مصطفي عبدالله

مصطفي عبدالله

مقالات وتحليلات

النقل العام خطر وبائي لكن ليس خارجًا عن السيطرة

حينما انتشرت جائحة كورونا في العديد من دول العالم خلال الربع الأول من 2020، بادرت الحكومة المصرية باتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية، من أجل حماية الشعب المصري من خطر الإصابة بعدوى الفيروس؛ فعلقت حركة الطيران الدولي من وإلى البلاد، وأوقفت خدمات المؤسسات الحكومية، كما عطلت الدراسة ونشاطات الأندية والمقاهي والمطاعم، وهو ما حدّ بدوره من التجمعات والكثافات البشرية، ليسهم ذلك في حماية البلاد من كارثة وبائية عانت ولا تزال تعاني منها دول عديدة في قارتي أوروبا وأمريكا. 

لكن الإجراءات الوقائية كان لها تأثير سلبي على الاقتصاد الوطني، فقد أوضح صندوق النقد الدولي في أحد تقاريره الصادرة في إبريل 2020، احتمالية معاودة ارتفاع معدلات التضخم للاقتصاد المصري، حيث رجح التقرير أن تصل تلك المعدلات إلى 7.2% خلال العام الجاري وبزيادة قدرها 2.3% عن معدلات 2019. كما توقع الصندوق تراجع الاحتياطيات النقدية للبلاد بنسبة 20% لتصل إلى أقل من 36 مليار دولار، فيما أعلن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار EBRD عن توقعاته بتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي المصري، ليصل إلى 0.5%، وذلك بعد أن كان المستهدف الوصول به إلى 5.6%. 

الحكومة المصرية -من جانبها- لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع الاقتصادي المتأزم، لذلك قررت عودة الأعمال لكافة المصالح الحكومية في مطلع يونيو الماضي، وذلك بعد توقف جزئي دام أكثر من ثلاثة أشهر. كما سمحت لاحقًا بإعادة تشغيل باقي القطاعات الخدمية والاقتصادية المتعطلة بالدولة. وقد ساعد في نجاح تلك القرارات انخفاض معدل الإصابات المسجلة يوميًّا بالفيروس (انظر شكل رقم 1)، لكن العديد من الآراء لا تزال تتخوف من فكرة عودة الحياة إلى طبيعتها في مصر، خاصة مع عدم وضوح الأسباب العلمية التي أدت إلى انحسار موجة الوباء بين المواطنين، فضلًا عن بزوغ بعض التوقعات الدولية التي أفادت باحتمالية وقوع موجة عالمية جديدة من الوباء بحلول الشتاء القادم. 

لهذا تتصاعد الأصوات المطالبة بوضع المزيد من الإجراءات العملية لتأمين المواطنين المستخدمين لكافة المرافق والمنشآت الحيوية في الدولة، وعلى رأسها مرافق النقل العام، من خطر الإصابة بالوباء، حيث ترتبط تلك المرافق بالحياة اليومية للمواطنين، وقد تكون أحد أخطر آليات انتشار الفيروس حال تعرض البلاد لموجة جديدة من الوباء. 

1- تكدس مرافق النقل العام يُنذر بالخطر

تعاني مرافق النقل العام في مصر من تكدس وزحام شديد، حيث يعتمد المواطنون على خدماتها في التنقل بين محافظات الجمهورية وأيضًا في التنقل داخل المدن، خاصة الكبرى منها كالعاصمة القاهرة الكبرى ومدينة الإسكندرية. وقد أوضحت التقارير الرسمية صورة هذا التكدس في بعض مرافق النقل المهمة كمترو أنفاق القاهرة الكبرى الذي ينقل يوميًّا أكثر من 2.4 مليون راكب، فقطارات المترو تشهد معدلات تزاحم عالية، إذ ينقل القطار في الرحلة الواحدة حوالي 1500 راكب، وهو ما يؤدّي إلى وصول معدل التزاحم في رحلة المترو إلى 10.9 مواطنين لكل مقعد واحد.

وقد أوضحت التقارير معاناة هيئتي النقل العام بكل من القاهرة الكبرى والإسكندرية، حيث يشهد كل منهما تكدسات مماثلة لما يشهده مرفق المترو، فهيئة النقل العام بالقاهرة الكبرى تنقل يوميًّا أكثر من 1.5 مليون راكب، فيما تنقل هيئة النقل العام بالإسكندرية 435 ألف راكب يوميًّا، وهو ما يخلق نسب تزاحم تصل في مركبات النقل العام بالقاهرة إلى 3.3 ركاب لكل مقعد، وفي مركبات النقل العام بالإسكندرية إلى 2.4 راكب لكل مقعد. ولا تقتصر المعاناة على مرافق النقل الداخلي بالمدن الكبرى، فمرفق السكك الحديدية الذي يساهم في ربط أطراف البلاد، يتحمل هو الآخر جزءًا من المعاناة، حيث يقوم يوميًّا بنقل 668 ألف راكب، وبمتوسط 2000 راكب في رحلة القطار الواحدة، وهو ما أدى إلى وصول نسب التزاحم بين مستخدميه إلى 3.5 ركاب لكل مقعد واحد.

الحديث عن مرافق المترو والنقل العام والسكك الحديدية ليس كل شيء. فهناك مرافق أخرى شديدة الاكتظاظ، كالنقل بين الأقاليم، سواء بالحافلات أو الميكروباص، فضلًا عن خدمة السرفيس أو النقل الداخلي بالمدن والتجمعات الحضرية، مما يرشح مرافق النقل العام لتكون مركزًا لانتشار العدوى الوبائية، حيث يصعب فيها لدرجة الاستحالة الالتزام بالقواعد الدقيقة للتباعد الاجتماعي. 

2- إجراءات وقائية مقترحة

حالة التكدس التي تشهدها مرافق النقل المصرية تضع صانعي القرار في معضلة، فتطبيق متطلبات التباعد الاجتماعي وتخفيف عدد ركاب القطارات والحافلات يعتبر رفاهية غير قابلة للتنفيذ. كما أن استمرار الضغط والتزاحم يضع المواطنين تحت خطر الإصابة بالفيروس. وأمام هذا التحدي ليس هناك اختيار سوى وضع إجراءات وقائية مشددة للحد من نسب الإصابات. وقد اتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات في هذا الإطار، حيث ألزمت المواطنين بارتداء الكمامات الواقية في وسائل المواصلات، ووضعت غرامات على المخالفين لتلك التعليمات، كما وجهت مرافق النقل لاتخاذ بعض التدابير الإجرائية كتدريب العاملين على قياس الحرارة للركاب، واكتشاف حالات الاشتباه، وتوجيه تلك الحالات للإرشادات الصحيحة.

 لكن هذه التوجيهات كانت محل انتقاد من قبل المتخصصين، فمن الصعب على موظفي مرافق النقل مثل المترو أو السكك الحديدية فحص كافة الركاب، خاصة في ساعات الذروة. كما أن الفرق الإدارية داخل المحطات ليست متخصصة بالأمور الطبية، وتفتقر للموارد اللازمة للتعامل مع ظروف الزحام الشديد، لذا يجب على الحكومة أن تتخذ إجراءات أكثر واقعية في تأمين هذه المرافق الحيوية، ومن ذلك ما يلي: 

– تكوين فرق طبية من المتطوعين الطبيين وطلبة كليات الطب، ليتم توزيعهم على محطات القطارات والمترو، بالإضافة للمواقف العامة والميادين الكبرى، وذلك للكشف على الركاب والتعامل مع الحالات المشكوك فيها بشكل علمي وطبي سليم.

– وضع كاميرات للكشف الحراري على الركاب “Thermal Cameras“ في الأماكن شديدة الاكتظاظ، مثل محطات القطارات والمترو الرئيسية، والتي يصعب فيها الكشف على الركاب واحدًا تلو آخر، حيث توفر تلك الكاميرات إمكانية الكشف على عشرات المواطنين في آن واحد وبدون الحاجة للاقتراب منهم.

– يمكن توفير وحدات طبية داخل محطات المترو والقطارات وأيضًا المواقف العامة، وذلك للإجابة عن استفسارات المواطنين الذين يعتقدون إصابتهم بالفيروس وأيضًا المخالطين لهم، بالإضافة إلى تقديم النصائح والإرشادات الطبية لهؤلاء المواطنين حتى يقوا أنفسهم من مضاعفات المرض، وأيضًا لحماية أهلهم ومجتمعهم من الإصابة به. كما تستطيع تلك الوحدات الطبية أن توفر خدمات الكشف المبدئي على الحالات المرضية المشكوك فيها، وذلك قبل الذهاب للمستشفى أو المركز الطبي المختص.

– يجب ألا ننسى التنويه عن الخطأ الجسيم الذي يشوب عملية بيع الكمامات الطبية على شبابيك التذاكر حاليًّا، فتلقي موظف الشباك للمبالغ المالية بيده ثم تناول الكمامات بعد ذلك وإعطاؤها للراكب يؤدي إلى تلوث تلك الكمامات، وهو ما قد يصيب الراكب بالفيروس بسبب تلك الكمامة الملوثة، لذا يجب بيع الكمامات وهي مغلفة بأكياس بلاستيكية، أو يخصص لبيعها منفذ مستقل داخل المحطات مما يحميها من التعرض للتلوث.

