التجارة الدولية

رصد اعلامي

التجارة الإلكترونية في مصر: فرص واعدة وتحديات

تُعرف التجارة الإلكترونية بأنها الخدمة التجارية الخاصة بتداول المنتجات والخدمات بين الشركات والأفراد، أو بين الشركات وبعضها، من خلال أسواق افتراضية تعمل من خلال شبكة الإنترنت. وتم افتتاح شركتي أمازون وإيباي عامي 1994 و1995 ليساعدا في تسريع عملية تنمية قطاع التجارة الإلكترونية عالميًّا على مدار العقود الأخيرة.

وما كان يبدو ضربًا من الخيال في القرن الماضي، أصبح واقعًا فاعلًا اليوم، حيث تتم ملايين التحويلات المالية عبر القارات من خلال شبكة الإنترنت يوميًّا، بغرض شراء المنتجات المختلفة وتفعيل الخدمات، وذلك دون أي حاجة للتحرك لأي مكان. كما قامت معظم العلامات التجارية بإنشاء تطبيقات إلكترونية تقوم بالتوازي بنفس أنشطتها داخل فروعها العادية. كما قُدر عدد من قاموا بعمليات الشراء الإلكتروني بما يزيد على مليار مشترٍ، أي حوالي 40% من مستخدمي الإنترنت. كما أن حجم الإنفاق على التجارة الإلكترونية قد ارتفع من 1.2 تريليون دولار في 2013 إلى 2.3 تريليون دولار في 2017.

ومع الأزمة الحالية التي تواجه القطاعات الاقتصادية المختلفة بسبب أزمة كورونا، وبينما تراجع حجم التجارة العالمية بشكل لم يحدث منذ الأزمة العالمية سنة 2008، يبقى قطاع التجارة الإلكترونية أحد القطاعات التي لم تتضرر من هذا الوباء، بل إن القطاع كان من أكبر المستفيدين من الأزمة بسبب ظروف الحظر والحجر الصحي وبقية الإجراءات الوقائية في معظم دول العالم، ومنها مصر.

القطاع المصري للتجارة الإلكترونية

مع تقدم جودة خدمات البنية التحتية الرقمية منذ التسعينيات وحتى الآن، بات من المنطقي أن تتطور معها خدمات التجارة الإلكترونية داخل الحدود المصرية. ذلك أن موقع مصر المتميز داخل منطقة الشرق الأوسط، وحجم سكانها المتزايد، وتعدد الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، شجع على تحسين وتيرة نمو التجارة الإلكترونية بها خلال السنوات الماضية. إذ تمثل نسبة السكان المستخدمين لخدمات الإنترنت أكثر من 54٪. كما ارتفع الترتيب المصري في مجال التجارة الإلكترونية عالميًّا عدة مرات، حتى وصل إلى المرتبة رقم 104 في عام 2019.

ورغم وجود العديد من الشركات العاملة في هذا القطاع داخل مصر، إلا أن معظمها من الشركات الناشئة الجديدة، التي لم يبلغ عمرها خمسة أعوام. لكن العديد من الشركات التجارية العالمية بدأت عملها داخل مصر، وساعدت في تحديد آليات السوق وزيادة الوعي داخل شرائح المجتمع المستهدفة بخصائص هذا النوع من التجارة. على سبيل المثال، نجد أن شركة “جوميا” أصبح لها مستودعات بمصر بعدما ضخت 20 مليون دولار من الاستثمارات خلال عام 2012 فقط. كما ازدادت قيمة التجارة الإلكترونية في مصر إلى حوالي 17 مليار جنيه خلال 2019.

المعوقات التي تواجه هذا القطاع داخل مصر

رغم كل نقاط القوة والفرص المبشرة بنمو القطاع، لا تزال هناك بعض المعوقات؛ إذ إن أكثر من 56٪ من السكان ليست لديهم المعرفة الكافية بكيفية استخدام ولا أهمية التجارة الإلكترونية. كما أن عدم الاعتراف القانوني بالعقود الإلكترونية، وقلة عدد وسائل الدفع الآمنة والسهلة على الإنترنت، يعتبر من أهم المعوقات القانونية والمالية.

