كورونا

رصد اعلامي

التجارة الإلكترونية في مصر: فرص واعدة وتحديات

تُعرف التجارة الإلكترونية بأنها الخدمة التجارية الخاصة بتداول المنتجات والخدمات بين الشركات والأفراد، أو بين الشركات وبعضها، من خلال أسواق افتراضية تعمل من خلال شبكة الإنترنت. وتم افتتاح شركتي أمازون وإيباي عامي 1994 و1995 ليساعدا في تسريع عملية تنمية قطاع التجارة الإلكترونية عالميًّا على مدار العقود الأخيرة.

وما كان يبدو ضربًا من الخيال في القرن الماضي، أصبح واقعًا فاعلًا اليوم، حيث تتم ملايين التحويلات المالية عبر القارات من خلال شبكة الإنترنت يوميًّا، بغرض شراء المنتجات المختلفة وتفعيل الخدمات، وذلك دون أي حاجة للتحرك لأي مكان. كما قامت معظم العلامات التجارية بإنشاء تطبيقات إلكترونية تقوم بالتوازي بنفس أنشطتها داخل فروعها العادية. كما قُدر عدد من قاموا بعمليات الشراء الإلكتروني بما يزيد على مليار مشترٍ، أي حوالي 40% من مستخدمي الإنترنت. كما أن حجم الإنفاق على التجارة الإلكترونية قد ارتفع من 1.2 تريليون دولار في 2013 إلى 2.3 تريليون دولار في 2017.

ومع الأزمة الحالية التي تواجه القطاعات الاقتصادية المختلفة بسبب أزمة كورونا، وبينما تراجع حجم التجارة العالمية بشكل لم يحدث منذ الأزمة العالمية سنة 2008، يبقى قطاع التجارة الإلكترونية أحد القطاعات التي لم تتضرر من هذا الوباء، بل إن القطاع كان من أكبر المستفيدين من الأزمة بسبب ظروف الحظر والحجر الصحي وبقية الإجراءات الوقائية في معظم دول العالم، ومنها مصر.

القطاع المصري للتجارة الإلكترونية

مع تقدم جودة خدمات البنية التحتية الرقمية منذ التسعينيات وحتى الآن، بات من المنطقي أن تتطور معها خدمات التجارة الإلكترونية داخل الحدود المصرية. ذلك أن موقع مصر المتميز داخل منطقة الشرق الأوسط، وحجم سكانها المتزايد، وتعدد الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، شجع على تحسين وتيرة نمو التجارة الإلكترونية بها خلال السنوات الماضية. إذ تمثل نسبة السكان المستخدمين لخدمات الإنترنت أكثر من 54٪. كما ارتفع الترتيب المصري في مجال التجارة الإلكترونية عالميًّا عدة مرات، حتى وصل إلى المرتبة رقم 104 في عام 2019.

ورغم وجود العديد من الشركات العاملة في هذا القطاع داخل مصر، إلا أن معظمها من الشركات الناشئة الجديدة، التي لم يبلغ عمرها خمسة أعوام. لكن العديد من الشركات التجارية العالمية بدأت عملها داخل مصر، وساعدت في تحديد آليات السوق وزيادة الوعي داخل شرائح المجتمع المستهدفة بخصائص هذا النوع من التجارة. على سبيل المثال، نجد أن شركة “جوميا” أصبح لها مستودعات بمصر بعدما ضخت 20 مليون دولار من الاستثمارات خلال عام 2012 فقط. كما ازدادت قيمة التجارة الإلكترونية في مصر إلى حوالي 17 مليار جنيه خلال 2019.

المعوقات التي تواجه هذا القطاع داخل مصر

رغم كل نقاط القوة والفرص المبشرة بنمو القطاع، لا تزال هناك بعض المعوقات؛ إذ إن أكثر من 56٪ من السكان ليست لديهم المعرفة الكافية بكيفية استخدام ولا أهمية التجارة الإلكترونية. كما أن عدم الاعتراف القانوني بالعقود الإلكترونية، وقلة عدد وسائل الدفع الآمنة والسهلة على الإنترنت، يعتبر من أهم المعوقات القانونية والمالية.

وتشكل الإجراءات التأسيسية لخدمات الشركات الناشئة في القطاع التحدي الأكبر لاستمراره. إذ تستغرق عمليات التسجيل لنوع الخدمة واستخراج التصاريح المختلفة لإطلاق عمليات تداول تحويلات الأموال إلكترونيًّا شهورًا طويلة. وهو ما دفع بعض الشركات الناشئة للبدء في دول عربية أخرى في المنطقة كالإمارات العربية المتحدة، وذلك رغم التحسن التدريجي والتسهيلات التي قدمتها الحكومة المصرية مؤخرًا.

وتهدف المراجعات المصرية الأخيرة للقطاع إلى تطويره، مع تقديم حزم مختلفة من الإجراءات المالية والقانونية، فهناك خطوات سريعة لإنشاء بنوك إلكترونية، والتوسع في تقديم التطبيقات الخدمية للقطاع ككل، والدعم عبر التمويل أو الشراكة. لكن الأخبار الأخيرة المتعلقة بالإصلاحات الضريبية طرحت العديد من التساؤلات بصدد مدى تأثير هذه الإصلاحات على ذلك القطاع.

الإصلاحات الضريبية في قطاع التجارة الإلكترونية

ما زالت الحكومة المصرية مستمرة في التأكيد على استمرارها في الإصلاحات الضريبية المختلفة، والتي كان لها دور فعال في زيادة جملة الإيرادات للموازنة العامة. وتستهدف الإصلاحات الجديدة للعام المالي 2020/2021 زيادة جديدة تقدر بحوالي 14% لتصل إلى تريليون و288 مليار جنيه. واشتملت تلك الإصلاحات على تعديل الأنظمة الخاصة بالضريبة على القيمة المضافة والجمارك للسماح بفرض ضرائب على الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية.

وكان البند الأول في تلك الإصلاحات متعلقًا بصورة مباشرة بخدمات التجارة الإلكترونية. إذ نص على تعديل الأنظمة الخاصة بالضريبة على القيمة المضافة والجمارك للسماح بفرض ضرائب على الخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية (وفقًا لمعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وأفضل الممارسات الدولية). وهو البند الذي أثار حالة من الجدل حول تفسيره وتقدير حجم تأثيره.

وقد نفى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء الأخبار المتداولة عبر بعض المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي حول فرض ضريبة جديدة على السلع المبيعة إلكترونيًّا. وذلك بعدما قام بالتواصل مع وزارة المالية، التي نفت بدورها تلك الشائعات. كما أوضح أن تعديلات القانون لم تتضمن فرض أية ضرائب جديدة على المستهلكين، سواءً على السلع المباعة عبر التجارة الإلكترونية أو عبر وسائل البيع التقليدية. إلا أن البند يشمل إجراء إصلاحات تتعلق بتحصيل وتوريد الضريبة المستحقة على الشركات غير المقيمة رغم مباشرتها أعمالها داخل مصر، وذلك عن طريق تطبيق نظام تسجيل وتحصيل مبسط، عوضًا عن النظام الحالي القائم على تعيين ممثل قانوني.

ويهدف هذا التعديل بالأساس إلى توسيع القاعدة الضريبية، من خلال تشجيع الشركات الأجنبية على الدخول إلى السوق المصرية والعمل وفقًا للمعايير العالمية، مع توفير الضمانات لتيسير توريد الضرائب المحصلة، على النحو الذي يُرسي مبادئ المنافسة العادلة. وبناء على مبادئ المنافسة تلك يهدف التعديل إلى ضمان خضوع سلع وخدمات الشركات غير المقيمة لنفس فئات الضريبة المفروضة على الشركات الوطنية.

كما أوضحت وزارة المالية أن ضريبة القيمة المضافة مطبقة بالفعل، منذ صدور القانون في 2016، على السلع المباعة عبر المنصات الإلكترونية حاليًّا. ويتم تحصيلها إما عن طريق الشركة مباشرة إذا كانت مقيمة، أو عن طريق مصلحة الجمارك إذا كانت الشركة غير مقيمة، مثل أمازون على سبيل المثال لا الحصر. 

تحديات تطبيق الضرائب على التجارة الإلكترونية

مع تطور ونمو التجارة الإلكترونية عالميًّا، ازدادت صعوبة الإمساك بزمامها ومراقبة حركة الأموال داخلها من قبل الحكومات المختلفة، خاصة عند مقارنتها بالتجارة التقليدية ذات الأدوات والقوانين المألوفة. ويعتبر تحصيل الضرائب من أهم الأدوات القانونية التي تتيح للدولة التدخل والتأثير على الاقتصاد ومؤسساته. كما تعتبر الضرائب موردًا مهمًّا من الموارد المالية للدولة، مما يفسر سبب اتجاه بعض الدول لدراسة كيفية تحصيل الضرائب من التجارة الإلكترونية رغم صعوبته.

إلا أن هناك من يعتبر أن فرض الضرائب على هذا القطاع سيشكل حتمًا نوعًا من القيود الكابحة لنموه، خاصة أنه لا يزال يعتبر قطاعًا ناشئًا في حالة الدولة المصرية. لكن من ناحية أخرى، فإن الإعفاء الضريبي لهذا القطاع سيترتب عليه إخلال بميزان المنافسة العادلة مع التجارة التقليدية، كما سيؤدي إلى تخفيض إيرادات الدولة من نصيب الأرباح المتزايدة للعديد من الشركات غير المكبلة بنفس الالتزامات المادية الخاصة بالتجارة التقليدية، بحكم طبيعة عملها داخل أسواق إلكترونية افتراضية. 

