سلايدر

مقالات وتحليلات

السيطرة على الأوبئة: الحالة المصرية

أثار تفشي فيروس كورونا الجديد في الصين موجة من الذعر العالمي، خاصة بعد تعثر السلطات الصحية في الصين في السيطرة عليه، وازدياد أعداد المصابين به والضحايا الناتجين عنه بمعدلات سريعة يوميًّا، والتي تعكس التحدي الهائل الذي تواجهه السلطات الصحية الصينية في مواجهة هذا الوباء.

وتتسبب الأوبئة في زعزعة استقرار المجتمعات، بسبب عدد الوفيات الكبير الذي ينتج عنها، وحالة الفزع التي تتسبب فيها، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية الضخمة التي تخلفها. وبحسب البنك الدولي، فإن الأوبئة تكلف الاقتصاد العالمي سنويًّا أكثر من 570 مليار دولار، وهو ما يوازي 0.7 في المائة من الدخل العالمي. وتتنوع هذه التكاليف بين تكاليف مباشرة يتحملها القطاع الصحي، وأخرى يسببها تغير سلوك المستهلكين وابتعادهم عن التسوق وممارسة نشاطاتهم الطبيعية التي تحرك الاقتصاد، إضافة إلى اختلال سلاسل التوريد العالمية مع انخفاض الطلب. وتعد قطاعات التجارة والسياحة أكثر القطاعات الاقتصادية تضررًا بسبب الأوبئة. 

حالات الطوارئ الصحية

عندما يبدأ مرض معين بالتفشي في أي بلد، تقوم لجنة الطوارئ التابعة لمنظمة الصحة العالمية والمختصة بمتابعة أوضاع الصحة العامة في البلدان المختلفة، بإعلان حالة طوارئ صحية؛ وذلك من أجل بدء التنسيق الدولي للتصدي لهذا الوباء. لذا يعد التخطيط المسبق لحالات الطوارئ الصحية إحدى أهم الخطوات التي من الممكن أن تقوم بها الدول من أجل التنبؤ بحالات الطوارئ الصحية، والتي من الممكن أن تتحول إلى أوبئة، مع محاولة تخفيف تأثيراتها على المواطنين، وذلك عبر خفض معدلات انتشار الفيروس ومعدلات الإصابة به، وبالتالي خفض معدلات الوفيات الناتجة عنه؛ أي الحد من التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للوباء على المجتمعات. 

وتقوم الدول بإعداد خطط التأهب للطوارئ الصحية بهدف تمكين الأفراد والمنشآت الصحية والمؤسسات الوطنية من التعامل مع الأوبئة، وتعمل الخطة على توفير المعلومات الكافية للمهام المطلوبة في إطار واضح ومنظم، لضمان التنسيق الكامل بين المشاركين بها في جميع القطاعات (صانعي السياسات، المشرعين، ممارسي الصحة العامة والصحة العلاجية، الأطباء والعلماء داخل المختبرات، مسئولي إدارة الاتصال وإدارة الأزمات) وذلك أثناء تنفيذ الخطة.

لقد تم وضع أول خطة للتأهب من قبل وزارة الصحة والسكان المصرية في عام ٢٠٠٧، وذلك في إطار مواجهة وباء الأنفلونزا (H1N1)، والذي تفشى في عام ٢٠٠٩، وكان بمثابة اختبار حقيقي لجهود خطة التأهب المصرية للطوارئ الصحية. وتسبب الفيروس في وفاة 267 شخصًا في مصر، فيما وصل إجمالي عدد المصابين بالفيروس خلال عامي 2009 – 2010 إلى حوالي 16403 أشخاص، كما هو موضح في الرسم البياني التالي.

ويتم مراجعة هذه الخطة بشكل دوري لتحديد أوجه القوة والضعف، ولتطويرها بشكل يتلاءم مع التطور الدائم في الميكروبات والفيروسات (مسببات الأمراض). وفي إطار التقييم المشترك لتطبيق اللوائح الصحية في دول شرق المتوسط لعام 2018، والذي تنظمه منظمة الصحة العالمية بشكل دوري، حصلت مصر على أعلى تقييم خارجي للقطاعات المتعلقة بالصحة العامة مقارنة مع دول إقليم شرق المتوسط (مثل: جيبوتي، والأردن، والكويت، ولبنان، وعُمان، والإمارات العربية المتحدة)، وأشادت لجنة الخبراء الدوليين المشاركين في التقييم بكفاءة النظام المعمول به في مصر لتطبيق اللوائح الصحية المتفق عليها دوليًّا في مجالات مكافحة الأمراض المعدية والتطعيمات وسلامة الغذاء والحجر الصحي والترصد بأي طارئ.

سريان المعلومات هو أساس بدء التأهب واتخاذ القرار

تمثل عمليات جمع المعلومات والبيانات حجر الزاوية في نظام الوقاية والمكافحة من الأمراض المعدية والأوبئة، فيتم ترصد البلاغات الواردة عن مسببات الأمراض أو الحالات المصابة بالأمراض المعدية من خلال سلسلة تبليغ تتشارك فيها مستويات مختلفة، بدءًا من الطبيب وحتى الإدارة المسئولة بوزارة الصحة. ويتم إرسال العينات للمعامل المركزية بوزارة الصحة، لتأكيد تشخيص المصابين بالفيروسات، وتتم مشاركة البيانات الخاصة بالفيروسات الجديدة والتسلسلات الجينية للفيروسات المكتشفة مع المعامل الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية، والتي توجد في دول عديدة، منها: الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وإنجلترا، وأستراليا. وهناك تعاون بين وحدة الأبحاث الأمريكية (النامرو 3) والمعامل المركزية المصرية لضمان التعرف المبكر على السلالات الجديدة من الفيروسات. وتتصل هذه المعامل العالمية بشبكة لمراقبة نشاط الفيروسات، خاصة فيروس الأنفلونزا على مستوى العالم والتبليغ عنها؛ بهدف اتخاذ إجراءات الوقاية والمكافحة والتخطيط والتنفيذ للبرامج الصحية الوقائية. ولا تكتمل عملية المكافحة للفيروسات إلا بتوفير التغذية الراجعة لتقييم مدى فاعلية الاستجابة للحدث الذي تم رصده في المراكز المبلغة عن وجود الفيروس. 

