهات سلبية معقولة واختبار المرونة في ظل هذه الظروف.
  • الاندماج: الشركات، من منظور أوسع، هم أصحاب المصلحة في النظم الصناعية والاقتصادية والاجتماعية والتي تتعرض أيضا لضغوط كبيرة. الشركات التي تفشل في النظر إلى سلاسل التوريد أو النظم البيئية بشكل كلي سيكون لديهم تأثير محدود. إن الحلول التي يتم حلها لشركة فردية على حساب مصالح الشركات الأخرى أو تجاهلها ستؤدي إلى انعدام الثقة وتلف الأعمال بينهم على المدى الطويل. في حين يمكن أن يؤدي دعم العملاء والشركاء والرعاية الصحية والأنظمة الاجتماعية في وقت الشدة إلى خلق الثقة بينهما.

الاستعداد الآن للأزمة القادمة:

أزمة فيروس كورونا ليست تحديًا لمرة واحدة فقط. لذلك، يجب توقع مراحل إضافية لهذا الوباء والأوبئة الإضافية في المستقبل. هناك متغيرًا واحدًا يكون أكثر تنبؤًا بالنجاح النهائي – الإعداد والاستباق. من المرجح أن يكون الاستعداد للأزمة التالية (أو المرحلة التالية من الأزمة الحالية) الآن أكثر فاعلية من الاستجابة المتفاعلة عندما تحدث الأزمة فعليًا.

 الإعداد الفكري لا يكفي:

التأهب الفكري وحده لا يكفي. يمكن فهم شيء ما بشكل جيد ولكن يجب التمرين عليه لتطوير قدرة مواجهته. لذا يجب أن تكون السيناريوهات مدعومة بشكل مثالي وتطوير نماذج مُحاكة كألعاب الحرب لمحاكاة السلوكيات تحت الضغط والتعلم منها. يمكن لغرفة الحرب المتكونة من فريق صغير مخصص ومفوض لاتخاذ القرارات والتنفيذ أن يقطع هذا التعقيد التنظيمي.

 التأمل فيما تعلمته:

بدلاً من العودة إلى الروتين الطبيعي عندما تنحسر الأزمة، يجب بذل الجهود لعدم تبديد فرصة التعلم القيمة. حتى في الوقت الذي تتكشف فيه الأزمة، يجب توثيق الاستجابات والآثار لاستعراضها لاحقًا والتعلم من هذه الدروس.

 الاستعداد لعالم متغير:

يجب توقع أن أزمة كورونا ستغير جميع الأعمال والمجتمعات بطرق مهمة. على سبيل المثال، من المحتمل أن تغذي مجالات مثل التسوق والتعليم عبر الإنترنت والاستثمارات في الصحة العامة. من المحتمل أيضًا تغيير كيفية تكوين الشركات لسلاسل التوريد الخاصة بها وعدم الاعتماد على عدد قليل من المصانع الضخمة. يجب على الشركات مراعاة التغييرات التي طرأت من هذه الأزمة وما تعلموه منها حتى يتمكنوا من عكسها في خططهما.