وترجع صعوبة فرض الضرائب بالآليات المعتادة لعدة أسباب، منها صعوبة التوصل للوثائق الورقية للمعاملات، مما يشكل صعوبة في إثبات العمليات التجارية. ومنها صعوبة تتبع المبيعات عبر العالم. ومنها الانفصال المكاني، وهي الحالة مع الشركات غير المقيمة، التي يمكن أن يتواجد مقرها في أي مكان حول العالم وتمارس أنشطتها في مصر وغيرها من الدول دون وجود مقر ثابت لها في تلك الدول، ودون أن يؤثر ذلك علـى أدائها الوظيفي. من تلك الأسباب أيضًا صعوبة تحديد الهوية لطرفي التعامل التجاري الإلكتروني، وهو ما يؤدي لتعقيد عملية استكمال الملفات الضريبية، وقد يستخدم في التهرب الضريبي.

فرص القطاع في المستقبل القريب

تشير معدلات زيادة الشركات الناشئة في المجال داخل مصر ودخول الشركات الأجنبية، والتسهيلات التمويلية المستحدثة لتشجيع القطاع، إلى طفرة نوعية في سوق التجارة الإلكترونية، خاصة إذا تم التركيز على خطط أكثر فاعلية لنشر الوعي للفئات المستهدفة. لكن هناك المزيد من الإجراءات التي يجب أن تُراعَى من قبل الحكومة، مثل إعادة تقييم إجراءات تأسيس الشركات، وتفعيل التحويلات المالية الإلكترونية، مع مراعاة الأبعاد الأمنية الأساسية. كما أن عمليات التحصيل الضريبي، رغم أهميتها لميزانية الدولة وتفعيل التنافس العادل، يجب ألا تعرقل النمو المطلوب للشركات العاملة بالمجال، وذلك بأن تكون محايدة وأكثر ملاءمة لظروف هذا القطاع الناشئ.

مقالات وتحليلات

مستقبل التجارة الدولية بعد جائحة كورونا

مع استمرار انتشار فيروس كورونا، وتراجع حجم التجارة الدولية بسبب تطبيق العديد من الدول سياسات الإغلاق التام؛ يسلط الكثيرون الضوء الآن على مخاطر الاعتماد على سلاسل القيمة العالمية. وهناك حديث متواتر عن تراجع العولمة. العولمة تعتمد على الروابط المعقدة (سلاسل القيمة العالمية) التي تربط المنتجين في العديد من البلدان. وغالبًا ما يستخدم هؤلاء المنتجون سلعًا وسيطة عالية التخصص، أو مدخلات ينتجها مورد خارجي واحد فقط.

هذا المقال يُناقش تأثير فيروس كورونا على التجارة الدولية، ومستقبل ظاهرة العولمة بعد جائحة كورونا، وأخيرًا ما يمكن للدول القيام به للحد من الاضطرابات الاقتصادية.

تأثير كورونا على التجارة الدولية

توقعت منظمة التجارة العالمية أن تنخفض التجارة الدولية خلال عام 2020 بنسبة تتراوح بين 13٪ – 32٪، ويعود ذلك إلى عدم القدرة على المعرفة الدقيقة بحجم تأثير الأزمة الصحية على الاقتصاد. رغم أنه في ذروة الأزمة المالية في عام 2009، انخفضت التجارة بنسبة 12.5٪. وتوقعت المنظمة أن جميع المناطق تقريبًا ستعاني هذا العام من انخفاض مزدوج الرقم في التجارة، أي أكثر من 10%. كما أن القطاعات ذات سلاسل القيمة المعقدة، مثل الإلكترونيات ومنتجات السيارات، هي القطاعات التي من المتوقع أن تشهد انخفاضًا أكثر حدة، ولكن التجارة في قطاع الخدمات قد تكون هي الأكثر تضررًا من جائحة (كوفيد-19) بسبب قيود النقل والسفر وإغلاق المطاعم والفنادق وأماكن الترفيه. وتتوقع المنظمة انتعاشًا في تجارة السلع العالمية خلال العام المقبل 2021 بنسبة تتراوح بين 21٪-24٪، ويتوقف ذلك على مدة تفشي الفيروس التاجي وفعالية الاستجابات السياسية. 

وبالإضافة إلى ذلك، تتوقع منظمة التجارة العالمية أن تكون الصادرات من أمريكا الشمالية وآسيا أكثر تضررًا. ووفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، انخفضت قيمة الصادرات الصينية في الشهرين الأولين من عام 2020 بنسبة 17.2٪ على أساس سنوي، في حين تباطأت الواردات بنسبة 4٪. وأثر هذا الانخفاض في التجارة الصينية على بعض الأسواق أكثر من غيرها، حيث انخفضت الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 29.9٪ في الشهرين الأولين من هذا العام عن العام السابق، بينما انخفضت الواردات من الاتحاد الأوروبي بنسبة 18.9٪. وانخفضت الصادرات والواردات من الولايات المتحدة بنسبة 27٪ و8٪ على التوالي. في عام 2019، كانت الولايات المتحدة أكثر البلدان اعتمادًا على الصين تجاريًّا، تليها سبع دول أوروبية واليابان. وبحلول عام 2020، تقدمت الدول الأوروبية أكثر في التصنيف العالمي. لذلك فإن هذه الانخفاضات الكبيرة مرتبطة بالاعتماد المتبادل القوي بين الشركات الأوروبية والأمريكية والصينية.

هل هذه نهاية العولمة أو التجارة الدولية؟

هناك نقاش حول تأثير جائحة (كوفيد-19) على هيكل الإنتاج العالمي وسلاسل التوريد العالمية. بالنسبة للبعض، تكشف جائحة كورونا عن أهمية إعادة تأميم سلاسل التوريد، أو على الأقل تقصيرها، للحد من المخاطر العالمية. ومن هذا المنظور، قد تحتاج الشركات إلى إعادة التفكير في قراراتها المتعلقة بمصادر الإمداد، مما يؤدي إلى إعادة ترتيب سلاسل الإنتاج العالمية. وبالمثل، هناك نقاش حول ما إذا كانت الحكومات تحتاج إلى إعادة النظر في قائمة السلع الاستراتيجية التي تتطلب إنتاجًا محليًّا، أو فرض قيود جديدة على مصادر الإمداد على الشركات، وما إذا كانت أيضًا بحاجة إلى إعادة النظر في ممارسات المشتريات الحكومية. على سبيل المثال، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لين”، إلى تقصير سلاسل التوريد العالمية لأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على عدد قليل من الموردين الأجانب. كما دعا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، إلى تعزيز “السيادة الاقتصادية” الفرنسية والأوروبية من خلال الاستثمار داخل البلاد في قطاعات التكنولوجيا والطب. لكن لم يتخذ أي بلد أي إجراء جاد لإلغاء أو عكس تحالفاتهم ومصالحهم واستراتيجياتهم العالمية. فحتى الآن، لم تغير أي من الدول الكبرى استراتيجيتها في السعي من أجل اقتصاد أكثر ترابطًا. فما زالت الصين تواصل استثماراتها الهائلة في مبادرة “الحزام والطريق” التجارية، ويحاول الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية التوصل إلى اتفاق بخصوص فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى (جوجل، فيسبوك، ومايكروسوفت) وهذا لتجنب حرب الرسوم الجمركية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال ألمانيا حريصة على تجنب الخلافات مع الولايات المتحدة أو الصين. 

لذلك، هناك خطر من افتراض افتراضات سريعة حول ما هو ضروري لضمان المرونة. على الصعيد الدولي، غالبًا ما يكون الإنتاج المتنوع مصدرًا للمرونة والتكيف للشركات في بيئة مختلفة، فالاكتفاء الذاتي من العرض يختلف عن ضمان العرض. ستكون هناك أيضًا حاجة لكل من الشركات والحكومات للتفكير مرة أخرى في أفضل السبل لضمان مرونة سلاسل التوريد. وسيتطلب ذلك فهمًا أفضل لنقاط القوة ونقاط الضعف في سلاسل التوريد الرئيسية في الأزمة الحالية، والنظر مرة أخرى في أدوات المرونة في ضوء ذلك. بالنسبة للحكومات، ستكون هناك حاجة للنظر في سياسات التجارة والاستثمار التي يمكن أن تدعم المرونة على أفضل وجه. على سبيل المثال، توفُّر البنية التحتية الرقمية لتقليل الضربات المتعلقة بالإنتاجية والتي تساعد على استئناف التجارة الدولية في أوقات الأزمات. وفي هذا الصدد، قال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية “روبرتو أزيفيدو” في مؤتمر صحفي إن البلدان التي تعمل معًا ستشهد انتعاشًا أسرع مما لو تصرفت كل دولة بمفردها، وأن التحول إلى سياسات الحماية سيخلق صدمات جديدة، ولن تكون أي دولة مكتفية ذاتيًّا بالكامل، وأن الإجابة هي التنويع بحيث تأتي الإمدادات من أكثر من منطقة واحدة أو لاعب واحد. 

وهناك ما يبرر المخاوف بشأن الاعتماد المفرط على سلاسل القيمة العالمية المعقدة في حالة المنتجات المتعلقة بالأمن القومي، مثل الإمدادات الطبية. ولكن هذه ليست نهاية العولمة، بل إعادة تكوين سلاسل القيمة العالمية. فعلى الرغم من أن سلاسل التوريد العالمية معقدة للغاية، إلا أن سلاسل القيمة العالمية تتبع مبدأ الكفاءة، وهذا نتيجة قيام الشركات بتوظيف أفضل المدخلات الممكنة لتلبية احتياجات الإنتاج بأقل تكلفة، أينما كان الموقع الذي تأتي منه هذه المدخلات، مما يضمن بقاء العولمة. فبينما تظل الكفاءة الهدف الرئيسي، ستستمر الشركات في التسوق عالميًّا.