ويعد تطوير نظام تسجيل وتداول المعلومات هو حجر الزاوية في تطوير قدرات الوقاية والسيطرة على الأوبئة. فبينما تلتزم المستشفيات الحكومية بالتبليغ عن الظواهر الصحية، فإنه لا يوجد تنظيم واضح لكيفية قيام العيادات والمستشفيات الخاصة -التي تُمثّل جزءًا كبيرًا من نظام الرعاية الصحية في مصر- بالمشاركة في عملية تسجيل وتداول المعلومات، خاصة في غياب تشريع يُلزم مقدمي الرعاية الصحية من القطاع الخاص بذلك، بما يمثل ثغرة في النظام الوطني لمكافحة الأوبئة. 

تعزيز خطط التأهب بالحوكمة

يبين تحليل الأزمة الوبائية الحالية التي تعاني منها الصين أن خطط التأهب وحدها قد لا تكون كافية للتصدي للأوبئة، فهناك عوامل رئيسية إضافية تؤثر على قدرة الأنظمة الصحية في أي دولة على مواجهة الأوبئة الجديدة أو المستجدة. العامل الأول يتعلق بنوعية الميكروب المسبب للمرض، وتأثيراته الصحية، ومدى توفر علاج فعال للمرض. أما العامل الثاني فيتعلق بالبنية التحتية والموارد المتوفرة لأنظمة الرعاية الصحية، سواء الموارد الطبية أو البشرية أو المادية. وأخيرًا يتعلق العامل الثالث بسياسات الدول وشفافيتها في التعامل مع الأوبئة، ومدى وعي المواطنين بها. 

وعلى الرغم من توفر الموارد البشرية والمادية من خلال المبالغ الضخمة التي رصدتها الحكومة الصينية، بجانب الإجراءات الصارمة التي فرضتها على المواطنين في سبيل حل هذه الأزمة؛ إلا أن شراسة الفيروس والتأخر في توعية المواطنين به قد أعاقت السيطرة على هذا الوباء القاتل؛ ما يستدعي ضرورة أن يتم تعزيز خطط التأهب الموضوعة من قبل الدول للتصدي للأزمات الصحية، وتمتعها بالمزيد من الشفافية والمحاسبة.

مقالات وتحليلات

«كورونا» يعيد تشكيل العالم

تحذيرات رئيس منظمة الصحة العالمية حول ضرورة أن يضرب العالم بقوة الآن وبسرعة فيروس «كورونا» المستجد، وإلا تضيع الفرصة وتخرج الأمور عن السيطرة، يعطي مؤشر قلق؛ ليس للصين وحسب، وإنما أيضاً للعالم بأسره. فالفيروس يتمدد شرقاً وغرباً، في كوريا واليابان وإندونيسيا وأستراليا والفلبين وماليزيا وإيران ولبنان وروسيا وبريطانيا والولايات المتحدة، وغيرها. صحيح بنسب وعدد حالات متفاوتة؛ لكن تظل الدلالة واضحة، وهي قدرة الفيروس على التمدد عالمياً بسبب انتقاله عبر حامليه البشريين، حتى ولو لم تظهر عليهم علامات المرض بوضوح. وهو تمدد نتيجة حرية السفر والانتقال من بلد إلى آخر، وتلك بدورها إحدى سمات حالة العولمة التي تسيطر على حركة العالم بأسره؛ حيث تتشابك المجتمعات والاقتصادات على نحو يجعل مُصاب الصين هو مُصاباً للعالم كله.

انتشار الأوبئة عبر مجتمعات تبدو متباعدة جغرافياً ليس أمراً جديداً في التاريخ الإنساني. وتاريخ انتشار الأوبئة الكبرى، كالطاعون والحمى والجدري والجرب والسل والجذام والملاريا والحمى الصفراء، منذ أكثر من خمسمائة عام، يثبت أن الانتقال والاحتكاك المباشر بين مجموعات بشرية مختلفة يؤدي إلى حدوث وباء، أو عدوى سريعة الانتشار، تنتج عنها وفيات تصل إلى عدة ملايين، وتتسبب عنها هجرات عظيمة إلى مناطق أكثر أمناً.

وفي الكتاب القيم لمؤلفه شيلدون واتس، والمترجم من قبل المجلس القومي للترجمة بمصر عام 2010، بعنوان «الأوبئة والتاريخ… المرض والقوة والإمبريالية»، استعراض لحالات وباء خطيرة عديدة مرت بها مجتمعات قديمة وحديثة نسبياً، وكانت لها نتائج إنسانية واقتصادية وعلمية في غاية الأهمية. وقد رصد المؤلف أمرين جديرين بالانتباه؛ الأول أن انتشار الوباء حدث بسبب مخالطة البشر بعضهم ببعض، واختلاطهم مع أنواع من الحيوانات والقوارض التي تحمل فيروسات معدية، لم يكن يعرف عنها أهل هذا الزمان شيئاً. الأمر الثاني وهو الدور الذي لعبه أطباء عرب ومسلمون فيما يعرف بوضع النظرية العامة للعدوى والطب الوقائي، من خلال التجربة والملاحظة والتوصيف والمشاهدة، والأخبار المتواترة في توصيف أعراض الأمراض الوبائية، ووضع أطر المواجهة التي تتضمن الحجر الصحي والعزل للمصابين عن الأصحاء، وإجراءات للوقاية من المرض، مثل منع استقبال أفراد أو سفن أو تجارة من بلاد ينتشر فيها وباء ما، وهي أساليب توصل إليها الأطباء العرب، مثل أبو بكر الرازي وابن سينا والخطيب وأبو قاسم الزهري، من خلال المنهج التجريبي الذي تناقض تماماً مع المنهج الطبي الذي كان سائداً في أوروبا في العصور الوسطى، والذي يعرف بالمنهج الجالينوسي، وكان يعتمد على تفسير الأوبئة باعتبارها نتيجة هواء فاسد، أو حركة النجوم، أو الأبخرة العفنة «المياسما».

وكان من نتيجة انتشار المنهج التجريبي ذي الأصول العربية الإسلامية، أن طبقت مدن إيطالية كجنوا، 1499 و1501، إجراءات العزل الجماعي لمواجهة مرض الطاعون، وكذلك طبقت فلورنسا وميلانو في 1374 و1450 إجراءات العزل، ومنع استقبال سفن التجارة لحماية سكانها، والتخلص بالحرق من ملابس المرضى، ودفن الموتى منهم في أماكن بعيدة عن المناطق السكنية، ووضع قواعد وإجراءات وقاية للطواقم الطبية. كما طبقت أيضاً إجراءات العزل الجماعي للمناطق التي أصيبت بالطاعون.