3- وعي الراكب هو خط الدفاع الأول

مهما اتخذت الحكومة من إجراءات وقائية مشددة بهدف تقليص فرص إصابة المواطنين بوباء كورونا المستجد، فإنها لن تنجح في مساعيها إلا بوجود وعي من المواطنين أنفسهم بحجم وخطر الأزمة الوبائية التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى وعيهم بكيفية حماية أرواحهم من خطر الفيروس، وذلك وفق ما يتم إعلانه من خطوات وإرشادات صحية من قبل الجهات المختصة. وهنا ننوه إلى أن قلة الوعي لدى المواطنين خلال الفترة الماضية كان سببًا رئيسيًا في انتشار البؤر الوبائية داخل العديد من المدن والقرى المصرية، وذلك على الرغم من اتخاذ الحكومة عددًا من الإجراءات الاحترازية بداية من منتصف مارس الماضي.

لذا يجب على الحكومة أن تبدأ في حملة توعية تستهدف ركاب مرافق النقل في مصر، وذلك لتعريفهم بطبيعة الوباء المنتشر، وسبل الحماية من أخطاره أثناء التواجد بأحد مرافق النقل العام. ومن المهم تنفيذ تلك الحملة من خلال وسائل تمنع الاحتكاك المباشر بين أطقم العمل الإدارية والطبية المتواجدة وبين الركاب المستخدمين لخدمات تلك المرافق، فيتم الاعتماد على رسائل المحمول النصية ولوحات الإعلانات داخل المحطات وعلى جوانب الطرقات، فضلًا عن إذاعة النشرات التوعوية داخل المواقف العامة ومحطات القطارات، وذلك على غرار التجربة الناجحة التي نفذتها هيئة مترو القاهرة منذ مارس الماضي داخل المحطات، حيث قامت بإذاعة نشرة توعية من خلال الإذاعة الداخلية للمحطات على خطوط المترو الثلاثة. 

ومن المهم توصية الركاب بعدد من الإجراءات التي من شأنها أن تحد من انتقال الفيروس، وأهمها ما يلي: 

– استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في شراء تذاكر المترو والقطار، وأيضًا تذاكر الحافلات الذكية العاملة على بعض خطوط القاهرة الكبرى.

– إرشاد المواطنين بثقافة تنظيم الصفوف داخل المحطات، خاصة أمام شبابيك التذاكر، بما يحقق التباعد الذي نصحت به منظمة الصحة العالمية والمقدر بمسافة مترين. 

– تعريف الركاب بالأوقات التي لا تشهد زحامًا وتكدسًا، وتشجيعهم على استخدام مرافق النقل العام في تلك الأوقات، وهو ما يمكنه أن يساهم في الإقلال من خطر الإصابة بالمرض.

4- زيادة خدمات النقل لتقليل فرص الإصابة

يوجد في مصر الآن أكثر من 76 ألف حافلة متعطلة عن العمل بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة بداية من مارس الماضي، حيث كانت تلك الحافلات تعمل بمجالات النقل السياحي ونقل الرحلات وطلاب المدارس (انظر شكل رقم 2). وهنا توجد فرصة أمام الحكومة لكي تستفيد من تلك الحافلات في دعم مرافق النقل العام وتخفيف الضغط الواقع عليها، سواء على الخطوط بداخل المدن أو بين المحافظات، حيث يمكن للحكومة أن تسمح بعمل تلك الحافلات لنقل الركاب وفق الاشتراطات الصحية التي أقرتها منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة المصرية، وهو ما يعطي للركاب فرصة للتنقل بشكل آمن من خطر الإصابة بالوباء، وإن كانت قيمة التذكرة لاستخدام تلك الحافلات أعلى من نظيرتها في المواصلات العادية. أما إدارة حركة تلك الحافلات فيجب أن تكون بالتنسيق بين الجهات المختصة وأحد كيانات النقل التشاركي، وذلك لوجود خبرة لدى تلك الكيانات في إدارة مثل تلك الخدمات وبسياسات تراعي الجودة المطلوبة.

يترقب العالم خلال الموسم الشتوي القادم ظهور موجة ثانية من COVID-19، ويضع هذا أمام الدولة المصرية تحديًا حقيقيًا من أجل تأمين المواطنين ضد خطر الإصابة بالفيروس، لذا يجب على الحكومة أن تنسق خططها لتأمين المرافق والأماكن العامة ضد احتمالات الانتشار الوبائي للمرض، ويجب أن تكون مرافق النقل العام أول ما تنظر إليه الحكومة في وضع خططها تلك، فمرافق النقل ترتكز بالأساس على حركة المواطنين بين مناطق مختلفة، لذا يمكن لمرافق النقل أن تتحول إلى بؤرة يومية متجددة لتفشي الوباء، وذلك في حال التهاون في اتخاذ الإجراءات الوقائية، والعكس من ذلك صحيح، ففي حال اهتمام الدولة بتعزيز الإجراءات الوقائية بمرافق النقل، فيمكن أن تساهم تلك المرافق في تحييد انتشار الفيروس بين ركابها، وربما تتجاوز مساهمتها ذلك الأمر لتكون سببًا غير مباشر في تحييد تفشي الوباء داخل أقاليم ومحافظات الدولة المختلفة. 

مصادر:

– IMF، Regional Economic Outlook: Middle East Central Asia Report، April 2020. 

– Egypt Overview, The Official Website of EBRD. 

النشرة السنوية لإحصاءات النقل العام للركاب داخل وخارج المدن 2016/2017، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. 

– الباب الثامن: النقل والمواصلات، الكتاب الإحصائي السنوي 2019 الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. – WHO Coronavirus Statistics Report, 20/8/2020.

مقالات وتحليلات

عودة هادئة لحركة السياحة الدولية

في الأول من يوليو 2020 أعادت مصر فتح أبوابها من جديد أمام حركة السياحة الدولية، وذلك بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أشهر، لتحاول مصر بذلك تجاوز أعنف أزمة واجهها القطاع السياحي في تاريخه، حيث عانى القطاع خلال الفترة ما بين 19 مارس إلى الأول من يوليو 2020 من حالة شلل تام، وذلك بسبب تعليق حركة الطيران الدولي من وإلى البلاد كإجراء احترازي للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، وهو ما اضطر كافة مؤسسات الأعمال السياحية إلى تعطيل أعمالها، ليتسبب ذلك في خسائر هائلة قُدرت بأكثر من ثلاثة مليارات من الدولارات. 

عودة الحركة السياحية في ظل ضوابط وقائية مشددة

في ظل الغموض المحيط بالمدى الزمني المحتمل لوباء (كوفيد 19)، اتخذت الحكومة المصرية مجموعة من القرارات الرامية إلى استئناف الحياة الطبيعية، وذلك لإنقاذ الاقتصاد الوطني من خطر الانكماش. وكان من بين تلك القرارات عودة حركة السياحة الدولية وفق مجموعة من الضوابط الصحية والوقائية. 

المجال الفندقي كان أول مجالات العمل السياحية التي فُرضت عليها تلك الضوابط، حيث أطلقت وزارة السياحة والآثار في الرابع من مايو الماضي ضوابط واشتراطات “السلامة الفندقية” Hygiene Safety، وألزمت الفنادق الراغبة في مزاولة أعمالها بالحصول على شهادة تفيد تطبيقها لتلك الاشتراطات، وهو الأمر الذي استجابت له العشرات من المنشآت الفندقية حتى الآن، حيث بلغ عدد الفنادق الحاصلة على تلك الشهادة حتى 18 يوليو 572 فندقًا في 22 محافظة مصرية (انظر الشكل رقم 1). كما فرضت وزارة السياحة والآثار ضوابط وقائية مشابهة على عمل أساطيل النقل السياحي، والبازارات ومراكز رياضات الغطس، فضلًا عن تنفيذها خطة من أجل تشغيل عدد من المزارات السياحية والأثرية في 7 محافظات مختلفة.

مجال النقل الجوي كان له نصيبه هو الآخر من الضوابط الوقائية، فقد وضعت وزارة الطيران المدني العديد من الإجراءات الوقائية وذلك لتأمين حركة المترددين على المطارات الدولية المصرية. كما وضعت إجراءات أخرى ليلتزم بها مستخدمو ومشغّلو الخطوط الجوية التابعة لشركات النقل الجوي المصرية. وبالإضافة إلى تلك الإجراءات، فرضت الوزارة على كل المسافرين الوافدين إلى مصر ضرورة كتابة إقرار بعدم إصابتهم بفيروس كورونا أو مخالطتهم لأي مصاب بالفيروس. كما ألزمت القادمين من الدول التي ينتشر فيها الفيروس بشكل وبائي بعمل تحليل Polymer chain reaction أو المعروف اختصارًا بـPCR، وذلك للتأكد من خلوهم من الفيروس. وفي السادس من أغسطس تم تعديل هذه السياسة، فأصبح جميع الأجانب الواصلين للمطارات والمنافذ الحدودية المصرية مطالبين بتقديم ما يؤكد إجراءهم اختبار PCR بنتيجة سلبية قبل ما لا يزيد على 72 ساعة من وصولهم إلى مصر، على أن يتم إعفاء القادمين إلى مطارات شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم وطابا ومطروح من هذا الإجراء، على أن يحظر عليهم الانتقال إلى خارج محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء ومطروح، إلا بعد إجراء هذا الاختبار بنتيجة سلبية. 

وبعد أن اتخذت الحكومة كافة الضوابط الوقائية على مستوى قطاعي السياحة والطيران، وذلك لضمان العودة الآمنة لحركة السياحة الدولية، قامت بإصدار قرارها بتفعيل حركة السياحة في ثلاث محافظات فقط هي: جنوب سيناء، والبحر الأحمر، ومطروح، وذلك لتركز أغلب المنتجعات السياحية في تلك المحافظات، فضلًا عن انخفاض معدلات الإصابة بوباء كورونا المستجد فيها. وبالإضافة لذلك أعلنت الحكومة تخطيطها لفتح كافة المحافظات أمام حركة السياحة الدولية، وذلك تبعًا لتطورات الموقف الوبائي بتلك المحافظات.