وتشكل الإجراءات التأسيسية لخدمات الشركات الناشئة في القطاع التحدي الأكبر لاستمراره. إذ تستغرق عمليات التسجيل لنوع الخدمة واستخراج التصاريح المختلفة لإطلاق عمليات تداول تحويلات الأموال إلكترونيًّا شهورًا طويلة. وهو ما دفع بعض الشركات الناشئة للبدء في دول عربية أخرى في المنطقة كالإمارات العربية المتحدة، وذلك رغم التحسن التدريجي والتسهيلات التي قدمتها الحكومة المصرية مؤخرًا.

وتهدف المراجعات المصرية الأخيرة للقطاع إلى تطويره، مع تقديم حزم مختلفة من الإجراءات المالية والقانونية، فهناك خطوات سريعة لإنشاء بنوك إلكترونية، والتوسع في تقديم التطبيقات الخدمية للقطاع ككل، والدعم عبر التمويل أو الشراكة. لكن الأخبار الأخيرة المتعلقة بالإصلاحات الضريبية طرحت العديد من التساؤلات بصدد مدى تأثير هذه الإصلاحات على ذلك القطاع.

الإصلاحات الضريبية في قطاع التجارة الإلكترونية

ما زالت الحكومة المصرية مستمرة في التأكيد على استمرارها في الإصلاحات الضريبية المختلفة، والتي كان لها دور فعال في زيادة جملة الإيرادات للموازنة العامة. وتستهدف الإصلاحات الجديدة للعام المالي 2020/2021 زيادة جديدة تقدر بحوالي 14% لتصل إلى تريليون و288 مليار جنيه. واشتملت تلك الإصلاحات على تعديل الأنظمة الخاصة بالضريبة على القيمة المضافة والجمارك للسماح بفرض ضرائب على الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية.

وكان البند الأول في تلك الإصلاحات متعلقًا بصورة مباشرة بخدمات التجارة الإلكترونية. إذ نص على تعديل الأنظمة الخاصة بالضريبة على القيمة المضافة والجمارك للسماح بفرض ضرائب على الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية (وفقًا لمعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وأفضل الممارسات الدولية). وهو البند الذي أثار حالة من الجدل حول تفسيره وتقدير حجم تأثيره.

وقد نفى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء الأخبار المتداولة عبر بعض المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي حول فرض ضريبة جديدة على السلع المبيعة إلكترونيًّا. وذلك بعدما قام بالتواصل مع وزارة المالية، التي نفت بدورها تلك الشائعات. كما أوضح أن تعديلات القانون لم تتضمن فرض أية ضرائب جديدة على المستهلكين، سواءً على السلع المباعة عبر التجارة الإلكترونية أو عبر وسائل البيع التقليدية. إلا أن البند يشمل إجراء إصلاحات تتعلق بتحصيل وتوريد الضريبة المستحقة على الشركات غير المقيمة رغم مباشرتها أعمالها داخل مصر، وذلك عن طريق تطبيق نظام تسجيل وتحصيل مبسط، عوضًا عن النظام الحالي القائم على تعيين ممثل قانوني.

ويهدف هذا التعديل بالأساس إلى توسيع القاعدة الضريبية، من خلال تشجيع الشركات الأجنبية على الدخول إلى السوق المصرية والعمل وفقًا للمعايير العالمية، مع توفير الضمانات لتيسير توريد الضرائب المحصلة، على النحو الذي يُرسي مبادئ المنافسة العادلة. وبناء على مبادئ المنافسة تلك يهدف التعديل إلى ضمان خضوع سلع وخدمات الشركات غير المقيمة لنفس فئات الضريبة المفروضة على الشركات الوطنية.