ما حدث في التاريخ القديم يحدث أمام أعيننا الآن، ففي الصين كما في كوريا الجنوبية يتم عزل مدن بأكملها منعاً لانتشار العدوى إلى مناطق أخرى، كما يتم التخلص من متعلقات المرضى المتوفين، جنباً إلى جنب مع إجراءات الحجز الطبي المنزلي لمدد معينة أو مفتوحة، وفقاً للقدرة على تقييد الانتشار أو التوصل إلى علاج فعال للمرض. كما لجأت دول عديدة إلى تعليق السفر من وإلى الصين أو بلدان أخرى امتد إليها المرض، مثل وقف الرحلات بين الكويت وقم في إيران، وقرار الرياض تعليق سفر المقيمين إلى إيران.

مثل هذه الإجراءات مشروعة تماماً، ولها سند قوي في مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها، أياً كانت قسوة الإجراءات المتخذة، إلى أن يتوصل العلم إلى علاج المرض والسيطرة على تمدده. والواضح أن الأمر سوف يأخذ بعض الوقت، وقد يصل إلى ما يقرب من عام، فالتوصل إلى علاج فعال لفيروس وبائي يواجه البشرية يتطلب تجارب سريرية على مجموعات بشرية تختلف في العمر والجنس والمناطق الجغرافية المختلفة، وتلك بدورها تتطلب إمكانات علمية وتمويلات ضخمة، وتنسيقاً بين أكبر مراكز البحوث الطبية المتخصصة في الأمراض الوبائية المعدية، وحتى اللحظة لا توجد مؤشرات رئيسية تصب في هذا السياق، ما يجعل الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة قد لا تقل عن نصف عام.

تمدد فيروس «كورونا» سوف يصاحبه نتائج اقتصادية كبرى على مسار العولمة الراهن، فحركة السياحة العالمية مرشحة للانكماش بنسبة لن تقل عن 8 إلى 12 في المائة، ومرشحة للزيادة إذا طالت الأزمة أكثر من ستة أشهر. ويعود التأثير الهبوطي إلى احتمال خروج حركة السياحة والسفر الصينية إلى مقاصد السياحة العالمية المختلفة، والتي وصلت إلى 277 مليار دولار عام 2018 من إجمالي إنفاق عالمي 1.7 تريليون دولار، بنسبة 16 في المائة. وهي نسبة كبيرة بكل المقاييس، ناهيك عن انخفاض نسبة السياحة الداخلية الصينية إلى أكثر من 50 في المائة حتى اللحظة.

يمتد الأمر إلى الدور الذي تلعبه الصين في مجال استيراد النفط، والطلب العالمي مرشح للانخفاض، وبالتالي انخفاض الأسعار نتيجة قلة الطلب الصيني، وما يصاحبه من قلة الطلب العالمي الذي سوف يتأثر بانخفاض التصنيع المعتمد على قطع غيار مصنعة في الصين، وهكذا سوف تتأثر الاقتصادات المعتمدة على تصدير النفط، كما ستتأثر الاقتصادات المتداخلة بشدة مع الاقتصاد الصيني، صناعة أو تجارة، كالاقتصاد الروسي الذي بدأ يعاني بالفعل، في صورة انخفاض متوقع للنمو في حدود نصف إلى واحد في المائة.

ما يحدث في العلاقات الاقتصادية بين الصين وعدد من دول العالم، يدفع إلى مراجعة بعض السلوكيات والأفكار التي سادت في العقدين الماضيين، مثل أن الصين هي مصنع العالم الذي يمكنه أن يقدم منتجاً رخيصاً في كل الأوقات، يُعتمد عليه لخفض التكلفة في الصناعات المتوطنة في بلدانها الأم، وأيضاً مقولة إن الصين حلقة أساسية لا غنى عنها في حلقات التوريد العالمية للسلع وقطع الغيار. والتفكير الآن ينحو إلى ضرورة الاعتماد على أكثر من مصدر، وليس فقط المصدر الصيني. هذا الأمر من شأنه أن يؤثر على النمو الصيني، وأيضاً يدفع إلى عودة الصناعات الكبرى كالسيارات والإلكترونيات والهواتف النقالة إلى الاعتماد على نفسها أكثر في بلدانها الأم، ما سيؤثر سلباً على تمدد العولمة وتشابك الاقتصادات.

*نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط”، نشر بتاريخ ٢٥ فبراير ٢٠٢٠.

مقالات وتحليلات

الآثار البيئية والاقتصادية لأزمة كورونا على الصين

شهد العالم خلال الأسابيع الأخيرة انخفاضًا كبيرًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وبطبيعة الحال، فأي انخفاض من هذا النوع يُعتبر مؤشرًا إيجابيًّا في إبطاء آثار التغيرات المناخية. لكن هذا الانخفاض غير المتوقع كانت له أسباب أخرى تتعلق بتفشي وباء فيروس كورونا المستجد في الصين.

لم يتسبب الفيروس في إمراض الآلاف فقط، لكنه تسبب في أضرار اقتصادية عديدة ناتجة عن إغلاق المصانع والمصافي والرحلات الجوية في جميع أنحاء الصين. كما طلبت الحكومة الصينية من مواطنيها البقاء في منازلهم في العديد من المدن، وهو ما أدى في النهاية إلى تخفيض معدل الانبعاثات الكربونية في الصين، حتى وصلت إلى ما هو أقل من 25% من مثيلاتها في العام الماضي في أول 3 أسابيع من بداية انتشار الوباء. فخلال الفترة نفسها من عام 2019، أطلقت الصين حوالي 400 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون (MtCO2)، وهو ما يعني أن انتشار الفيروس ارتبط بانخفاض الانبعاثات العالمية بمقدار 100 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، أي 6٪ من الانبعاثات العالمية خلال الفترة نفسها.

وتُعتبر الصين إحدى أكثر الدول مساهمة في زيادة وتيرة التغيرات المناخية بسبب انبعاثاتها الضخمة، حتى إن مقدار الانخفاض في الأسابيع الثلاثة الأولى يكاد يكون مساويًا لما تُساهم به ولاية نيويورك الأمريكية في عام كامل من نفس الانبعاثات (حوالي 150 مليون طن متري). كما انخفضت مستويات تلوث الهواء بغاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 36٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. 

