كورونا

مقالات وتحليلات

خلافًا للتوقّعات: كيف تحسّنت حركة الملاحة في قناة السويس رغم تداعيات جائحة كورونا؟

يُعتبر النقل البحري أهم سبل انتقال السلع والبضائع بين الدول وبعضها بعضًا، حيث يتم نقل أكثر من 90% من التجارة العالمية عبر البحار والمحيطات، وفقًا للغرفة الدولية للشحن البحري، كما أنه يمثل حلقة أساسية في سلاسل التوريد العالمية لعدد لا حصر له من السلع والمنتجات. 

وشهد قطاع الشحن البحري اضطرابًا قويًّا منذ عام 2018 مع اندلاع شرارة الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم (الولايات المتحدة، والصين)، وتضاعفت هذه الاضطرابات بضغطٍ من انتشار وباء كورونا بحلول بداية العام الجاري، الذي وجه ضربة قوية للتجارة العالمية بشكل عام والنقل البحري بشكل خاص في ظل إغلاق أجزاء رئيسية من الاقتصاد العالمي.

وبالتطبيق على قناة السويس، باعتبارها أحد المعابر البحرية الهامة في العالم؛ نجد أنه لم تظهر أي تأثيرات سلبية على أداء القناة حتى نهاية النصف الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019، بل على العكس من ذلك، أظهرت جميع المؤشرات (أعداد السفن العابرة – الحمولة العابرة للقناة – الإيرادات) تحسنًا في نشاطها.

ويتناول هذا المقال التحليلي، تأثير وباء كورونا على حركة التجارة البحرية منذ بداية العام بالتطبيق على أداء قناة السويس خلال هذه الفترة مع عرض تطور نشاطها خلال السنوات العشر السابقة.

تأثير جائحة كورونا على حركة التجارة البحرية

ظهر فيروس كورونا منذ ديسمبر 2019 في مدينة “ووهان” الصينية لينتشر بعد ذلك إلى جميع دول العالم تقريبًا، مما أدى إلى إغلاق عدد كبير من المصانع والمحال التجارية، وفرض حالة من الإغلاق العام للحد من انتشار الوباء، وهو ما أسفر عن تراجع الإنتاج الصناعي، وبناءً عليه انخفاض حركة التجارة العالمية. وكشفت بيانات منظمة التجارة الدولية تسجيل مؤشر التجارة السلعية العالمي أدنى مستوى على الإطلاق عند 84.5 نقطة بانخفاض قدره 18.6 نقطة.

كما توقعت المنظمة انخفاض حركة التجارة حول العالم بما يتراوح بين 13% وحتى 32% خلال 2020 بسبب وباء كورونا، بما يتجاوز الركود الناجم عن الأزمة المالية العالمية عام 2008، مؤكدة على انتشار حالة من عدم اليقين حيال التأثير الاقتصادي للأزمة الصحية غير المسبوقة، وبطبيعة الحال تأثر قطاع النقل البحري والشحن والتفريغ بسبب توقف حركة التجارة العالمية وتقليص عدد الرحلات لبعض الموانئ، فضلًا عن إلغاء العديد من الصفقات التجارية بين الدول وبعضها بعضًا، بالإضافة إلى اتخاذ بعض الدول قرارًا بحظر تصدير عدد معين من السلع الاستراتيجية. ويُعتبر تراجع الإنتاج الصناعي العالمي مؤشرًا على انخفاض الطلب على خدمات النقل البحري، بسبب قلة حجم البضائع التي يتم نقلها بحرًا، وهو ما يتضح على النحو الآتي:

الشكل رقم (1): نمو الإنتاج الصناعي العالمي بحسب المنطقة

 Source: Statista, Global industrial production growth between April 2019 and April 2020, by region.

يتبين من الرسم السابق أن الإنتاج الصناعي سجل تراجعًا ملحوظًا في الفترة بين أبريل 2019 وحتى أبريل 2020؛ إذ انكمش الإنتاج الصناعي العالمي، باستثناء الولايات المتحدة، بنسبة 8.95% خلال أبريل الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ويقارن هذا بانكماش بنسبة 8.5٪ على أساس سنوي في الاقتصادات المتقدمة (باستثناء الولايات المتحدة) خلال الفترة نفسها.

ثانيًا- أداء قناة السويس خلال جائحة كورونا

تعتبر قناة السويس أحد أهم ممرات النقل البحري بين أوروبا وآسيا، وواحدة من أهم مصادر العملة الأجنبية للحكومة المصرية، وعلاوة على ذلك فإنها توظف 14 ألف عامل مصري، وتوفر العديد من الوظائف بشكل غير مباشر في عدد من القطاعات الأخرى، وحظيت القناة بإشادة دولية من منظمة “BIMCO” -التي تُعد أكبر تجمع دولي للنقل البحري في العالم- بشأن أداء قناة السويس المتميز رغم تداعيات فيروس كورونا المستجد، ويُمكن الاستدلال على قوة نشاط قناة السويس من المؤشرات الآتية

1- أعداد السفن العابرة بالقناة

شهدت أعداد السفن المارَّة بقناة السويس زيادة تبلغ نسبتها 10.28% بداية من العام المالي 2009-2010 وحتى 2019-2020، حيث ارتفعت من 17.5 ألف سفينة إلى 19.3 ألف سفينة. انظر الشكل (2)

الشكل (2): أعداد السفن العابرة في القناة سنويًّا (ألف سفينة)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020 & الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة خلال العام المالي 2019-2020.

يتضح من الشكل السابق ارتفاع أعداد السفن إلى أعلى مستوياتها خلال العام المالي السابق عند 19.3 ألف سفينة بارتفاع سنوي يبلغ 4.4%، وذلك بدعم من نجاح سياسات إدارة القناة على مدار السنوات القليلة الماضية. وعن أداء القناة خلال أزمة كورونا، يُمكن توضيحه من خلال الشكلين التاليين:

الشكل رقم (3): أعداد السفن شهريًّا (2019-2020)

المصدر: الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة شهريًّا.

الشكل رقم (4): أعداد السفن النصف سنوية (2019-2020)

المصدر: الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة النصف السنوي.

يتبين من الشكل (3) أن أعداد السفن شهدت ارتفاعًا بداية من يناير 2020 وحتى يونيو 2020 مقارنة بالفترة نفسها من 2019. أما فيما يتعلق بعام 2020، فسنجد أن أعداد السفن تراجعت بنحو 14.7% منذ أبريل 2020 عند 1731 سفينة وحتى يونيو 2020 عند 1476 سفينة. في حين يتضح من الشكل (4) أن الأداء النصف السنوي للقناة ككل شهد تحسنًا مقارنة بعام 2019؛ إذ ارتفع عدد السفن العابرة للقناة خلال الفترة (يناير- يونيو 2020) بنحو 4.7% من 9114 سفينة إلى 9545 سفينة.

2- حمولات السفن العابرة في القناة

ارتفعت الحمولات العابرة للقناة خلال النصف الأول من 2020 بحوالي 0.6% أو 3.5 ملايين طن إلى 587.6 مليون طن مقابل 584.1 مليون طن خلال أول ستة أشهر من 2019، مما يدلل على عدم تأثير فيروس كورونا بشكل بالغ على هذا المؤشر. وعلى الأداء السنوي، يُمكن النظر للشكل التالي:

الشكل رقم (5): حمولة السفن العابرة سنويًّا (مليون طن)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020 & الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة خلال العام المالي 2019-2020.

من الشكل السابق، يُمكن القول إن حمولة السفن العابرة للقناة قفزت بنسبة 53.6% منذ 2009-2010 إلى العام المالي 2019-2020، مسجلة أعلى مستوياتها خلال الأخير عند 1.21 مليار طن.

3- رسوم المرور من قناة السويس

ارتفعت إيرادات قناة السويس خلال الفترة محل الدراسة بنحو 26.5% من 4.52 مليارات دولار خلال 2009-2010 إلى 5.72 مليارات دولار في 2019-2020. انظر الشكل (6).

الشكل (6): رسوم المرور من قناة السويس سنويًّا (مليار دولار)

 المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020 & الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة خلال العام المالي 2019-2020.

يتبين من الشكل السابق أن رسوم المرور من قناة السويس تراجعت بنحو طفيف 0.17% على أساس سنوي، ويرجع ذلك إلى انخفاض حركة التجارة العالمية بنسبة 18.5% خلال الربع الثاني لعام 2020 (الربع الرابع للعام المالي 2019-2020) بضغطٍ من تداعيات أزمة كورونا على سوق النقل البحري بشكل عام وبعض فئات السفن بشكل خاص، أبرزها فئة سفن الركاب وحاملات السيارات.

وعن الأداء الشهري لإيرادات القناة خلال 2020، فقد تبين أن رسوم المرور تراجعت بحوالي 18% من 497.1 مليون دولار في يناير 2020 إلى 406.7 ملايين دولار بحلول يونيو 2020. أما عن النشاط نصف السنوي فيُمكن توضيحه كما يلي:

الشكل رقم (7): رسوم المرور من قناة السويس النصف سنوية (مليار دولار)

المصدر: الهيئة العامة لقناة السويس، بيان عن أداء القناة نصف السنوي.

ورغم انخفاض رسوم المرور على أساس شهري خلال العام الجاري؛ إلا أنها قد ازدادت خلال النصف الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق بنحو 3.7% على أساس سنوي.

وفي الختام، يُمكن تأكيد أن أداء قناة السويس جاء أفضل من التوقعات التي أشارت إلى تراجع عدد السفن العابرة بالقناة والإيرادات، وذلك رغم تراجع هذه المؤشرات خلال بعض الشهور بسبب تراجع التجارة العالمية، وأيضًا بسبب انخفاض أسعار النفط الذي ساهم في اتجاه السفن للعبور من خلال رأس الرجاء الصالح بدلًا من قناة السويس تجنبًا لرسوم العبور المفروضة.

مقالات وتحليلات

غياب البيانات يثير التساؤلات حول اللقاح الروسي

أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، في الحادي عشر من شهر أغسطس الجاري، عن بدء بلاده في إنتاج أول لقاح مُسجل رسميًّا في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، والذي أُطلق عليه اسم “سبوتنيك 5″، بالرغم من عدم إنهاء اللقاح لكافة مراحل الاختبارات السريرية اللازمة للتأكد من سلامته على المرضى وفعاليته في الوقاية من الفيروس. ووفقًا للتصريحات الرسمية، ستتم عملية إنتاج اللقاح بالتوازي مع إجراء المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية للقاح، والتي ستُجرَى بالتعاون مع عدد من الدول، منها السعودية والإمارات والبرازيل والهند، وبمشاركة 2000 متطوع خلال شهر سبتمبر المقبل. لكن مع استمرار غياب البيانات ونتائج الدراسات التي أُجريت على هذا اللقاح، ازدادت مخاوف العلماء حول ما قد يسببه اللقاح من آثار جانبية على صحة المرضى، قد تفوق بمراحل التأثيرات التي من الممكن أن يُسببها الفيروس، والتي قد تصل في بعض الأحيان للوفاة.

اللقاحات ومراحل تطويرها

اللقاح هو مستحضر بيولوجي يقوي مناعة جسم الإنسان لحمايته من الإصابة بالأمراض التي تُسببها الميكروبات (الفيروسات أو البكتيريا)؛ حيث يتكون اللقاح من الميكروب المُسبب للمرض ولكن في أشكال مختلفة يتم تحضيرها معمليًّا، فمن الممكن أن يحتوي اللقاح على الميكروب ميتًا، أو ضعيفًا، أو على أجزاء معينة منه فقط. ويعمل اللقاح على تحفيز جهاز المناعة في الجسم لإنتاج أجسام مضادة ضد هذا الميكروب الميت أو الضعيف. وتظل تلك الأجسام المضادة في الجسم لفترات طويلة لمنع الإصابة بهذا الميكروب مرة أخرى في المستقبل.

وتُعتبر عملية تطوير وإنتاج اللقاحات دقيقه ومعقدة للغاية، فيجب أن يمر اللقاح بعدد من المراحل قبل أن يتم اعتماده رسميًّا وبدء إنتاجه؛ فبعد أن يتم التأكد من فعالية اللقاح مختبريًّا يتم تجربته على حيوانات التجارب، ويطلق على هذه المراحل الاختبارات ما قبل السريرية للقاح. ومن ثم، يتم اختبار اللقاح سريريًّا على البشر، وهي الخطوة التي تستغرق سنوات عدة قبل إتمامها بالكامل، فأسرع مدة تم خلالها إنتاج لقاح بلغت أربع سنوات، فيما تستغرق عمليه إنتاج معظم اللقاحات عادة من عشرة إلى خمسة عشر عامًا.

تقسم اللقاحات إلى عدة أنواع، منها:

1- اللقاحات الحية المضعّفة: يُحضر هذا النوع من اللقاحات باستخدام بكتيريا أو فيروسات كاملة تم إضعافها لتخلق استجابةً مناعيةً وقائيةً تستمر لمدة طويلة.

2- اللقاحات غير الحية: تحتوي هذه اللقاحات على عينات ميتة من الميكروب المُسبب للمرض؛ لذا فهي لا توفر مناعة قوية كاللقاحات الحية المضعّفة، بل وتحتاج أيضًا إلى عدة جرعات تنشيطية من اللقاح مع مرور الوقت للحصول على مناعة مستمرة ضد الأمراض.

3- اللقاحات القائمة على الأحماض النووية: يتم تصنيع هذه اللقاحات باستخدام جزء صغير من الحمض النووي للفيروس أو البكتيريا (RNA أو (DNA، ويتم حقنها بالجسم حتى يتمكن الجهاز المناعي من التعرف عليها وتوليد استجابة مناعية ضدها.

4- اللقاحات القائمة على النواقل الفيروسية: الناقل الفيروسي هو فيروس نُزع منه جين التكاثر؛ أي لا يُمثل خطرًا على الجسم من ناحية العدوى، ويتم استخدامه كناقل في إيصال أجزاء معينة من الميكروب (مثل: البروتينات الموجودة على سطح الفيروس أو الحمض النووي الموجود داخل الفيروس أو البكتيريا) إلى الخلية في جسم الإنسان؛ حتى تُكوّن الخلايا استجابة مناعية تستهدف هذه الأجزاء الرئيسية من الميكروب.

التاريخ الروسي في إنتاج اللقاحات

تمتلك روسيا تاريخًا ثريًّا من الإنجازات في مجال تطوير وتصنيع الأمصال واللقاحات، فالاتحاد السوفيتي كان شريكًا رئيسيًا في الجهود الدولية لإنتاج أول لقاح فموي (يُعطَى عن طريق الفم) ضد مرض شلل الأطفال خلال فترة الخمسينيات. كذلك استطاع العلماء الروس خلال الفترة نفسها ابتكار تقنية جديدة في صناعة المستحضرات الدوائية -يتم استعمالها حتى يومنا هذا- تسمى تقنية التجفيد (Freeze-drying Technique)، وهي تقنية يتم استخدامها خلال عملية التصنيع لتحويل المستحضر من سائل إلى حبيبات جافة (بودرة)؛ من أجل ضمان ثبات المادة الفعالة داخل اللقاح في درجات الحرارة العالية خلال نقلها إلى الدول الأخرى. كما تبرع الاتحاد السوفيتي، خلال فترات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بكميات ضخمة من لقاح الجدري لمنظمة الصحة العالمية في حملتها للقضاء على مرض الجدري.

لكن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأ الاقتصاد الروسي في الانهيار، وتبع ذلك هجرة أغلب العلماء الروس إلى دول أخرى في أوروبا والولايات المتحدة، وتخلّت روسيا عن صدارتها في مجال الفيروسات وإنتاج اللقاحات. وحاولت روسيا إصلاح ذلك عبر زيادة استثماراتها في مجالات الأبحاث الدوائية، وتبنت استراتيجية “فارما 2020” التي هدفت بشكل رئيسي لتوطين صناعات الأدوية واللقاحات في روسيا، ولكن لا تزال منتجاتها الدوائية غير قادرة على استيفاء المعايير والمتطلبات العالمية. كما أن أغلب اللقاحات التي تم الإعلان عن اكتشافها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لم يتم إنتاجها بالفعل. على سبيل المثال، لقاح فيروس الإيدز الذي تم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من الاختبارات السريرية له في عام 2014، لكن لم يتم البدء في إنتاجه أو إتاحة أي معلومات عنه حتى يومنا هذا. وكذلك هو الحال مع لقاحين لفيروس الإيبولا، اللذين أعلن عنهما الرئيس الروسي لأول مرة في عام 2016، ثم مرة أخرى في عام 2018، ولكنهما ما زالا قيد التطوير.