ما الذي يمكن للدول القيام به؟

بعض البلدان غير قادرة على إنتاج الإمدادات الطبية الخاصة بها بكميات كافية أو بشكل فعال من حيث التكلفة. هذا هو الحال بشكل خاص في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث بدأ الفيروس في السيطرة عليها. ففي هذه البلدان، لا ينبغي أن تكون أولوية الميزانيات الصحية المحدودة بناء قدرات التصنيع المحلية. بالنسبة لهذه البلدان -كما كان الحال بالنسبة للبلدان الأخرى التي عانت من الفيروس حتى الآن- فإن التجارة الدولية ضرورية.

وبناء على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وللحفاظ على الثقة في الأسواق العالمية، هناك حاجة لتجنب المزيد من التصعيد في التوترات التجارية المستمرة. ومع التوترات المتزايدة في الشركات بسبب الانهيار في الطلب وعدم اليقين المستمر فيما يتعلق بمدة وشدة جائحة كورونا وتدابير الاحتواء ذات الصلة، فإن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لفرض المزيد من التكاليف. ففرض تكاليف إضافية على الشركات والمستهلكين من خلال التعريفات الجمركية لا يتسبب فقط في مشقة لأولئك الذين يعانون بالفعل من فقدان الدخل بسبب الأزمة، ولكن أيضًا يخاطر بزيادة حجم المساعدة الحكومية اللازمة لدعم تلك الشركات والمستهلكين. لذلك، من بين الخطوات الإيجابية لتعزيز الثقة وتخفيف الأعباء أن تلتزم الحكومات بعدم فرض تعريفات جمركية جديدة أو إجراءات تقييدية تجارية.

وفي حين كانت التجارة الدولية واحدة من أولى ضحايا الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، إلا أن إجراءات تقييد التجارة الجديدة أثرت على حوالي 1٪ فقط من الواردات العالمية. ففي ذلك الوقت، التزم قادة مجموعة العشرين بالامتناع عن تدابير الحماية والتمسك بنظام التجارة القائم على القواعد، وأوجدت قواعد التجارة في منظمة التجارة العالمية بعض اليقين للشركات، واستقر النظام من خلال وضع سقف على الإجراءات الجمركية. وفي حين أن هناك بعض الاختلافات، وكذلك التشابهات، بين أزمة عام 2008 وأزمة كورونا، فإن البيئة الاقتصادية غير المؤكدة الحالية تزيد من الحاجة إلى الالتزام بالتجارة المستندة إلى القواعد والابتعاد عن سياسات الحماية التجارية.

مقالات وتحليلات

ملاحظات مهمة حول عالم “كوفيد” وما بعده

حاولت تفادي الخوض في محاولات استخلاص الدروس المستفادة من أزمة وباء “كوفيد-19″ والتنبؤ بملامح عالم ما بعده، وما زلت مقتنعًا بأن الوقت مبكر لاستخلاص هذه الدروس أو التنبؤ بهذه الملامح؛ فتحليل أزمة قبل انفراجها ضرورة سياسية (لتسهيل عمل القائمين على الأمر) و”هباء” علمي (الشروط الموضوعية لإجراء بحث رصين غير متوافرة، والخبراء يغيرون رأيهم مع تطورات الأزمة ومساراتها). وما زلت أومن بأن أغلبنا –وأنا منهم- لا يملك كافة الأدوات اللازمة للقيام بهذه العملية، نظرًا لتعقد العلم والعالم. على سبيل المثال لا الحصر، لست طبيبًا ولا خبيرًا اقتصاديًّا، وكل من شرق آسيا وأمريكا اللاتينية قارتان أجهل الكثير عنهما. ولكنني عدلت عن موقفي لأبدي بعض الملاحظات على ما أقرؤه وأسمعه لعلها تفيد القارئ في إيجاد طريق في دهاليز الحوارات والتحليلات والاجتهادات و”المهاترات”.

ما نجهله كثير ومخيف، لا نعلم متى ستنتهي الأزمة ويختفي الوباء، وهل ما شاهدناه جولة ستتبعها جولات؟ هل سيعود الفيروس في الخريف المقبل أم سيختفي نهائيًّا مع نهاية تلك الجولة؟ ولا نعلم إن كنا سنتوصل إلى مصل أو علاج ومتى؟ ولا نعلم على وجه اليقين لو الشفاء من المرض يحصن ضد عودته، ولا نعلم أي شيء عن حدة الركود والانكماش والتقلص في الدول. في دولة مثل فرنسا مثلًا السيناريو الأفضل يتحدث عن ٧٪ انكماش والأسوأ عن ١٧٪، الفارق لا يمكن أن يستهان به. وبالتالي لا نعلم شيئًا عن طول مدة تعافي الاقتصاد إن كان ممكنًا. ولا نعلم إن كان من يحسن الأداء على الأجل القصير يضحي بالمستقبل أم يمهد له، ولا نعلم إن كانت أنماط الحياة والعمل التي ظهرت أيام الوباء ستستمر أم ستختفي، ولهذا السؤال أهمية قصوى بالنسبة لبعض الأنشطة مثل المطاعم والسياحة والحياة الثقافية والتخزين والنقل الجوي.

وأساسًا لا نعلم إن كان الوباء فاصلًا سخيفًا بين دورة حياة عادية وأخرى، أم سبب تعديل طفيف أو مهم للنظام الدولي الحالي، أم إيذانًا بالانتقال من نظام دولي إلى آخر. ولا نعلم إن كان التحدي الهائل الذي يمثله الخروج من الأزمة وتنفيذ ما تعلمناه منها (إن كنا قد تعلمنا شيئًا) سيحث الشعوب -أقصد كل شعب على حدة- على وحدة الصف والعمل أم سيدفعها الاختلاف حول الروشتة الواجب اتّباعها أو على الكعكة التي صغرت إلى استقطاب جديد قد يلهم أو قد يشل، قد يبني وقد يدمر. وإن رفضنا هذه الثنائية لحدتها فكيف ستؤثر الأزمة على توجهات الرأي العام في الدول المختلفة؟ ولا نعرف تأثيرها على التنمية البشرية والأمن الإنساني: هل الإصابة بالمرض تترك آثارًا لا تُمحى؟ من ناحية أخرى، هل المجتمعات ستخسر كفاءات ومهارات قد تكون مطلوبة أم لا، وستكتسب أخرى قد تكون مطلوبة أم لا، وكيف سيميل الميزان؟ ما هي التبعات النفسية للعزل والحظر؟ ما هو تأثير الأزمة وتبعاتها على الأجيال الشابة؟ الجيل البالغ من العمر الثلاثين عامًا لم يعرف عالمًا دون أزمات كارثية. ما تأثير هذا على رؤيته للعالم وعلى أدائه؟ 

وعلى مستوى العلاقات الدولية لا نعلم كيف ستتطور موازين القوى، وكيف ستؤثر الأزمة الاقتصادية على الإنفاق العسكري وعلى إدارة النزاعات، وعلى حركات الهجرة المشروعة وغير المشروعة، وعلى تقسيم العمل الدولي، وعلى الموازنة بين اعتبارات الأمن وحرية الاقتصاد والتجارة، وعلى أهداف الفاعلين. بعضهم يرى في الأزمة فرصة لأنها أضعفت منافسيهم، والبعض الآخر قد يضطر إلى التنازل عن طموحاته. 

وبصفة عامة، يجمع الكل على أن هذه الأزمة فريدة. على عكس الأزمات الاقتصادية السابقة، فإنها ليست وليدة تناقضات الرأسمالية وعطب آلياتها، ويفضل البعض مقارنتها بحرب ولكن الحروب تدمر البنية التحتية للدول وتقتل شباب الأمم، ولم يحدث هذا، وهي أزمة صحية ولكننا لم نعرف أزمة بمثل حدتها. وإلى جانب هذا المجهول هناك سياسات يتفق الجميع على ضرورة اتباعها، ويختلفون حول التوقيت والتمويل والمدة والتفاصيل وكيفية ضبطها (سياسات تنشيط الاقتصاد) وإنهائها وتقدير أهمية آثارها الثانوية.

الإقرار بكم المجهول وتشعبه لا يعني أننا لا نعرف شيئًا ولم نتعلم شيئًا، وإن تعلمنا فهذا لا يعني بالضرورة قدرتنا على التصرف وفقًا لما تعلمناه.

تقييم أولي لأداء قيادات الدول المتقدمة

هناك إجماع على القول بأن أغلبهم فشل في إدارة الأزمة، باستثناء المستشارة الألمانية “ميركل” وربما رئيس وزراء اليابان. وقد يكون هذا الإجماع ظالمًا بعض الشيء لأن بطء ردود الفعل على أزمة جديدة تمامًا أمر طبيعي، ولأن الدروس السابقة التاريخية التي فرضت نفسها كنموذج في أول الأمر – أزمة فيروس سارس- لعبت دورًا في جعل الجميع يضل الطريق وفي بث طمأنينة في غير محلها. ولأن الخيارات كانت بالغة الصعوبة: الصحة مقابل الاقتصاد، مع ملاحظة أن التراجع الاقتصادي يتسبب في إضعاف القدرة على تمويل منظومة الصحة. وبشكل عام، فإن تعطيل الاقتصاد والتسبب في انكماش غير مسبوق ولأجل غير مسمى هو قرار مرعب، لا سيما مع تصاعد حدة الصراع والتنافس الدوليين. 