وهناك تأكيد آخر على انخفاض استخدام الوقود الأحفوري في قياسات الأقمار الصناعية لغاز ثاني أكسيد النيتروجين NO2، وهو أحد ملوثات الهواء التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحرق الوقود الأحفوري. ففي الأسبوع الذي تلا عطلة رأس السنة الصينية 2020، كان متوسط ​​المستويات قد تدنى بالفعل بنسبة 36٪ في الصين مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.

تضرر القطاع الصناعي بالصين

نتج عن الإجراءات الحكومية التي استهدفت السيطرة على انتشار المرض تباطؤ في عدة أنشطة صناعية واقتصادية، وهو ما أدى إلى توقف شاحنات الشحن، وتقلص عدد الرحلات بحوالي 13000 رحلة يوميًّا. كما انخفض النشاط في القطاعات الصناعية الرئيسية بنسبة 15 في المائة إلى 40 في المائة مقارنة بالعام السابق. وانخفضت مستويات الطلب على الكهرباء والإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوياتها خلال السنوات الفائتة بنسبة تتراوح بين 15% إلى 40% في القطاعات الصناعية الرئيسية، بما يشمل استخدام الفحم في محطات الطاقة وخطوط إنتاج الصلب الرئيسية. كما تقلصت أعداد رحلات السفر الداخلية إلى 70% عن مثيلتها من شهر. ومع انخفاض إنتاج صناعات الصلب الرئيسية بمقدار الربع، أصبح من المتعين على أفران الصهر أن تغلق، ما لم يرتدّ الطلب سريعًا. وذلك بالإضافة إلى تضاؤل القدرة على الاحتفاظ بالأسهم وتوقعات الطلب المتوترة.

وحتى على الصعيد العالمي، أشارت التحاليل الأولية التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة IEA ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، إلى أن تداعيات تفشي المرض قد تؤثر بنسبة تصل إلى نصف في المائة عن الطلب العالمي على النفط خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر من هذا العام. 

وفي المعتاد خلال عطلة رأس السنة الصينية الجديدة، تتوقف العديد من الأنشطة لمدة أسبوع، وذلك بسبب إغلاق المتاجر ومواقع البناء وإنهاء معظم الصناعات عملياتها. ويتولد عن هذه العطلة تأثير ملحوظ على المدى القصير في معدلات الطلب على الطاقة، وبالتالي الانبعاثات. إلا أن هذا التأثير ما يلبث أن ينتهي لتعود المعدلات لترتفع وصولًا إلى وضعها الطبيعي. لكن هذا العام، وبعد أزمة الكورونا، استمر الانخفاض ولم يصعد كما كانت العادة، ودون وجود علامة على حدوث انتعاش، حتى بعد الاستئناف الرسمي للعمل في 10 فبراير.

الآثار المتوقعة على الاقتصاد الصيني

على الرغم من أن التأثير قصير الأجل للأزمة الحالية كبير، فإنه لم يتأكد بعد حجم التأثير المباشر على المدى الطويل لإغلاق المصانع. فعلى سبيل المثال، من الناحية الإيجابية، فإن حسم 25٪ من استهلاك الطاقة وانبعاثاتها لمدة أسبوعين في هذه الفترة من شأنه أن يُقلل حجم الاستهلاك السنوي بحوالي واحد بالمائة فقط. وهو ما يعني أن الصين قادرة على اللحاق بالركب بسرعة بعد إيقاف التشغيل، إذا ما توفر الطلب. إلا أن هناك مؤشرات سلبية أخرى قد تصعب من عملية الرجوع بسرعة. إذ تشير المؤشرات الأولية إلى انخفاض مبيعات السيارات لشهر فبراير بنسبة 30٪ عن مستويات العام الماضي التي كانت منخفضة بالفعل.

وهناك بالفعل ضرر بالغ على القطاع الإنشائي، بسبب العمال المهاجرين الذين تأثروا بالقيود المفروضة على الحركة، وتدابير الحجر الصحي. ومع ذلك، تستمر الحكومات المحلية في الحفاظ على الضوابط على الحركة وتشديدها وتشجع الشركات على البقاء مغلقة، بسبب القلق من التسبب في تفشي الوباء بصورة أكبر. 

وإذا استمرت الأزمة لما هو أطول من ذلك، فستزيد احتمالات حدوث أزمات مالية للشركات والحكومات المحلية، بل والمواطنين أصحاب الديون العالية. إذ إن ضعف التدفق النقدي خلال فترة الإغلاق الممتد قد يؤدي إلى جعل بعض الديون غير قابلة للسداد. وتتفاقم تلك المشكلة بسبب الممارسة الواسعة النطاق التي تتخذها الشركات لتحمل ديون قصيرة الأجل لتمويل الإنفاق طويل الأجل. كما أن هناك احتمالات لانخفاض آخر للطلب على السلع الاستهلاكية، بسبب الأجور غير المدفوعة خلال الأزمة وتوقف الأعمال.

تحركات الحكومة الصينية لإنقاذ الاقتصاد ما بعد الأزمة

ويبدو أن القيادة الصينية أدركت المخاطر المادية بسبب أزمة الوباء، إذ بدأت حزمة من التدخلات الفورية. ومن أوائل تحركات الحكومة كان دعوة البنوك إلى تجديد القروض، ودعوة الحكومات المحلية إلى خفض الإيجارات والتكاليف الأخرى للشركات، وكذلك دعوة شركات السمسرة والتداول إلى منع أسعار الأسهم من الهبوط. وكان من المفترض تحديد هدف نمو إجمالي الناتج المحلي لعام 2020 رسميًّا في الدورة السنوية للبرلمان، والتي تعقد عادة في بداية شهر مارس، لكنها تأخرت بسبب ظروف الأزمة. وبات من الواضح أن اندلاع المرض قد يعوق جهود الصين المستمرة لتنمية اقتصادها ومحاولتها للمساهمة الإيجابية في مشكلة التغيرات المناخية.

وكانت الحكومة الصينية قد وضعت أهدافًا طموحة للنمو الاقتصادي هذا العام، وأصبح من المتعين عليها بعد انتهاء الأزمة السباق لتعويض ما فاتها، وهو ما قد يعني بالضرورة وضع سياسات جديدة لتحفيز الصناعات الملوثة مثل الصلب والإسمنت، وتخفيف الجهود المبذولة للابتعاد عن الفحم، وهي السياسات التي انتهجتها سابقًا المصانع الصينية، والتي تميل إلى زيادة الإنتاج لتعويض الإنتاج المفقود أو الإغلاق المؤقت، وهي سياسة تُعرف بمصطلح “التلوث الانتقامي” أي إنه من المتوقع أن تنتعش مستويات الانبعاثات الكربونية الضارة مرة أخرى، بل وبصورة أكبر خلال الفترة ما بعد احتواء تداعيات انتشار فيروس الكورونا. وقد لا يكون من أولويات القطاع الإنتاجي الصيني الالتزام بالمعايير البيئية مقارنة باسترجاع مقومات التنمية الاقتصادية، بهدف تقليل الضرر على المواطن الصيني بأقصى سرعة.