الأسواق المصدّرة للسياحة تتخوف على مواطنيها

الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع السياحي المحلي والعالمي، دفعت بالحكومة المصرية إلى وضع مجموعة من الحوافز وذلك بهدف تشجيع أكبر قدر من الحركة السياحية الدولية على القدوم إلى البلاد، وكان من أبرز تلك الحوافز ما يلي:

– إعفاء السائحين الوافدين إلى محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء ومطروح من دفع قيمة التأشيرة السياحية.

– مد أجل البرنامج الحالي لتحفيز الطيران حتى 29 أكتوبر المقبل.

– منح تخفيضات على خدمات الهبوط والإيواء لكافة خطوط الطيران القادمة إلى مصر بنسبة 50%.

– تخفيض رسوم الخدمات الأرضية بنسبة 20% لكافة الرحلات المتجهة إلى المحافظات السياحية الثلاث السابق ذكرها.

– خفض سعر وقود الطائرات بقيمة 10 سنتات أمريكية للجالون الواحد، وهو ما يعادل 11% من قيمة الجالون.

– تخفيض قيمة أسعار التذاكر لكافة المتاحف والمواقع الأثرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار بنسبة 20%. 

وقد ساهمت تلك الحوافز في إعطاء دفعة متواضعة للحركة السياحية في كل من جنوب سيناء والبحر الأحمر، حيث استقبلت هاتان المحافظتان في الفترة من الأول من يوليو إلى 14 يوليو أكثر من 50 رحلة جوية نقلت أكثر من 10,000 سائح. لكن المتخصصين في الشأن السياحي لا يعلقون أملًا كبيرًا على تلك الحوافز في إعادة الحركة السياحية لما كانت عليه قبل منتصف مارس الماضي؛ فالعديد من الدول المصدرة للسياحة بدأت في دعوة مواطنيها إلى عدم السفر خارج البلاد. ومن أبرز هذه الدول: جمهورية ألمانيا الاتحادية التي حذّرت المواطنين الألمان من السفر إلى الخارج حتى بداية سبتمبر القادم، خاصة إلى دول العالم الثالث التي لا تزال تواجه وباء كورونا. كما قامت دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بتحذير مواطنيها من السفر إلى خارج البلاد طالما أن هذا السفر ليس ضروريًّا.

لهذا تتجه أنظار السائحين الغربيين في الوقت الراهن إلى المناطق السياحية داخل دولتهم الأم أو في الدول الإقليمية القريبة على أقصى تقدير، وذلك لتقليل مخاطر العدوى المرتبطة بركوب الطائرات، ولشعور السائح الغربي بالأمان كلما كان قريبًا من نظام الرعاية الصحية الذي اعتاد عليه.

وقت إضافي لزيادة تهيئة القطاع السياحي

تشير العديد من التوقعات إلى أن السياحة الأجنبية لن تعود بكامل قوتها إلى مصر قبل الموسم الشتوي القادم 2020/2021، وهو ما يمنحنا فرصة لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا من أجل تنفيذ بعض الإجراءات، وذلك لكي نعظم الاستفادة من حركة السياحة المتوقعة خلال الفترة القادمة. ومن ثم، يجب من الآن البدء في اختبار وتقييم ما تم وضعه من ضوابط وقائية لتشغيل المنشآت الفندقية والمطاعم السياحية والمزارات الأثرية وتطويرها إن استدعت الحاجة. كما يجب البدء من الآن في وضع الضوابط الوقائية الخاصة بفتح وتشغيل المزارات السياحية والمناطق السياحية بإقليم وادي النيل ودلتاه أمام السياحة الخارجية؛ فالمنشآت السياحية والعاملون بها في وادي النيل والدلتا أصبحوا يواجهون ضائقة اقتصادية صعبة، لا يمكن مواجهتها أو تخفيفها بشكل جدي عن طريق الإعانات التي تدفعها الدولة. 

كما يجب الإسراع في تقديم المزيد من المحفزات في مجال الطيران المدني، وذلك لكي نتمكّن من جذب المزيد من السائحين الأجانب إلى المقصد المصري. ومن المحفزات المقترحة عمل عروض وتخفيضات على أسعار التذاكر التي تطرحها شركات النقل الجوي الوطنية، وأيضًا ربط رحلات الطيران التي يقوم بها السائح إلى مصر بمنظومات نقاط الفنادق Hospitality rewarding points والتي تتيح للسائح الحصول على خصومات ومكافآت عينية ومادية عند قدومه إلى مصر.

وإلى جانب اختبار وتطوير الضوابط الوقائية وأيضًا وضع الحوافز المختلفة التي من شأنها جذب السائح إلى البلاد، يمكننا أيضًا تطوير المنظومة الطبية الوقائية الخاصة بالقطاع السياحي، والتي سنعتمد عليها في حماية السائحين والعاملين بالقطاع السياحي من خطر الإصابة بـCOVID-19، حيث يمكننا البدء بفرض نوع من الاختبارات الطبية السريعة لكي تُجرَى على كافة السائحين فور وصولهم إلى المطار. كما يمكننا تدشين تطبيق إلكتروني لتتبع حالة السائح الصحية يوميًّا أسوة بما نفذته الصين من تجربة ناجحة في مجال الوقاية الذكي.

وبالإضافة إلى كل الإجراءات الوقائية القائمة والمقترحة، يمكن للقطاع السياحي أن يتعاون مع القطاع الطبي الخاص في توفير مستشفى أو أكثر في كل محافظة سياحية، وذلك لتوفير خدمات الرعاية والعزل الطبي لحالات الإصابة بالفيروس بين السائحين. كما يمكن بمقتضى هذا التعاون أن يتم تخصيص عدد من الوحدات الإسعافية المجهزة لخدمة المنشآت السياحية فقط. وسيساهم هذا المقترح في توفير الاحتياجات الطبية للقطاع السياحي، كما سيخفف عن كاهل الدولة مسئولية رعاية وعلاج المصابين الأجانب لتركز الحكومة جهودها على علاج ورعاية المواطنين المصريين. 

ويحتاج القطاع السياحي أن يتوج كافة مجهوداته التي يبذلها بمعاونة الحكومة، عن طريق السعي لدى منظمة السياحة العالمية وحكومات الدول الغربية، وذلك لكي تعلن تلك الدول أن بمصر عددًا من المدن والمقاصد السياحية الآمنة من خطر الوباء، وهو ما سيكون له أثر كبير في دفع الحركة السياحية خلال الأشهر القادمة.

ختامًا، يمكننا القول إن السياحة المصرية ستعود إلى معدلاتها الطبيعية بشكل هادئ، لكن تلك العودة ستكون مليئة بالتحديات مع استمرار تفشي وباء كورونا، واستمرار المخاوف الدولية من بدء موجة ثانية من الوباء. كما أن عودة الدول السياحية المنافسة لمصر إلى ساحة العمل السياحي ستمثل تحديًا آخر؛ فكل دولة من هذه الدول سوف تدخل قريبًا في صراع شرس مع الدول الأخرى وذلك من أجل ضمان حصة سوقية أكبر من الطلب السياحي الدولي، ذلك الطلب الذي سيكون هزيلًا خلال ما تبقى من فترة موسم الصيف الحالي حتى نصل إلى الموسم الشتوي المقبل 2020/2021.

مقالات وتحليلات

السياحة العالمية تحاول تجاوز أزمة كورونا

على الرغم من تعدد التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي أحاطت العالم خلال عام 2019؛ إلا أن القطاع السياحي استطاع أن يثبت مرونته، وتمكن من الحفاظ على معدل مستقر من النمو؛ فقد قدرت منظمة السياحة العالمية عدد السائحين الدوليين خلال عام 2019 بأكثر من 1.46 مليار سائح، وهو ما يزيد على العام السابق عليه بنحو 6% (انظر شكل رقم 1). كما ساهم القطاع في 2019 بأكثر من 8.9 تريليونات دولار من الناتج الإجمالي العالمي، فضلًا عن مساهمته في توفير 330 مليون وظيفة حول العالم، وهو ما أوصل نسبة الوظائف السياحية إلى 10% من جملة الوظائف المتوفرة في كافة القطاعات عالميًّا. 

هذا الواقع دفع البعض إلى وصف قطاع السياحة بأنه قاطرة الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة. كما طرحت منظمة السياحة العالمية نظرة متفائلة حول نمو اقتصادات السياحة في عام 2020، حيث توقعت المنظمة نمو الحركة السياحية بنسبة تتراوح بين 3 إلى 4 %. وقد دفعها إلى هذه التوقعات قرب انطلاق عدد من الأحداث الرياضية والاجتماعية العالمية، مثل دورة أولمبياد طوكيو ومعرض Dubai Expo 2020، لكن هذه التوقعات سرعان ما أخذت تتلاشى فور انتشار وباء كورونا الذي أخذ في الانتشار بدءًا من يناير الماضي. 

أزمة طاحنة تواجه القطاع السياحي العالمي

لم تستثنِ تأثيرات الوباء أي قطاع اقتصادي في العالم، فإجراءات الإغلاق والعزل الاجتماعي التي طبقتها العديد من الدول أدت إلى تعطيل حركة التجارة، وقلّصت من إنتاجية المصانع والشركات، لكن القطاع السياحي كأن الأكثر تضررًا من هذا الوباء؛ فخلال شهر مارس الماضي فقط سجلت منظمة السياحة العالمية تراجعًا في الطلب على السياحة بأكثر 56.6%، وهو ما سيؤدي لخسارة مبدئية تفوق 80 مليار دولار وفق تقديرات المنظمة، لتعاني من تبعات تلك الخسارة العشرات من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، حيث تمثل السياحة موردًا أساسيًّا للناتج المحلي في تلك الدول (انظر شكل رقم 2). كما ينذر تراجع حركة السياحة العالمية بخسارة 50 مليون عامل لوظائفهم، وذلك على أقل تقدير. 