وقطعًا لعب الحظ دورًا في حجم الأزمة هنا وهناك، وكان أوفرهم حظًّا الألمان. ورغم هذا، يمكن القول إن القيادات فشلت وإن الأزمة أكدت عيوب كل منها وعيوب أسلوب حكمها وعيوب وأخطاء أسلافها، فالقادة الحاليون ليسوا مسئولين دائمًا عن تدهور حالة منظومة الصحة. لن نتكلم عن المقارنة والمفاضلة بين خيار الحظر وخيار رفضه، لأنني أعتقد أن هذا الحديث سابق لأوانه، سنقول إن هناك من احتقر تمامًا رأي الخبراء، وهناك من خضع لهم تمامًا مما ترك انطباعًا سيئًا. وهناك من توارى تاركًا إدارة الأزمة لرجاله، وهناك من أفرط في الظهور ولم يوفق في خطابه إلى الأمة، وهناك من ضُبط كاذبًا، وبعضهم ارتكب أخطاء في التوقيت تسببت في زيادات كبيرة في عدد الوفيات ولا يمكن نسبتها كلها إلى كون الأزمة غير مسبوقة. هناك من لم يحترم قواعد الحظر الذي فرضته الحكومة، وهناك من بالغ في البحث عن كبش فداء خارجي أو ساهم في تفاقم العلاقات الدولية. وهناك من أفرط في إنكار البعد السياسي للأزمة محولًا إدارتها لمشكلة فنية محضة. وفي المقابل، هناك من أدارها مغلبًا الحسابات الانتخابية. وهناك من أصابه المرض وأثر على أدائه سلبًا، وأغلبهم وظف الإحصاءات لتحسين الصورة أو بالعكس لتشويهها (عند الخصوم) بتعمد عدم تحليلها بصدق. وفي المقابل، هناك قيادات وسيطة ووزراء أظهرت مهارات وحسن تقدير لاقوا استحسانًا كبيرًا لدى الجمهور. وعلينا أن نضيف إلى كل هذا أن أداء المعارضة ليس أحسن بكثير، مع بعض الاستثناءات.

ونشير بسرعة إلى جدلين ثارا حول دور طبيعة الأنظمة في إدارة الأزمة، وحول دور “النوع”، هل إدارة القادة النساء للأزمة أفضل من إدارة القادة الرجال؟ مبدئيًّا السؤال الأول يفترض أن كل الأنظمة الديمقراطية لها نفس الطبيعة وكل الأنظمة السلطوية على نفس الشاكلة، وهذا محل نظر. وبشكل عام، أجرى عميد الدراسات السياسية في فرنسا العلامة “جان لوكا” مقارنة بين أداء الأنظمة الديمقراطية والسلطوية الأوروبية، وخلص إلى أن الأنظمة الديمقراطية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الاقتصادية، وأن الأنظمة السلطوية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الصحية. وحذر من القفز إلى نتائج متسرعة؛ فأوروبا ليست العالم، والفيروس وصل إلى إيطاليا وفرنسا قبل غيرهما مما أعطى للدول الأخرى فرصة لدراسة الموقف وأخذ الاحتياطات.

وفيما يتعلق بالقيادة النسائية للأمور؛ لم أقتنع تمامًا بما قرأته. كما يشير “نيكلاس كريستوف” في “نيويورك تايمز”؛ فهناك فئة من القادة الرجال أداؤهم كان بالغ السوء فأثروا بالسلب على متوسط أداء “النوع”، وهم الرجال الذين لا يستمعون إلى المشورة ويجدون في طلبها “مذلة”، ويتباهون بعدم ثقتهم في الخبراء، ويبالغون في الثقة في قدراتهم. وقال أيضًا إن السببية قد تكون معقدة، إذ يمكن القول إن المجتمع القادر على انتخاب امرأة لقيادة البلاد يكون غالبًا أكثر تقدمًا وانفتاحًا من غيره.

وأود أن أشير إلى ضرورة وضع نجاح المستشارة الألمانية “ميركل” في سياقه. من ناحية، الألمان كانوا محظوظين، في إيطاليا وفرنسا كانت التجمعات الكبيرة سببًا في الانتشار السريع للفيروس، ورغم أن ألمانيا عرفت تجمعات مماثلة، إلا أن الفيروس لم ينتشر. من ناحية أخرى، فإن خلفية “ميركل” العلمية سمحت لها بفهم سريع للمخاطر، وفي فهم ما يقوله الخبراء والتفضيل بينهم إن اختلفوا. من ناحية ثالثة، فإن أسلوبها في إدارة البلاد، وحرصها على تجنب الجدل العام وصراع الأفكار والأيديولوجيات والميل إلى “قتل السياسة” لصالح الإدارة التكنوقراطية، والأخذ بأفكار الخصوم إن كانت مناسبة أو ذات شعبية، والتزام منهج وسطي، كان ملائمًا تمامًا لإدارة مثل هذه الأزمة، ولكنه بصفة عامة عليه مآخذ كثيرة في ملفات أخرى بالغة الأهمية. وأخيرًا وليس آخرًا كانت المنظومة الصحية الألمانية أكثر جاهزية من غيرها (ارتفاع نسبة المسنين في ألمانيا لعبت دورًا في هذا). كل هذا لا يقلل من براعتها وحنكتها، فأحسنت مخاطبة الألمان، وفي تقدير التوقيت، ووفقت في أغلب القرارات. ويمكن القول أيضًا إن رئيسة وزارة نيوزيلندا تعاملت مع وضع أسهل نسبيًّا، فالكثافة السكانية الضعيفة هناك حدت من انتشار المرض.

ويبدو أن اللا مركزية الألمانية لعبت دورًا أيضًا في ارتفاع مستوى أداء المنظومة. قال لي بعض الزملاء الفرنسيين إن أداء أجهزة الدولة ومنظومة الصحة الفرنسية، وتفاني “الجيوش البيضاء” أنقذا فرنسا من كارثة محققة تكون تبعات ونتيجة الأداء السيئ للقيادات الحالية وأسلافها. وهناك صحفيون قالوا إن المركزية الفرنسية تسببت في بطء بعض ردود الأفعال وفي رفض التمييز بين المحافظات فيما يتعلق بالإجراءات. ويبدو لي أن الرأيين صائبان.

ويكثر الحديث عن مستوى الأجيال الحالية للقيادات، هناك شبه إجماع على تدهوره واختلاف حول أسبابه. تراجع الثقافة الاستراتيجية، تأثير أيديولوجيا الدمقرطة وحقوق الإنسان فيما يتعلق بالقيادات الغربية، الانعزال عن الجماهير، ضغط مقتضيات وأبجديات الحديث عبر الشاشة الصغيرة، تراجع مستوى الثقافة والتعليم، تسارع وتيرة الأحداث وتعقد القضايا والعلاقات فيما بينها، التعارض بين المهارات المطلوبة للوصول إلى القمة وتلك المطلوبة لممارسة الحكم، انتشار صبيانية نرجسية في صف القادة. باختصار هناك في عدد مهم من الدول أزمة ثقة بين الحكام والمحكومين قد تكون لها تبعات خطيرة في مرحلة مطلوب فيها من الجميع بذل التضحيات. 

ويلاحظ أن أزمة الثقة طالت الخبراء في بلاد كثيرة؛ التسرع في إعلان نتائج ثم التراجع، الشجار العلني حول كفاءة دواء وحول أهمية الكمامة، وشجار بات واضحًا أن اعتبارات لا تمت بصلة إلى الطب لعبت دورًا فيه، جدل علني يشكك في منهج ونزاهة زملاء.. إلخ. 

تبعات الأزمة

علينا أولًا فهم أنه لا يمكن التوصل إلى توصيات صالحة لكل الدول، إن استثنينا عموميات من طراز “ضرورة دفق أموال ضخمة لتنشيط الاقتصاد ولدعم الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة”، فالدول المتقدمة والدول النامية لا تعاني من نفس المشكلات، وفي وجه المخاطر الاقتصادية والمالية التي تهدد الجميع (انهيار شبكات الإمداد والتموين، إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ارتفاع ضخم في نسبة البطالة، إفلاس البنوك والدول) فإن لكل دولة نقاط قوة وضعف تختلف عن غيرها، وبالتالي تختلف الأولويات والاستراتيجيات. 

هناك دول كانت تعاني من مشكلة ديون قبل حلول الأزمة، ودول وضعها المالي أحسن بل جيد، وهناك دول يعتمد اقتصادها على الصناعة، وهناك دول تكون فيها الخدمات عمودها الفقري، وهناك صناعات تعاني من أزمة (السيارات) سبقت الوباء، وصناعات تعاني من الأزمة بسبب الوباء (الطيران). وبالعكس هناك صناعات قد تستفيد من الأزمة. خبير فرنسي مرموق يقول إن الدول التي تعتمد على الصناعة فرصها أفضل في الخروج من الأزمة من تلك التي تعتمد على الخدمات والسياحة. ومن ناحية أخرى، تلعب التركيبة العمرية دورًا مهمًّا، لأن الوباء يصيب المسنين، وهناك مشكلات لا تخص إلا الدول التي تعرف مركزية شديدة وأخرى تنفرد بها الدول التي تعرف قدرًا مهمًّا من اللا مركزية. وهناك دول معرضة لتهديد عسكري وأخرى تجيد ممارسة الابتزاز ودول في أمان نسبي.

متابعتي لأزمات سابقة، وخطابات السياسيين والخبراء، دفعتني إلى اعتقاد، قد يكون خاطئًا، أن القليلين يغيرون مذهبهم أثناء أزمة، في حين أن الأغلب يميل إلى اعتبار الأزمة تأكيدًا لقناعاته المسبقة، فمن يؤمن بضرورة وجود نظام دولي “ليبرالي” قائم على مبادئ قانونية وعلى التعاون بين الدول لن يغير رأيه، ومن يرى أن النظام العالمي “هوبزي” (نسبة إلى توماس هوبز) وتحكمه مبادئ الواقعية القحة سيستمر على مذهبه. 