مقالات وتحليلات

السياسة النقدية المصرية في ظل أزمة فيروس كورونا المستجد

أعلنت لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي المصري بعد اجتماعيها الأخيرين، في 16 يناير و20 فبراير من العام الجاري، عن الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند مستوى 12.25% و13.25%، وكذلك الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 12.75%، وذلك في ظل اتجاه عالمي لخفض أسعار الفائدة تحفيزًا للاقتصاد المحلي، في ظل ما يتعرض له من ضغوط ناتجة عن انتشار فيروس كورونا، ومن قبله الحرب الأمريكية مع شركائها التجاريين وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوروبي، وكذلك ما يعتري العلاقات الأوروبية-البريطانية من اضطرابات بسبب انفصال الأخيرة عن الكُتلة الأوروبية، وما يُسببه تراكم هذه التأثيرات من عدم يقين يدفع المُستثمرين إلى الإحجام عن المُخاطرة بأموالهم، ما سيُسفر في النهاية عن تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

هذا المقال يحاول تفسير قرار البنك المركزي بالإبقاء على مُعدل الفائدة رغم غلبة الاتجاه العالمي إلى الخفض. 

أولًا- الاتجاه العالمي نحو خفض سعر الفائدة في ظل كورونا

بدأت البنوك المركزية العالمية في أواخر عام 2019 تنفيذ سلسلة من الخفض لأسعار الفائدة، لمواجهة عراقيل عدم اليقين التي تكبح جماح النمو. ففي يوليو 2019 قام الفيدرالي الأمريكي بأول خفض لمُعدلات الفائدة مُنذ عام 2016، وذلك بمقدار 25 نقطة أساس من 2.5% إلى 2.25%، تلاها ثلاثة تخفيضات، كان آخرها في 3 مارس الجاري، جاءت اثنتان منها بـ25 نُقطة أساس، وكانت الأخيرة بـ50 نقطة كاملة لينخفض المُعدل الإجمالي إلى 1.25%. كذلك فعل بنك الشعب الصيني الذي بدأ الخفض في أغسطس 2019، وهو أول تخفيض مُنذ أكتوبر 2015، وذلك بمقدار 10 نقاط أساس من 4.35% إلى 4.25%، تلاها أيضًا بثلاثة تخفيضات آخرها في 20 فبراير 2020، اثنتان منها كُلٌّ بخمس نقاط أساس والأخيرة بـ10 نقاط، ليبلغ المُعدل الحالي 4.05%. أما البنك المركزي الأوروبي فقد حافظ على مُعدل الفائدة عند 0% وذلك مُنذ مارس 2016، لكنه أعاد إطلاق برنامجه لشراء الأصول من جديد بعد إنهائه في ديسمبر 2018، فيما يُعد أداة أخرى من أدوات البنوك المركزية للتوسع في السوق بخلاف تخفيض سعر الفائدة يُطلق عليها “عمليات السوق المفتوحة”، والتي تهدف في الأساس إلى زيادة المعروض النقدي في الاقتصاد، بما يؤدي في النهاية إلى نفس مُستهدفات خفض سعر الفائدة. وأخيرًا فإن بنك إنجلترا أجرى أول خفض مُنذ أغسطس 2018 خلال مارس الجاري وذلك بمُعدل 50 نقطة أساس من 0.75% ليبلغ السعر الحالي 0.25%. ويوضح الشكل التالي التغيرات في أسعار الفائدة لدى البنوك الأربعة خلال 12 شهرًا.

وقد جاءت هذه التخفيضات مدفوعة بالعوامل السابق الإشارة إليها، كالحروب التجارية الأمريكية التي سببت انخفاض الطلب على المُنتجات الصناعية الصينية بسبب ارتفاع أسعارها في الولايات المُتحدة، عقب رفع التعريفات الجُمركية عليها، وما صاحب ذلك من انخفاض الناتج الصناعي وانخفاض مُعدلات التوظيف في الصين. يُضاف إلى ذلك تلويح الرئيس “ترامب” الدائم برفع التعريفات الجُمركية على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المُتحدة، خاصة تلك المُتعلقة بالمُنتجات الغذائية من الجبن والنبيذ والسيارات كاملة التصنيع وقطع غيارها، وأخيرًا تنفيذه هذا التهديد فعلًا فيما يخُص الطائرات المدنية، وذلك بفرض رسوم على الواردات الأوروبية منها بنسبة 10-15% في فبراير 2020.

في ظل هذه الظروف انتشر فيروس كورونا ليزيد من مُعاناة القطاع الصناعي الصيني، فيتسبب في إغلاق آلاف المصانع الصينية، ويقطع سلاسل التوريد في العالم، ويضرب بشدة قطاعات السفر والسياحة والنقل الدولي. وعلى إثر ذلك انهارت البورصات العالمية، حيث انخفض مؤشرا “داو جونز” الصناعي و”ناسداك” المُركب الأمريكيان بنحو 25.7% و19.7% على التوالي. وفي أوروبا انخفض “يوروستوكس” بنسبة 32%. كما انخفض مؤشر “نيكي” الياباني بنحو 26.2%، وذلك لمحاولة المُستثمرين التخلص من أسهمهم وتسييل أصولهم وتحويلها إلى الملاذات الآمنة، ما يوحي باتجاه لعزوف جماعي عن الاستثمار في العالم.

دفع ذلك عددًا من الوكالات الدولية لخفض توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي، حيث خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في 2020 من 3.3% إلى 2.9% مبدئيًّا مع استمرار فتح الباب لمزيد من الخفض في حالة تحول الفيروس للحالة الوبائية. كما خفضت وكالة “موديز” من توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى 2.5%. لذلك بدأت البنوك المركزية في التدخل بسياسات توسعية، مثل: خفض سعر الفائدة، وشراء الأصول لضخ مزيد من السيولة في السوق، وتشجيع المُستثمرين على الاقتراض لإعادة الحياة إلى الأعمال من جديد، ورفع مُستويات التوظف، وبالتالي دفع مُعدلات النمو. لكن على العكس من ذلك، وقف البنك المركزي المصري دون خفض مُعدلات الفائدة في اجتماعيه الأخيرين، وهو ما نحاول تفسيره.