البحث عن بداية جديدة في ظل الوباء

لا يتوقع العلماء أن يكون هناك علاج لوباء كورونا قبل منتصف العام القادم 2021، فيما يتوقع البعض أن عملية اكتشاف العلاج قد تطول مدتها لتأخذ سنوات. وقد تنتهي تلك المجهودات إلى عدم الوصول للعلاج المنشود، فيصبح الفيروس بلا علاج كما هو الحال مع فيروسات الإيدز وسارس. بناء على هذه المعطيات، تَوَافَقَ العديد من صانعي السياحة حول العالم على ضرورة عودة الحركة السياحية، وذلك بالرغم من استمرار وجود وانتشار وباء (كوفيد-19).

وقد قام المجلس العالمي للسفر والسياحة بترجمة هذا التوافق حينما أطلق في 12 من مايو 2020 مشروع برتوكول السياحة العالمي، الذي يعد أول تجربة عالمية من نوعها لتوحيد جهود القطاع السياحي في مواجهة أزمة الوباء، حيث يتضمن هذا البرتوكول إرشادات عامة عن كيفية إدارة العمل السياحي في ظل وجود وباء كورونا، خاصة في المجالات السياحية المهمة، مثل: الفنادق، وخدمات النقل الجوي، ومحال السلع السياحية، وأماكن التسوق.

وتركز تلك الإرشادات على تأمين السائح والموظف السياحي من خطر الإصابة بالفيروس. كما تركز أيضًا على توفير أقصى درجة من الرفاهية، حتى لا يشعر السائح بأي اختلاف في الخدمة المقدمة عن فترة ما قبل الجائحة. وقد بدأ المجلس العالمي للسفر والسياحة في تطوير هذا المشروع من خلال التعاون مع منظمة الصحة العالمية ومراكز الوقاية الوبائية الأمريكية CDC، ويجري العمل حاليًّا على مشاركة أكبر عدد من حكومات الدول ومشغلي القطاع السياحي مثل مؤسسات ووكالات السفر والسياحة، لاختبار وتفعيل هذا البرتوكول.

الصين كأول تجربة ناجحة لعودة السياحة

حينما كان العالم منشغلًا بمواجهة جائحة كورونا خلال الفترة الماضية، كانت الصين قد بدأت في إعادة تشغيل كافة الأعمال الاقتصادية، وعلى رأسها المزارات السياحية والترفيهية. ويُعزى هذا إلى نجاح الدولة الصينية في السيطرة على تمدد الوباء، حيث شهد منحنى الإصابات ثباتًا عند حاجز 80000 إصابة منذ بداية مارس الماضي، مع وجود زيادات طفيفة في أعداد الإصابات الجديدة منذ مارس حتى أوائل يونيو الجاري، حيث لم تتجاوز الإصابات في تلك الفترة أكثر من 3000 إصابة.

ولضمان عدم انتشار الوباء مجددًا بسبب تشغيل الحركة السياحية، وضعت الصين منذ منتصف أبريل الماضي عددًا من الضوابط الصحية، مثل عدم السماح للمنشآت السياحية والترفيهية باستضافة أكثر من 30% من طاقة زوارها، كما قصرَت التشغيل على المناطق الترفيهية والسياحية المفتوحة open air areas فقط، لتقليل فرص انتقال العدوى بين المواطنين، فضلًا عن إلزام تلك المنشآت بوجود أطقم طبية مجهزة بأجهزة قياس الحرارة وغيرها من المعدات الطبية المطلوبة.

وكما ألزمت الحكومة المنشآت السياحية والترفيهية بعدد من الضوابط، فقد ألزمت السائحين أيضًا بعدد من تلك الضوابط، مثل ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، وتسجيل السائح لحالته الصحية يوميًّا عن طريق تطبيق إلكتروني. بالإضافة لذلك، منعت السلطات أي تجمعات للسائحين يفوق عددها الثلاثة أفراد، خاصة بعد أن تم تسجيل تزاحمات كبيرة للسائحين في عدد من المواقع السياحية خلال الأسبوع الأول من أبريل الماضي.

عودة السياحة تحتاج لإجراءات إضافية

أوضحت التجربة الصينية أهمية وعي والتزام مقدمي الخدمة السياحية من المنشآت السياحية والترفيهية وأيضًا متلقيها من السائحين، وذلك لضمان أعلى حماية ضد الوباء، لذلك يجب على المؤسسات التي تقوم الآن بوضع البرتوكولات الخاصة بالمنشآت السياحية والترفيهية، أن تضع أيضًا توصيات لتوعية السائحين بشكل مباشر. من ناحية أخرى، يجب على البروتوكولات التي توضع للمنشآت أن تراعي خصوصية كل مقصد سياحي. 

كما يحتاج القطاع السياحي للمزيد من الاعتماد على التكنولوجيا في تقديم الخدمة السياحية وذلك لتقليل التواصل البشري، وهو ما يعني تقليل فرص الإصابة بالمرض. وقد بدأ بعض مقدمي الخدمة السياحية في اعتماد مثل هذا النمط، خاصة الفنادق الكبيرة حول العالم، حيث امتلكت تلك المنشآت من قبل جائحة كورونا بنية تحتية تكنولوجية، تتيح لها التواصل مع النزلاء وتقديم الخدمة لهم عن بعد، إلا أن العديد من مقدمي الخدمة السياحية الآخرين مثل الوكالات السياحية والمحال التجارية والمولات، لا تزال تفتقد لمثل هذه الميزات مما يحتم عليهم التواصل المباشر مع العملاء. 

ومن الجيد أن تستثمر الحكومات والمؤسسات السياحية حول العالم في تطوير الوسائل والتطبيقات الافتراضية، التي تتيح متابعة الحالة الصحية والأمنية للسائحين، حيث تتيح تلك الوسائل الكشف والسيطرة على البؤر الوبائية المحتملة، كما تتيح الوصول للسائحين في أي مكان في حال حدوث طارئ لهم، وإن كان على تلك التطبيقات مراعاة الخصوصية لمستخدميها. كما من المهم أن تتشارك المؤسسات السياحية الدولية في تدشين ما يُسمى بالفيزا الصحية الافتراضية، والتي تتيح معرفة حالة السائح الصحية قبل دخوله إلى كل مقصد سياحي وهو ما من شأنه تقليص فرص انتقال الفيروس بين بلدان العالم. 

كذلك، من المهم أيضًا أن تبدأ المؤسسات السياحية في وضع خططها التسويقية على أساس استهداف شرائح العملاء التي تتقبل فكرة السياحة والسفر سواء المحلي أو الدولي في ظل وباء كورونا، خاصة شرائح الشباب. ومن المهم أيضًا وضع عدد من الإجراءات التحفيزية لجذب هذه الشرائح مثل تخفيض أسعار الإقامات أو الطيران. 

العديد من دول العالم تتسابق خلال هذه الفترة لإعادة افتتاح الحركة السياحية، سواء أمام السائحين المحليين أو الدوليين، لكن فتح الوجهات السياحية حول العالم يجب أن يتم بتخطيط ومتابعة جيدة، فالخطأ في إدارة المعادلة بين حركة السياحة والوقاية من الوباء، سيعني هذه المرة أن دولًا بأكملها قد تتعرض لموجة جديدة من وباء كورونا، وهو ما سيؤدي بدوره إلى إغلاق جديد للحركة السياحية، وربما تكون تلك قاصمة الظهر للعديد من الشركات والوكالات السياحية، ما يعني خسارة العشرات من الملايين لوظائفهم حول العالم. 

مراجع 

WHO, “Coronavirus disease situation” report, 1 June 2020.

WTTC, “Global protocols for the new normal” report, 12 May 2020.

UNWTO, “International tourism and Covid-19” report.

مقالات وتحليلات

السياحة المصرية: التطلع إلى ما بعد كورونا

خلال السنوات الماضية استطاع القطاع السياحي أن يتجاوز أكبر أزمة شهدها في تاريخه، تلك الأزمة التي بدأت مع اندلاع الفوضى السياسية والأمنية في عموم البلاد بعد بداية أحداث 25 يناير، ليغرق القطاع على إثرها في انتكاسات متتابعة أدت إلى خسارته ما يقرب من 35 مليار دولار، وذلك في الفترة (2011-2016). وقد كانت ذروة تلك الأزمة في عام 2016، بعد الحادث الأليم لسقوط الطائرة الروسية “متروجيت 9268″؛ إذ لم يُحقق قطاع السياحة في هذا العام سوى 2.64 مليار دولار (انظر شكل رقم 1). لكن السياحة المصرية أثبتت صلابةً غير متوقعة، حيث تمكنت من التعافي والصعود مرة أخرى في عام 2017، حيث حقق القطاع في هذا العام 7.7 مليارات دولار من الإيرادات السياحية، واستقبال 8.29 ملايين سائح في ذلك العام. وهذا النجاح غير المتوقع دفع منظمة السياحة العالمية لتسجيل مصر رسميًّا على أنها رائدة النمو السياحي في منطقة الشرق الأوسط لعام 2017.

استمرت النجاحات خلال الأعوام اللاحقة وصولًا إلى عام 2019 الذي شهد استقبال مصر قرابة 13 مليون سائح، فيما تخطت الإيرادات المُحققة من السياحة في هذا العام حاجز 13 مليار دولار، ليسجل القطاع السياحي المصري بذلك أعلى إيرادات في تاريخه، والتي تجاوزت لأول مرة إيرادات عام 2010 التي بلغت في حينها 12.52 مليار دولار.