الجهود الروسية في إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا

تأثرت روسيا بشدة من وباء كورونا المستجد، فهي تحتل المركز الرابع عالميًّا من حيث عدد الإصابات الذي يقترب من مليون حالة إصابة بالفيروس حتى وقت كتابة هذا المقال. فيما بلغ إجمالي عدد الوفيات حوالي 17 ألف حالة. وبالرغم من إعلان الحكومة الروسية عن وجود سبعة وأربعين لقاحًا مختلفًا يتم تطويرها حاليًّا من قبل مراكز الأبحاث وشركات المستحضرات الدوائية في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، ألا أن لقاحين فقط هما الأقرب لإتمام كافة مراحل التطوير. اللقاح الأول الذي تم الإعلان عن تسجيله رسميًّا من قبل وزارة الصحة الروسية ضد فيروس كورونا المستجد، هو لقاح “سبوتنيك 5” الذي يتم تطويره داخل مركز أبحاث غماليا الروسي. أما اللقاح الآخر فيتم تطويره حاليًّا من قبل مركز فيكتور للأبحاث العلمية. ويتصدر الآن “سبوتنيك 5” سباق تطوير اللقاحات في روسيا، بعد أن كان مركز فيكتور البحثي في الصدارة لعدة أشهر؛ نظرًا لاحتكاره التسلسل الجيني لفيروس كورونا المستجد. الصراع الذي واجهته وزارة الصحة الروسية بحجب بيانات المرضى عن مركز فيكتور اضطر المركز في نهاية الأمر إلى إتاحة التسلسل الجيني لكافة مراكز الأبحاث الأخرى.

ووفقًا للموقع الإلكتروني الذي دشنته الحكومة الروسية من أجل الترويج للقاح “سبوتنيك 5″، فإن اللقاح يعتمد على تقنية النواقل الفيروسية؛ حيث يتم استخدام ناقلين فيروسين تم تحضيرهما من نوعين مختلفين من الفيروسات الغدية (adenoviruses)، والتي تسبب الزكام العادي للإنسان، لإيصال الجين الخاص بفيروس كورونا إلى داخل الخلية حتى تكون أجسامًا مضادة ضد الفيروس، ويتم التلقيح على جرعتين يفصل بينهما ٢١ يومًا لتأمين مناعة طويلة الأمد ضد الفيروس.

ويوضح الموقع الإلكتروني أيضًا أن ما سرّع عملية تطوير اللقاح هو أن التقنية المستعملة في تصنيع هذا اللقاح هي نفسها التي تم استخدامها خلال تطوير لقاحات فيروسي الإيبولا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. ولكن بالرغم من ذلك أثار الإعلان عن الإنتاج المبكر للقاح تساؤلات العديد من العلماء حول العالم. التساؤل الأول كان السبب وراءه هو التعتيم الكامل لتفاصيل نتائج التجارب التي أجراها مركز غماليا الروسي خلال المرحلتين الأولى والثانية من الاختبارات السريرية، والتي أجريت على ٧٦ متطوعًا، ولم يتم توفير تلك النتائج حتى لمنظمة الصحة العالمية، والتي لا تزال تُدرج اللقاح في المرحلة الأولى من التجارب الإكلينيكية. أما التساؤل الثاني فتمحور حول التسرع الروسي في تسجيل وإنتاج اللقاح رسميًّا قبل البدء في المرحلة الثالثة والنهائية من الاختبارات السريرية، واللازم إجراؤها لإثبات ما إذا كان اللقاح التجريبي آمنًا ويعمل حقًا، وتُجرَى عادة على عدد كبير من الأفراد يقدر بالآلاف. فوفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، يوجد بالفعل ستة لقاحات في هذه المرحلة الثالثة، ولم تعلن أي من الشركات المطورة لها عن أي خطط لتسجيل أو إنتاج تلك اللقاحات. وأخيرًا، التساؤل حول الحملة الإعلامية الضخمة التي تقوم بها الحكومة الروسية للترويج لهذا اللقاح بسبع لغات، وصدور بعض التصريحات الجدلية التي تُفيد بأن ابنة الرئيس الروسي كانت من أوائل من تم اختبار هذا اللقاح عليهم.

لقد أثّرت هذه التساؤلات بالطبع على انطباعات المواطنين في روسيا حول اللقاح، فوفقًا لأحد استطلاعات الرأي التي أُجريت في منتصف شهر يونيو 2020 من قبل المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، فإن أقل من ١٦٪ من المواطنين الروس يخططون لأخذ لقاح ضد فيروس كورونا فور إتاحة اللقاح؛ فيما سينتظر ٧٪ من المواطنين مرور بضعة أشهر قبل أخذ اللقاح؛ وحوالي ١١٪ سيقررون أخذ اللقاح من عدمه بحلول العام المقبل؛ و٤٪ سينتظرون توفر لقاحات أجنبية ضد الفيروس؛ أما الغالبية العظمى التي تُقدر بـ٣٨٪ من المواطنين الروس فاختاروا عدم أخذ لقاح ضد فيروس كورونا المستجد على الإطلاق.

مصادر:

https://www.thinkglobalhealth.org/article/vaccine-dreams-and-russian-reality

https://www.elisagenie.com/covid19-vaccine-candidates

https://sputnikvaccine.com/ara/about-vaccine/human-adenoviral-vaccines/

https://www.who.int/publications/m/item/draft-landscape-of-covid-19-candidate-vaccines

مقالات وتحليلات

النقل العام خطر وبائي لكن ليس خارجًا عن السيطرة

حينما انتشرت جائحة كورونا في العديد من دول العالم خلال الربع الأول من 2020، بادرت الحكومة المصرية باتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية، من أجل حماية الشعب المصري من خطر الإصابة بعدوى الفيروس؛ فعلقت حركة الطيران الدولي من وإلى البلاد، وأوقفت خدمات المؤسسات الحكومية، كما عطلت الدراسة ونشاطات الأندية والمقاهي والمطاعم، وهو ما حدّ بدوره من التجمعات والكثافات البشرية، ليسهم ذلك في حماية البلاد من كارثة وبائية عانت ولا تزال تعاني منها دول عديدة في قارتي أوروبا وأمريكا. 

لكن الإجراءات الوقائية كان لها تأثير سلبي على الاقتصاد الوطني، فقد أوضح صندوق النقد الدولي في أحد تقاريره الصادرة في إبريل 2020، احتمالية معاودة ارتفاع معدلات التضخم للاقتصاد المصري، حيث رجح التقرير أن تصل تلك المعدلات إلى 7.2% خلال العام الجاري وبزيادة قدرها 2.3% عن معدلات 2019. كما توقع الصندوق تراجع الاحتياطيات النقدية للبلاد بنسبة 20% لتصل إلى أقل من 36 مليار دولار، فيما أعلن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار EBRD عن توقعاته بتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي المصري، ليصل إلى 0.5%، وذلك بعد أن كان المستهدف الوصول به إلى 5.6%. 

الحكومة المصرية -من جانبها- لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع الاقتصادي المتأزم، لذلك قررت عودة الأعمال لكافة المصالح الحكومية في مطلع يونيو الماضي، وذلك بعد توقف جزئي دام أكثر من ثلاثة أشهر. كما سمحت لاحقًا بإعادة تشغيل باقي القطاعات الخدمية والاقتصادية المتعطلة بالدولة. وقد ساعد في نجاح تلك القرارات انخفاض معدل الإصابات المسجلة يوميًّا بالفيروس (انظر شكل رقم 1)، لكن العديد من الآراء لا تزال تتخوف من فكرة عودة الحياة إلى طبيعتها في مصر، خاصة مع عدم وضوح الأسباب العلمية التي أدت إلى انحسار موجة الوباء بين المواطنين، فضلًا عن بزوغ بعض التوقعات الدولية التي أفادت باحتمالية وقوع موجة عالمية جديدة من الوباء بحلول الشتاء القادم. 

لهذا تتصاعد الأصوات المطالبة بوضع المزيد من الإجراءات العملية لتأمين المواطنين المستخدمين لكافة المرافق والمنشآت الحيوية في الدولة، وعلى رأسها مرافق النقل العام، من خطر الإصابة بالوباء، حيث ترتبط تلك المرافق بالحياة اليومية للمواطنين، وقد تكون أحد أخطر آليات انتشار الفيروس حال تعرض البلاد لموجة جديدة من الوباء. 

1- تكدس مرافق النقل العام يُنذر بالخطر

تعاني مرافق النقل العام في مصر من تكدس وزحام شديد، حيث يعتمد المواطنون على خدماتها في التنقل بين محافظات الجمهورية وأيضًا في التنقل داخل المدن، خاصة الكبرى منها كالعاصمة القاهرة الكبرى ومدينة الإسكندرية. وقد أوضحت التقارير الرسمية صورة هذا التكدس في بعض مرافق النقل المهمة كمترو أنفاق القاهرة الكبرى الذي ينقل يوميًّا أكثر من 2.4 مليون راكب، فقطارات المترو تشهد معدلات تزاحم عالية، إذ ينقل القطار في الرحلة الواحدة حوالي 1500 راكب، وهو ما يؤدّي إلى وصول معدل التزاحم في رحلة المترو إلى 10.9 مواطنين لكل مقعد واحد.

وقد أوضحت التقارير معاناة هيئتي النقل العام بكل من القاهرة الكبرى والإسكندرية، حيث يشهد كل منهما تكدسات مماثلة لما يشهده مرفق المترو، فهيئة النقل العام بالقاهرة الكبرى تنقل يوميًّا أكثر من 1.5 مليون راكب، فيما تنقل هيئة النقل العام بالإسكندرية 435 ألف راكب يوميًّا، وهو ما يخلق نسب تزاحم تصل في مركبات النقل العام بالقاهرة إلى 3.3 ركاب لكل مقعد، وفي مركبات النقل العام بالإسكندرية إلى 2.4 راكب لكل مقعد. ولا تقتصر المعاناة على مرافق النقل الداخلي بالمدن الكبرى، فمرفق السكك الحديدية الذي يساهم في ربط أطراف البلاد، يتحمل هو الآخر جزءًا من المعاناة، حيث يقوم يوميًّا بنقل 668 ألف راكب، وبمتوسط 2000 راكب في رحلة القطار الواحدة، وهو ما أدى إلى وصول نسب التزاحم بين مستخدميه إلى 3.5 ركاب لكل مقعد واحد.

الحديث عن مرافق المترو والنقل العام والسكك الحديدية ليس كل شيء. فهناك مرافق أخرى شديدة الاكتظاظ، كالنقل بين الأقاليم، سواء بالحافلات أو الميكروباص، فضلًا عن خدمة السرفيس أو النقل الداخلي بالمدن والتجمعات الحضرية، مما يرشح مرافق النقل العام لتكون مركزًا لانتشار العدوى الوبائية، حيث يصعب فيها لدرجة الاستحالة الالتزام بالقواعد الدقيقة للتباعد الاجتماعي. 

2- إجراءات وقائية مقترحة

حالة التكدس التي تشهدها مرافق النقل المصرية تضع صانعي القرار في معضلة، فتطبيق متطلبات التباعد الاجتماعي وتخفيف عدد ركاب القطارات والحافلات يعتبر رفاهية غير قابلة للتنفيذ. كما أن استمرار الضغط والتزاحم يضع المواطنين تحت خطر الإصابة بالفيروس. وأمام هذا التحدي ليس هناك اختيار سوى وضع إجراءات وقائية مشددة للحد من نسب الإصابات. وقد اتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات في هذا الإطار، حيث ألزمت المواطنين بارتداء الكمامات الواقية في وسائل المواصلات، ووضعت غرامات على المخالفين لتلك التعليمات، كما وجهت مرافق النقل لاتخاذ بعض التدابير الإجرائية كتدريب العاملين على قياس الحرارة للركاب، واكتشاف حالات الاشتباه، وتوجيه تلك الحالات للإرشادات الصحيحة.

 لكن هذه التوجيهات كانت محل انتقاد من قبل المتخصصين، فمن الصعب على موظفي مرافق النقل مثل المترو أو السكك الحديدية فحص كافة الركاب، خاصة في ساعات الذروة. كما أن الفرق الإدارية داخل المحطات ليست متخصصة بالأمور الطبية، وتفتقر للموارد اللازمة للتعامل مع ظروف الزحام الشديد، لذا يجب على الحكومة أن تتخذ إجراءات أكثر واقعية في تأمين هذه المرافق الحيوية، ومن ذلك ما يلي: 

– تكوين فرق طبية من المتطوعين الطبيين وطلبة كليات الطب، ليتم توزيعهم على محطات القطارات والمترو، بالإضافة للمواقف العامة والميادين الكبرى، وذلك للكشف على الركاب والتعامل مع الحالات المشكوك فيها بشكل علمي وطبي سليم.

– وضع كاميرات للكشف الحراري على الركاب “Thermal Cameras“ في الأماكن شديدة الاكتظاظ، مثل محطات القطارات والمترو الرئيسية، والتي يصعب فيها الكشف على الركاب واحدًا تلو آخر، حيث توفر تلك الكاميرات إمكانية الكشف على عشرات المواطنين في آن واحد وبدون الحاجة للاقتراب منهم.

– يمكن توفير وحدات طبية داخل محطات المترو والقطارات وأيضًا المواقف العامة، وذلك للإجابة عن استفسارات المواطنين الذين يعتقدون إصابتهم بالفيروس وأيضًا المخالطين لهم، بالإضافة إلى تقديم النصائح والإرشادات الطبية لهؤلاء المواطنين حتى يقوا أنفسهم من مضاعفات المرض، وأيضًا لحماية أهلهم ومجتمعهم من الإصابة به. كما تستطيع تلك الوحدات الطبية أن توفر خدمات الكشف المبدئي على الحالات المرضية المشكوك فيها، وذلك قبل الذهاب للمستشفى أو المركز الطبي المختص.

– يجب ألا ننسى التنويه عن الخطأ الجسيم الذي يشوب عملية بيع الكمامات الطبية على شبابيك التذاكر حاليًّا، فتلقي موظف الشباك للمبالغ المالية بيده ثم تناول الكمامات بعد ذلك وإعطاؤها للراكب يؤدي إلى تلوث تلك الكمامات، وهو ما قد يصيب الراكب بالفيروس بسبب تلك الكمامة الملوثة، لذا يجب بيع الكمامات وهي مغلفة بأكياس بلاستيكية، أو يخصص لبيعها منفذ مستقل داخل المحطات مما يحميها من التعرض للتلوث.

3- وعي الراكب هو خط الدفاع الأول

مهما اتخذت الحكومة من إجراءات وقائية مشددة بهدف تقليص فرص إصابة المواطنين بوباء كورونا المستجد، فإنها لن تنجح في مساعيها إلا بوجود وعي من المواطنين أنفسهم بحجم وخطر الأزمة الوبائية التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى وعيهم بكيفية حماية أرواحهم من خطر الفيروس، وذلك وفق ما يتم إعلانه من خطوات وإرشادات صحية من قبل الجهات المختصة. وهنا ننوه إلى أن قلة الوعي لدى المواطنين خلال الفترة الماضية كان سببًا رئيسيًا في انتشار البؤر الوبائية داخل العديد من المدن والقرى المصرية، وذلك على الرغم من اتخاذ الحكومة عددًا من الإجراءات الاحترازية بداية من منتصف مارس الماضي.

لذا يجب على الحكومة أن تبدأ في حملة توعية تستهدف ركاب مرافق النقل في مصر، وذلك لتعريفهم بطبيعة الوباء المنتشر، وسبل الحماية من أخطاره أثناء التواجد بأحد مرافق النقل العام. ومن المهم تنفيذ تلك الحملة من خلال وسائل تمنع الاحتكاك المباشر بين أطقم العمل الإدارية والطبية المتواجدة وبين الركاب المستخدمين لخدمات تلك المرافق، فيتم الاعتماد على رسائل المحمول النصية ولوحات الإعلانات داخل المحطات وعلى جوانب الطرقات، فضلًا عن إذاعة النشرات التوعوية داخل المواقف العامة ومحطات القطارات، وذلك على غرار التجربة الناجحة التي نفذتها هيئة مترو القاهرة منذ مارس الماضي داخل المحطات، حيث قامت بإذاعة نشرة توعية من خلال الإذاعة الداخلية للمحطات على خطوط المترو الثلاثة. 

ومن المهم توصية الركاب بعدد من الإجراءات التي من شأنها أن تحد من انتقال الفيروس، وأهمها ما يلي: 

– استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في شراء تذاكر المترو والقطار، وأيضًا تذاكر الحافلات الذكية العاملة على بعض خطوط القاهرة الكبرى.

– إرشاد المواطنين بثقافة تنظيم الصفوف داخل المحطات، خاصة أمام شبابيك التذاكر، بما يحقق التباعد الذي نصحت به منظمة الصحة العالمية والمقدر بمسافة مترين. 

– تعريف الركاب بالأوقات التي لا تشهد زحامًا وتكدسًا، وتشجيعهم على استخدام مرافق النقل العام في تلك الأوقات، وهو ما يمكنه أن يساهم في الإقلال من خطر الإصابة بالمرض.