كما أوضحت وزارة المالية أن ضريبة القيمة المضافة مطبقة بالفعل، منذ صدور القانون في 2016، على السلع المباعة عبر المنصات الإلكترونية حاليًّا. ويتم تحصيلها إما عن طريق الشركة مباشرة إذا كانت مقيمة، أو عن طريق مصلحة الجمارك إذا كانت الشركة غير مقيمة، مثل أمازون على سبيل المثال لا الحصر. 

تحديات تطبيق الضرائب على التجارة الإلكترونية

مع تطور ونمو التجارة الإلكترونية عالميًّا، ازدادت صعوبة الإمساك بزمامها ومراقبة حركة الأموال داخلها من قبل الحكومات المختلفة، خاصة عند مقارنتها بالتجارة التقليدية ذات الأدوات والقوانين المألوفة. ويعتبر تحصيل الضرائب من أهم الأدوات القانونية التي تتيح للدولة التدخل والتأثير على الاقتصاد ومؤسساته. كما تعتبر الضرائب موردًا مهمًّا من الموارد المالية للدولة، مما يفسر سبب اتجاه بعض الدول لدراسة كيفية تحصيل الضرائب من التجارة الإلكترونية رغم صعوبته.

إلا أن هناك من يعتبر أن فرض الضرائب على هذا القطاع سيشكل حتمًا نوعًا من القيود الكابحة لنموه، خاصة أنه لا يزال يعتبر قطاعًا ناشئًا في حالة الدولة المصرية. لكن من ناحية أخرى، فإن الإعفاء الضريبي لهذا القطاع سيترتب عليه إخلال بميزان المنافسة العادلة مع التجارة التقليدية، كما سيؤدي إلى تخفيض إيرادات الدولة من نصيب الأرباح المتزايدة للعديد من الشركات غير المكبلة بنفس الالتزامات المادية الخاصة بالتجارة التقليدية، بحكم طبيعة عملها داخل أسواق إلكترونية افتراضية. 

وترجع صعوبة فرض الضرائب بالآليات المعتادة لعدة أسباب، منها صعوبة التوصل للوثائق الورقية للمعاملات، مما يشكل صعوبة في إثبات العمليات التجارية. ومنها صعوبة تتبع المبيعات عبر العالم. ومنها الانفصال المكاني، وهي الحالة مع الشركات غير المقيمة، التي يمكن أن يتواجد مقرها في أي مكان حول العالم وتمارس أنشطتها في مصر وغيرها من الدول دون وجود مقر ثابت لها في تلك الدول، ودون أن يؤثر ذلك علـى أدائها الوظيفي. من تلك الأسباب أيضًا صعوبة تحديد الهوية لطرفي التعامل التجاري الإلكتروني، وهو ما يؤدي لتعقيد عملية استكمال الملفات الضريبية، وقد يستخدم في التهرب الضريبي.

فرص القطاع في المستقبل القريب

تشير معدلات زيادة الشركات الناشئة في المجال داخل مصر ودخول الشركات الأجنبية، والتسهيلات التمويلية المستحدثة لتشجيع القطاع، إلى طفرة نوعية في سوق التجارة الإلكترونية، خاصة إذا تم التركيز على خطط أكثر فاعلية لنشر الوعي للفئات المستهدفة. لكن هناك المزيد من الإجراءات التي يجب أن تُراعَى من قبل الحكومة، مثل إعادة تقييم إجراءات تأسيس الشركات، وتفعيل التحويلات المالية الإلكترونية، مع مراعاة الأبعاد الأمنية الأساسية. كما أن عمليات التحصيل الضريبي، رغم أهميتها لميزانية الدولة وتفعيل التنافس العادل، يجب ألا تعرقل النمو المطلوب للشركات العاملة بالمجال، وذلك بأن تكون محايدة وأكثر ملاءمة لظروف هذا القطاع الناشئ.