كيف تحققت الطفرة في قطاع السياحة؟

تلك النجاحات التي حققها القطاع السياحي على مدار ثلاث سنوات، لم تكن وليدة الفراغ، فهناك عوامل عديدة ساهمت في ذلك، نناقشها فيما يلي.

1- التعافي السياسي والأمني في البلاد

بعد ثورة الثلاثين من يونيو في عام 2013، شهدت مصر مرحلة انتقالية بقيادة الرئيس “عدلي منصور”، الذي في عهده توافق المصريون على تعديل الدستور، لتتم في مايو من عام 2014 انتخابات رئاسة الجمهورية التي بمقتضاها تسلم الرئيس “عبدالفتاح السيسي” السلطة، ليتم استكمال العملية السياسية من بعد ذلك بانتخاب الشعب لنوابه في أواخر أكتوبر من عام 2015. ووسط زخم تلك الأحداث السياسية كانت المجهودات الأمنية تسير على الأرض بكل حزم، من أجل تحييد الإرهاب الذي حاولت جماعة الإخوان الإرهابية وحلفاؤها نشره داخل البلاد. ويوضح الشكل رقم 2 تراجع عدد الهجمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في عامي 2017 و2018. وقد كان هذا التعافي السياسي والأمني بالغ الأثر في طمأنة السائحين الراغبين في القدوم إلى مصر، وهو ما مثّل عاملاً لتشجيع الحركة السياحية.

2- التسويق الجيد للسياحة في مصر

في مطلع عام 2018، وضعت وزارة السياحة استراتيجية ترويجية قائمة بالأساس على حملتين إعلاميتين. جاءت الحملة الأولى تحت شعار “التسويق بالوجهة السياحية” Branding by destination، وجاءت الثانية تحت شعار “من الشعوب إلى الشعوب” people to people. وقد قامت الوزارة بتنويع مجهودات الدعاية بين هاتين الحملتين، وذلك لاستهداف أكبر عدد من المتابعين حول العالم. فبينما قامت الحملة الأولى بإبراز جمال وثراء المواقع السياحية والأثرية في كل أنحاء البلاد، ركزت الثانية على عرض ثقافة وإبداعات المجتمع المصري لمحبي التراث حول العالم.

ويُعزَى الفضل في نجاح هاتين الحملتين إلى التعاون الذي أقامته الوزارة مع بعض الكيانات الإعلامية الدولية المرموقة، التي كان من بينها شبكات إخبارية ومجلات متخصصة في الدعاية السياحة، وأيضًا قنوات عاملة في تصوير وعرض المواد الوثائقية، حيث نفذت تلك الكيانات الإعلامية خططًا ناجحة لعرض الحملتين الإعلاميتين أمام المشاهدين في كل مكان حول العالم.

وبينما ركزت الوزارة على تدشين حملات إعلامية ناجحة للدعاية للمقصد السياحي المصري، فقد حرصت أيضًا على الترويج للسياحة في مصر عن طريق وسائل أخرى، مثل المشاركة في عدد من المعارض والملتقيات الدولية المتخصصة في الترويج السياحي، حيث قُدرت مشاركات مصر في تلك المعارض في عام 2019 وحده بأكثر من عشرة معارض عالمية، لتفوز في أحدها -وهو معرض Leisure المقام بالعاصمة موسكو في سبتمبر الماضي- بجائزة المشاركة المميزة. كما شاركت وزارة السياحة في العام ذاته بعدد آخر من المنتديات الاقتصادية الدولية، وذلك لعرض التطور التي شهده القطاع السياحي في مصر أمام صنّاع القرار ورجال الأعمال حول العالم.

3- تحفيز الاستثمارات السياحية والفندقية

قامت أجهزة الدولة منذ عام 2017 باتخاذ عدد من الخطوات لدعم وتحفيز الاستثمارات السياحية والفندقية في البلاد. وكان في مقدمة هذه المبادرات تلك التي أطلقها البنك المركزي في فبراير 2017، لتمويل عمليات التجديد التي تحتاجها المنشآت الفندقية وأساطيل السيارات السياحية، حيث خصص المركزي في حينها لتلك المبادرة مبلغ 5 مليارات جنيه. وعاد البنك في مطلع العام الحالي 2020، ليطلق نسخة جديدة من هذه المبادرة، حيث خصص هذه المرة 50 مليار جنيه لشركات السياحة.[1]

وفى خطوة أخرى لدعم الاستثمارات الفندقية، توصلت وزارتا السياحة والمالية في عام 2018 إلى عقد برتوكول تعاون لحل مشكلة الضريبة العقارية على المنشآت الفندقية، وهي المشكلة التي ظلت عالقة أمام المستثمرين السياحيين لأكثر من 9 سنوات منذ صدور قانون الضريبة العقارية في عام 2008. واستكمالًا لمجهودات دعم القطاع الفندقي، قامت وزارة السياحة في عام 2019 بتحديث معايير تصنيف الفنادق في مصر، ليتم لأول مرة منذ 14 عامًا إدراج فئات جديدة من محال الإقامة السياحية، مثل الشقق الفندقية والفنادق البيئية والذهبيات، وذلك لكي يواكب القطاع الفندقي التطورات التي تجري في مجال الخدمة الفندقية على مستوى العالم. وقد كُلل نجاح هذا المشروع بإصدار القانون رقم 670 الخاص بالقواعد الجديدة لتصنيف المنشآت الفندقية.

4- برنامج تحفيز الطيران

سعت وزارة السياحة للاستفادة من برنامج تحفيز الطيران في دفع عجلة السياحة بمصر، وذلك بتشجيع شركات النقل الجوي على توجيه أكبر عدد ممكن من رحلاتها نحو المقاصد السياحية المصرية. فمنذ عام 2018 أخذت الوزارة في انتهاج سياسات جديدة أدت للمساواة بين الطيران العارض charter والطيران المنتظم في استفادتهم من المكافآت المالية التي يرصدها البرنامج، لكنها -في الوقت ذاته- اشترطت على الخطوط الجوية المستفيدة من مكافآت برنامج التحفيز الهبوط في مقاصد سياحية محددة داخل البلاد، خاصة في محافظتي البحر الأحمر وجنوب سيناء، وذلك لدفع الحركة السياحية بتلك المقاصد. ولقد أثبتت إحصاءات وزارة السياحة نجاح هذا الأسلوب الجديد في إدارة برنامج تحفيز الطيران، حيث ارتفعت أعداد السائحين الوافدين إلى مصر على متن الرحلات الجوية المشمولة بالبرنامج المذكور، لتصل إلى 4.5 ملايين سائح في عام 2018، وذلك بعد أن كانت 3.2 ملايين سائح فقط في عام 2017.

5- جودة الخدمة المقدمة للسائح

لرفع مستوى الخدمة المقدمة للسائحين في كافة المقاصد المصرية، حرصت الوزارة في عام 2018 على وضع استراتيجية لتأهيل وتنمية المورد البشري بالقطاع السياحي، وذلك بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، حيث بدأت الوزارة في مشروع تدريبي لمختلف الفئات العاملة بالسياحة، مثل المرشدين السياحين، وعمالة الفنادق، والأنشطة الترفيهية، بالإضافة لمندوبي الشركات وقائدي السيارات السياحية. وقد مكنت تلك الاستراتيجية من توفير التدريب لأكثر من 12200 موظف بالقطاع الخاص من العاملين بالسياحة، وذلك على مدار عامي 2018 و2019. ومن المخطط أن تستكمل الوزارة تلك الاستراتيجية حتى عام 2023، وذلك لكى يحصل كافة العاملين في القطاع السياحي على التدريب المناسب لوظائفهم.

متغيرات طرأت على القطاع السياحي في عام 2020

حتى أواخر عام 2019، كانت مؤشرات السياحة المصرية تتقدم بشكلٍ متنامٍ. وقد كان لهذا التقدم دور رئيسي في دفع منظمة السياحة العالمية إلى إصدار توقعاتها بأن مصر ستشهد خلال عام 2020 نموًّا في أعداد السياح الوافدين بنسبة تزيد على 20%[2]، أي إن مصر كانت تستعد لاستضافة أكثر من 16 مليون سائح. وقد عزز من تلك التوقعات قرب افتتاحات عدد من المنشآت التراثية المهمة، كالمتحف المصري الجديد ومتحف الحضارة. هذه التوقعات المتفائلة شجعت الحكومة المصرية على اتخاذ قرارها بدمج وزارتي السياحة والآثار في نهاية عام 2019، حيث كان الهدف من هذا القرار هو تعظيم فرص الاستفادة من موارد مصر السياحية والأثرية، مما يعود بالزيادة على الإيرادات السياحية المحققة.

وقد سعت وزارة السياحة والآثار إلى تحقيق هدف ورؤية الحكومة منذ اليوم الأول، فرسمت خططها لإنهاء أكبر عدد من المشروعات الجارية في كل من القطاعين السياحي والأثري، وذلك قبيل الموسم السياحي الشتوي 2020-2021. كما بذلت الوزارة مجهوداتها لحل عدد من المعوقات التي تواجه عمل القطاعين. فكانت أولى نتائج تلك المجهودات التي بذلتها الوزارة خلال شهري يناير وفبراير، هي الانتهاء من تطوير وترميم 7 مشروعات أثرية من أصل 26 مشروعًا كان مقررًا استكمالها قبيل نهاية العام الجاري، فيما يجري العمل على بقية المشروعات، وذلك على الرغم من الأزمة الناتجة عن وباء (covid-19).