4- زيادة خدمات النقل لتقليل فرص الإصابة

يوجد في مصر الآن أكثر من 76 ألف حافلة متعطلة عن العمل بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة بداية من مارس الماضي، حيث كانت تلك الحافلات تعمل بمجالات النقل السياحي ونقل الرحلات وطلاب المدارس (انظر شكل رقم 2). وهنا توجد فرصة أمام الحكومة لكي تستفيد من تلك الحافلات في دعم مرافق النقل العام وتخفيف الضغط الواقع عليها، سواء على الخطوط بداخل المدن أو بين المحافظات، حيث يمكن للحكومة أن تسمح بعمل تلك الحافلات لنقل الركاب وفق الاشتراطات الصحية التي أقرتها منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة المصرية، وهو ما يعطي للركاب فرصة للتنقل بشكل آمن من خطر الإصابة بالوباء، وإن كانت قيمة التذكرة لاستخدام تلك الحافلات أعلى من نظيرتها في المواصلات العادية. أما إدارة حركة تلك الحافلات فيجب أن تكون بالتنسيق بين الجهات المختصة وأحد كيانات النقل التشاركي، وذلك لوجود خبرة لدى تلك الكيانات في إدارة مثل تلك الخدمات وبسياسات تراعي الجودة المطلوبة.

يترقب العالم خلال الموسم الشتوي القادم ظهور موجة ثانية من COVID-19، ويضع هذا أمام الدولة المصرية تحديًا حقيقيًا من أجل تأمين المواطنين ضد خطر الإصابة بالفيروس، لذا يجب على الحكومة أن تنسق خططها لتأمين المرافق والأماكن العامة ضد احتمالات الانتشار الوبائي للمرض، ويجب أن تكون مرافق النقل العام أول ما تنظر إليه الحكومة في وضع خططها تلك، فمرافق النقل ترتكز بالأساس على حركة المواطنين بين مناطق مختلفة، لذا يمكن لمرافق النقل أن تتحول إلى بؤرة يومية متجددة لتفشي الوباء، وذلك في حال التهاون في اتخاذ الإجراءات الوقائية، والعكس من ذلك صحيح، ففي حال اهتمام الدولة بتعزيز الإجراءات الوقائية بمرافق النقل، فيمكن أن تساهم تلك المرافق في تحييد انتشار الفيروس بين ركابها، وربما تتجاوز مساهمتها ذلك الأمر لتكون سببًا غير مباشر في تحييد تفشي الوباء داخل أقاليم ومحافظات الدولة المختلفة. 

مصادر:

– IMF، Regional Economic Outlook: Middle East Central Asia Report، April 2020. 

– Egypt Overview, The Official Website of EBRD. 

النشرة السنوية لإحصاءات النقل العام للركاب داخل وخارج المدن 2016/2017، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. 

– الباب الثامن: النقل والمواصلات، الكتاب الإحصائي السنوي 2019 الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. – WHO Coronavirus Statistics Report, 20/8/2020.

مقالات وتحليلات

عودة هادئة لحركة السياحة الدولية

في الأول من يوليو 2020 أعادت مصر فتح أبوابها من جديد أمام حركة السياحة الدولية، وذلك بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أشهر، لتحاول مصر بذلك تجاوز أعنف أزمة واجهها القطاع السياحي في تاريخه، حيث عانى القطاع خلال الفترة ما بين 19 مارس إلى الأول من يوليو 2020 من حالة شلل تام، وذلك بسبب تعليق حركة الطيران الدولي من وإلى البلاد كإجراء احترازي للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، وهو ما اضطر كافة مؤسسات الأعمال السياحية إلى تعطيل أعمالها، ليتسبب ذلك في خسائر هائلة قُدرت بأكثر من ثلاثة مليارات من الدولارات. 

عودة الحركة السياحية في ظل ضوابط وقائية مشددة

في ظل الغموض المحيط بالمدى الزمني المحتمل لوباء (كوفيد 19)، اتخذت الحكومة المصرية مجموعة من القرارات الرامية إلى استئناف الحياة الطبيعية، وذلك لإنقاذ الاقتصاد الوطني من خطر الانكماش. وكان من بين تلك القرارات عودة حركة السياحة الدولية وفق مجموعة من الضوابط الصحية والوقائية. 

المجال الفندقي كان أول مجالات العمل السياحية التي فُرضت عليها تلك الضوابط، حيث أطلقت وزارة السياحة والآثار في الرابع من مايو الماضي ضوابط واشتراطات “السلامة الفندقية” Hygiene Safety، وألزمت الفنادق الراغبة في مزاولة أعمالها بالحصول على شهادة تفيد تطبيقها لتلك الاشتراطات، وهو الأمر الذي استجابت له العشرات من المنشآت الفندقية حتى الآن، حيث بلغ عدد الفنادق الحاصلة على تلك الشهادة حتى 18 يوليو 572 فندقًا في 22 محافظة مصرية (انظر الشكل رقم 1). كما فرضت وزارة السياحة والآثار ضوابط وقائية مشابهة على عمل أساطيل النقل السياحي، والبازارات ومراكز رياضات الغطس، فضلًا عن تنفيذها خطة من أجل تشغيل عدد من المزارات السياحية والأثرية في 7 محافظات مختلفة.

مجال النقل الجوي كان له نصيبه هو الآخر من الضوابط الوقائية، فقد وضعت وزارة الطيران المدني العديد من الإجراءات الوقائية وذلك لتأمين حركة المترددين على المطارات الدولية المصرية. كما وضعت إجراءات أخرى ليلتزم بها مستخدمو ومشغّلو الخطوط الجوية التابعة لشركات النقل الجوي المصرية. وبالإضافة إلى تلك الإجراءات، فرضت الوزارة على كل المسافرين الوافدين إلى مصر ضرورة كتابة إقرار بعدم إصابتهم بفيروس كورونا أو مخالطتهم لأي مصاب بالفيروس. كما ألزمت القادمين من الدول التي ينتشر فيها الفيروس بشكل وبائي بعمل تحليل Polymer chain reaction أو المعروف اختصارًا بـPCR، وذلك للتأكد من خلوهم من الفيروس. وفي السادس من أغسطس تم تعديل هذه السياسة، فأصبح جميع الأجانب الواصلين للمطارات والمنافذ الحدودية المصرية مطالبين بتقديم ما يؤكد إجراءهم اختبار PCR بنتيجة سلبية قبل ما لا يزيد على 72 ساعة من وصولهم إلى مصر، على أن يتم إعفاء القادمين إلى مطارات شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم وطابا ومطروح من هذا الإجراء، على أن يحظر عليهم الانتقال إلى خارج محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء ومطروح، إلا بعد إجراء هذا الاختبار بنتيجة سلبية. 

وبعد أن اتخذت الحكومة كافة الضوابط الوقائية على مستوى قطاعي السياحة والطيران، وذلك لضمان العودة الآمنة لحركة السياحة الدولية، قامت بإصدار قرارها بتفعيل حركة السياحة في ثلاث محافظات فقط هي: جنوب سيناء، والبحر الأحمر، ومطروح، وذلك لتركز أغلب المنتجعات السياحية في تلك المحافظات، فضلًا عن انخفاض معدلات الإصابة بوباء كورونا المستجد فيها. وبالإضافة لذلك أعلنت الحكومة تخطيطها لفتح كافة المحافظات أمام حركة السياحة الدولية، وذلك تبعًا لتطورات الموقف الوبائي بتلك المحافظات.

الأسواق المصدّرة للسياحة تتخوف على مواطنيها

الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع السياحي المحلي والعالمي، دفعت بالحكومة المصرية إلى وضع مجموعة من الحوافز وذلك بهدف تشجيع أكبر قدر من الحركة السياحية الدولية على القدوم إلى البلاد، وكان من أبرز تلك الحوافز ما يلي:

– إعفاء السائحين الوافدين إلى محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء ومطروح من دفع قيمة التأشيرة السياحية.

– مد أجل البرنامج الحالي لتحفيز الطيران حتى 29 أكتوبر المقبل.

– منح تخفيضات على خدمات الهبوط والإيواء لكافة خطوط الطيران القادمة إلى مصر بنسبة 50%.

– تخفيض رسوم الخدمات الأرضية بنسبة 20% لكافة الرحلات المتجهة إلى المحافظات السياحية الثلاث السابق ذكرها.

– خفض سعر وقود الطائرات بقيمة 10 سنتات أمريكية للجالون الواحد، وهو ما يعادل 11% من قيمة الجالون.

– تخفيض قيمة أسعار التذاكر لكافة المتاحف والمواقع الأثرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار بنسبة 20%. 

وقد ساهمت تلك الحوافز في إعطاء دفعة متواضعة للحركة السياحية في كل من جنوب سيناء والبحر الأحمر، حيث استقبلت هاتان المحافظتان في الفترة من الأول من يوليو إلى 14 يوليو أكثر من 50 رحلة جوية نقلت أكثر من 10,000 سائح. لكن المتخصصين في الشأن السياحي لا يعلقون أملًا كبيرًا على تلك الحوافز في إعادة الحركة السياحية لما كانت عليه قبل منتصف مارس الماضي؛ فالعديد من الدول المصدرة للسياحة بدأت في دعوة مواطنيها إلى عدم السفر خارج البلاد. ومن أبرز هذه الدول: جمهورية ألمانيا الاتحادية التي حذّرت المواطنين الألمان من السفر إلى الخارج حتى بداية سبتمبر القادم، خاصة إلى دول العالم الثالث التي لا تزال تواجه وباء كورونا. كما قامت دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بتحذير مواطنيها من السفر إلى خارج البلاد طالما أن هذا السفر ليس ضروريًّا.

لهذا تتجه أنظار السائحين الغربيين في الوقت الراهن إلى المناطق السياحية داخل دولتهم الأم أو في الدول الإقليمية القريبة على أقصى تقدير، وذلك لتقليل مخاطر العدوى المرتبطة بركوب الطائرات، ولشعور السائح الغربي بالأمان كلما كان قريبًا من نظام الرعاية الصحية الذي اعتاد عليه.

وقت إضافي لزيادة تهيئة القطاع السياحي

تشير العديد من التوقعات إلى أن السياحة الأجنبية لن تعود بكامل قوتها إلى مصر قبل الموسم الشتوي القادم 2020/2021، وهو ما يمنحنا فرصة لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا من أجل تنفيذ بعض الإجراءات، وذلك لكي نعظم الاستفادة من حركة السياحة المتوقعة خلال الفترة القادمة. ومن ثم، يجب من الآن البدء في اختبار وتقييم ما تم وضعه من ضوابط وقائية لتشغيل المنشآت الفندقية والمطاعم السياحية والمزارات الأثرية وتطويرها إن استدعت الحاجة. كما يجب البدء من الآن في وضع الضوابط الوقائية الخاصة بفتح وتشغيل المزارات السياحية والمناطق السياحية بإقليم وادي النيل ودلتاه أمام السياحة الخارجية؛ فالمنشآت السياحية والعاملون بها في وادي النيل والدلتا أصبحوا يواجهون ضائقة اقتصادية صعبة، لا يمكن مواجهتها أو تخفيفها بشكل جدي عن طريق الإعانات التي تدفعها الدولة. 

كما يجب الإسراع في تقديم المزيد من المحفزات في مجال الطيران المدني، وذلك لكي نتمكّن من جذب المزيد من السائحين الأجانب إلى المقصد المصري. ومن المحفزات المقترحة عمل عروض وتخفيضات على أسعار التذاكر التي تطرحها شركات النقل الجوي الوطنية، وأيضًا ربط رحلات الطيران التي يقوم بها السائح إلى مصر بمنظومات نقاط الفنادق Hospitality rewarding points والتي تتيح للسائح الحصول على خصومات ومكافآت عينية ومادية عند قدومه إلى مصر.

وإلى جانب اختبار وتطوير الضوابط الوقائية وأيضًا وضع الحوافز المختلفة التي من شأنها جذب السائح إلى البلاد، يمكننا أيضًا تطوير المنظومة الطبية الوقائية الخاصة بالقطاع السياحي، والتي سنعتمد عليها في حماية السائحين والعاملين بالقطاع السياحي من خطر الإصابة بـCOVID-19، حيث يمكننا البدء بفرض نوع من الاختبارات الطبية السريعة لكي تُجرَى على كافة السائحين فور وصولهم إلى المطار. كما يمكننا تدشين تطبيق إلكتروني لتتبع حالة السائح الصحية يوميًّا أسوة بما نفذته الصين من تجربة ناجحة في مجال الوقاية الذكي.

وبالإضافة إلى كل الإجراءات الوقائية القائمة والمقترحة، يمكن للقطاع السياحي أن يتعاون مع القطاع الطبي الخاص في توفير مستشفى أو أكثر في كل محافظة سياحية، وذلك لتوفير خدمات الرعاية والعزل الطبي لحالات الإصابة بالفيروس بين السائحين. كما يمكن بمقتضى هذا التعاون أن يتم تخصيص عدد من الوحدات الإسعافية المجهزة لخدمة المنشآت السياحية فقط. وسيساهم هذا المقترح في توفير الاحتياجات الطبية للقطاع السياحي، كما سيخفف عن كاهل الدولة مسئولية رعاية وعلاج المصابين الأجانب لتركز الحكومة جهودها على علاج ورعاية المواطنين المصريين. 

ويحتاج القطاع السياحي أن يتوج كافة مجهوداته التي يبذلها بمعاونة الحكومة، عن طريق السعي لدى منظمة السياحة العالمية وحكومات الدول الغربية، وذلك لكي تعلن تلك الدول أن بمصر عددًا من المدن والمقاصد السياحية الآمنة من خطر الوباء، وهو ما سيكون له أثر كبير في دفع الحركة السياحية خلال الأشهر القادمة.

ختامًا، يمكننا القول إن السياحة المصرية ستعود إلى معدلاتها الطبيعية بشكل هادئ، لكن تلك العودة ستكون مليئة بالتحديات مع استمرار تفشي وباء كورونا، واستمرار المخاوف الدولية من بدء موجة ثانية من الوباء. كما أن عودة الدول السياحية المنافسة لمصر إلى ساحة العمل السياحي ستمثل تحديًا آخر؛ فكل دولة من هذه الدول سوف تدخل قريبًا في صراع شرس مع الدول الأخرى وذلك من أجل ضمان حصة سوقية أكبر من الطلب السياحي الدولي، ذلك الطلب الذي سيكون هزيلًا خلال ما تبقى من فترة موسم الصيف الحالي حتى نصل إلى الموسم الشتوي المقبل 2020/2021.

رصد اعلامي

التجارة الإلكترونية في مصر: فرص واعدة وتحديات

تُعرف التجارة الإلكترونية بأنها الخدمة التجارية الخاصة بتداول المنتجات والخدمات بين الشركات والأفراد، أو بين الشركات وبعضها، من خلال أسواق افتراضية تعمل من خلال شبكة الإنترنت. وتم افتتاح شركتي أمازون وإيباي عامي 1994 و1995 ليساعدا في تسريع عملية تنمية قطاع التجارة الإلكترونية عالميًّا على مدار العقود الأخيرة.

وما كان يبدو ضربًا من الخيال في القرن الماضي، أصبح واقعًا فاعلًا اليوم، حيث تتم ملايين التحويلات المالية عبر القارات من خلال شبكة الإنترنت يوميًّا، بغرض شراء المنتجات المختلفة وتفعيل الخدمات، وذلك دون أي حاجة للتحرك لأي مكان. كما قامت معظم العلامات التجارية بإنشاء تطبيقات إلكترونية تقوم بالتوازي بنفس أنشطتها داخل فروعها العادية. كما قُدر عدد من قاموا بعمليات الشراء الإلكتروني بما يزيد على مليار مشترٍ، أي حوالي 40% من مستخدمي الإنترنت. كما أن حجم الإنفاق على التجارة الإلكترونية قد ارتفع من 1.2 تريليون دولار في 2013 إلى 2.3 تريليون دولار في 2017.

ومع الأزمة الحالية التي تواجه القطاعات الاقتصادية المختلفة بسبب أزمة كورونا، وبينما تراجع حجم التجارة العالمية بشكل لم يحدث منذ الأزمة العالمية سنة 2008، يبقى قطاع التجارة الإلكترونية أحد القطاعات التي لم تتضرر من هذا الوباء، بل إن القطاع كان من أكبر المستفيدين من الأزمة بسبب ظروف الحظر والحجر الصحي وبقية الإجراءات الوقائية في معظم دول العالم، ومنها مصر.

القطاع المصري للتجارة الإلكترونية

مع تقدم جودة خدمات البنية التحتية الرقمية منذ التسعينيات وحتى الآن، بات من المنطقي أن تتطور معها خدمات التجارة الإلكترونية داخل الحدود المصرية. ذلك أن موقع مصر المتميز داخل منطقة الشرق الأوسط، وحجم سكانها المتزايد، وتعدد الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، شجع على تحسين وتيرة نمو التجارة الإلكترونية بها خلال السنوات الماضية. إذ تمثل نسبة السكان المستخدمين لخدمات الإنترنت أكثر من 54٪. كما ارتفع الترتيب المصري في مجال التجارة الإلكترونية عالميًّا عدة مرات، حتى وصل إلى المرتبة رقم 104 في عام 2019.