وفي أول الأمر بدا أن القراءتين –الواقعية والليبرالية- لهما أنصار وحجج، لأنك تستطيع أن تقول إن مواجهة الأزمة تقتضي تعاونًا دوليًا صادقًا، وتستطيع أيضًا أن تقول إن قسوتها تجبر الجميع على الدفاع عن مصالحه بشراسة وأنانية، إلا أن تطور الجائحة رجح كفة الواقعيين، لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية. حتى الدول الأوروبية التي تنحاز تاريخيًا لنظام دولي ليبرالي لم تهب لمساعدة إيطاليا في أول الأمر، وأحد أسباب ترجيح كفة الواقعيين هو قراءات وسلوك الكبار وغيرهم. الولايات المتحدة والصين وروسيا (وتركيا) انتهجت نهجًا واقعيًا شرسًا. وأعتقد أن القراءة الواقعية أصلح لفك طلاسم عالم متعدد الأقطاب، مع الاعتراف بأن عددًا كبيرًا من الملفات تستوجب مقاربة ليبرالية (تعاون وتحكيم القانون).

ثانيًا، كشفت الأزمة تهافت المنطق الذي حكم العولمة. وباختصار نرجو ألا يكون مخلًا، تجاهل هذا المنطق التعارض بين مقتضيات التجارة والاقتصاد وضرورات الأمن والقوة والاستراتيجية (بمعناها الضيق) أو قلل منه ومن تبعاته. تجاهله أو قلل منه إما بالقول إن الأمن اتسع مفهومه وتغيرت طبيعته، وأصبح يستلزم تعاونًا، وهذا حقيقي في عدد كبير من الملفات مثل الإرهاب والهجرة وتجارة المخدرات والأمن البيئي والتصنيع الحربي، وإما بالقول إن العولمة الاقتصادية ستعمم الثراء والرخاء، وإن الدول الغنية المستفيدة من التجارة العالمية ستتحول حتمًا إلى ديمقراطيات، والديمقراطيات لا تحارب بعضها، وبالتالي فإن الحروب إلى زوال لا سيما في العصر النووي، وهذا الكلام بالغ التبسيط. وإن شئنا الدقة قلنا إن هذا الكلام جائز، ولكن التحول إلى الديمقراطية قد يحدث في سنوات معدودة، وقد يحتاج إلى عقود بل إلى قرون، ولذلك لا يمكن التعويل عليه. 

وكشفت الأزمة عن مخاطر تقسيم العمل الدولي، من يكون مهيمنًا في نشاط أو قطاع سيستغل هذا سياسيًا وأمنيًا، بمكر أو بفجاجة، بلين أو خشونة. وعلى فرض أنه قرر عدم توظيف هذه الورقة والتصرف “بشرف” فإن تعرضه لأزمة كبرى تعطل دائرة الإنتاج فيه يعرض العالم كله لأزمة كبيرة. ولمعالجة هذا الخطر اجتهد السياسيون والخبراء والإعلاميون؛ فهناك من تحدث عن ترحيل المصانع إلى الوطن الأم، ومن شدد على ضرورة تعدد المنتجين وشبكات الإمداد والتوزيع لكي لا نتبع كيانًا واحدًا دون غيره، ومن نادى بخطة مارشال لإفريقيا لتحل محل الصين في عدد من المجالات، ومن قال بضرورة رد الاعتبار للتخزين.. إلخ. 

لم يلتفت أغلبهم إلى حقائق بسيطة، أهمها أن الوضع الحالي ليس وليد الصدفة، وأن أي إصلاح يتطلب إنفاقًا واستثمارات ضخمة، في حين أن الوضع المالي الحالي متأزم بل مهدد بالانهيار. عندما نقول ليس وليد الصدفة، نقصد أن الاستثمار في الصين كان رهانًا رابحًا من الناحية الاقتصادية، وسمح بصنع وبيع بضائع وسلع بثمن رخيص أو معقول. ورغم الارتفاع التدريجي في تكلفة الصناعة في الصين فإنها ما زالت الخيار الأمثل اقتصاديًا في عدد من المجالات المهمة. الانتقال إلى صيغة أخرى سيكون مكلفًا في حد ذاته، وسيعرض بضائع أغلى، على الأقل في البداية. لست اقتصاديًا ولكنني أشك جدًا في رغبة وقدرة أصحاب القرار على خوض تلك المعركة في ظل أزمة مالية ستكون طاحنة، لا سيما أن هناك مآخذ على كل اقتراح. في الدول المتقدمة هناك رفض شعبي للقيام ببعض الأنشطة على أن تُترك للمهاجرين الفقراء، وهناك تراجع في بعض هذه الدول في أعداد العمالة المدربة على بعض الأنشطة. ومع توقع تسريح عدد كبير من العاملين هناك مهارات ستُفْقَد نهائيًا، أما الاستثمار في إفريقيا فعليه أن يكون ضخمًا جدًا لتكون هناك فرصة معقولة للنجاح، فالبنية التحتية ضعيفة أو غير موجودة، والوضع الأمني مخيف لا سيما في مناطق نمو الإرهاب. وعلى عكس ما يقوله الغربيون يبدو أن الكثير يفضل الوجود الصيني على الوجود الغربي بصرف النظر عن دوافع هذا التفضيل.

بصفة عامة، الحديث عن إعادة هندسة الاقتصاد العالمي والاقتصاديات الوطنية دون التسبب في صراعات دولية أو داخلية يفترض القدرة على التوصل إلى حلول وسط بين الدول أو الفئات الاجتماعية ذات المصالح المتعارضة والمتنافسة، حلول وسط تجمع بين مميزات كل خيار ولا تجمع بين سلبياتها. أي يفترض قدرة المجتمعات على التماسك وإصرار على تخطي الأزمة، وهو فرض غير مضمون وربما غير راقعي في ظل تدهور العلاقات الدولية والأوضاع الاقتصادية، وفي ظل سلوك بعض الفاعلين المتطرفين الراغبين في استثمار الأزمة لتحقيق مصالحهم، وفي ظل التعارض بين المصالح. أقصد أن حسن نية الجميع قد لا يكون كافيًا لتخطي الأزمة، وهو أصلًا غير موجود.

مقالات وتحليلات

تأثير جائحة كورونا على تحويلات العاملين

شهدت العديد من المتغيرات الاقتصادية في اقتصادات العالم ومصر اضطرابات قوية بسبب فيروس كورونا. ومن بين هذه المتغيرات تحويلات العاملين بالخارج. وتعد تحويلات العاملين بالخارج من ضمن التحويلات الجارية بدون مقابل. كما أنها تعد مصدرًا أساسيًّا لتدفقات النقد الأجنبي في البلاد. ويؤثر حجم تحويلات العاملين بالخارج على الدولة بشكل عام وعلى القطاع العائلي بشكل خاص. فعلى مستوى الدولة بشكل عام، يؤثر حجم التحويلات في حجم إيرادات الدولة مما يؤثر على ميزان مدفوعاتها، وعلى قدرتها على خدمة ديونها الخارجية، وعلى الناتج المحلي والنمو الاقتصادي. أما بالنسبة لتأثيرها على القطاع العائلي فيكون من خلال تأثيرها على دخل هذا القطاع. ويكون تأثيرها على مستوى معيشة الأسر من خلال التأثير في قدرتهم على توفير مستوى معيشي مرتفع. 

يناقش هذا المقال أولًا تأثير فيروس كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم، ومن ثم تأثيره في مصر.

أولًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم 

تقوم تحويلات العاملين بالخارج بالتخفيف من حدة الفقر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وتحسين التغذية، كما أنها تساهم في رفع حجم الإنفاق على التعليم، والحد من عمالة الأطفال في الأسر الفقيرة. لذلك، يؤثر انخفاض التحويلات على قدرة الأسر على الإنفاق على هذه المجالات، حيث سيتم توجيه المزيد من مواردها المالية إلى تكاليف الغذاء والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية. وتعتمد حجم تحويلات العاملين بالخارج على مستوى أجور وتوظيف العمال المهاجرين الذين يميلون إلى أن يكونوا أكثر عرضة لفقدان وظائفهم وأجورهم خلال الأزمات الاقتصادية. 

على المستوى العالمي ووفقًا للبنك الدولي، من المتوقع أن تنخفض التحويلات العالمية بشكل حاد بنحو 20% في عام 2020 بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا وسياسة الإغلاق، وهو ما يُعد أكبر انخفاض لهذه التحويلات في التاريخ الحديث. ويتوقع أن تنخفض التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بنسبة 19.7% لتصل إلى 445 مليار دولار، مما يمثل خسارة لمصدر أساسي للتمويل للعديد من الأسر في البلدان النامية. وذلك يجعل من الضروري تقصير الوقت اللازم للتعافي في الاقتصادات المتقدمة التي تمتص نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية. كما أنه يتوقع أن تنخفض تدفقات التحويلات في جميع مناطق مجموعة البنك الدولي، حيث من المتوقع أن تنخفض في أوروبا وآسيا الوسطى بحوالي 27.5%، تليها إفريقيا جنوب الصحراء بــ23.1%، وجنوب آسيا بنسبة 22.1%، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 19.6%، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 19.3%، وأخيرًا شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 13%.

ويأتي الانخفاض الكبير في تدفقات التحويلات في عام 2020 بعد أن وصلت التحويلات للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​إلى رقم قياسي بلغ 554 مليار دولار في عام 2019. وحتى مع هذا الانخفاض، من المتوقع أن تصبح تدفقات التحويلات أكثر أهمية كمصدر للتمويل الخارجي للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​نتيجة انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث من المتوقع أن يكون الانخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر أكبر من الانخفاض في تحويلات العاملين بالخارج (من المتوقع أن ينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أكثر من 35%). كما أنه في عام 2019، أصبحت تدفقات التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر.

ووفقًا للبنك الدولي، فإنه من المتوقع في عام 2021 أن تتعافى التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وأن ترتفع بنسبة 5.6% لتصل إلى 470 مليار دولار. ولكن، لا تزال التوقعات بالنسبة للتحويلات غير مؤكدة، حيث إنها تعتمد على سرعة السيطرة على انتشار المرض، واكتشاف لقاح له، وعودة فتح البلاد واستئناف الأعمال.