ثانيًا- ظروف السوق المصرية وسياسة البنك المركزي:

تهدف السياسة النقدية التي يُنفذها البنك المركزي في العموم إلى تحقيق مستويات مُرتفعة للعمالة، والحفاظ على مستويات التضخم، ورفع مُعدلات النمو. ولذلك فإنه يجب أولًا النظر إلى المؤشرات الثلاثة السابقة لمعرفة كيف استجاب البنك المركزي لتغيراتها، وعلى ذلك نستعرض كُلًّا منها فيما يلي: 

1- مُعدلات النمو 

بلغ مُعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5.7% خلال الرُبع الرابع من العام 2018/2019 ليُحقق في كامل العام 5.6% وهو ذات المُعدل الذي حققه خلال النصف الأخير من عام 2019، لكن هذا النمو جاء مدعومًا بالاستهلاك النهائي الخاص الذي استمر في الارتفاع ليبلغ خلال الرُبع الثالث من العام 797.9 مليار جنيه، ويبدأ مُعدل الاستهلاك الحكومي في الانخفاض ليصل إلى 84.8 مليار جنيه بعدما كان قد بلغ 88 مليارًا في الرُبع الثاني. كذلك ارتفعت مُعدلات الاستثمار الخاص إلى 187.5 مليار بعدما كانت قد بلغت 165.8 مليار جنيه في الرُبع الثاني. وتُشير هذه الأرقام إلى أن مُعدلات الاستهلاك والاستثمار في القطاع الخاص بدأت تأخذ دورًا أكبر عما كانت عليه في الماضي لدفع نسب النمو، وبالتالي فإن السياسة النقدية تؤدي دورها بشكل جيد في دعم مُعدلات النمو، خاصة مع تراجع دور الاستهلاك الحكومي النهائي. ويوضح الشكل التالي تغيُّر مُحركات النمو بسعر عوامل التكلفة. 

2- مُعدل التضخم

ارتفع مُعدل التضخم في يناير 2020 للشهر الثالث على التوالي، فمُنذ أكتوبر بدأ مُعدل التضخم في الارتفاع من مستوى 3.1%، إلى 3.6% في نوفمبر، ثم في ديسمبر قفز ليبلغ 7.1%، وفي يناير بلغ 7.16%، ثم انخفض في فبراير إلى 5.31%. كما ارتفع مُعدل التضخم الأساسي بداية من نوفمبر عند مستوى 2.11% وذلك ليبلغ مُستوى 2.37% في ديسمبر و2.66% في يناير، ثم انخفض ليبلغ مُستوى 1.91% في فبراير، وهو ما يُشير إلى أن مستوى التضخم وقت اجتماع لجنة السياسة النقدية كان على ارتفاع، مما عزز الاتجاه للمُحافظة على مُعدلات الفائدة، لكنه انخفض عند نهاية فبراير، وهو ما قد يُحرك اللجنة مُستقبلًا إن استمر هذا الاتجاه إلى خفض سعر الفائدة، خاصة في ضوء ما يستهدفه من مُعدل تضخم عند مُستوى 9% (3± %). ويوضح الشكل التالي معدلات التضخم على أساس سنوي. 

4- مُعدل البطالة 

ارتفع مُعدل البطالة للرُبع الثالث على التوالي، حيث وصل خلال الرُبع الرابع في عام 2019 إلى 8% مُقابل 7.8% في الرُبع الثالث، و7.5% في الرُبع الثاني، وبالتالي تُعد هذه المُعدلات عودة لمُعدلات الرُبع الأول من العام عند مستوى 8.1%، لكن المستويات في العموم ما زالت أقل من تلك التي سُجلت خلال عام 2017/2018 عند مستوى 8.9%، وبالتالي تظل مُعدلات الفائدة في الوقت الحالي تؤدي وظيفتها في الحفاظ على مُعدلات التوظف رغم الارتفاع الطفيف في مستوياتها خلال الرُبعين الأخيرين. 

وبالتالي أدت السياسة النقدية وظائفها الثلاث الأساسية في الحفاظ على مُستويات النمو والتضخم والتشغيل، في ظل أوضاع اقتصادية مضطربة للغاية شهدها العالم، لكن انتشار كورونا المستجد يُهدد هذه الأوضاع التي بدأت توًا في الاستقرار بعد انتهاء برنامج الإصلاح الهيكلي المالي المصري، ذلك أن كورونا يُهدد بعضًا من أهم تدفقات النقد الأجنبي الأساسية لمصر، وهي:

1- إيرادات قناة السويس التي يحكمها أولًا حركة التجارة العالمية التي تضررت بسبب إغلاق المصانع من ناحية، والحجر الصحي من ناحية أخرى، فضلًا عن انخفاض أسعار النفط.

2- إيرادات السياحة التي من المُرجّح أن تنخفض بشدة جراء الخوف من العدوى وإغلاق مطارات العالم في وجه الأجانب، ومنع الانتقال المتوقع من الدول الأساسية المُصدِّرة للسياحة لمصر وهي ألمانيا وأوكرانيا وروسيا إذا ما انتشر الفيروس سواء في أي من هذه الجهات أو في مصر.

3- تحويلات المصريين العاملين بالخارج، حيث بدأت مؤشرات لضبط السفر إلى بعض دول الخليج، ولذا من المتوقع أن تشهد التحويلات انخفاضًا، بسب انخفاض النشاط الاقتصادي عمومًا بسبب الفيروس في بلدان الخليج العربي وأوروبا.

4- استثمارات الحافظة الأجنبية التي تعمل في مصر من خلال أدوات الدين الحكومية، سواء قصيرة أو متوسطة وطويلة الأمد، حيث انسحب جزء مُعتبر منها إلى الملاذات الآمنة بسبب ما تواجهه من اضطرابات سوق المال العالمية، وقبل انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار.