ورغم وجود العديد من الشركات العاملة في هذا القطاع داخل مصر، إلا أن معظمها من الشركات الناشئة الجديدة، التي لم يبلغ عمرها خمسة أعوام. لكن العديد من الشركات التجارية العالمية بدأت عملها داخل مصر، وساعدت في تحديد آليات السوق وزيادة الوعي داخل شرائح المجتمع المستهدفة بخصائص هذا النوع من التجارة. على سبيل المثال، نجد أن شركة “جوميا” أصبح لها مستودعات بمصر بعدما ضخت 20 مليون دولار من الاستثمارات خلال عام 2012 فقط. كما ازدادت قيمة التجارة الإلكترونية في مصر إلى حوالي 17 مليار جنيه خلال 2019.

المعوقات التي تواجه هذا القطاع داخل مصر

رغم كل نقاط القوة والفرص المبشرة بنمو القطاع، لا تزال هناك بعض المعوقات؛ إذ إن أكثر من 56٪ من السكان ليست لديهم المعرفة الكافية بكيفية استخدام ولا أهمية التجارة الإلكترونية. كما أن عدم الاعتراف القانوني بالعقود الإلكترونية، وقلة عدد وسائل الدفع الآمنة والسهلة على الإنترنت، يعتبر من أهم المعوقات القانونية والمالية.

وتشكل الإجراءات التأسيسية لخدمات الشركات الناشئة في القطاع التحدي الأكبر لاستمراره. إذ تستغرق عمليات التسجيل لنوع الخدمة واستخراج التصاريح المختلفة لإطلاق عمليات تداول تحويلات الأموال إلكترونيًّا شهورًا طويلة. وهو ما دفع بعض الشركات الناشئة للبدء في دول عربية أخرى في المنطقة كالإمارات العربية المتحدة، وذلك رغم التحسن التدريجي والتسهيلات التي قدمتها الحكومة المصرية مؤخرًا.

وتهدف المراجعات المصرية الأخيرة للقطاع إلى تطويره، مع تقديم حزم مختلفة من الإجراءات المالية والقانونية، فهناك خطوات سريعة لإنشاء بنوك إلكترونية، والتوسع في تقديم التطبيقات الخدمية للقطاع ككل، والدعم عبر التمويل أو الشراكة. لكن الأخبار الأخيرة المتعلقة بالإصلاحات الضريبية طرحت العديد من التساؤلات بصدد مدى تأثير هذه الإصلاحات على ذلك القطاع.

الإصلاحات الضريبية في قطاع التجارة الإلكترونية

ما زالت الحكومة المصرية مستمرة في التأكيد على استمرارها في الإصلاحات الضريبية المختلفة، والتي كان لها دور فعال في زيادة جملة الإيرادات للموازنة العامة. وتستهدف الإصلاحات الجديدة للعام المالي 2020/2021 زيادة جديدة تقدر بحوالي 14% لتصل إلى تريليون و288 مليار جنيه. واشتملت تلك الإصلاحات على تعديل الأنظمة الخاصة بالضريبة على القيمة المضافة والجمارك للسماح بفرض ضرائب على الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية.

وكان البند الأول في تلك الإصلاحات متعلقًا بصورة مباشرة بخدمات التجارة الإلكترونية. إذ نص على تعديل الأنظمة الخاصة بالضريبة على القيمة المضافة والجمارك للسماح بفرض ضرائب على الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية (وفقًا لمعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وأفضل الممارسات الدولية). وهو البند الذي أثار حالة من الجدل حول تفسيره وتقدير حجم تأثيره.

وقد نفى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء الأخبار المتداولة عبر بعض المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي حول فرض ضريبة جديدة على السلع المبيعة إلكترونيًّا. وذلك بعدما قام بالتواصل مع وزارة المالية، التي نفت بدورها تلك الشائعات. كما أوضح أن تعديلات القانون لم تتضمن فرض أية ضرائب جديدة على المستهلكين، سواءً على السلع المباعة عبر التجارة الإلكترونية أو عبر وسائل البيع التقليدية. إلا أن البند يشمل إجراء إصلاحات تتعلق بتحصيل وتوريد الضريبة المستحقة على الشركات غير المقيمة رغم مباشرتها أعمالها داخل مصر، وذلك عن طريق تطبيق نظام تسجيل وتحصيل مبسط، عوضًا عن النظام الحالي القائم على تعيين ممثل قانوني.

ويهدف هذا التعديل بالأساس إلى توسيع القاعدة الضريبية، من خلال تشجيع الشركات الأجنبية على الدخول إلى السوق المصرية والعمل وفقًا للمعايير العالمية، مع توفير الضمانات لتيسير توريد الضرائب المحصلة، على النحو الذي يُرسي مبادئ المنافسة العادلة. وبناء على مبادئ المنافسة تلك يهدف التعديل إلى ضمان خضوع سلع وخدمات الشركات غير المقيمة لنفس فئات الضريبة المفروضة على الشركات الوطنية.

كما أوضحت وزارة المالية أن ضريبة القيمة المضافة مطبقة بالفعل، منذ صدور القانون في 2016، على السلع المباعة عبر المنصات الإلكترونية حاليًّا. ويتم تحصيلها إما عن طريق الشركة مباشرة إذا كانت مقيمة، أو عن طريق مصلحة الجمارك إذا كانت الشركة غير مقيمة، مثل أمازون على سبيل المثال لا الحصر. 

تحديات تطبيق الضرائب على التجارة الإلكترونية

مع تطور ونمو التجارة الإلكترونية عالميًّا، ازدادت صعوبة الإمساك بزمامها ومراقبة حركة الأموال داخلها من قبل الحكومات المختلفة، خاصة عند مقارنتها بالتجارة التقليدية ذات الأدوات والقوانين المألوفة. ويعتبر تحصيل الضرائب من أهم الأدوات القانونية التي تتيح للدولة التدخل والتأثير على الاقتصاد ومؤسساته. كما تعتبر الضرائب موردًا مهمًّا من الموارد المالية للدولة، مما يفسر سبب اتجاه بعض الدول لدراسة كيفية تحصيل الضرائب من التجارة الإلكترونية رغم صعوبته.

إلا أن هناك من يعتبر أن فرض الضرائب على هذا القطاع سيشكل حتمًا نوعًا من القيود الكابحة لنموه، خاصة أنه لا يزال يعتبر قطاعًا ناشئًا في حالة الدولة المصرية. لكن من ناحية أخرى، فإن الإعفاء الضريبي لهذا القطاع سيترتب عليه إخلال بميزان المنافسة العادلة مع التجارة التقليدية، كما سيؤدي إلى تخفيض إيرادات الدولة من نصيب الأرباح المتزايدة للعديد من الشركات غير المكبلة بنفس الالتزامات المادية الخاصة بالتجارة التقليدية، بحكم طبيعة عملها داخل أسواق إلكترونية افتراضية. 

وترجع صعوبة فرض الضرائب بالآليات المعتادة لعدة أسباب، منها صعوبة التوصل للوثائق الورقية للمعاملات، مما يشكل صعوبة في إثبات العمليات التجارية. ومنها صعوبة تتبع المبيعات عبر العالم. ومنها الانفصال المكاني، وهي الحالة مع الشركات غير المقيمة، التي يمكن أن يتواجد مقرها في أي مكان حول العالم وتمارس أنشطتها في مصر وغيرها من الدول دون وجود مقر ثابت لها في تلك الدول، ودون أن يؤثر ذلك علـى أدائها الوظيفي. من تلك الأسباب أيضًا صعوبة تحديد الهوية لطرفي التعامل التجاري الإلكتروني، وهو ما يؤدي لتعقيد عملية استكمال الملفات الضريبية، وقد يستخدم في التهرب الضريبي.

فرص القطاع في المستقبل القريب

تشير معدلات زيادة الشركات الناشئة في المجال داخل مصر ودخول الشركات الأجنبية، والتسهيلات التمويلية المستحدثة لتشجيع القطاع، إلى طفرة نوعية في سوق التجارة الإلكترونية، خاصة إذا تم التركيز على خطط أكثر فاعلية لنشر الوعي للفئات المستهدفة. لكن هناك المزيد من الإجراءات التي يجب أن تُراعَى من قبل الحكومة، مثل إعادة تقييم إجراءات تأسيس الشركات، وتفعيل التحويلات المالية الإلكترونية، مع مراعاة الأبعاد الأمنية الأساسية. كما أن عمليات التحصيل الضريبي، رغم أهميتها لميزانية الدولة وتفعيل التنافس العادل، يجب ألا تعرقل النمو المطلوب للشركات العاملة بالمجال، وذلك بأن تكون محايدة وأكثر ملاءمة لظروف هذا القطاع الناشئ.

مقالات وتحليلات

مستقبل التجارة الدولية بعد جائحة كورونا

مع استمرار انتشار فيروس كورونا، وتراجع حجم التجارة الدولية بسبب تطبيق العديد من الدول سياسات الإغلاق التام؛ يسلط الكثيرون الضوء الآن على مخاطر الاعتماد على سلاسل القيمة العالمية. وهناك حديث متواتر عن تراجع العولمة. العولمة تعتمد على الروابط المعقدة (سلاسل القيمة العالمية) التي تربط المنتجين في العديد من البلدان. وغالبًا ما يستخدم هؤلاء المنتجون سلعًا وسيطة عالية التخصص، أو مدخلات ينتجها مورد خارجي واحد فقط.

هذا المقال يُناقش تأثير فيروس كورونا على التجارة الدولية، ومستقبل ظاهرة العولمة بعد جائحة كورونا، وأخيرًا ما يمكن للدول القيام به للحد من الاضطرابات الاقتصادية.

تأثير كورونا على التجارة الدولية

توقعت منظمة التجارة العالمية أن تنخفض التجارة الدولية خلال عام 2020 بنسبة تتراوح بين 13٪ – 32٪، ويعود ذلك إلى عدم القدرة على المعرفة الدقيقة بحجم تأثير الأزمة الصحية على الاقتصاد. رغم أنه في ذروة الأزمة المالية في عام 2009، انخفضت التجارة بنسبة 12.5٪. وتوقعت المنظمة أن جميع المناطق تقريبًا ستعاني هذا العام من انخفاض مزدوج الرقم في التجارة، أي أكثر من 10%. كما أن القطاعات ذات سلاسل القيمة المعقدة، مثل الإلكترونيات ومنتجات السيارات، هي القطاعات التي من المتوقع أن تشهد انخفاضًا أكثر حدة، ولكن التجارة في قطاع الخدمات قد تكون هي الأكثر تضررًا من جائحة (كوفيد-19) بسبب قيود النقل والسفر وإغلاق المطاعم والفنادق وأماكن الترفيه. وتتوقع المنظمة انتعاشًا في تجارة السلع العالمية خلال العام المقبل 2021 بنسبة تتراوح بين 21٪-24٪، ويتوقف ذلك على مدة تفشي الفيروس التاجي وفعالية الاستجابات السياسية. 

وبالإضافة إلى ذلك، تتوقع منظمة التجارة العالمية أن تكون الصادرات من أمريكا الشمالية وآسيا أكثر تضررًا. ووفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، انخفضت قيمة الصادرات الصينية في الشهرين الأولين من عام 2020 بنسبة 17.2٪ على أساس سنوي، في حين تباطأت الواردات بنسبة 4٪. وأثر هذا الانخفاض في التجارة الصينية على بعض الأسواق أكثر من غيرها، حيث انخفضت الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 29.9٪ في الشهرين الأولين من هذا العام عن العام السابق، بينما انخفضت الواردات من الاتحاد الأوروبي بنسبة 18.9٪. وانخفضت الصادرات والواردات من الولايات المتحدة بنسبة 27٪ و8٪ على التوالي. في عام 2019، كانت الولايات المتحدة أكثر البلدان اعتمادًا على الصين تجاريًّا، تليها سبع دول أوروبية واليابان. وبحلول عام 2020، تقدمت الدول الأوروبية أكثر في التصنيف العالمي. لذلك فإن هذه الانخفاضات الكبيرة مرتبطة بالاعتماد المتبادل القوي بين الشركات الأوروبية والأمريكية والصينية.

هل هذه نهاية العولمة أو التجارة الدولية؟

هناك نقاش حول تأثير جائحة (كوفيد-19) على هيكل الإنتاج العالمي وسلاسل التوريد العالمية. بالنسبة للبعض، تكشف جائحة كورونا عن أهمية إعادة تأميم سلاسل التوريد، أو على الأقل تقصيرها، للحد من المخاطر العالمية. ومن هذا المنظور، قد تحتاج الشركات إلى إعادة التفكير في قراراتها المتعلقة بمصادر الإمداد، مما يؤدي إلى إعادة ترتيب سلاسل الإنتاج العالمية. وبالمثل، هناك نقاش حول ما إذا كانت الحكومات تحتاج إلى إعادة النظر في قائمة السلع الاستراتيجية التي تتطلب إنتاجًا محليًّا، أو فرض قيود جديدة على مصادر الإمداد على الشركات، وما إذا كانت أيضًا بحاجة إلى إعادة النظر في ممارسات المشتريات الحكومية. على سبيل المثال، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لين”، إلى تقصير سلاسل التوريد العالمية لأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على عدد قليل من الموردين الأجانب. كما دعا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، إلى تعزيز “السيادة الاقتصادية” الفرنسية والأوروبية من خلال الاستثمار داخل البلاد في قطاعات التكنولوجيا والطب. لكن لم يتخذ أي بلد أي إجراء جاد لإلغاء أو عكس تحالفاتهم ومصالحهم واستراتيجياتهم العالمية. فحتى الآن، لم تغير أي من الدول الكبرى استراتيجيتها في السعي من أجل اقتصاد أكثر ترابطًا. فما زالت الصين تواصل استثماراتها الهائلة في مبادرة “الحزام والطريق” التجارية، ويحاول الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية التوصل إلى اتفاق بخصوص فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى (جوجل، فيسبوك، ومايكروسوفت) وهذا لتجنب حرب الرسوم الجمركية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال ألمانيا حريصة على تجنب الخلافات مع الولايات المتحدة أو الصين. 

لذلك، هناك خطر من افتراض افتراضات سريعة حول ما هو ضروري لضمان المرونة. على الصعيد الدولي، غالبًا ما يكون الإنتاج المتنوع مصدرًا للمرونة والتكيف للشركات في بيئة مختلفة، فالاكتفاء الذاتي من العرض يختلف عن ضمان العرض. ستكون هناك أيضًا حاجة لكل من الشركات والحكومات للتفكير مرة أخرى في أفضل السبل لضمان مرونة سلاسل التوريد. وسيتطلب ذلك فهمًا أفضل لنقاط القوة ونقاط الضعف في سلاسل التوريد الرئيسية في الأزمة الحالية، والنظر مرة أخرى في أدوات المرونة في ضوء ذلك. بالنسبة للحكومات، ستكون هناك حاجة للنظر في سياسات التجارة والاستثمار التي يمكن أن تدعم المرونة على أفضل وجه. على سبيل المثال، توفُّر البنية التحتية الرقمية لتقليل الضربات المتعلقة بالإنتاجية والتي تساعد على استئناف التجارة الدولية في أوقات الأزمات. وفي هذا الصدد، قال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية “روبرتو أزيفيدو” في مؤتمر صحفي إن البلدان التي تعمل معًا ستشهد انتعاشًا أسرع مما لو تصرفت كل دولة بمفردها، وأن التحول إلى سياسات الحماية سيخلق صدمات جديدة، ولن تكون أي دولة مكتفية ذاتيًّا بالكامل، وأن الإجابة هي التنويع بحيث تأتي الإمدادات من أكثر من منطقة واحدة أو لاعب واحد. 

وهناك ما يبرر المخاوف بشأن الاعتماد المفرط على سلاسل القيمة العالمية المعقدة في حالة المنتجات المتعلقة بالأمن القومي، مثل الإمدادات الطبية. ولكن هذه ليست نهاية العولمة، بل إعادة تكوين سلاسل القيمة العالمية. فعلى الرغم من أن سلاسل التوريد العالمية معقدة للغاية، إلا أن سلاسل القيمة العالمية تتبع مبدأ الكفاءة، وهذا نتيجة قيام الشركات بتوظيف أفضل المدخلات الممكنة لتلبية احتياجات الإنتاج بأقل تكلفة، أينما كان الموقع الذي تأتي منه هذه المدخلات، مما يضمن بقاء العولمة. فبينما تظل الكفاءة الهدف الرئيسي، ستستمر الشركات في التسوق عالميًّا.