كانت التحويلات في الماضي معاكسة للدورات الاقتصادية، حيث كان في أوقات الأزمات في الوطن يقوم العاملون بالخارج بإرسال المزيد من الأموال إلى أسرهم في الوطن. ولكن في هذه الأزمة العالمية، وحيث إن الوباء في جميع أنحاء العالم، انخفضت التحويلات بسبب الاضطرابات في جميع الدول وتوقف الأعمال وغلق البلاد.

وفي محاولة لتسهيل الإجراءات لتسهيل إرسال التحويلات وتلقيها، وهو ما يمكن أن يوفر الدعم الذي يحتاجه المهاجرون وأسرهم، يقوم البنك الدولي بمساعدة الدول الأعضاء في مراقبة تدفق التحويلات من خلال قنوات مختلفة، وتكاليف إرسال الأموال وتسهيلها، ولوائح لحماية السلامة المالية التي تؤثر على تدفقات التحويلات، وذلك أيضًا في محاولة من البنك الدولي ودول مجموعة العشرين للحد من تكاليف التحويلات وتحسين الشمول المالي للفقراء.

ثانيًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في مصر 

تطورت تحويلات العاملين في مصر بشكل سريع خلال السنوات القليلة الماضية، حيث باتت مصر تعتمد على تحويلات العاملين بالخارج بنسبة كبيرة، حيث بلغت تحويلات العاملين بالخارج في عام 2018 نحو 10.17% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ المتوسط العالمي لهذه التحويلات في نفس هذا العام استنادًا إلى بيانات 170 دولة نحو 4.93%.

يتضح من بيانات الشكل رقم (1)، أن تحويلات العاملين بالخارج كانت في تزايد بشكل عام على مر السنين، خاصة بعد تعويم الجنيه، حيث زادت قيمة التحويلات بنسبة 27.8% في العام المالي 2016/2017. ووفقًا لبيانات ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي، بلغ حجم تحويلات العاملين بالخارج 6712.6 مليون دولار في الربع الأول من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 13.6% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 5908.9 مليون دولار، و6963.9 مليون دولار في الربع الثاني من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 15.15% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 6047.8 مليون دولار. مما يشير إلى أنه كان من المتوقع ارتفاع التحويلات هذا العام قبل أزمة جائحة كورونا.

وقد توقع تقرير للبنك الدولي أن تتراجع تحويلات العاملين المصريين في الخارج بنسبة 21.5% خلال العام الجاري مقارنة بنمو بلغت نسبته 5% في العام الماضي. وبناء على دراسة لمعهد التخطيط القومي، هناك ثلاثة سيناريوهات لحجم تأثير فيروس كورونا على قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج. 

السيناريو الأول (المبني على افتراض أن تستطيع العمالة المصرية العالقة العودة إلى أعمالها) يتوقع أن تصل قيمة التحويلات خلال العام المالي 2019/2020 إلى 22.3 مليار دولار تحقق منها بالفعل 13.6 مليار دولار. 

السيناريو الثاني (المبني على افتراض عدم إمكانية رجوع العمالة العالقة، والاستغناء عن بعضها، وعدم التجديد لأي عقود قديمة، والتوقف عن قبول عقود جديدة) يتوقع التقرير أن تصل قيمة تحويلات المصريين إلى 21.5 مليار دولار عام 2020. وبافتراض تحسن ظروف التعافي في الأسواق الخليجية، فيتوقع أن ترتفع قيمة التحويلات إلى 24.9 مليار دولار في 2021. 

السيناريو الأخير (المبني على افتراض أن تتركز عمليات التسريح على العمالة المهاجرة من حاملي التأشيرات المؤقتة، واتباع سياسات انكماشية في الخليج، والالتزام بسياسات تقشفية، وذلك في ظل سيناريو تدهور النمو العالمي إلى أقل من 3%) يتوقع أن تكون التحويلات في حدود 13.4 مليار دولار في 2020، وأن تتحسن قليلًا لتصل إلى 18.7 مليار دولار في العام المقبل.

وقد قامت العديد من الدول مثل قطر والكويت بالفعل بتخفيض العمالة الأجنبية في الكثير من القطاعات وبتخفيض أجورهم، وجاء هذا خاصة بعد انخفاض أسعار البترول إلى جانب القيود الأخيرة على السفر إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك من أجل تخفيض التكاليف وتقليل العبء على ميزان المدفوعات. ففي قطر، أصدرت وزارة المالية تعليمات لخفض التكاليف الشهرية للموظفين غير القطريين بنسبة 30٪، بداية من الأول من يونيو والذي سيكون عن طريق خفض رواتب العاملين أو تسريحهم بإشعار مدته شهرين. وقامت الكويت أيضًا بالتخطيط لوقف تعيين العمال الأجانب في قطاع البترول، وقام بعض الممثلين التشريعيين في البرلمان الكويتي بصياغة مشروع قانون يقترح تحديد حصص للعمال الأجانب، بحيث يمكن أيضًا الحفاظ على التوازن الديموغرافي في البلاد، والذي يقترح ألا يتجاوز العمال الهنود أكثر من 15٪ من إجمالي سكان البلاد و10٪ للعمال المصريين، مما يعني أنه سيتم ترحيل أكثر من 844000 هندي وحوالي 50000 مصري. وهذا ما يشير إلى أن تحويلات العاملين بالخارج ستنخفض أكثر في الفترة القادمة مما سيؤثر سلبًا بنسبة أكبر على توقعات النمو. كما أنه يشير أيضًا إلى احتمال ارتفاع نسبة البطالة في الفترة المقبلة.

مقالات وتحليلات

التباعد الاجتماعي: الأداة الأهمّ للسيطرة على وباء كورونا

مُنذ تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم، بدأت الحكومات في وضع إجراءات وخطط وقائية لوقف انتشار الفيروس. من أهم هذه الإجراءات حَث الناس على ضرورة الالتزام بسياسات التباعد الاجتماعي؛ أي منع الاختلاط مع الآخرين والالتزام بالمنازل، من أجل مكافحة انتشار الوباء. وفي حين استطاعت العديد من بلدان العالم أن تطبق هذه السياسات بشكل فعال، عانت الدول العربية، التي اعتاد مواطنوها على التقارب الاجتماعي بشكل كبير، في تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل ناجع. وربما يَرجع السبب في ذلك إلى نقص التوعية اللازمة للمواطنين عن مفهوم التباعد الاجتماعي، وكيفية تطبيقه بشكل فعال؛ باعتباره من الوسائل المهمة للحماية من الإصابة بالفيروس، في ظل تكهنات العلماء حول احتمال الاضطرار للتعايش لفترة طويلة مع الفيروس، قد تصل إلى أكثر من عامين.

مفهوم التباعد الاجتماعي

يُقصد بالتباعد الاجتماعي الحفاظ على مسافة أو مساحة بين الأشخاص للمساعدة في منع انتشار الفيروس فيما بينهم. ويؤكد الخبراء أنه يمكن إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد وتقليل خطر الإصابة به من خلال ابتعاد الأفراد عن بعضهم مسافة لا تقل عن 6 أقدام (1.80 متر). فكما هو موضح بالصورة التالية، عندما يسعل الشخص الذي يحمل الفيروس أو يعطس، من الممكن أن ينتقل رذاذ القطيرات الصغيرة الناتجة منه لمسافة تصل إلى 6 أقدام، لتستقر بعدها هذه القطيرات على أفواه الأشخاص القريبين أو أنوفهم وإصابتهم بالعدوى؛ لذا يعد الحفاظ على التباعد الجسدي أمرًا مهمًّا، حتى ولو لم يكن الفرد مريضًا، مع البقاء في المنزل قدر الإمكان.

وتَهدف سياسات التباعد الاجتماعي بشكل رئيسي إلى إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد بين الأفراد، وهو ما يطلق عليه العلماء مُصطلح “تسطيح منحنى الفيروس”. ويتم استخدام هذا المنحنى في توضيح العلاقة بين عدد المصابين والفترة الزمنية منذ بدء انتشار الفيروس، مع تحديد الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس الذين يمكن أن تقدم لهم المستشفيات الرعاية الطبية اللازمة. لذا، إذا حدث تباطؤ في انتشار الفيروس أو تم تسطيح منحنى الانتشار، فستكون المستشفيات أكثر قدرة على استيعاب المرضى وتقديم العناية الطبية لهم. على عكس ما سيحدث إذا كان معدل الانتشار سريعًا؛ حيث ستزداد أعداد المصابين بمعدل سريع يفوق الإمكانيات الطبية والبشرية المتوفرة لدى المستشفيات، وهو ما يتسبب في خروج إدارة أزمة الفيروس عن السيطرة كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

هل سيكون هناك منحنى واحد من انتشار الفيروس؟

أجرى الباحثون حول العالم العديد من الدراسات لتوقع موعد انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد، كما قاموا بإنشاء العديد من نماذج المحاكاة لوضع تصور مستقبلي لمسار نشاط الفيروس أثناء تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك في حال رفعها. وأوضحت نتائج هذه النماذج أنه من المحتمل أن يتبع انتشار الفيروس شكلًا متكررًا من المنحنيات -أو ما يعرف بموجات الانتشار- التي تصعد وتنخفض وفقًا لوضع سياسات التباعد الاجتماعي حتى عام 2022، إذا لم يتم إيجاد لقاح ضد فيروس كورونا المستجد.

وأبرزت نتائج إحدى الدراسات التي أجراها مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية، أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتمله لانتشار الفيروس كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

1- السيناريو الأول يتوقع حدوث موجة كبيرة من انتشار الفيروس، وهي الموجة التي نعيشها الآن، وسيتبع ذلك موجات صغيرة من الانتشار، يمكن تشبيهُها “بقمم الجبال والوديان”، لكن على مدار العام أو العامين المُقبلين ستتقلص هذه الموجات تدريجيًّا.