خلاصة القول، هذه العوامل قد تسبب انخفاضًا في تدفقات النقد الأجنبي إلى الداخل المصري مما يرفع الطلب على الدولار في مواجهة الجنيه المصري مما يُخفض من سعر الأخير، وهو ما سيُسفر عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية وبخاصة المُستورد منها، الذي يؤدي إلى ارتفاع مُعدلات التضخم، وتباطؤ الناتج المحلي الإجمالي المصري، مما سيستوجب على البنك المركزي التدخل ليس بتخفيض سعر الفائدة فقط بل باستخدام أدواته المالية جميعها من أجل تحقيق المُستهدفات الاقتصادية المصرية بشقيها المالي والنقدي. لذا نتوقع أن تتجه لجنة السياسة النقدية في اجتماعها القادم، في الثاني من أبريل، إلى الإقدام على خفض سعر الفائدة بمُعدلات ما بين 50 إلى 100 نقطة أساس إذا لم تحدث تغيُّرات جوهرية على ما سبق التعرض له من ظروف.

مقالات وتحليلات

انعكاسات “كورونا” على قضايا وأزمات الشرق الأوسط

ألقى خطر فيروس كورونا بظلاله على مسارات الأحداث الإقليمية والأزمات الجارية بالشرق الأوسط، فهناك تراجع لمعدلات المواجهات العسكرية والعمليات الأمنية، مقابل التركيز على الرقابة على القطاع الصحي والأمني؛ لضبط منافذ العبور على اختلافها، والرقابة على أسواق المنتجات والسلع الأساسية والطبية والتعقيمية المرتبطة بالتعامل مع الفيروس. ومن الجلي أن شدة وتداعيات “كورونا” ساهمت في تحول وتبدل مجريات أزمات الإقليم -بدرجات متفاوتة- ما يثير أهمية التساؤلات حول حجم ومسارات هذا التأثير على قضايا الشرق الأوسط، ويمكن تناول أبرز تلك التحولات والتأثيرات فيما يلي:

Image result for كورونا وايران

إيران.. إحتواء الداخل وتخفيف تأثير العقوبات الامريكية

 تصدرت طهران قائمة الدول الأكثر إصابةً بـ “كورونا”، فوفقًا لتصريحات “كيانوش جهانبور” المتحدث باسم وزارة الصحة في 16 مارس2020، واصلت معدلات الوفيات في الزيادة لتصل الى 853 متوفي، كما ارتفعت حالات الإصابة لتبلغ 14.991 مصاب، وهو ما جعل إيران في الوقت الحالي بؤرة انتشار إقليمي لـ “كورونا”. وظهرت منذ اللحظات الأولى اتجاهات توظيفية للفيروس لأغراض داخلية وخارجية، كموجات الاحتجاج السابقة واستياء قطاعات واسعة الانتخابات الأخيرة، كذلك الضغوط القصوى الأمريكية والعقوبات الاقتصادية وتصاعدت مؤشرات المواجهة -مباشرة أو غير مباشرة- مع واشنطن. وتصاعدت نماذج توظيف استراتيجية مواجهة “كورونا” بإيران لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، حيث إعلان حالة الطوارئ وتشكيل خلية لإدارة الازمة، ما منح النظام فُرصة لاحتواء الشارع الإيراني المشتعل منذ فترة، وإيجاد غطاء لخطط متابعة ورصد النشطاء، وكان على رأس تلك الأنشطة إطلاق تطبيق رسمي لمتابعة تحركات المواطنين لمتابعة الانتقالات وعمليات الاختلاط، كوسيلة لتتبع الحالات المصابة ومن تعاملوا معها قبل ظهور أعراض الفيروس عليهم، بالإضافة الى تعليق الدراسة وإلغاء أية تجمعات.

وفي سياق موازٍ، صعدت طهران من رسائلها ضد واشنطن، وحمّلت حملات الضغط القصوى مسؤولية تدهور القطاع الصحي ومحدودية قدراتها على مواجهة “كورونا”، وبدأت تلك الرسائل في حشد دعم دولي لصالحها، وتلقت إيران بالفعل معونات من دول أوروبية وآسيوية تضمنت معدات طبية ووقائية، بالإضافة الى دعم نقدي بملايين الدولارات لمساعدتها في مواجهة وتيرة انتشار الفيروس المتصاعدة بها.

رش مسجد الكوفة بمطهرات طبية للوقاية من انتشار فيروس كورونا (رويترز)

تحجيم حراك الشارع وتخطي أزمة تشكيل الحكومة العراقية

 أصبحت بغداد في وجه مأزق داخلي متشابك مع خروج الشارع ضد التدخلات الإيرانية وهيكل السلطات القائمة على المحاصصة والطائفية، وتصاعد مؤشرات دخولها كساحة مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران والمليشيات الموالية لها. ومع دخول فيروس “كورونا” كعامل ضغط على السلطات والدولة، ووفقًا للإحصائيات بلغ عدد مصابي الفيروس بها 124، و10 متوفين. وفي ظل جوارها لإيران التي تعد بؤرة انتشار للفيروس، بدأ العراق في مواجهة الوباء الى جانب داخله المشتعل، فشكل خلية للأزمة برئاسة رئيس الوزراء المستقيل “عادل عبد المهدي”، وأعلن تعليق الرحلات الجوية وفرض حظر للتجول، وهي إجراءات تزامنت مع منح المحافظين سلطات واسعة لإتخاذ القرارات الملائمة لمواجهة خطر الفيروس.

وبذلك فقد منح “كورونا” والأوضاع الاستثنائية الحالية فُرصة للسلطات العراقية مساحة لإعادة ترتيب أوراقها في الملفات العالقة، والعمل بعيدًا عن ضغوط الحراك، ووصول القوى السياسية لصيغة توافقية لتشكيل الحكومة وشخص رئيس الوزراء، وهو ما حدث بالفعل مع تكليف الرئيس العراقي “برهم صالح” لـ “عدنان الزرفي” بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، فضلًا عن كسب مزيد من الدعم مع توالي الضربات الامريكية لمواقع الجيش العراقي وتصوير المشهد كاعتداء على السيادة العراقية، الأمر الذي يتطلب لتكاتف الدولة والشعب للتركيز على مواجهته.

Image result for كورونا وليبيا

سباق لحفظ تماسك الجبهات بين الشرق والغرب الليبي

 سعت أطراف الصراع الليبي لتوظيف فيرس “كورونا” لإظهار فاعلية سلطتها وقدرتها على بناء نموذج للسلطة بإمكانه احتواء التهديدات المحيطة بالمجتمع الليبي، ورغم تعدد الإجراءات شرقًا وغربًا لمواجهة تأثيرات وخطر انتقال فيروس “كورونا” الى ليبيا، إلا أن توظيف الأزمة كان السمة السائدة لتلك الإجراءات. وحرص المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق على اعتماد الترتيبات المالية للعام 2020 -أكثر من 35 مليار دينار- ودفع مرتبات شهري يناير وفبراير، وهو الملف الذي أثار تحفظ محافظ المصرف المركزي “الصديق الكبير” على مخصصات تلك الترتيبات وتعطيلها لثلاثة أشهر. فيما حرصت الحكومة الليبية المؤقتة برئاسة “عبد الله الثني” على اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لمواجهة الوباء، وهو ما شهد جهودًا وتكليفات مباشرة من القوات المسلحة التي وجهت بتوفير المستلزمات الطبية وتوفير مستشفيات بمناطق سيطرتها لمواجهة الفيروس؛ بهدف إظهار نموذج رشيد في إدارة الازمة في الشرق الليبي.