ما الذي يمكن للدول القيام به؟

بعض البلدان غير قادرة على إنتاج الإمدادات الطبية الخاصة بها بكميات كافية أو بشكل فعال من حيث التكلفة. هذا هو الحال بشكل خاص في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث بدأ الفيروس في السيطرة عليها. ففي هذه البلدان، لا ينبغي أن تكون أولوية الميزانيات الصحية المحدودة بناء قدرات التصنيع المحلية. بالنسبة لهذه البلدان -كما كان الحال بالنسبة للبلدان الأخرى التي عانت من الفيروس حتى الآن- فإن التجارة الدولية ضرورية.

وبناء على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وللحفاظ على الثقة في الأسواق العالمية، هناك حاجة لتجنب المزيد من التصعيد في التوترات التجارية المستمرة. ومع التوترات المتزايدة في الشركات بسبب الانهيار في الطلب وعدم اليقين المستمر فيما يتعلق بمدة وشدة جائحة كورونا وتدابير الاحتواء ذات الصلة، فإن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لفرض المزيد من التكاليف. ففرض تكاليف إضافية على الشركات والمستهلكين من خلال التعريفات الجمركية لا يتسبب فقط في مشقة لأولئك الذين يعانون بالفعل من فقدان الدخل بسبب الأزمة، ولكن أيضًا يخاطر بزيادة حجم المساعدة الحكومية اللازمة لدعم تلك الشركات والمستهلكين. لذلك، من بين الخطوات الإيجابية لتعزيز الثقة وتخفيف الأعباء أن تلتزم الحكومات بعدم فرض تعريفات جمركية جديدة أو إجراءات تقييدية تجارية.

وفي حين كانت التجارة الدولية واحدة من أولى ضحايا الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، إلا أن إجراءات تقييد التجارة الجديدة أثرت على حوالي 1٪ فقط من الواردات العالمية. ففي ذلك الوقت، التزم قادة مجموعة العشرين بالامتناع عن تدابير الحماية والتمسك بنظام التجارة القائم على القواعد، وأوجدت قواعد التجارة في منظمة التجارة العالمية بعض اليقين للشركات، واستقر النظام من خلال وضع سقف على الإجراءات الجمركية. وفي حين أن هناك بعض الاختلافات، وكذلك التشابهات، بين أزمة عام 2008 وأزمة كورونا، فإن البيئة الاقتصادية غير المؤكدة الحالية تزيد من الحاجة إلى الالتزام بالتجارة المستندة إلى القواعد والابتعاد عن سياسات الحماية التجارية.

مقالات وتحليلات

ملاحظات مهمة حول عالم “كوفيد” وما بعده

حاولت تفادي الخوض في محاولات استخلاص الدروس المستفادة من أزمة وباء “كوفيد-19″ والتنبؤ بملامح عالم ما بعده، وما زلت مقتنعًا بأن الوقت مبكر لاستخلاص هذه الدروس أو التنبؤ بهذه الملامح؛ فتحليل أزمة قبل انفراجها ضرورة سياسية (لتسهيل عمل القائمين على الأمر) و”هباء” علمي (الشروط الموضوعية لإجراء بحث رصين غير متوافرة، والخبراء يغيرون رأيهم مع تطورات الأزمة ومساراتها). وما زلت أومن بأن أغلبنا –وأنا منهم- لا يملك كافة الأدوات اللازمة للقيام بهذه العملية، نظرًا لتعقد العلم والعالم. على سبيل المثال لا الحصر، لست طبيبًا ولا خبيرًا اقتصاديًّا، وكل من شرق آسيا وأمريكا اللاتينية قارتان أجهل الكثير عنهما. ولكنني عدلت عن موقفي لأبدي بعض الملاحظات على ما أقرؤه وأسمعه لعلها تفيد القارئ في إيجاد طريق في دهاليز الحوارات والتحليلات والاجتهادات و”المهاترات”.

ما نجهله كثير ومخيف، لا نعلم متى ستنتهي الأزمة ويختفي الوباء، وهل ما شاهدناه جولة ستتبعها جولات؟ هل سيعود الفيروس في الخريف المقبل أم سيختفي نهائيًّا مع نهاية تلك الجولة؟ ولا نعلم إن كنا سنتوصل إلى مصل أو علاج ومتى؟ ولا نعلم على وجه اليقين لو الشفاء من المرض يحصن ضد عودته، ولا نعلم أي شيء عن حدة الركود والانكماش والتقلص في الدول. في دولة مثل فرنسا مثلًا السيناريو الأفضل يتحدث عن ٧٪ انكماش والأسوأ عن ١٧٪، الفارق لا يمكن أن يستهان به. وبالتالي لا نعلم شيئًا عن طول مدة تعافي الاقتصاد إن كان ممكنًا. ولا نعلم إن كان من يحسن الأداء على الأجل القصير يضحي بالمستقبل أم يمهد له، ولا نعلم إن كانت أنماط الحياة والعمل التي ظهرت أيام الوباء ستستمر أم ستختفي، ولهذا السؤال أهمية قصوى بالنسبة لبعض الأنشطة مثل المطاعم والسياحة والحياة الثقافية والتخزين والنقل الجوي.

وأساسًا لا نعلم إن كان الوباء فاصلًا سخيفًا بين دورة حياة عادية وأخرى، أم سبب تعديل طفيف أو مهم للنظام الدولي الحالي، أم إيذانًا بالانتقال من نظام دولي إلى آخر. ولا نعلم إن كان التحدي الهائل الذي يمثله الخروج من الأزمة وتنفيذ ما تعلمناه منها (إن كنا قد تعلمنا شيئًا) سيحث الشعوب -أقصد كل شعب على حدة- على وحدة الصف والعمل أم سيدفعها الاختلاف حول الروشتة الواجب اتّباعها أو على الكعكة التي صغرت إلى استقطاب جديد قد يلهم أو قد يشل، قد يبني وقد يدمر. وإن رفضنا هذه الثنائية لحدتها فكيف ستؤثر الأزمة على توجهات الرأي العام في الدول المختلفة؟ ولا نعرف تأثيرها على التنمية البشرية والأمن الإنساني: هل الإصابة بالمرض تترك آثارًا لا تُمحى؟ من ناحية أخرى، هل المجتمعات ستخسر كفاءات ومهارات قد تكون مطلوبة أم لا، وستكتسب أخرى قد تكون مطلوبة أم لا، وكيف سيميل الميزان؟ ما هي التبعات النفسية للعزل والحظر؟ ما هو تأثير الأزمة وتبعاتها على الأجيال الشابة؟ الجيل البالغ من العمر الثلاثين عامًا لم يعرف عالمًا دون أزمات كارثية. ما تأثير هذا على رؤيته للعالم وعلى أدائه؟ 

وعلى مستوى العلاقات الدولية لا نعلم كيف ستتطور موازين القوى، وكيف ستؤثر الأزمة الاقتصادية على الإنفاق العسكري وعلى إدارة النزاعات، وعلى حركات الهجرة المشروعة وغير المشروعة، وعلى تقسيم العمل الدولي، وعلى الموازنة بين اعتبارات الأمن وحرية الاقتصاد والتجارة، وعلى أهداف الفاعلين. بعضهم يرى في الأزمة فرصة لأنها أضعفت منافسيهم، والبعض الآخر قد يضطر إلى التنازل عن طموحاته. 

وبصفة عامة، يجمع الكل على أن هذه الأزمة فريدة. على عكس الأزمات الاقتصادية السابقة، فإنها ليست وليدة تناقضات الرأسمالية وعطب آلياتها، ويفضل البعض مقارنتها بحرب ولكن الحروب تدمر البنية التحتية للدول وتقتل شباب الأمم، ولم يحدث هذا، وهي أزمة صحية ولكننا لم نعرف أزمة بمثل حدتها. وإلى جانب هذا المجهول هناك سياسات يتفق الجميع على ضرورة اتباعها، ويختلفون حول التوقيت والتمويل والمدة والتفاصيل وكيفية ضبطها (سياسات تنشيط الاقتصاد) وإنهائها وتقدير أهمية آثارها الثانوية.

الإقرار بكم المجهول وتشعبه لا يعني أننا لا نعرف شيئًا ولم نتعلم شيئًا، وإن تعلمنا فهذا لا يعني بالضرورة قدرتنا على التصرف وفقًا لما تعلمناه.

تقييم أولي لأداء قيادات الدول المتقدمة

هناك إجماع على القول بأن أغلبهم فشل في إدارة الأزمة، باستثناء المستشارة الألمانية “ميركل” وربما رئيس وزراء اليابان. وقد يكون هذا الإجماع ظالمًا بعض الشيء لأن بطء ردود الفعل على أزمة جديدة تمامًا أمر طبيعي، ولأن الدروس السابقة التاريخية التي فرضت نفسها كنموذج في أول الأمر – أزمة فيروس سارس- لعبت دورًا في جعل الجميع يضل الطريق وفي بث طمأنينة في غير محلها. ولأن الخيارات كانت بالغة الصعوبة: الصحة مقابل الاقتصاد، مع ملاحظة أن التراجع الاقتصادي يتسبب في إضعاف القدرة على تمويل منظومة الصحة. وبشكل عام، فإن تعطيل الاقتصاد والتسبب في انكماش غير مسبوق ولأجل غير مسمى هو قرار مرعب، لا سيما مع تصاعد حدة الصراع والتنافس الدوليين. 

وقطعًا لعب الحظ دورًا في حجم الأزمة هنا وهناك، وكان أوفرهم حظًّا الألمان. ورغم هذا، يمكن القول إن القيادات فشلت وإن الأزمة أكدت عيوب كل منها وعيوب أسلوب حكمها وعيوب وأخطاء أسلافها، فالقادة الحاليون ليسوا مسئولين دائمًا عن تدهور حالة منظومة الصحة. لن نتكلم عن المقارنة والمفاضلة بين خيار الحظر وخيار رفضه، لأنني أعتقد أن هذا الحديث سابق لأوانه، سنقول إن هناك من احتقر تمامًا رأي الخبراء، وهناك من خضع لهم تمامًا مما ترك انطباعًا سيئًا. وهناك من توارى تاركًا إدارة الأزمة لرجاله، وهناك من أفرط في الظهور ولم يوفق في خطابه إلى الأمة، وهناك من ضُبط كاذبًا، وبعضهم ارتكب أخطاء في التوقيت تسببت في زيادات كبيرة في عدد الوفيات ولا يمكن نسبتها كلها إلى كون الأزمة غير مسبوقة. هناك من لم يحترم قواعد الحظر الذي فرضته الحكومة، وهناك من بالغ في البحث عن كبش فداء خارجي أو ساهم في تفاقم العلاقات الدولية. وهناك من أفرط في إنكار البعد السياسي للأزمة محولًا إدارتها لمشكلة فنية محضة. وفي المقابل، هناك من أدارها مغلبًا الحسابات الانتخابية. وهناك من أصابه المرض وأثر على أدائه سلبًا، وأغلبهم وظف الإحصاءات لتحسين الصورة أو بالعكس لتشويهها (عند الخصوم) بتعمد عدم تحليلها بصدق. وفي المقابل، هناك قيادات وسيطة ووزراء أظهرت مهارات وحسن تقدير لاقوا استحسانًا كبيرًا لدى الجمهور. وعلينا أن نضيف إلى كل هذا أن أداء المعارضة ليس أحسن بكثير، مع بعض الاستثناءات.

ونشير بسرعة إلى جدلين ثارا حول دور طبيعة الأنظمة في إدارة الأزمة، وحول دور “النوع”، هل إدارة القادة النساء للأزمة أفضل من إدارة القادة الرجال؟ مبدئيًّا السؤال الأول يفترض أن كل الأنظمة الديمقراطية لها نفس الطبيعة وكل الأنظمة السلطوية على نفس الشاكلة، وهذا محل نظر. وبشكل عام، أجرى عميد الدراسات السياسية في فرنسا العلامة “جان لوكا” مقارنة بين أداء الأنظمة الديمقراطية والسلطوية الأوروبية، وخلص إلى أن الأنظمة الديمقراطية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الاقتصادية، وأن الأنظمة السلطوية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الصحية. وحذر من القفز إلى نتائج متسرعة؛ فأوروبا ليست العالم، والفيروس وصل إلى إيطاليا وفرنسا قبل غيرهما مما أعطى للدول الأخرى فرصة لدراسة الموقف وأخذ الاحتياطات.

وفيما يتعلق بالقيادة النسائية للأمور؛ لم أقتنع تمامًا بما قرأته. كما يشير “نيكلاس كريستوف” في “نيويورك تايمز”؛ فهناك فئة من القادة الرجال أداؤهم كان بالغ السوء فأثروا بالسلب على متوسط أداء “النوع”، وهم الرجال الذين لا يستمعون إلى المشورة ويجدون في طلبها “مذلة”، ويتباهون بعدم ثقتهم في الخبراء، ويبالغون في الثقة في قدراتهم. وقال أيضًا إن السببية قد تكون معقدة، إذ يمكن القول إن المجتمع القادر على انتخاب امرأة لقيادة البلاد يكون غالبًا أكثر تقدمًا وانفتاحًا من غيره.

وأود أن أشير إلى ضرورة وضع نجاح المستشارة الألمانية “ميركل” في سياقه. من ناحية، الألمان كانوا محظوظين، في إيطاليا وفرنسا كانت التجمعات الكبيرة سببًا في الانتشار السريع للفيروس، ورغم أن ألمانيا عرفت تجمعات مماثلة، إلا أن الفيروس لم ينتشر. من ناحية أخرى، فإن خلفية “ميركل” العلمية سمحت لها بفهم سريع للمخاطر، وفي فهم ما يقوله الخبراء والتفضيل بينهم إن اختلفوا. من ناحية ثالثة، فإن أسلوبها في إدارة البلاد، وحرصها على تجنب الجدل العام وصراع الأفكار والأيديولوجيات والميل إلى “قتل السياسة” لصالح الإدارة التكنوقراطية، والأخذ بأفكار الخصوم إن كانت مناسبة أو ذات شعبية، والتزام منهج وسطي، كان ملائمًا تمامًا لإدارة مثل هذه الأزمة، ولكنه بصفة عامة عليه مآخذ كثيرة في ملفات أخرى بالغة الأهمية. وأخيرًا وليس آخرًا كانت المنظومة الصحية الألمانية أكثر جاهزية من غيرها (ارتفاع نسبة المسنين في ألمانيا لعبت دورًا في هذا). كل هذا لا يقلل من براعتها وحنكتها، فأحسنت مخاطبة الألمان، وفي تقدير التوقيت، ووفقت في أغلب القرارات. ويمكن القول أيضًا إن رئيسة وزارة نيوزيلندا تعاملت مع وضع أسهل نسبيًّا، فالكثافة السكانية الضعيفة هناك حدت من انتشار المرض.

ويبدو أن اللا مركزية الألمانية لعبت دورًا أيضًا في ارتفاع مستوى أداء المنظومة. قال لي بعض الزملاء الفرنسيين إن أداء أجهزة الدولة ومنظومة الصحة الفرنسية، وتفاني “الجيوش البيضاء” أنقذا فرنسا من كارثة محققة تكون تبعات ونتيجة الأداء السيئ للقيادات الحالية وأسلافها. وهناك صحفيون قالوا إن المركزية الفرنسية تسببت في بطء بعض ردود الأفعال وفي رفض التمييز بين المحافظات فيما يتعلق بالإجراءات. ويبدو لي أن الرأيين صائبان.

ويكثر الحديث عن مستوى الأجيال الحالية للقيادات، هناك شبه إجماع على تدهوره واختلاف حول أسبابه. تراجع الثقافة الاستراتيجية، تأثير أيديولوجيا الدمقرطة وحقوق الإنسان فيما يتعلق بالقيادات الغربية، الانعزال عن الجماهير، ضغط مقتضيات وأبجديات الحديث عبر الشاشة الصغيرة، تراجع مستوى الثقافة والتعليم، تسارع وتيرة الأحداث وتعقد القضايا والعلاقات فيما بينها، التعارض بين المهارات المطلوبة للوصول إلى القمة وتلك المطلوبة لممارسة الحكم، انتشار صبيانية نرجسية في صف القادة. باختصار هناك في عدد مهم من الدول أزمة ثقة بين الحكام والمحكومين قد تكون لها تبعات خطيرة في مرحلة مطلوب فيها من الجميع بذل التضحيات. 

ويلاحظ أن أزمة الثقة طالت الخبراء في بلاد كثيرة؛ التسرع في إعلان نتائج ثم التراجع، الشجار العلني حول كفاءة دواء وحول أهمية الكمامة، وشجار بات واضحًا أن اعتبارات لا تمت بصلة إلى الطب لعبت دورًا فيه، جدل علني يشكك في منهج ونزاهة زملاء.. إلخ. 