1- أزمة عالمية طارئة وتعامل مصري ناجع

وضع وباء كورونا المستجد صناعة السياحة حول العالم في أزمة كبيرة، فمع إغلاق حركة الطيران في أغلب دول العالم، وانتشار المرض في عدد من الدول الكبرى، أخذ الطلب على السياحة في الهبوط إلى ما يقرب من الصفر. ولم تكن مصر بمنأى عن تلك الأزمة، فمنذ شهر فبراير الماضي لوحظ انخفاض متزايد في أعداد الحجوزات المستقبلية لدى الوكالات السياحية والفنادق، حيث تم تسجيل عمليات إلغاء لكافة الحجوزات في شهري مارس وأبريل. كما لوحظ إلغاء متزايد في حجوزات الأشهر اللاحقة.

في هذا الإطار، اتخذت وزارة السياحة والآثار عددًا من الإجراءات الصارمة التي ألزمت بمقتضاها جميع المنشآت السياحية بالإبلاغ عن أي حالة مصابة بالمرض، كما قامت الوزارة بالتعاون مع غرفة المنشآت الفندقية بعمل برنامج تدريبي عاجل لكافة العاملين بالفنادق حول كيفية التعامل مع أعراض فيروس كورونا وأيضًا الحالات المصابة بهذا المرض. لكن مع ملاحظة التصاعد في أعداد المصابين بالوباء داخل عدد من الدول السياحية الكبرى، اتجهت الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، حيث تم تعليق حركة الطيران الدولي في كافة أنحاء البلاد ابتداء من يوم 19 مارس الماضي. على إثر هذا القرار أعلن المجلس الأعلى للآثار غلق جميع المزارات الأثرية والمتحفية أمام الجمهور ابتداء من 23 مارس الفائت. كما أعلن المجلس البدء في حملة شاملة لتعقيم وتطهير تلك المزارات. وقامت المنشآت الفندقية بإجراء مماثل، حيث قامت كافة الفنادق على مستوى الجمهورية بتعقيم منشآتها.

2- أجهزة الدولة تتكاتف لتخفف الأزمة عن القطاع السياحي

كان لوباء كورونا أثر سلبي على قطاع السياحة في مصر، فحركة السفر المتوقفة في كل أنحاء العالم أدت إلى شلل القطاع الذي بدأ في التعافي حديثًا، مما دفع مختلفَ أجهزة الدولة للتكاتف من أجل مساندة القطاع، حتى يتمكن من عبور الأزمة بسلام ويعاود العمل سريعًا فور انحسار الوباء العالمي. ونرصد فيما يلي أهم الإجراءات التي أعلنتها الدولة للتخفيف من آثار الأزمة على قطاع السياحة.

– قررت رئاسة الوزراء في 17 مارس الماضي تأجيل سداد الضريبة العقارية على المنشآت السياحية لمدة 3 أشهر، كما سمحت بتقسيط الضرائب العقارية المتأخرة على تلك المنشآت على دفعات بعد انحسار الوباء على 6 أشهر.

– أعلن صندوق الطوارئ بوزارة القوى العاملة في 30 مارس موافقته على طلب وزارة السياحة واتحاد الغرف السياحية لتقديم إعانات مالية لكافة العاملين بالمنشآت السياحية التي اضطرت إلى الإغلاق بسبب تداعيات الوباء.

– أعفى المجلس الأعلى للآثار في الأول من أبريل كافة البازارات والمطاعم الموجودة في المواقع الأثرية والمتاحف من دفع القيم الإيجارية إلى حين انحسار أزمة الوباء.

– قرر الرئيس “عبدالفتاح السيسي”، في 7 أبريل، إسقاط الضريبة العقارية عن كافة المنشآت السياحية والفندقية لمدة 6 أشهر قادمة، وإرجاء تسديد الضرائب المتراكمة على المنشآت لمدة ثلاثة أشهر بدون أي غرامات أو عقوبات تأخير.

– وجه البنك المركزي بإتاحة جزء من أموال مبادرة دعم المنشآت الفندقية والسياحية التي أُطلقت في مطلع العام الجاري لدفع رواتب العمالة القائمة لدى هذه المنشآت، فضلًا عن تغطية مصاريفها التشغيلية.

خلاصة القول، لقد عانى القطاع السياحي في مصر خلال العقد الماضي من أزمات متتالية دفعت بالكثيرين إلى الاعتقاد بأنه لن يتعافى منها مرة أخرى، لكن القطاع تمكن من إثبات عكس ذلك، وعاد لحالته الطبيعية في أقل من ثلاث سنوات. ويدفعنا ذلك إلى التأكيد على أن قطاع السياحة سيعود بعد أزمة كورونا أقوى مما كان عليه من قبل، خاصة أن الدولة تُولي اهتمامًا كبيرًا لدعمه في خضم تلك الأزمة العالمية، وعلينا أن نستعد من الآن لمستقبل سياحي واعد.

المصادر:

[1]  الكتاب الدوري لمبادرة البنك المركزي لدعم القطاع السياحي للأعوام 2017 و2020.

[2] راجع الرابط التالي:

URL: https://www.e-unwto.org/doi/pdf/10.18111/wtobarometereng.2020.18.1.1

مقالات وتحليلات

نيويورك في قلب أزمة “كورونا المستجد”

حتى بداية شهر مارس الماضي لم تكن هناك أي توقعات تُشير إلى احتمال انتشار كورونا على أراضي الولايات المتحدة بشكل وبائي، فالجهات المنوط بها متابعة ومكافحة هذا المرض المستجد، وعلى رأسها خلية العمل التي دشنها الرئيس الأمريكي بقيادة نائبه “مايك بينس” والمسماة White house Coronavirus task force، كانت دائمًا ما تبعث برسائل طمأنة حول الاستعدادات الأمريكية التي ستؤدي إلى تحييد COVID-19. وقد انعكست تلك الحالة من الطمأنينة على تصريحات الرئيس “ترامب” نفسه، الذي وقف أمام الشعب الأمريكي في 11 مارس الماضي ليؤكد أن الفيروس لن يقف في وجه الأمة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة مستعدة أكثر من أي دولة حول العالم لمواجهته. ليتضح بعد ذلك بأيام معدودة أن حالة الطمأنينة التي سادت الولايات المتحدة لم يكن لها أساس، فالولايات المتحدة غرقت بشكل غير متوقع في مستنقع وباء كورونا، حيث بلغت أعداد المصابين بالفيروس حتى يوم 26 مارس 2020 أكثر من 85300 حالة (انظر شكل رقم 1)، وذلك وفق إحصاءات وزارة الخدمات الصحية والبشرية الأمريكية، لتتفوق الولايات المتحدة في ذلك اليوم على جمهورية الصين التي لم تسجل سوى 82000 حالة، وهو ما أدى لأن تصبح الولايات المتحدة الدولة الأولى عالميًّا في معدل الإصابة بفيروس COVID-19 المستجد


المصدر: الإحصاءات الرسمية للمراكز الأمريكية للوقاية والسيطرة على الأمراض “Centers of diseases control and prevention“.

الوباء المستشري في كل أنحاء الولايات المتحدة أحدث أضرارًا كبيرة، لكنه لم يضرّ أي ولاية أمريكية بالشكل الذي أضر به ولاية نيويورك، التي تضم في شقّها الجنوبي عاصمة المال والاقتصاد في الولايات المتحدة، المعروفة بالاسم نفسه “مدينة نيويورك” New York City (انظر الخريطة رقم 1). وقد أصبحت الولاية -وفق تقديرات السلطات الصحية الأمريكية- بؤرة للوباء، وذلك بعدما استحوذت على 45% من جملة الإصابات بكورونا على مستوى الولايات المتحدة، ليشار على إثرها إلى مدينة نيويورك على أنها مركز تلك البؤرة الوبائية، ليدفع هذا الأمر بالرئيس “ترامب” إلى إعلان حالة الطوارئ الشاملة في الولاية المنكوبة في 25 مارس الماضي.

خريطة رقم (1): تقسيم ولاية نيويورك بين الشق الجنوبي الذي يضم مدينة نيويورك، والشق الشمالي الذي يضم أغلب المقاطعات

الأزمة تسيطر على ولاية نيويورك

تم تسجيل أول حالة مصابة بفيروس كورونا داخل ولاية نيويورك في مطلع شهر مارس الماضي، وتحديدًا في مدينة نيويورك. ومنذ هذا اليوم أخذت أعداد المصابين في الارتفاع بمعدل وُصف في حينها بالمتوسط، لكن الوضع تصاعد بشكل خطير بعد 15 مارس (انظر شكل رقم 3)، حيث شهدت الولاية زيادات في أعداد المصابين قُدرت بالآلاف يوميًّا، وكان معظمها في داخل مدينة نيويورك، في حين لم تشهد باقي مقاطعات الشق الشمالي من الولاية Up state area سوى حالات قُدرت بالعشرات أو المئات على أكثر تقدير.

وإزاء هذا التنامي في أعداد الإصابات، اتخذ حاكم الولاية “أندرو كومو” Andrew Cuomo قرارًا في 15 مارس بتعليق الدراسة لمدة 15 يومًا، ثم امتد هذا التعليق لـ15 يومًا إضافية مع تصاعد أعداد الحالات المصابة، ليتبع ذلك القرار إعلان حالة الطوارئ على مستوى كل مقاطعات الولاية.

لكن الحاكم “كومو” اتخذ في وسط تلك الأحداث قرارًا غير موفق، حينما رفض تطبيق الحجر الصحي على مدينة نيويورك في 17 مارس الماضي، بالرغم من استحواذ المدينة على 67% من جملة الإصابات في الولاية. فقد فضل الحاكم تجنب غلق مؤسسات الأعمال، لتجنب انقطاع إيرادات الضرائب عن الولاية، والتي قدرها مكتب المراقبة المالية التابع لولاية نيويورك في عام 2019 بـ75 مليار دولار سنويًّا[1]. فضلًا عن عدم رغبته في الإضرار بسوق المال الذي فَقَدَ بالفعل منذ أول مارس 20% من قيمته.