ورغم تأثير كورونا بشكل مباشر على العمليات العسكرية والمجهود الحربي للطرفين، إلا أن المناوشات والضربات المتتالية لتجمعات المليشيات والطائرات المسيرة التركية لم يتوقف، وإن انخفضت وتيرة المواجهات بشكل عام، كذلك فإن تحشيد القوات لمحاور القتال بمحيط طرابلس لم يتأثر، وخصوصًا مع تحرك كتيبة طارق بن زياد المُقاتلة لدعم جبهات القتال، إلا أن تصريحات اللواء “أحمد المسماري” المتحدث باسم الجيش الوطني عن “الاستعداد لوقف إطلاق النار في طرابلس بشرط خروج القوات التركية من ليبيا” هو مؤشر على أن خطر الفيروس وإجراءات مواجهته تمس سير القتال، وأن كل طرف يحرص على ألا يكون “كورونا” حليفًا للطرف الآخر ضده. 

Image result for كورونا وسوريا

إعادة ترسيخ قواعد سيطرة الدولة السورية

بتطبيق الاتفاق الأمني الجديد بين روسيا وتركيا في أعقاب تقدمات الجيش السوري بمناطق الشمال الغربي، نجحت دمشق في السيطرة على الطرق الرابطة بين محافظات الشمال والغرب، وبذلك تقدمت مرحليًا وحسنت من وضعها الميداني في مواجهة التنظيمات المسلحة والإرهابية المدعومة من أنقرة. ويأتي فيروس “كورونا” كمدخل جديد لتأكيد دور الحكومة والنظام السوري في إدارة وتنسيق هيكل سلطاتها بالمحافظات السورية؛ وخصوصًا مع تراجع قدرات الفواعل الداخليين في مواجهة تلك الأوبئة الخطيرة، ورغبة موسكو في دعم النظام السوري بما يخدم نفاذيته وإحكام سيطرته على المناطق السورية المنكوبة من القتال الدائر منذ 2011.

وعلى صعيد العمليات العسكرية، فإن الدوريات الروسية التركية يتم تسييرها بشكل مستمر، ولكن تتوالى عمليات إطلاق القذائف ضد الجيش، وعمليات استهداف مناطق سيطرته بالمفخخات، وهو ما أكدته الخارجية الروسية أن الإرهابيين في إدلب أعادوا تسلحهم، ويقومون بشن هجمات ضد الجيش السوري، ومما سبق فإن “كورونا” في سوريا يُمكّن النظام من إعادة تنظيم إدارته للشأن الداخلي، وترسيخ قواعد سيطرته في إدلب، ولكن تسعى التنظيمات الإرهابية إلى إعادة التمدد في ذات التوقيت لتوظيف أوضاع مواجهة الفيروس الاستثنائية لصالحها، لاسيما بعد ما مُنيت به من تراجعات أمام تقدمات الجيش مؤخرًا.

Image result for الازمة الانسانية في اليمن

خطر “كورونا” يعزز احتمالات تعقُد الأزمة اليمنية

تتزايد احتمالات تفاقم الوضع الإنساني باليمن مع دخول احتمالات انتقال فيروس “كورونا” كعامل مُعقد للأزمة؛ إذ يعاني قُرابة 22مليون -من أصل 30مليون يمني- من عدم توافر الغذاء والرعاية الصحية والمستلزمات الطبية، كما تتزايد معدلات انتشار الأوبئة المتوطنة كالكوليرا وإنفلوانزا الخنازير، ولذلك فإن الحالة الإنسانية باليمن متدهورة بالفعل، ولا تحتمل دخول تهديد صحي جديد على خط الأزمة. ومع ارتفاع درجة تهديد “كورونا” حول العالم، اتجهت الأطراف المتحاربة الى تبني إجراءات احترازية لتأمين مناطق سيطرتها من انتشاره فيها، فنرى قرارات بتعليق الرحلات الجوية وإغلاق المنافذ البرية، كذا تعزيز إجراءات الرقابة في الموانئ البحرية، وتعليق الدراسة في المؤسسات التعليمية والخاصة، وتخصيص موازنات طارئة لمواجهة الفيروس. ولكن استمرار الأعمال العسكرية والغارات وحرب الألغام يؤكد أن اليمن ماضٍ في مسار التأزيم وإنهاك المجتمع الداخلي بشكل متزايد، وهو ما لايدع مجالًا للشك في أنه رغم محاولات المجتمع الدولي والإقليمي لدعم اليمن لمواجهة “كورونا”، فإن حالة السيولة الأمنية والسياسية والأنشطة المليشياوية تعزز من احتمالات هشاشة أية برامج لمواجهة الفيروس، وتصعد من احتمالات أن يقع اليمن فريسةً لـ “كورونا” إذا ما انتقل اليها.

والخلاصة، إن فيروس “كورونا” كان شديد التأثير على العديد من قضايا وأزمات الشرق الأوسط، ورغم كون إيران بؤرة إقليمية لإنتشاره، وكونها الثالثة عالميًا من حيث الإصابة به، إلا أن الدول التي تعاني هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية وتعقد الصراعات كسوريا وليبيا واليمن لم تسجل أي حالات إصابة مؤكدة بالفيروس. وتظل فرص انتقال “كورونا” إلى الدول الأخيرة قائمة لعدة اعتبارات، ولكن المؤكد أن تأثيرات انتشار الفيروس دوليًا على هذه الدول لايمكن مقارنتها بتلك التأثيرات التي ستنجم عن دخولها نادي الدول المصابة به، وهو ما يتطلب إعادة توجيه برامج إغاثية ووقائية لتلك الدول؛ كي لا تصبح مستقبلًا بؤرًا للإصابة ونشر الفيروس إقليميًا، وهي بحالتها الراهنة بيئة خصبة لانتشاره بل وتطوره الى نسخة جديدة أشد فتكًا.