تبعات الأزمة

علينا أولًا فهم أنه لا يمكن التوصل إلى توصيات صالحة لكل الدول، إن استثنينا عموميات من طراز “ضرورة دفق أموال ضخمة لتنشيط الاقتصاد ولدعم الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة”، فالدول المتقدمة والدول النامية لا تعاني من نفس المشكلات، وفي وجه المخاطر الاقتصادية والمالية التي تهدد الجميع (انهيار شبكات الإمداد والتموين، إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ارتفاع ضخم في نسبة البطالة، إفلاس البنوك والدول) فإن لكل دولة نقاط قوة وضعف تختلف عن غيرها، وبالتالي تختلف الأولويات والاستراتيجيات. 

هناك دول كانت تعاني من مشكلة ديون قبل حلول الأزمة، ودول وضعها المالي أحسن بل جيد، وهناك دول يعتمد اقتصادها على الصناعة، وهناك دول تكون فيها الخدمات عمودها الفقري، وهناك صناعات تعاني من أزمة (السيارات) سبقت الوباء، وصناعات تعاني من الأزمة بسبب الوباء (الطيران). وبالعكس هناك صناعات قد تستفيد من الأزمة. خبير فرنسي مرموق يقول إن الدول التي تعتمد على الصناعة فرصها أفضل في الخروج من الأزمة من تلك التي تعتمد على الخدمات والسياحة. ومن ناحية أخرى، تلعب التركيبة العمرية دورًا مهمًّا، لأن الوباء يصيب المسنين، وهناك مشكلات لا تخص إلا الدول التي تعرف مركزية شديدة وأخرى تنفرد بها الدول التي تعرف قدرًا مهمًّا من اللا مركزية. وهناك دول معرضة لتهديد عسكري وأخرى تجيد ممارسة الابتزاز ودول في أمان نسبي.

متابعتي لأزمات سابقة، وخطابات السياسيين والخبراء، دفعتني إلى اعتقاد، قد يكون خاطئًا، أن القليلين يغيرون مذهبهم أثناء أزمة، في حين أن الأغلب يميل إلى اعتبار الأزمة تأكيدًا لقناعاته المسبقة، فمن يؤمن بضرورة وجود نظام دولي “ليبرالي” قائم على مبادئ قانونية وعلى التعاون بين الدول لن يغير رأيه، ومن يرى أن النظام العالمي “هوبزي” (نسبة إلى توماس هوبز) وتحكمه مبادئ الواقعية القحة سيستمر على مذهبه. 

وفي أول الأمر بدا أن القراءتين –الواقعية والليبرالية- لهما أنصار وحجج، لأنك تستطيع أن تقول إن مواجهة الأزمة تقتضي تعاونًا دوليًا صادقًا، وتستطيع أيضًا أن تقول إن قسوتها تجبر الجميع على الدفاع عن مصالحه بشراسة وأنانية، إلا أن تطور الجائحة رجح كفة الواقعيين، لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية. حتى الدول الأوروبية التي تنحاز تاريخيًا لنظام دولي ليبرالي لم تهب لمساعدة إيطاليا في أول الأمر، وأحد أسباب ترجيح كفة الواقعيين هو قراءات وسلوك الكبار وغيرهم. الولايات المتحدة والصين وروسيا (وتركيا) انتهجت نهجًا واقعيًا شرسًا. وأعتقد أن القراءة الواقعية أصلح لفك طلاسم عالم متعدد الأقطاب، مع الاعتراف بأن عددًا كبيرًا من الملفات تستوجب مقاربة ليبرالية (تعاون وتحكيم القانون).

ثانيًا، كشفت الأزمة تهافت المنطق الذي حكم العولمة. وباختصار نرجو ألا يكون مخلًا، تجاهل هذا المنطق التعارض بين مقتضيات التجارة والاقتصاد وضرورات الأمن والقوة والاستراتيجية (بمعناها الضيق) أو قلل منه ومن تبعاته. تجاهله أو قلل منه إما بالقول إن الأمن اتسع مفهومه وتغيرت طبيعته، وأصبح يستلزم تعاونًا، وهذا حقيقي في عدد كبير من الملفات مثل الإرهاب والهجرة وتجارة المخدرات والأمن البيئي والتصنيع الحربي، وإما بالقول إن العولمة الاقتصادية ستعمم الثراء والرخاء، وإن الدول الغنية المستفيدة من التجارة العالمية ستتحول حتمًا إلى ديمقراطيات، والديمقراطيات لا تحارب بعضها، وبالتالي فإن الحروب إلى زوال لا سيما في العصر النووي، وهذا الكلام بالغ التبسيط. وإن شئنا الدقة قلنا إن هذا الكلام جائز، ولكن التحول إلى الديمقراطية قد يحدث في سنوات معدودة، وقد يحتاج إلى عقود بل إلى قرون، ولذلك لا يمكن التعويل عليه. 

وكشفت الأزمة عن مخاطر تقسيم العمل الدولي، من يكون مهيمنًا في نشاط أو قطاع سيستغل هذا سياسيًا وأمنيًا، بمكر أو بفجاجة، بلين أو خشونة. وعلى فرض أنه قرر عدم توظيف هذه الورقة والتصرف “بشرف” فإن تعرضه لأزمة كبرى تعطل دائرة الإنتاج فيه يعرض العالم كله لأزمة كبيرة. ولمعالجة هذا الخطر اجتهد السياسيون والخبراء والإعلاميون؛ فهناك من تحدث عن ترحيل المصانع إلى الوطن الأم، ومن شدد على ضرورة تعدد المنتجين وشبكات الإمداد والتوزيع لكي لا نتبع كيانًا واحدًا دون غيره، ومن نادى بخطة مارشال لإفريقيا لتحل محل الصين في عدد من المجالات، ومن قال بضرورة رد الاعتبار للتخزين.. إلخ. 

لم يلتفت أغلبهم إلى حقائق بسيطة، أهمها أن الوضع الحالي ليس وليد الصدفة، وأن أي إصلاح يتطلب إنفاقًا واستثمارات ضخمة، في حين أن الوضع المالي الحالي متأزم بل مهدد بالانهيار. عندما نقول ليس وليد الصدفة، نقصد أن الاستثمار في الصين كان رهانًا رابحًا من الناحية الاقتصادية، وسمح بصنع وبيع بضائع وسلع بثمن رخيص أو معقول. ورغم الارتفاع التدريجي في تكلفة الصناعة في الصين فإنها ما زالت الخيار الأمثل اقتصاديًا في عدد من المجالات المهمة. الانتقال إلى صيغة أخرى سيكون مكلفًا في حد ذاته، وسيعرض بضائع أغلى، على الأقل في البداية. لست اقتصاديًا ولكنني أشك جدًا في رغبة وقدرة أصحاب القرار على خوض تلك المعركة في ظل أزمة مالية ستكون طاحنة، لا سيما أن هناك مآخذ على كل اقتراح. في الدول المتقدمة هناك رفض شعبي للقيام ببعض الأنشطة على أن تُترك للمهاجرين الفقراء، وهناك تراجع في بعض هذه الدول في أعداد العمالة المدربة على بعض الأنشطة. ومع توقع تسريح عدد كبير من العاملين هناك مهارات ستُفْقَد نهائيًا، أما الاستثمار في إفريقيا فعليه أن يكون ضخمًا جدًا لتكون هناك فرصة معقولة للنجاح، فالبنية التحتية ضعيفة أو غير موجودة، والوضع الأمني مخيف لا سيما في مناطق نمو الإرهاب. وعلى عكس ما يقوله الغربيون يبدو أن الكثير يفضل الوجود الصيني على الوجود الغربي بصرف النظر عن دوافع هذا التفضيل.

بصفة عامة، الحديث عن إعادة هندسة الاقتصاد العالمي والاقتصاديات الوطنية دون التسبب في صراعات دولية أو داخلية يفترض القدرة على التوصل إلى حلول وسط بين الدول أو الفئات الاجتماعية ذات المصالح المتعارضة والمتنافسة، حلول وسط تجمع بين مميزات كل خيار ولا تجمع بين سلبياتها. أي يفترض قدرة المجتمعات على التماسك وإصرار على تخطي الأزمة، وهو فرض غير مضمون وربما غير راقعي في ظل تدهور العلاقات الدولية والأوضاع الاقتصادية، وفي ظل سلوك بعض الفاعلين المتطرفين الراغبين في استثمار الأزمة لتحقيق مصالحهم، وفي ظل التعارض بين المصالح. أقصد أن حسن نية الجميع قد لا يكون كافيًا لتخطي الأزمة، وهو أصلًا غير موجود.

مقالات وتحليلات

تأثير جائحة كورونا على تحويلات العاملين

شهدت العديد من المتغيرات الاقتصادية في اقتصادات العالم ومصر اضطرابات قوية بسبب فيروس كورونا. ومن بين هذه المتغيرات تحويلات العاملين بالخارج. وتعد تحويلات العاملين بالخارج من ضمن التحويلات الجارية بدون مقابل. كما أنها تعد مصدرًا أساسيًّا لتدفقات النقد الأجنبي في البلاد. ويؤثر حجم تحويلات العاملين بالخارج على الدولة بشكل عام وعلى القطاع العائلي بشكل خاص. فعلى مستوى الدولة بشكل عام، يؤثر حجم التحويلات في حجم إيرادات الدولة مما يؤثر على ميزان مدفوعاتها، وعلى قدرتها على خدمة ديونها الخارجية، وعلى الناتج المحلي والنمو الاقتصادي. أما بالنسبة لتأثيرها على القطاع العائلي فيكون من خلال تأثيرها على دخل هذا القطاع. ويكون تأثيرها على مستوى معيشة الأسر من خلال التأثير في قدرتهم على توفير مستوى معيشي مرتفع. 

يناقش هذا المقال أولًا تأثير فيروس كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم، ومن ثم تأثيره في مصر.

أولًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم 

تقوم تحويلات العاملين بالخارج بالتخفيف من حدة الفقر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وتحسين التغذية، كما أنها تساهم في رفع حجم الإنفاق على التعليم، والحد من عمالة الأطفال في الأسر الفقيرة. لذلك، يؤثر انخفاض التحويلات على قدرة الأسر على الإنفاق على هذه المجالات، حيث سيتم توجيه المزيد من مواردها المالية إلى تكاليف الغذاء والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية. وتعتمد حجم تحويلات العاملين بالخارج على مستوى أجور وتوظيف العمال المهاجرين الذين يميلون إلى أن يكونوا أكثر عرضة لفقدان وظائفهم وأجورهم خلال الأزمات الاقتصادية. 

على المستوى العالمي ووفقًا للبنك الدولي، من المتوقع أن تنخفض التحويلات العالمية بشكل حاد بنحو 20% في عام 2020 بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا وسياسة الإغلاق، وهو ما يُعد أكبر انخفاض لهذه التحويلات في التاريخ الحديث. ويتوقع أن تنخفض التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بنسبة 19.7% لتصل إلى 445 مليار دولار، مما يمثل خسارة لمصدر أساسي للتمويل للعديد من الأسر في البلدان النامية. وذلك يجعل من الضروري تقصير الوقت اللازم للتعافي في الاقتصادات المتقدمة التي تمتص نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية. كما أنه يتوقع أن تنخفض تدفقات التحويلات في جميع مناطق مجموعة البنك الدولي، حيث من المتوقع أن تنخفض في أوروبا وآسيا الوسطى بحوالي 27.5%، تليها إفريقيا جنوب الصحراء بــ23.1%، وجنوب آسيا بنسبة 22.1%، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 19.6%، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 19.3%، وأخيرًا شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 13%.

ويأتي الانخفاض الكبير في تدفقات التحويلات في عام 2020 بعد أن وصلت التحويلات للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​إلى رقم قياسي بلغ 554 مليار دولار في عام 2019. وحتى مع هذا الانخفاض، من المتوقع أن تصبح تدفقات التحويلات أكثر أهمية كمصدر للتمويل الخارجي للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​نتيجة انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث من المتوقع أن يكون الانخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر أكبر من الانخفاض في تحويلات العاملين بالخارج (من المتوقع أن ينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أكثر من 35%). كما أنه في عام 2019، أصبحت تدفقات التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر.

ووفقًا للبنك الدولي، فإنه من المتوقع في عام 2021 أن تتعافى التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وأن ترتفع بنسبة 5.6% لتصل إلى 470 مليار دولار. ولكن، لا تزال التوقعات بالنسبة للتحويلات غير مؤكدة، حيث إنها تعتمد على سرعة السيطرة على انتشار المرض، واكتشاف لقاح له، وعودة فتح البلاد واستئناف الأعمال.

كانت التحويلات في الماضي معاكسة للدورات الاقتصادية، حيث كان في أوقات الأزمات في الوطن يقوم العاملون بالخارج بإرسال المزيد من الأموال إلى أسرهم في الوطن. ولكن في هذه الأزمة العالمية، وحيث إن الوباء في جميع أنحاء العالم، انخفضت التحويلات بسبب الاضطرابات في جميع الدول وتوقف الأعمال وغلق البلاد.

وفي محاولة لتسهيل الإجراءات لتسهيل إرسال التحويلات وتلقيها، وهو ما يمكن أن يوفر الدعم الذي يحتاجه المهاجرون وأسرهم، يقوم البنك الدولي بمساعدة الدول الأعضاء في مراقبة تدفق التحويلات من خلال قنوات مختلفة، وتكاليف إرسال الأموال وتسهيلها، ولوائح لحماية السلامة المالية التي تؤثر على تدفقات التحويلات، وذلك أيضًا في محاولة من البنك الدولي ودول مجموعة العشرين للحد من تكاليف التحويلات وتحسين الشمول المالي للفقراء.

ثانيًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في مصر 

تطورت تحويلات العاملين في مصر بشكل سريع خلال السنوات القليلة الماضية، حيث باتت مصر تعتمد على تحويلات العاملين بالخارج بنسبة كبيرة، حيث بلغت تحويلات العاملين بالخارج في عام 2018 نحو 10.17% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ المتوسط العالمي لهذه التحويلات في نفس هذا العام استنادًا إلى بيانات 170 دولة نحو 4.93%.

يتضح من بيانات الشكل رقم (1)، أن تحويلات العاملين بالخارج كانت في تزايد بشكل عام على مر السنين، خاصة بعد تعويم الجنيه، حيث زادت قيمة التحويلات بنسبة 27.8% في العام المالي 2016/2017. ووفقًا لبيانات ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي، بلغ حجم تحويلات العاملين بالخارج 6712.6 مليون دولار في الربع الأول من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 13.6% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 5908.9 مليون دولار، و6963.9 مليون دولار في الربع الثاني من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 15.15% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 6047.8 مليون دولار. مما يشير إلى أنه كان من المتوقع ارتفاع التحويلات هذا العام قبل أزمة جائحة كورونا.

وقد توقع تقرير للبنك الدولي أن تتراجع تحويلات العاملين المصريين في الخارج بنسبة 21.5% خلال العام الجاري مقارنة بنمو بلغت نسبته 5% في العام الماضي. وبناء على دراسة لمعهد التخطيط القومي، هناك ثلاثة سيناريوهات لحجم تأثير فيروس كورونا على قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج. 

السيناريو الأول (المبني على افتراض أن تستطيع العمالة المصرية العالقة العودة إلى أعمالها) يتوقع أن تصل قيمة التحويلات خلال العام المالي 2019/2020 إلى 22.3 مليار دولار تحقق منها بالفعل 13.6 مليار دولار. 

السيناريو الثاني (المبني على افتراض عدم إمكانية رجوع العمالة العالقة، والاستغناء عن بعضها، وعدم التجديد لأي عقود قديمة، والتوقف عن قبول عقود جديدة) يتوقع التقرير أن تصل قيمة تحويلات المصريين إلى 21.5 مليار دولار عام 2020. وبافتراض تحسن ظروف التعافي في الأسواق الخليجية، فيتوقع أن ترتفع قيمة التحويلات إلى 24.9 مليار دولار في 2021. 

السيناريو الأخير (المبني على افتراض أن تتركز عمليات التسريح على العمالة المهاجرة من حاملي التأشيرات المؤقتة، واتباع سياسات انكماشية في الخليج، والالتزام بسياسات تقشفية، وذلك في ظل سيناريو تدهور النمو العالمي إلى أقل من 3%) يتوقع أن تكون التحويلات في حدود 13.4 مليار دولار في 2020، وأن تتحسن قليلًا لتصل إلى 18.7 مليار دولار في العام المقبل.