لكن مع تفاقم أعداد المصابين بالمدينة، والتي وصلت في 20 مارس إلى 5683 حالة، عاد “كومو” لمحاولة تدارك الموقف، فأصدر قراره بإلزام جميع الشركات بإبقاء العمالة غير الأساسية بمنازلهم، كما أصدر قرارًا بحظر التجول Stay at home، وذلك لتقليص حركة المواطنين إلى حدودها الدنيا، فلا يسمح لهم بالتجول في المدينة إلا لقضاء الحاجيات الأساسية كشراء الدواء والطعام، كما مُنعت بمقتضى هذا القرار كافة التجمعات غير الضرورية، مثل: إقامة الحفلات، والشعائر الدينية، والرياضات الجماعية.


المصدر: النشرات اليومية الصادرة عن مكتب حاكم ولاية نيويورك، ومكتب عمدة مدينة نيويورك حول تطورات حالة الوباء.

أسباب أدت للوضع الوبائي الراهن

هناك مجموعة من الأسباب التي تُفسّر لنا هذا الانتشار الضخم للوباء، الذي يتمركز في معظمه داخل مدينة المال والاقتصاد (نيويورك).

1- حركة النقل الجوي الدولية

حركة السفر الجوي والمطارات هي أول العوامل التي تسببت في جلب وباء كورونا إلى ولاية نيويورك، فوفقًا للتقديرات التي أجرتها هيئة الموانئ The Port Authority of New York and New Jersey في عام 2019 المنصرم، تبين أن المطارات الأربعة التي تخدم الشق الجنوبي للولاية، تستقبل سنويًّا أكثر من 140 مليون راكب، نصفهم تقريبًا من مستخدمي الخطوط الدولية، كما تخدم تلك المطارات الأربعة 225 وجهة دولية ومحلية. ويُلاحَظ أنه قبل إعلان الإدارة الأمريكية عن قيود السفر، سواء على دول آسيا أو أوروبا المصابة بالفيروس، كانت حركة الركاب تسير بشكل طبيعي جدًّا، مما تسبب في دخول أعداد غير محددة من مصابي الفيروس إلى أراضي الولاية.

كما يُتوقع أن حالات التكدس التي شهدتها مطارات نيويورك في منتصف شهر مارس الماضي، وذلك بعد بداية تطبيق قيود السفر على أوروبا، كان لها دورها في زيادة انتشار الوباء، خاصة أن الآلاف من المواطنين اضطروا للانتظار في صالات ضيقة لإجراء الفحص الطبي قبل دخولهم البلاد، وهو ما تسبب في تناقل العدوى بينهم. ومن المتوقّع أن تظهر آثار الإصابة على المواطنين الذين كانوا في وسط تلك الحادثة خلال الأيام الأولى من شهر أبريل الجاري.

2- ارتفاع معدلات تزاحم السكان

رصدت الإحصاءات الرسمية في الولاية أن أعداد الإصابات تفاقمت بشكل استثنائي في الشق الجنوبي، خاصة في مدينة نيويورك، والسبب وراء ذلك هو التزاحم السكاني الشديد في تلك المنطقة، فالتزاحم هو بيئة مناسبة لانتشار فيروس كورونا الذي ينتقل عن طريق التنفس والمخالطة البشرية القريبة، سواء في مقرات العمل أو المواصلات والأماكن العامة وحتى المنازل، ويوضح الشكل (رقم 3) التوازي في ارتفاع الكثافة السكانية في مناطق الشق الجنوبي للولاية مع ارتفاع حالات الإصابة بالمرض بالمناطق ذاتها.

الارتفاع في وتيرة الإصابات دفع مسئولي الصحة في الولاية إلى الاعتقاد بأن الوباء ستكون له فترة ذروة قريبة، وأن فترة الذروة هذه ستقع في وقتٍ ما في الفترة من يوم 7 إلى يوم 20 من شهر أبريل الجاري، لذلك وضعت الحكومة المحلية استراتيجية للتعامل مع الوباء من شقين؛ أولهما التخفيف من تصاعد الحالات المصابة عن طريق تقليل التواصل المباشر بين المواطنين، وثانيهما تجهيز أكبر عدد ممكن من الأسرّة الطبية لاستقبال الحالات التي ستتزايد خلال الفترة القادمة. هذه الاستراتيجية وُضعت على الرغم من قناعة المسئولين -وعلى رأسهم الحاكم “أندرو كومو”- بأن الوباء سيضرب بقوة كبيرة، وأن العواقب ستكون غير متوقعة.

الارتفاع في وتيرة الإصابات دفع مسئولي الصحة في الولاية إلى الاعتقاد بأن الوباء ستكون له فترة ذروة قريبة، وأن فترة الذروة هذه ستقع في وقتٍ ما في الفترة من يوم 7 إلى يوم 20 من شهر أبريل الجاري، لذلك وضعت الحكومة المحلية استراتيجية للتعامل مع الوباء من شقين؛ أولهما التخفيف من تصاعد الحالات المصابة عن طريق تقليل التواصل المباشر بين المواطنين، وثانيهما تجهيز أكبر عدد ممكن من الأسرّة الطبية لاستقبال الحالات التي ستتزايد خلال الفترة القادمة. هذه الاستراتيجية وُضعت على الرغم من قناعة المسئولين -وعلى رأسهم الحاكم “أندرو كومو”- بأن الوباء سيضرب بقوة كبيرة، وأن العواقب ستكون غير متوقعة.



المصدر: المكتب الأمريكي للتعداد – الإحصاءات المنشورة لكثافة السكان. مكتب حاكم نيويورك – النشرة اليومية الخاصة بانتشار فيروس كورونا.

3- المرافق الصحية أضعف من أن تواجِه الوباء

تواجه المرافق الصحية في ولاية نيويورك أزمة بسبب تزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا. فمحدودية عدد الأسرّة الطبية، وقلة عدد موظفي الرعاية الصحية، بالإضافة إلى محدودية توفر المستلزمات الطبية المطلوبة لمواجهة الوباء؛ يضع مستشفيات الولاية في موقف لا تحسد علية. ولقد بدأت بوادر تلك الأزمة في الوضوح مع اضطرار المستشفيات لتحويل قرابة 85% من مصابي الوباء إلى العزل المنزلي، والاكتفاء برعاية الحالات الحرجة فقط التي قُدرت في 28 مارس الماضي بـ7328 حالة، وذلك في محاولة من مسئولي الصحة بالولاية للتخفيف من على كاهل المنشآت الطبية التي تعانى أساسًا من ضغط كبير من قبل ظهور أزمة كورونا.

التزايد اليومي في أعداد المصابين دفع بالحاكم “أندرو كومو” إلى اتخاذ قراره بإنشاء عددٍ من المستشفيات المؤقتة في كل أنحاء مدينة نيويورك. كما قام بطلب تعبئة قوات الحرس الوطني التابعة للولاية في محاولة للسيطرة على الأزمة. ولعدم وجود كفاية في العمالة الطبية من أجل مواجهة الفيروس، ناشد الحاكم “كومو” المواطنين للتطوع للعمل في المستشفيات خلال الفترة القادمة، في حين تُناضل الحكومة المحلية للولاية من أجل الحصول على الآلاف من أجهزة التنفس الصناعي، التي وصفها الحاكم “كومو” بأنها ستكون أساسية للحفاظ على الآلاف من أرواح المصابين المحتملين بالفيروس خلال الأيام القادمة.

ولاية نيويورك تستعد الآن لتصاعد أزمتها مع فيروس كورونا، وللأسف فإن تصاعد الأزمة يعني وقوع المزيد من المصابين والضحايا، بالإضافة إلى خسارةٍ اقتصاديةٍ يصعب تعويضها، وهو ما يتطلب من الإدارة الفيدرالية وباقي الولايات أن تُعزز دعمها للولاية المنكوبة.

[1]URL: https://www.osc.state.ny.us/finance/finreports/fcr/2019/appendix-3.htm

مقالات وتحليلات

لماذا عصف كورونا بإيطاليا؟

منذ بداية ظهوره إعلاميًّا في أواخر شهر يناير من العام الجاري 2020، سبب فيروس كورونا المستجد COVID 19 حالة متصاعدة من الذعر الدولي، فلقد تمكن هذا الفيروس خلال أسابيع معدودة من الانتشار في كل أقاليم الداخل الصيني منطلقًا من مدينة ووهان قلب إقليم هوبي، ثم انتقل بشكل مفاجئ إلى العشرات من الدول خارج الصين، وهو ما دفع بمنظمة الصحة العالمية في 11/3/2020 إلى إعلان هذا الفيروس المستجد والغامض جائحة عالمية، وذلك بعد أن وصل عدد المصابين به آنذاك إلى أكثر من 118 ألف شخص، بالإضافة إلى أكثر من 4000 حالة وفاة، وليطال هذا الوباء في حينها 114 دولة حول العالم، استحوذ أربع منها على أكثر من 90% من إجمالي الإصابات، وهي: إيران، وكوريا الجنوبية، وإيطاليا، والصين.