2- السيناريو الثاني يفترض أن الموجة الحالية ستتبعها موجة أكبر مع بداية فصل الخريف أو ما يمكن تسميته بـ”ذروة الخريف”، مع موجات أصغر من الانتشار بعد ذلك، على غرار ما حدث خلال جائحة الإنفلونزا خلال عامي 1918-1919.

3- السيناريو الثالث يقترح أن تكون ذروة انتشار الفيروس في فصل الربيع، وسيتبع ذلك موجات انتشار متكررة ولكنها محدودة من الفيروس، أي “الانتشار البطيء للفيروس”.

كما أكد العلماء في نهاية الدراسة أن استمرار الدول في تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي مع غياب اللقاح، سيؤدي إلى استمرار نشاط الفيروس لمدة عام ونصف على أقل تقدير، مع احتمال ظهور بؤر جديدة من تفشي الفيروس في مختلف دول العالم.

أما الدراسة الثانية، التي قام بها علماء بجامعة هارفارد، فتم فيها دراسة تأثير تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي مع تأثيرات أخرى كتغيير المواسم على مدار العام، ومضاعفة قدرات العناية الحرجة في المستشفيات. وتشابهت استنتاجات هذه الدراسة مع نتائج الدراسة السابقة، حيث صورت أيضًا مستقبلًا متموجًا لانتشار الفيروس على هيئة منحنيات متكررة على غرار نموذج القمم والوديان، ولكن في ثلاثة مسارات مختلفة.

أوضح المسار الأول في تلك الدراسة تأثير الاستراتيجية التي تتبعها أغلب الدول في التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي فقط؛ بهدف حماية أنظمتها الصحية من الانهيار. وعكست النتائج معدل الإصابات المتوقع بفيروس كورونا المستجد خلال الفترة من يناير 2020 وحتى يوليو 2022، مع تحديد الحد الأقصى من أعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي سيتم عند الوصول إليه تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك الحد الأدنى من المصابين لكل 10 آلاف نسمة والذي سيتم عنده رفع سياسات التباعد الاجتماعي. وكما هو موضح بالرسم البياني التالي، سيظل مسار الفيروس مستمرًّا ولكن في شكل موجات مع تطبيق ورفع سياسات التباعد الاجتماعي وذلك حتى يوليو 2022. فيما يمثل الرسم البياني الأخضر الزيادة المقابلة في مناعة المواطنين في ظل تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وحدها، والذي يوضح أن مستوى المناعة الذي يجب الوصول إليه للسيطرة على انتشار الفيروس دون اتخاذ تدابير أخرى “تحقيق مناعة المجتمع” هو تمنيع 55% من إجمالي المواطنين. ويقصد بمناعة المجتمع أو “مناعة القطيع” أحد أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، وتتحقق عندما تكتسب نسبة كبيرة من المجتمع مناعة لعدوى معينة، إما عن طريق الإصابة بالعدوى مسبقًا أو من خلال التلقيح، وهو ما يوفر حماية للأفراد الذين ليست لديهم مناعة للمرض.

فيما يعرض المسار الثاني تأثير التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي، مع التغيير الذي سيحدث في المواسم على مدار العام، على انتشار الفيروس. ومن المتوقع أن تسمح التغيرات الموسمية بترك فترات أكبر بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي؛ أي رفع الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي يتم عنده تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، حيث إنه من المحتمل أن انتشار الفيروس سيكون أكثر بطئًا في أشهر الصيف. ولكن هذا العام، من المرجح أن تكون التأثيرات الموسمية ضئيلة، حيث إن نسبة كبيرة من السكان ستظل عرضة للفيروس حتى في موسم الصيف؛ لذا لا يمكن الاعتماد على تأثير التغييرات الموسمية وحده لدرء حدوث تفشٍّ آخر من الفيروس خلال أشهر الصيف القادمة.

أما المسار الأخير فيوضح التأثير المهم لمضاعفة السعة السريرية لأقسام العناية الحرجة بالمستشفيات مع تغيير المواسم في ظل التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي؛ فمن المتوقع أن تُسهم مضاعفة قدرات العناية الحرجة في السماح بفترات أطول بكثير بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي عما كان سيحدث بفعل تغير المواسم، وهو ما سيسمح بتمنيع نسبة أكبر من المواطنين كما هو موضح بالرسوم البيانية التالية.

ما يمكن استنتاجه بشكل عام من نتائج تلك الدراسات، أن سياسات التباعد الاجتماعي تظل شديدة الأهمية في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد وحماية النظم الصحية من الانهيار؛ لذا يجب توعية المواطنين بشكل مكثف حول كيفية تطبيقها في المجتمع بشكل ناجع. لكن لا يمكن للحكومات أن تعتمد فقط على جهود التباعد الاجتماعي وحدها للسيطرة على الوباء على المدى الطويل، والذي يُتوقع أن يمتد لعامين على الأقل، حيث إنه بمجرد رفع تدابير التباعد الاجتماعي من المُحتمل أن ينتشر الفيروس مرة أخرى بنفس السهولة التي انتشر بها في البداية، كل ذلك بالطبع في ظل غياب اللقاح.

مقالات وتحليلات

كيف تحوّل “فيسبوك” إلى مركز للتضليل حول فيروس كورونا؟

دفع فيروس كورونا ملايين المستخدمين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن المعلومات المتعلقة به، والضوابط التي يجب اتّباعها، والمحاذير التي يجب الابتعاد عنها. غير أنها تُروّج منذ يناير الماضي لعددٍ هائلٍ من الشائعات، والمعلومات المغلوطة، والمحتويات الضارة. وبالنظر إلى كيفية مواجهتها على مدار الأشهر القليلة الماضية، وضعت شركة “فيسبوك” ملصقاتٍ تحذيريةً على ما يزيد عن 50 مليون منشور، وحذفت ما يقرب من 2.5 مليون مشاركة. وفي اتجاهٍ مضادٍ لخطواتها الاستباقية تارةً والمتأخرة تارةً أخرى، لا يزال “التضليل” هو السمة المميزة للمحتوى المتداول على “فيسبوك”، ما يقوض من ثقة المستخدمين، ويثير التساؤل عن مسئوليتها عن المحتوى المتداول على منصتها.

دراسة “أفاز”

نشرت “Avaaz” (إحدى مجموعات حقوق الإنسان المعنية بتتبع المعلومات الخاطئة) تقريرًا متعمقًا، فحص 100 معلومة خاطئة متداولة على “فيسبوك” بست لغاتٍ مختلفةٍ (الإنجليزية، والإسبانية، والبرتغالية، والعربية، والإيطالية، والفرنسية)، وذلك خلال الفترة بين 21 يناير إلى 17 أبريل 2020. وهي المعلومات التي بلغ عدد مشاهدتها 117 مليون مرة، وشاركها المستخدمون أكثر من 1.7 مليون مرة. وهو ما يعني تعرض ملايين منهم لمعلوماتٍ مضللةٍ عن فيروس كورونا دون أي تحذيرٍ. ومن بين هذه المعلومات على سبيل المثال قدرة السود على مقاومة فيروس كورونا، وإمكانية تدمير الفيروس بواسطة ثاني أكسيد الكلور، وقدرة الغرغرة بالماء والملح أو الخل على التخلص من الفيروس، وغير ذلك.

ومن بين تلك الادعاءات، تمت مشاركة منشور الغرغرة بالماء والملح أو الخل أكثر من 31 ألف مرة قبل أن يُحذف في نهاية المطاف. ومع ذلك، لا يزال هناك أكثر من 2600 نسخة منه على المنصة، مع ما يقرب من 100 ألف تفاعل، دون أن تحتوي المنشورات المستنسخة على أي ملصقاتٍ تحذيريةٍ. ووفقًا للدراسة، تستغرق شركة “فيسبوك” 22 يومًا للتحذير من المعلومات الخاطئة عن فيروس كورونا حتى يُبلغ شركاء “فيسبوك” عن محتوى ضارٍ.

وطبقًا للدراسة أيضًا، لم يصنف 29٪ من الشائعات والأخبار الكاذبة المتداولة على إصدار الموقع باللغة الإنجليزية تحت بند المعلومات المغلوطة. وتزداد تلك النسبة في اللغات الأخرى لتبلغ 68٪ في إصدار الموقع باللغة الإيطالية، و70٪ في إصدار الموقع باللغة الإسبانية، و50٪ في إصدار الموقع باللغة البرتغالية. وتبعًا للدراسة، تُعد جهود “فيسبوك” لمواجهة الأكاذيب والشائعات في إصدار الموقع باللغة العربية الأكثر نجاحًا؛ إذ يظل 22٪ فقط من عينة المنشورات المضللة دون تصنيف.

في هذا السياق، جادلت “أفاز” بأن “فيسبوك” تقع عليها مسئولية إبلاغ كل شخص شاهد معلوماتٍ مضللةً عن فيروس كورونا بخطأ ما شاهده. ولتحقيق ذلك، أجرت المجموعة اختبارًا لفعالية التصحيحات (وهو نموذجٌ بصريٌ صممته لمحاكاة تجربة المستخدم على المنصة) باستخدام عينةٍ قوامها 2000 أمريكي (تم اختيارهم عشوائيًّا، بل واستطلاع آرائهم من قبل فرع أبحاث الشئون الأكاديمية والسياسية والشئون العامة في YouGov).

هذه العينة تعرضت لبعض الأخبار الكاذبة التي تشاركها المستخدمون على “فيسبوك”. ومن خلال نموذجٍ عشوائيٍ، عُرضت بعض التصحيحات على بعض المستخدمين، ثم أجابوا في استطلاعٍ للرأي عن أسئلةٍ مُصممةٍ لاختبار مدى مصداقية البيانات والأخبار التي شاهدوها. وقد خلصت الدراسة إلى تراجع الاعتقاد في التضليل الإعلامي بنسبة 50٪ على الأقل بين المشاركين.