وقد قامت العديد من الدول مثل قطر والكويت بالفعل بتخفيض العمالة الأجنبية في الكثير من القطاعات وبتخفيض أجورهم، وجاء هذا خاصة بعد انخفاض أسعار البترول إلى جانب القيود الأخيرة على السفر إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك من أجل تخفيض التكاليف وتقليل العبء على ميزان المدفوعات. ففي قطر، أصدرت وزارة المالية تعليمات لخفض التكاليف الشهرية للموظفين غير القطريين بنسبة 30٪، بداية من الأول من يونيو والذي سيكون عن طريق خفض رواتب العاملين أو تسريحهم بإشعار مدته شهرين. وقامت الكويت أيضًا بالتخطيط لوقف تعيين العمال الأجانب في قطاع البترول، وقام بعض الممثلين التشريعيين في البرلمان الكويتي بصياغة مشروع قانون يقترح تحديد حصص للعمال الأجانب، بحيث يمكن أيضًا الحفاظ على التوازن الديموغرافي في البلاد، والذي يقترح ألا يتجاوز العمال الهنود أكثر من 15٪ من إجمالي سكان البلاد و10٪ للعمال المصريين، مما يعني أنه سيتم ترحيل أكثر من 844000 هندي وحوالي 50000 مصري. وهذا ما يشير إلى أن تحويلات العاملين بالخارج ستنخفض أكثر في الفترة القادمة مما سيؤثر سلبًا بنسبة أكبر على توقعات النمو. كما أنه يشير أيضًا إلى احتمال ارتفاع نسبة البطالة في الفترة المقبلة.

مقالات وتحليلات

التباعد الاجتماعي: الأداة الأهمّ للسيطرة على وباء كورونا

مُنذ تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم، بدأت الحكومات في وضع إجراءات وخطط وقائية لوقف انتشار الفيروس. من أهم هذه الإجراءات حَث الناس على ضرورة الالتزام بسياسات التباعد الاجتماعي؛ أي منع الاختلاط مع الآخرين والالتزام بالمنازل، من أجل مكافحة انتشار الوباء. وفي حين استطاعت العديد من بلدان العالم أن تطبق هذه السياسات بشكل فعال، عانت الدول العربية، التي اعتاد مواطنوها على التقارب الاجتماعي بشكل كبير، في تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل ناجع. وربما يَرجع السبب في ذلك إلى نقص التوعية اللازمة للمواطنين عن مفهوم التباعد الاجتماعي، وكيفية تطبيقه بشكل فعال؛ باعتباره من الوسائل المهمة للحماية من الإصابة بالفيروس، في ظل تكهنات العلماء حول احتمال الاضطرار للتعايش لفترة طويلة مع الفيروس، قد تصل إلى أكثر من عامين.

مفهوم التباعد الاجتماعي

يُقصد بالتباعد الاجتماعي الحفاظ على مسافة أو مساحة بين الأشخاص للمساعدة في منع انتشار الفيروس فيما بينهم. ويؤكد الخبراء أنه يمكن إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد وتقليل خطر الإصابة به من خلال ابتعاد الأفراد عن بعضهم مسافة لا تقل عن 6 أقدام (1.80 متر). فكما هو موضح بالصورة التالية، عندما يسعل الشخص الذي يحمل الفيروس أو يعطس، من الممكن أن ينتقل رذاذ القطيرات الصغيرة الناتجة منه لمسافة تصل إلى 6 أقدام، لتستقر بعدها هذه القطيرات على أفواه الأشخاص القريبين أو أنوفهم وإصابتهم بالعدوى؛ لذا يعد الحفاظ على التباعد الجسدي أمرًا مهمًّا، حتى ولو لم يكن الفرد مريضًا، مع البقاء في المنزل قدر الإمكان.

وتَهدف سياسات التباعد الاجتماعي بشكل رئيسي إلى إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد بين الأفراد، وهو ما يطلق عليه العلماء مُصطلح “تسطيح منحنى الفيروس”. ويتم استخدام هذا المنحنى في توضيح العلاقة بين عدد المصابين والفترة الزمنية منذ بدء انتشار الفيروس، مع تحديد الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس الذين يمكن أن تقدم لهم المستشفيات الرعاية الطبية اللازمة. لذا، إذا حدث تباطؤ في انتشار الفيروس أو تم تسطيح منحنى الانتشار، فستكون المستشفيات أكثر قدرة على استيعاب المرضى وتقديم العناية الطبية لهم. على عكس ما سيحدث إذا كان معدل الانتشار سريعًا؛ حيث ستزداد أعداد المصابين بمعدل سريع يفوق الإمكانيات الطبية والبشرية المتوفرة لدى المستشفيات، وهو ما يتسبب في خروج إدارة أزمة الفيروس عن السيطرة كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

هل سيكون هناك منحنى واحد من انتشار الفيروس؟

أجرى الباحثون حول العالم العديد من الدراسات لتوقع موعد انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد، كما قاموا بإنشاء العديد من نماذج المحاكاة لوضع تصور مستقبلي لمسار نشاط الفيروس أثناء تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك في حال رفعها. وأوضحت نتائج هذه النماذج أنه من المحتمل أن يتبع انتشار الفيروس شكلًا متكررًا من المنحنيات -أو ما يعرف بموجات الانتشار- التي تصعد وتنخفض وفقًا لوضع سياسات التباعد الاجتماعي حتى عام 2022، إذا لم يتم إيجاد لقاح ضد فيروس كورونا المستجد.

وأبرزت نتائج إحدى الدراسات التي أجراها مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية، أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتمله لانتشار الفيروس كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

1- السيناريو الأول يتوقع حدوث موجة كبيرة من انتشار الفيروس، وهي الموجة التي نعيشها الآن، وسيتبع ذلك موجات صغيرة من الانتشار، يمكن تشبيهُها “بقمم الجبال والوديان”، لكن على مدار العام أو العامين المُقبلين ستتقلص هذه الموجات تدريجيًّا.

2- السيناريو الثاني يفترض أن الموجة الحالية ستتبعها موجة أكبر مع بداية فصل الخريف أو ما يمكن تسميته بـ”ذروة الخريف”، مع موجات أصغر من الانتشار بعد ذلك، على غرار ما حدث خلال جائحة الإنفلونزا خلال عامي 1918-1919.

3- السيناريو الثالث يقترح أن تكون ذروة انتشار الفيروس في فصل الربيع، وسيتبع ذلك موجات انتشار متكررة ولكنها محدودة من الفيروس، أي “الانتشار البطيء للفيروس”.

كما أكد العلماء في نهاية الدراسة أن استمرار الدول في تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي مع غياب اللقاح، سيؤدي إلى استمرار نشاط الفيروس لمدة عام ونصف على أقل تقدير، مع احتمال ظهور بؤر جديدة من تفشي الفيروس في مختلف دول العالم.

أما الدراسة الثانية، التي قام بها علماء بجامعة هارفارد، فتم فيها دراسة تأثير تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي مع تأثيرات أخرى كتغيير المواسم على مدار العام، ومضاعفة قدرات العناية الحرجة في المستشفيات. وتشابهت استنتاجات هذه الدراسة مع نتائج الدراسة السابقة، حيث صورت أيضًا مستقبلًا متموجًا لانتشار الفيروس على هيئة منحنيات متكررة على غرار نموذج القمم والوديان، ولكن في ثلاثة مسارات مختلفة.

أوضح المسار الأول في تلك الدراسة تأثير الاستراتيجية التي تتبعها أغلب الدول في التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي فقط؛ بهدف حماية أنظمتها الصحية من الانهيار. وعكست النتائج معدل الإصابات المتوقع بفيروس كورونا المستجد خلال الفترة من يناير 2020 وحتى يوليو 2022، مع تحديد الحد الأقصى من أعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي سيتم عند الوصول إليه تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك الحد الأدنى من المصابين لكل 10 آلاف نسمة والذي سيتم عنده رفع سياسات التباعد الاجتماعي. وكما هو موضح بالرسم البياني التالي، سيظل مسار الفيروس مستمرًّا ولكن في شكل موجات مع تطبيق ورفع سياسات التباعد الاجتماعي وذلك حتى يوليو 2022. فيما يمثل الرسم البياني الأخضر الزيادة المقابلة في مناعة المواطنين في ظل تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وحدها، والذي يوضح أن مستوى المناعة الذي يجب الوصول إليه للسيطرة على انتشار الفيروس دون اتخاذ تدابير أخرى “تحقيق مناعة المجتمع” هو تمنيع 55% من إجمالي المواطنين. ويقصد بمناعة المجتمع أو “مناعة القطيع” أحد أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، وتتحقق عندما تكتسب نسبة كبيرة من المجتمع مناعة لعدوى معينة، إما عن طريق الإصابة بالعدوى مسبقًا أو من خلال التلقيح، وهو ما يوفر حماية للأفراد الذين ليست لديهم مناعة للمرض.

فيما يعرض المسار الثاني تأثير التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي، مع التغيير الذي سيحدث في المواسم على مدار العام، على انتشار الفيروس. ومن المتوقع أن تسمح التغيرات الموسمية بترك فترات أكبر بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي؛ أي رفع الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي يتم عنده تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، حيث إنه من المحتمل أن انتشار الفيروس سيكون أكثر بطئًا في أشهر الصيف. ولكن هذا العام، من المرجح أن تكون التأثيرات الموسمية ضئيلة، حيث إن نسبة كبيرة من السكان ستظل عرضة للفيروس حتى في موسم الصيف؛ لذا لا يمكن الاعتماد على تأثير التغييرات الموسمية وحده لدرء حدوث تفشٍّ آخر من الفيروس خلال أشهر الصيف القادمة.

أما المسار الأخير فيوضح التأثير المهم لمضاعفة السعة السريرية لأقسام العناية الحرجة بالمستشفيات مع تغيير المواسم في ظل التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي؛ فمن المتوقع أن تُسهم مضاعفة قدرات العناية الحرجة في السماح بفترات أطول بكثير بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي عما كان سيحدث بفعل تغير المواسم، وهو ما سيسمح بتمنيع نسبة أكبر من المواطنين كما هو موضح بالرسوم البيانية التالية.

ما يمكن استنتاجه بشكل عام من نتائج تلك الدراسات، أن سياسات التباعد الاجتماعي تظل شديدة الأهمية في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد وحماية النظم الصحية من الانهيار؛ لذا يجب توعية المواطنين بشكل مكثف حول كيفية تطبيقها في المجتمع بشكل ناجع. لكن لا يمكن للحكومات أن تعتمد فقط على جهود التباعد الاجتماعي وحدها للسيطرة على الوباء على المدى الطويل، والذي يُتوقع أن يمتد لعامين على الأقل، حيث إنه بمجرد رفع تدابير التباعد الاجتماعي من المُحتمل أن ينتشر الفيروس مرة أخرى بنفس السهولة التي انتشر بها في البداية، كل ذلك بالطبع في ظل غياب اللقاح.

مقالات وتحليلات

كيف تحوّل “فيسبوك” إلى مركز للتضليل حول فيروس كورونا؟

دفع فيروس كورونا ملايين المستخدمين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن المعلومات المتعلقة به، والضوابط التي يجب اتّباعها، والمحاذير التي يجب الابتعاد عنها. غير أنها تُروّج منذ يناير الماضي لعددٍ هائلٍ من الشائعات، والمعلومات المغلوطة، والمحتويات الضارة. وبالنظر إلى كيفية مواجهتها على مدار الأشهر القليلة الماضية، وضعت شركة “فيسبوك” ملصقاتٍ تحذيريةً على ما يزيد عن 50 مليون منشور، وحذفت ما يقرب من 2.5 مليون مشاركة. وفي اتجاهٍ مضادٍ لخطواتها الاستباقية تارةً والمتأخرة تارةً أخرى، لا يزال “التضليل” هو السمة المميزة للمحتوى المتداول على “فيسبوك”، ما يقوض من ثقة المستخدمين، ويثير التساؤل عن مسئوليتها عن المحتوى المتداول على منصتها.

دراسة “أفاز”

نشرت “Avaaz” (إحدى مجموعات حقوق الإنسان المعنية بتتبع المعلومات الخاطئة) تقريرًا متعمقًا، فحص 100 معلومة خاطئة متداولة على “فيسبوك” بست لغاتٍ مختلفةٍ (الإنجليزية، والإسبانية، والبرتغالية، والعربية، والإيطالية، والفرنسية)، وذلك خلال الفترة بين 21 يناير إلى 17 أبريل 2020. وهي المعلومات التي بلغ عدد مشاهدتها 117 مليون مرة، وشاركها المستخدمون أكثر من 1.7 مليون مرة. وهو ما يعني تعرض ملايين منهم لمعلوماتٍ مضللةٍ عن فيروس كورونا دون أي تحذيرٍ. ومن بين هذه المعلومات على سبيل المثال قدرة السود على مقاومة فيروس كورونا، وإمكانية تدمير الفيروس بواسطة ثاني أكسيد الكلور، وقدرة الغرغرة بالماء والملح أو الخل على التخلص من الفيروس، وغير ذلك.

ومن بين تلك الادعاءات، تمت مشاركة منشور الغرغرة بالماء والملح أو الخل أكثر من 31 ألف مرة قبل أن يُحذف في نهاية المطاف. ومع ذلك، لا يزال هناك أكثر من 2600 نسخة منه على المنصة، مع ما يقرب من 100 ألف تفاعل، دون أن تحتوي المنشورات المستنسخة على أي ملصقاتٍ تحذيريةٍ. ووفقًا للدراسة، تستغرق شركة “فيسبوك” 22 يومًا للتحذير من المعلومات الخاطئة عن فيروس كورونا حتى يُبلغ شركاء “فيسبوك” عن محتوى ضارٍ.

وطبقًا للدراسة أيضًا، لم يصنف 29٪ من الشائعات والأخبار الكاذبة المتداولة على إصدار الموقع باللغة الإنجليزية تحت بند المعلومات المغلوطة. وتزداد تلك النسبة في اللغات الأخرى لتبلغ 68٪ في إصدار الموقع باللغة الإيطالية، و70٪ في إصدار الموقع باللغة الإسبانية، و50٪ في إصدار الموقع باللغة البرتغالية. وتبعًا للدراسة، تُعد جهود “فيسبوك” لمواجهة الأكاذيب والشائعات في إصدار الموقع باللغة العربية الأكثر نجاحًا؛ إذ يظل 22٪ فقط من عينة المنشورات المضللة دون تصنيف.

في هذا السياق، جادلت “أفاز” بأن “فيسبوك” تقع عليها مسئولية إبلاغ كل شخص شاهد معلوماتٍ مضللةً عن فيروس كورونا بخطأ ما شاهده. ولتحقيق ذلك، أجرت المجموعة اختبارًا لفعالية التصحيحات (وهو نموذجٌ بصريٌ صممته لمحاكاة تجربة المستخدم على المنصة) باستخدام عينةٍ قوامها 2000 أمريكي (تم اختيارهم عشوائيًّا، بل واستطلاع آرائهم من قبل فرع أبحاث الشئون الأكاديمية والسياسية والشئون العامة في YouGov).

هذه العينة تعرضت لبعض الأخبار الكاذبة التي تشاركها المستخدمون على “فيسبوك”. ومن خلال نموذجٍ عشوائيٍ، عُرضت بعض التصحيحات على بعض المستخدمين، ثم أجابوا في استطلاعٍ للرأي عن أسئلةٍ مُصممةٍ لاختبار مدى مصداقية البيانات والأخبار التي شاهدوها. وقد خلصت الدراسة إلى تراجع الاعتقاد في التضليل الإعلامي بنسبة 50٪ على الأقل بين المشاركين.

وعلى خلفية ذلك، قررت “فيسبوك” عرض إشعارات للمستخدمين المعرضين للمعلومات الخاطئة، وهو ما دفع مدير حملة “أفاز” للقول إن “فيسبوك تقع في قلب أزمة التضليل”. وأضاف: “إنها خطوةٌ شجاعةٌ، ولكنها لا تكفي”. إذ ترغب “أفاز” في ظهور إشعارات “فيسبوك” المتعلقة بالمعلومات الخاطئة على نحوٍ أوضحٍ؛ بحيث يَظهر الإشعار لأي مستخدمٍ شاهد المعلومات الخاطئة في خلاصة الأخبار، بغض النظر عن تفاعله مع المنشور.

دراسة “نيوزجارد”

في تحقيق لشركة “نيوزجارد” NewsGuard، وهي شركة تحليلات تتعقب المعلومات الخاطئة، في 36 صفحةً، وصفت “فيسبوك” بالأكثر ترويجًا للمعلومات الخاطئة. وهي الصفحات التي حظي كلٌ منها على ما يزيد على 40 ألف إعجابٍ و13 مليون متابعة. وقد وجدت الشركة أن تلك الصفحات تستهدف الجمهور باللغات الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية.

وفي تقريرها الصادر في 6 مايو الماضي، سلطت الشركة الضوء على نماذج وأمثلةٍ للمعلومات الخاطئة المتداولة حتى 4 مايو الماضي، كتلك التي تتصل بالعلاجات المزيفة للفيروس ونظريات نشأة الفيروس وانتشاره؛ ففي اللغات الأربع، تداولت الشائعات المتعلقة بتخليق فيروس كورونا معمليًا، وتوظيفه كسلاحٍ بيولوجيٍ بكثرةٍ، على الرغم من غياب الأدلة التي تدعم ذلك. 