سبق هذا الإعلان بيوم واحد فقط، وصول إيطاليا للمرتبة الأولى عالميًّا في أعداد المصابين بالفيروس خارج الصين، وذلك بعدما بدأ انحسار المرض في دولة كوريا الجنوبية، ليلاحظ بعد ذلك وجود ارتفاع مضطرد في أعداد الحالات المصابة في إيطاليا، وهو ما وصل بها أخيرًا إلى الاستحواذ على ما نسبته 17.67% من جملة مصابي العالم بالفيروس في يوم 20/3/2020. ويوضح الشكل التالي رقم (1) هذا التصاعد في حالات الإصابة منذ نهاية شهر يناير الماضي.

التفشي السريع للوباء في إيطاليا، يدفع إلى التساؤل عن الأسباب التي صنعت هذا الوضع الكارثي الذي آلت إليه الأمور، والتي نجمل أهمها في النقاط التالية: 

حركة السياحة

حققت السياحة في إيطاليا خلال السنوات الماضية نجاحات كبيرة، فلقد استطاع القطاع السياحي في عام 2018 أن يساهم بما نسبته .213% من جملة الناتج المحلي الإيطالي، ووصل عدد السياح إلى 63.19 مليون سائح في عام 2018، وهو ما تجاوز تعداد الشعب الإيطالي الذي بلغ في العام ذاته 60.48 مليون نسمة. 

لكن تلك النجاحات لم تشفع للقطاع السياحي الإيطالي، فبعد تفشي وباء كورونا في البلاد، نُظر للقطاع على أنه أحد المتسببين في تلك الأزمة، خاصة أن البلاد تستضيف عشرات الملايين من السياح القادمين من كل أنحاء العالم، ومن بينهم السائحون الصينيون الذين أُشير إليهم بأصابع الاتهام في جلب الفيروس للداخل الإيطالي، بعدما تم تسجيل حالتين مصابتين بالفيروس في 30 يناير 2020، قادميتن من مدينة ووهان الصينية.

ضعف المنظومة الصحية

كما كان للقطاع الصحي نصيبه من المسئولية، فالقطاع يواجه حالة من الضعف، ناتجة عن تخفيض المخصصات المالية التي يحتاجها، وذلك بسبب السياسات التقشفية التي طبقتها الحكومة في السنوات الأخيرة. فوفق بحث أجرته كلية الإدارة بجامعة بوكوني Bocconi الإيطالية في عام 2019، فإن الدولة لم تخصص للقطاع الصحي من إجمالي الناتج المحلي سوى 6.8%، في حين أن القطاع يحتاج ما بين 7.5% إلى 8%. وقد أدى هذا إلى محدودية واضحة في قدرة القطاع على تأدية واجباته الوطنية في مجال الصحة (انظر شكل رقم 3). 

المصدر: راجع الرابط التالي: 

www.cergas.unibocconi.eu/wps/wcm/connect/cdr/cergas/home/observatories/oasi_ev19 

– إحصاءات منشورة بعنوان Health care resources statistics – Beds، المكتب الإحصائي التابع للاتحاد الأوروبي.

وقد دفع هذا النقصان في الإمكانات الطبية ببعض المسئولين المحلين، مثل حاكم إقليم لومبارديا في الشمال الإيطالي وهو أكثر الأقاليم تضررًا بالفيروس، إلى طلب معونة الجامعات من أجل إرسال طلبة كليات الطب دون مرحلة التخرج إلى المستشفيات للعمل كممرضين. كما قامت السلطات المحلية في أقاليم إيطالية مختلفة بدعم أقسام الأمراض المعدية في كل مستشفى بمزيد من الأسرّة بشكل عاجل. لكن هذه المجهودات لن تكون كافية في رأي مسئولي القطاع الصحي، خاصة مع ازدياد أعداد المصابين، وعدم توفر أية أسرّة جديدة للعناية المركزة، وهو للأسف ما يجبر الأطباء الإيطاليين الآن على المفاضلة بين الحالات المصابة، فلا يُسمح بالاستفادة من خدمة العناية المركزة إلا للحالات التي يعتقد الأطباء وجود أمل في شفائها، فيما تترك الحالات بالغة السوء لتواجه مصيرها المحتوم.

إجراءات وقائية منقوصة

مع بداية انتشاره الواسع في الصين خلال شهر يناير 2020، بدأت دول العالم، ومنها إيطاليا، في النظر للفيروس المستجد والغامض في حينها، على أنه خطر محاصر داخل الصين، لذلك لم تتخذ الحكومة الإيطالية -كغيرها من الحكومات حول العالم- أية إجراءات طبية احترازية، لتسجل إيطاليا في 31 يناير أول حالتين مصابتين بالمرض. وعلى إثرها قامت إيطاليا بتعليق كافة الرحلات من وإلى أربع دول آسيوية، أبرزها الصين.

وعلى الرغم من التأكد من ظهور الحالات المصابة بكورونا داخل إيطاليا قبيل مطلع شهر فبراير إلا أن الحكومة تقاعست عن إجراء الفحص الطبي على المخالطين للحالات المصابة وأيضًا المتواجدين في المواقع التي زارها السائحون المصابون، واكتفت بالكشف على الحالات المرضية الشديدة والواضحة فقط بمعدل 826 كشف لكل مليون مواطن، مما أدى لوجود أعداد غير مقدرة من حاملي الفيروس بين أبناء الشعب الإيطالي. وكان من سوء الحظ أن تزامن ذلك مع موسم انتشار الأنفلونزا الموسمية، وهو ما أدى بالأطباء في المراكز الصحية والمستشفيات إلى تشخيص الحالات الحاملة لفيروس كورونا على أنها من حالات الأنفلونزا الموسمية أو الالتهاب الرئوي، لتتحول المستشفيات ذاتها بعد ذلك إلى بؤر لانتشار الوباء.

كما أن الحكومة ارتكبت خطأ آخر حينما أقرت الحجر الصحي على عدد محدود من البلديات في إقليم لومبارديا في يوم 21/2/2020، وذلك على الرغم من تأكيدات بوجود حالات مصابة خارج هذا الإقليم، ليتسبب ذلك في تسجيل أكثر من 7300 حالة مصابة في يوم 8/3/2020، وهو ما اضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارها في هذا اليوم بتوسيع دائرة الحجر الصحي لتشمل 26 مقاطعة داخل 6 أقاليم رئيسية، بما فيها إقليم لومبارديا، لكن مع ثبوت عدم كفاية ذلك القرار جرى توسيع دائرة الحجر الصحي لتشمل كل إيطاليا في 10/3/2020، ليُستتبع ذلك القرار بآخر في 11/3/2020 ينصّ على تشديد القيود على التنقل والحركة، باستثناء التحرك لقضاء الحاجات الأساسية فقط كشراء الطعام والدواء.

هشاشة التركيبة السكانية

الطبيعة السكانية في إيطاليا كان لها هي الأخرى دور مهم في انتشار وباء كورونا، فالشعب الإيطاليّ الذي يُعرف بكونه ثاني أكبر الشعوب الأوروبية شيخوخة بعد ألمانيا، بلغ تعداد المسنين فيه في عام 2019 أكثر من 26.98 مليون نسمة بنسبة بلغت 44.70% من إجمالي الشعب الإيطالي. وبالرجوع إلى أحد التصريحات الرسمية التي سبق أن نشرتها منظمة الصحة العالمية، نلاحظ أن فيروس كورونا يتميز بتأثيره القوي على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة بسبب ضعف مناعتهم، وهو ما قد يؤدي بالمريض إلى مشاكل صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

ويوضّح هذا أحد أسباب ارتفاع الإصابات والوفيات في إيطاليا، فوفق دراسة نشرها المعهد العالي للصحة “Istituto Superiore di Sanità ” في روما بتاريخ 16/3/2020، اتضح أن 76.2% من الذين أصيبوا بالفيروس منذ بداية الأزمة فاقت أعمارهم الخمسين عامًا، في حين أن 99.2% من إجمالي الوفيات تخطت أعمارهم أيضًا الخمسين. كما أوضحت الدراسة التي نشرتها كلية الإدارة بجامعة بوكوني أن 40% من جملة الشعب الإيطالي يُعاني من أمراض مزمنة، أبرزها داء السكري والتهاب الشعب الهوائية، وهو ما من شأنه رفع احتمالات الإصابة والوفاة بين أفراد الشعب. 

ومن المفارقة أن الترابط الأسري في المجتمع الإيطالي أصبح سببًا لاحتمالية زيادة الإصابة بفيروس كورونا. فوفق تقرير نشرته جامعة أكسفورد في 14 مارس 2020[1]، تبين أن انتشار العائلات متعددة الأجيال في المجتمع الإيطالي، والتي تتكون من مسنين وشباب وأطفال، تبين أنه يساهم في احتمالية نقل العدوى، وذلك عن طريق الشباب الذين يضطرون إلى النزول للعمل ثم يعودون إلى منازلهم فيتم نقل العدوى منهم إلى كبار السن.

في إيطاليا الأزمة تشتد، والمئات من المواطنين الأبرياء يقعون ضحية لهذا الوباء بشكل يومي. فها هي الدولة الإيطالية المكلومة تنعى أكثر من أربعة آلاف من أبنائها، لتصبح بذلك الأولى عالميًّا في أعداد الوفيات الناتجة عن فيروس كورونا، متفوقة على الصين ذاتها مصدر انتشار المرض. لكن هذا الوضع المشئوم لن يستمرّ طويلًا، فالشعب الإيطالي يحارب معركته الآن وهو واعٍ بحجم التحدي الذي يجابهه، وعاجلًا أم آجلًا ستُسجِّل إيطاليا -كما كل دول العالم- انتصارها على هذه الجائحة، ليبقى لنا ولأبنائنا من بعد ذلك درس تاريخي نتعلّم منه.

:المصادر

[1] ” Demographic science aids in understanding the spread and fatality rates of COVID-19 ” Leverhulme Centre for Demographic Scienc, University of Oxford, UK, 14-3-2020