وفي الصفحات الفرنسية، تمت مشاركة المنشور الذي يشير إلى تخليق الفيروس معمليًا أكثر من 1200 مرة. وتداولت الصفحة مقطع فيديو بالفرنسية، وصف فيه قسيس كونغولي فيروس كورونا بأنه “سم من صنع الإنسان”. وهو الفيديو الذي تمت مشاهدته أكثر من 856 ألف مرة حتى 6 مايو الماضي، وشاركه أكثر من 28 ألف مستخدم. 

وفي ألمانيا، تمت مشاركة نظرية تخليق الفيروس معمليًا من خلال صفحة “”Compact (وهي مجلة معنية بحزب البديل اليميني). وقد نشرت صفحةٌ أخرى باللغة الألمانية خطورة لقاحات الإنفلونزا، لأنها تعزز عدوى الفيروسات التاجية. وهي الصفحة المتصلة بالمؤلف النمساوي وطبيب العلاج الطبيعي “روديغر دالكه” الذي تحظى صفحته بما يقرب من 176 ألف إعجاب. وقد قام خبراء الصحة في المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية بتكذيب ذلك، وتوضيح كيفية اشتقاق لقاحات الإنفلونزا من فيروساتها التي تختلف عن الفيروسات التاجية ومنها فيروس كورونا.

وفي إيطاليا، أكدت الشركة تداول منشوراتٍ تَربط بين فيروس كورونا من ناحيةٍ، والليمون والماء الساخن من ناحيةٍ ثانيةٍ. أما في بريطانيا، فوجدت الشركة صفحةً على “فيسبوك” مرتبطة بموقع EnergyTherapy.biz، وهي الصفحة التي شاركت شائعةً تدفع بارتباط تكنولوجيا الجيل الخامس بانتشار فيروس كورونا، وهو ما قاد إلى حرقٍ متعمدٍ لأبراج الهواتف الخلوية على أرض الواقع. ما دفع منظمة الصحة العالمية لنفي الشائعة، وتأكيد عدم انتقال الفيروسات عبر موجات الراديو أو شبكات الهواتف المحمولة.

وتبعًا للشركة أيضًا، نبهت “فيسبوك” إلى خطأ ثلاثة منشوراتٍ فقط باللغة الفرنسية من أصل 20 منشورًا. وبالإضافة إلى ذلك، تم الإبلاغ عن منشورٍ واحدٍ فقط باللغة الألمانية، ولم يتم الإبلاغ عن خطأ في المنشورات الإيطالية. وعلى الرغم من ذلك، أكدت شركة “فيسبوك” إزالة مئات الآلاف من المعلومات المضللة، وتطبيق ملصقات التحذير على 40 مليون مشاركة في شهر مارس الماضي فحسب.

مجموعات الدعم

تعرضت شركة “فيسبوك” لانتقاداتٍ حادةٍ بسبب استضافتها مجموعات دعم فيروس كورونا التي روّج فيها البعض لمنشوراتٍ تناهض الحجر الصحي، وتَنشر أخبارًا كاذبةً، وتُروّج لعلاجاتٍ مغلوطةٍ للفيروس (مثل شرب المواد المبيضة، واستنشاق الكوكايين على سبيل المثال)، وهي المجموعات التي وصل عدد أعضائها إلى 4.5 ملايين شخص في الولايات المتحدة، و3 ملايين شخص في إيطاليا، و2 مليون شخص في المملكة المتحدة.

لقد هدفت مجموعات الدعم في الأصل إلى مساعدة الجيران، ودعم الشركات المحلية، والتبرع للمنظمات الخيرية، وغير ذلك. وتعددت استخداماتها لتشمل دعم المواطنين في الخارج، ومشاركة النصائح حول سبل التعليم المنزلي، ومشاركة المعلومات التي قد تنقذ الأرواح. وهو ما دفع “زوكربيرج” لوصفها بأنها ملاذٌ للأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم والراحة. غير أنها تحولت -في المقابل- إلى ساحةٍ لتداول الأخبار الكاذبة، حيث يَسهُل مشاركة المعلومات الخاطئة دون التحقق منها.

ولمواجهة ذلك، حاولت شركة “فيسبوك” نشر المعلومات الصحية الموثوقة على مجموعات الدعم، وسمحت لمشرفي المجموعات بمشاركة البث المباشر للمنظمات الصحية ذات المصداقية (مثل منظمة الصحة العالمية، والإدارات الصحية الرسمية). وبالشراكة مع مركز السيطرة على الأمراض CDC، قام “فيسبوك” بتطوير وحداتٍ تعليميةٍ بناءً على إرشادات المركز، وهي الوحدات التي يمكن للمسئولين إضافتها إلى المجموعات.

وأتاحت “فيسبوك” لأعضاء مجموعات الدعم مشاهدة نوافذ تعليمية تابعة للمجموعات نفسها، لتوجيه الأعضاء إلى معلوماتٍ موثوقةٍ من المنظمات الصحية. وفي هذا الإطار، قالت “فيدجي سيمو”، مسئولة الفيديو في فيسبوك، إنه “من أولوياتنا القصوى بناء منتجاتٍ يُمكنها مساعدة الجميع في الوقت الحالي، والتأكد من رؤية أحدث المعلومات الدقيقة من المنظمات الصحية ذات المصداقية للمساعدة في توفير الفرص الاقتصادية والاستقرار للشركات التي تكافح، للمساعدة في تسهيل التواصل عبر الإنترنت”.

ومع التزايد المضطرد في مجموعات الدعم، وعلى أمل تحسين إدارة مشرفيها، أطلقت “فيسبوك” أول حدثٍ رقميٍ لها على الإطلاق بين يومي 21-23 أبريل الماضي؛ حين أطلقت الحدث المعنون “تواصل اجتماعي: تصفح فيروس كورونا”، للتركيز على أفضل الممارسات لمجموعات فيروس كورونا. وعلى الرغم من ذلك، لم تتضمن سياسات “فيسبوك” أي عقوباتٍ تنظيميةٍ تَحول دون انتشار المعلومات الخطرة. ومن المحتمل أن يظل ذلك دون تغير؛ ذلك أن النمو السريع لمجموعات “فيسبوك” نتيجة أزمة كورونا يزيد صعوبة التصدي لهذا النوع من المحتوى، حيث يعمل عددٌ من المجموعات بشكلٍ خاص.

وفي إبريل الماضي، قامت “فيسبوك” بحذف 1887 حسابًا وصفحةً ومجموعةً مضللةً (منها: 732 حسابًا على “فيسبوك”، و162 حسابًا على منصة إنستجرام، و793 صفحة، و200 مجموعة). وهو ما تتبعتها الشركة عبر ثماني شبكاتٍ مختلفةٍ؛ استهدف ست منها الجماهير المحلية (لا سيما في الولايات المتحدة، وجورجيا، وغير ذلك)، واستهدفت اثنتان من روسيا وإيران مواطني دولٍ أخرى.

ومن بين تلك الشبكات، كانت الشبكة الجورجية المرتبطة بشركة إعلامية تسمى “”Espersona هي الأكبر. ومنها فقط أزالت المنصة 511 صفحةً، و101 حساب على “فيسبوك”، و122 مجموعةً، و56 حسابًا على إنستجرام. وقد انصب اهتمامها على الأحداث المحلية والأوضاع الداخلية فحسب. كما قامت “فيسبوك” أيضًا بإزالة شبكةٍ أصغرٍ مقرها جورجيا، وهي الشبكة التي تكونت من 23 حسابًا على “فيسبوك” و80 صفحةً و41 مجموعةً و9 حساباتٍ على إنستجرام، وهي الشبكة المرتبطة بحزب “الحركة الوطنية المتحدة”.

الحذف والحظر والتحذير

منذ فبراير الماضي، دأبت شركة “فيسبوك” على التأكيد على حذف المعلومات الخاطئة بشأن فيروس كورونا كافَّةً، بما في ذلك المشاركات الخاصة بالعلاجات، ووسائل الوقاية المزيفة، إلى جانب أي محتوى يُحاول أن يثني الناس عن تناول الأدوية المقررة. كما قررت الشبكة حذف أي هاشتاجات مضللةٍ حول تفشي الفيروس على موقع تبادل الصور إنستجرام.

وعلى مدار أربعة أشهر، أكدت “فيسبوك” مرارًا إزالة المحتوى الذي يتضمن أي معلوماتٍ خاطئةٍ قد ينجم عنها ضررٌ جسديٌ وشيكٌ، بل وإزالة مئات الآلاف من المعلومات الخاطئة المتعلقة بفيروس كورونا، وبالاستعانة بمدققي الحقائق الذين يُصنّفون المنشورات؛ فإذا صُنف أحدها “كاذبًا”، يحدّ “فيسبوك” من انتشاره ومشاركته، ويضع عليه ملصقاتٍ تحذيريةً. وفي سياقٍ متصلٍ، يُصر “زوكربيرج” على أن الملصقات التحذيرية تعمل بكفاءةٍ، حيث اختار 95٪ من المستخدمين عدم عرض المحتوى الذي وُضعت عليه الملصقات.

وبالتوازي مع حذف المنشورات، اتخذ “فيسبوك” إجراءاتٍ ضد المعلنين الذين يسعون للاستفادة من مخاوف المستخدمين؛ فحظرت مختلف الإعلانات التي تتصل بسبل العلاج أو طرق الوقاية أو تحاول “خلق إحساس بالإلحاح” حول تفشي المرض لتحقيق مكاسب تجاريةٍ (مثل تلك التي تشير إلى محدودية الإمدادات). وهو امتدادٌ لجهود تقصي الحقائق وإزالة المحتوى الذي يتضمن ادعاءاتٍ كاذبةً أو نظريات المؤامرة التي أبلغت عنها السلطات الصحية من قبل.

ومنذ منتصف إبريل الماضي، أدركت شركة “فيسبوك” أن وصف بعض المشاركات بالكاذبة نهجٌ غير مرغوبٍ؛ فلن يرغب المستخدمون في معرفة أنهم تعرضوا للخداع، بل وقد يدفعهم ذلك إلى مشاركتها بشكلٍ متكررٍ. ولذا قررت الشركة من خلال “آخر الأخبار” عرض المعلومات الدقيقة على الأشخاص الذين أعجبوا أو ردوا أو علقوا على معلوماتٍ خاطئةٍ أو ضارةٍ حول فيروس كورونا التي أزالتها الشركة والتي ترتبط بدورها بأساطير فيروس كورونا التي تم الكشف عنها من قبل منظمة الصحة العالمية.

بعبارةٍ أخرى، ربطت “فيسبوك” بين من تفاعل مع المعلومات الخاطئة والمصادر الموثوقة، لتقول له “ساعد الأصدقاء والعائلة على تجنب المعلومات الكاذبة حول فيروس كورونا”، وذلك من خلال إشعارٍ يدعوهم إلى مشاركة رابطٍ إلى موقع منظمة الصحة العالمية لمكافحة الأكاذيب، بالإضافة إلى زر ينقل المستخدمين إذا أعجبهم أو ردوا أو علقوا على منشورات تحتوي على معلوماتٍ خاطئةٍ ضارةٍ حول فيروس كورونا إلى الموقع مباشرةً. أي إن شركة “فيسبوك” لا تقوم بإزالة المعلومات الخاطئة حول فيروس كورونا (مثل نظريات المؤامرة حول أصول الفيروس)؛ إذ تكتفي بحذف المنشورات التي قد تُلحق الضرر بالمستخدمين، وتعتمد بدلًا من ذلك على نظام التحقق من الحقائق التابع لجهةٍ خارجيةٍ. فإذا قام مدقق الحقائق بتقييم ادعاءٍ كاذبٍ، أضافت “فيسبوك” بعد ذلك إشعارًا إلى المنشور، وقللت من انتشاره، ونبهت أي شخصٍ شاركه، وثبطت المستخدمين عن مشاركته.

وفي هذا السياق، كتب “زوكربيرج” على صفحته: “في هذه الأزمة، فإن إحدى أولوياتي القصوى هي التأكد من رؤية معلوماتٍ دقيقةٍ وموثوقةٍ عبر جميع تطبيقاتنا”. ووفقًا لبياناتها الرسمية، وضعت الشركة أكثر من 40 مليون ملصق تحذيري في مارس الماضي فقط على مقاطع فيديو أو منشوراتٍ أو مقالاتٍ كاذبةٍ أو مضللةٍ. وتبعًا لها، منعت علامات التحذير تلك 95% من المستخدمين من النقر على معلوماتٍ كاذبةٍ.

وتمتلك الشركة شبكةً تَضم أكثر من 55 شريكًا في التحقق من الحقائق، وهي الشبكة التي تغطي أكثر من 45 لغةً. كما بدأت في إدراج روابط موثوقةٍ إلى معلوماتٍ مؤكدةٍ عندما يبحث المستخدم عن معلوماتٍ عن الوباء. وتأتي منظمة الصحة العالمية في مقدمة هذه الروابط. كما تستخدم مزيجًا من المراجعين البشريين وأنظمة الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المحتوى الضار قبل إبلاغ المستخدمين عنه. وفي سياقٍ متصلٍ، قال الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في الشركة “مايك شروبفر” إن “الذكاء الاصطناعي ليس الحل لكل مشكلة”. وأضاف: “إن هذه المشكلات هي في الأساس مشكلات إنسانية تتعلق بالحياة والتواصل. لذا نريد أن يتحكم البشر، ويتخذوا القرارات النهائية، وبخاصة عندما تكون المشكلات دقيقة”.

فاعلية منقوصة

على الرغم من جهود الحذف والمنع والتتبع السابقة، وفي دراسته المنشورة في مطلع يونيو الجاري، اتهم مركز مكافحة الكراهية الرقمية CCDH مواقع التواصل الاجتماعي “بالتهرب من مسئوليتها” عن وقف انتشار المعلومات الخاطئة و”الخطيرة”. وتوصلت الدراسة الصادرة عنه إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تُزيل واحدًا فقط من كل عشرة منشوراتٍ مضللة وخطيرة عن فيروس كورونا.

وتوصلت الدراسة إلى أن 90٪ من المشاركات التي تحتوي على معلوماتٍ خاطئةٍ لا تتخذ حيالها وسائل التواصل الاجتماعي أي إجراءٍ حتى بعد الإبلاغ عنها. ورصدت 649 مخالفةً لشروط خدمة المنصات أو معايير إزالة المعلومات الخاطئة. ومن بين 9.4٪ من المشاركات التي تم الإبلاغ عنها والتي اتُّخذ حيالها إجراءٌ، أُزيل 6.3٪ من المشاركات، ووُضعت علامةٌ مميزةٌ على 2٪ من المنشورات، وصُنف 1.1٪ على أنه خاطئ دون إزالته. وتبعًا للدراسة، حَذف “فيسبوك” فقط 10.2٪ من المنشورات التي أُبلغ عنها. ولا تزال المعلومات الخاطئة المتعلقة بفيروس كورونا متداولةً وبكثرةٍ، لا سيما تلك التي تتعلق بانتقال الفيروس عن طريق الجو، وتصنيعه معمليًا، وتسبب الكمامة في الإصابة بالسرطان، وغير ذلك. 

ويكشف ذلك في مجمله عن المفارقة بين وعود مجابهة المحتوى الضار من ناحيةٍ، والخطوات التي تُتخذ فعليًا من ناحيةٍ أخرى. كما قال الرئيس التنفيذي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان “عمران أحمد” إن “شركات وسائل التواصل الاجتماعي استفادت بشكلٍ كبيرٍ من هذه الأزمة، وقد حان الوقت للقيام بواجبها”. وأضاف: “لقد ادعى عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي مراتٍ عديدة أنهم يأخذون المعلومات الخاطئة المتعلقة بكوفيد-19 بجديةٍ، ولكن هذا البحث الجديد يُظهر أنه حتى عندما يخطرون بالمعلومات الخاطئة، يفشلون في اتخاذ إجراءٍ. إن نظم الإبلاغ عن المعلومات الخاطئة والتعامل معها لا يصلح”. 

ختامًا، لقد دفع البعض بوفرة المعلومات الرسمية حول فيروس كورونا، ما يعني أن المعلومات المضللة المتداولة على “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي يمكن التحقق منها بسهولة، فلا يمكن حماية المستخدمين من أنفسهم من خلال الرقابة الشاملة، فهو أمرٌ قمعي لا طائل منه. وفي المقابل، دفع آخرون بأن استمرار “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي في نشر معلوماتٍ مضللةٍ يُسهم في نشر ثقافة المؤامرة، وبث خطابات الكراهية، والترويج لوجهات النظر المتطرفة. وتكمن الإشكالية الكبرى في أن وسائل التواصل الاجتماعي -بحكم طبيعتها- لا تملك الكثير للحيلولة دون نشر الأكاذيب والمحتويات الضارة ابتداءً من جهة، وتتراجع فعالية سياستها في مواجهتها، من جهةٍ ثانيةٍ.