وعلى خلفية ذلك، قررت “فيسبوك” عرض إشعارات للمستخدمين المعرضين للمعلومات الخاطئة، وهو ما دفع مدير حملة “أفاز” للقول إن “فيسبوك تقع في قلب أزمة التضليل”. وأضاف: “إنها خطوةٌ شجاعةٌ، ولكنها لا تكفي”. إذ ترغب “أفاز” في ظهور إشعارات “فيسبوك” المتعلقة بالمعلومات الخاطئة على نحوٍ أوضحٍ؛ بحيث يَظهر الإشعار لأي مستخدمٍ شاهد المعلومات الخاطئة في خلاصة الأخبار، بغض النظر عن تفاعله مع المنشور.

دراسة “نيوزجارد”

في تحقيق لشركة “نيوزجارد” NewsGuard، وهي شركة تحليلات تتعقب المعلومات الخاطئة، في 36 صفحةً، وصفت “فيسبوك” بالأكثر ترويجًا للمعلومات الخاطئة. وهي الصفحات التي حظي كلٌ منها على ما يزيد على 40 ألف إعجابٍ و13 مليون متابعة. وقد وجدت الشركة أن تلك الصفحات تستهدف الجمهور باللغات الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية.

وفي تقريرها الصادر في 6 مايو الماضي، سلطت الشركة الضوء على نماذج وأمثلةٍ للمعلومات الخاطئة المتداولة حتى 4 مايو الماضي، كتلك التي تتصل بالعلاجات المزيفة للفيروس ونظريات نشأة الفيروس وانتشاره؛ ففي اللغات الأربع، تداولت الشائعات المتعلقة بتخليق فيروس كورونا معمليًا، وتوظيفه كسلاحٍ بيولوجيٍ بكثرةٍ، على الرغم من غياب الأدلة التي تدعم ذلك. 

وفي الصفحات الفرنسية، تمت مشاركة المنشور الذي يشير إلى تخليق الفيروس معمليًا أكثر من 1200 مرة. وتداولت الصفحة مقطع فيديو بالفرنسية، وصف فيه قسيس كونغولي فيروس كورونا بأنه “سم من صنع الإنسان”. وهو الفيديو الذي تمت مشاهدته أكثر من 856 ألف مرة حتى 6 مايو الماضي، وشاركه أكثر من 28 ألف مستخدم. 

وفي ألمانيا، تمت مشاركة نظرية تخليق الفيروس معمليًا من خلال صفحة “”Compact (وهي مجلة معنية بحزب البديل اليميني). وقد نشرت صفحةٌ أخرى باللغة الألمانية خطورة لقاحات الإنفلونزا، لأنها تعزز عدوى الفيروسات التاجية. وهي الصفحة المتصلة بالمؤلف النمساوي وطبيب العلاج الطبيعي “روديغر دالكه” الذي تحظى صفحته بما يقرب من 176 ألف إعجاب. وقد قام خبراء الصحة في المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية بتكذيب ذلك، وتوضيح كيفية اشتقاق لقاحات الإنفلونزا من فيروساتها التي تختلف عن الفيروسات التاجية ومنها فيروس كورونا.

وفي إيطاليا، أكدت الشركة تداول منشوراتٍ تَربط بين فيروس كورونا من ناحيةٍ، والليمون والماء الساخن من ناحيةٍ ثانيةٍ. أما في بريطانيا، فوجدت الشركة صفحةً على “فيسبوك” مرتبطة بموقع EnergyTherapy.biz، وهي الصفحة التي شاركت شائعةً تدفع بارتباط تكنولوجيا الجيل الخامس بانتشار فيروس كورونا، وهو ما قاد إلى حرقٍ متعمدٍ لأبراج الهواتف الخلوية على أرض الواقع. ما دفع منظمة الصحة العالمية لنفي الشائعة، وتأكيد عدم انتقال الفيروسات عبر موجات الراديو أو شبكات الهواتف المحمولة.

وتبعًا للشركة أيضًا، نبهت “فيسبوك” إلى خطأ ثلاثة منشوراتٍ فقط باللغة الفرنسية من أصل 20 منشورًا. وبالإضافة إلى ذلك، تم الإبلاغ عن منشورٍ واحدٍ فقط باللغة الألمانية، ولم يتم الإبلاغ عن خطأ في المنشورات الإيطالية. وعلى الرغم من ذلك، أكدت شركة “فيسبوك” إزالة مئات الآلاف من المعلومات المضللة، وتطبيق ملصقات التحذير على 40 مليون مشاركة في شهر مارس الماضي فحسب.

مجموعات الدعم

تعرضت شركة “فيسبوك” لانتقاداتٍ حادةٍ بسبب استضافتها مجموعات دعم فيروس كورونا التي روّج فيها البعض لمنشوراتٍ تناهض الحجر الصحي، وتَنشر أخبارًا كاذبةً، وتُروّج لعلاجاتٍ مغلوطةٍ للفيروس (مثل شرب المواد المبيضة، واستنشاق الكوكايين على سبيل المثال)، وهي المجموعات التي وصل عدد أعضائها إلى 4.5 ملايين شخص في الولايات المتحدة، و3 ملايين شخص في إيطاليا، و2 مليون شخص في المملكة المتحدة.

لقد هدفت مجموعات الدعم في الأصل إلى مساعدة الجيران، ودعم الشركات المحلية، والتبرع للمنظمات الخيرية، وغير ذلك. وتعددت استخداماتها لتشمل دعم المواطنين في الخارج، ومشاركة النصائح حول سبل التعليم المنزلي، ومشاركة المعلومات التي قد تنقذ الأرواح. وهو ما دفع “زوكربيرج” لوصفها بأنها ملاذٌ للأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم والراحة. غير أنها تحولت -في المقابل- إلى ساحةٍ لتداول الأخبار الكاذبة، حيث يَسهُل مشاركة المعلومات الخاطئة دون التحقق منها.

ولمواجهة ذلك، حاولت شركة “فيسبوك” نشر المعلومات الصحية الموثوقة على مجموعات الدعم، وسمحت لمشرفي المجموعات بمشاركة البث المباشر للمنظمات الصحية ذات المصداقية (مثل منظمة الصحة العالمية، والإدارات الصحية الرسمية). وبالشراكة مع مركز السيطرة على الأمراض CDC، قام “فيسبوك” بتطوير وحداتٍ تعليميةٍ بناءً على إرشادات المركز، وهي الوحدات التي يمكن للمسئولين إضافتها إلى المجموعات.

وأتاحت “فيسبوك” لأعضاء مجموعات الدعم مشاهدة نوافذ تعليمية تابعة للمجموعات نفسها، لتوجيه الأعضاء إلى معلوماتٍ موثوقةٍ من المنظمات الصحية. وفي هذا الإطار، قالت “فيدجي سيمو”، مسئولة الفيديو في فيسبوك، إنه “من أولوياتنا القصوى بناء منتجاتٍ يُمكنها مساعدة الجميع في الوقت الحالي، والتأكد من رؤية أحدث المعلومات الدقيقة من المنظمات الصحية ذات المصداقية للمساعدة في توفير الفرص الاقتصادية والاستقرار للشركات التي تكافح، للمساعدة في تسهيل التواصل عبر الإنترنت”.

ومع التزايد المضطرد في مجموعات الدعم، وعلى أمل تحسين إدارة مشرفيها، أطلقت “فيسبوك” أول حدثٍ رقميٍ لها على الإطلاق بين يومي 21-23 أبريل الماضي؛ حين أطلقت الحدث المعنون “تواصل اجتماعي: تصفح فيروس كورونا”، للتركيز على أفضل الممارسات لمجموعات فيروس كورونا. وعلى الرغم من ذلك، لم تتضمن سياسات “فيسبوك” أي عقوباتٍ تنظيميةٍ تَحول دون انتشار المعلومات الخطرة. ومن المحتمل أن يظل ذلك دون تغير؛ ذلك أن النمو السريع لمجموعات “فيسبوك” نتيجة أزمة كورونا يزيد صعوبة التصدي لهذا النوع من المحتوى، حيث يعمل عددٌ من المجموعات بشكلٍ خاص.

وفي إبريل الماضي، قامت “فيسبوك” بحذف 1887 حسابًا وصفحةً ومجموعةً مضللةً (منها: 732 حسابًا على “فيسبوك”، و162 حسابًا على منصة إنستجرام، و793 صفحة، و200 مجموعة). وهو ما تتبعتها الشركة عبر ثماني شبكاتٍ مختلفةٍ؛ استهدف ست منها الجماهير المحلية (لا سيما في الولايات المتحدة، وجورجيا، وغير ذلك)، واستهدفت اثنتان من روسيا وإيران مواطني دولٍ أخرى.

ومن بين تلك الشبكات، كانت الشبكة الجورجية المرتبطة بشركة إعلامية تسمى “”Espersona هي الأكبر. ومنها فقط أزالت المنصة 511 صفحةً، و101 حساب على “فيسبوك”، و122 مجموعةً، و56 حسابًا على إنستجرام. وقد انصب اهتمامها على الأحداث المحلية والأوضاع الداخلية فحسب. كما قامت “فيسبوك” أيضًا بإزالة شبكةٍ أصغرٍ مقرها جورجيا، وهي الشبكة التي تكونت من 23 حسابًا على “فيسبوك” و80 صفحةً و41 مجموعةً و9 حساباتٍ على إنستجرام، وهي الشبكة المرتبطة بحزب “الحركة الوطنية المتحدة”.

الحذف والحظر والتحذير

منذ فبراير الماضي، دأبت شركة “فيسبوك” على التأكيد على حذف المعلومات الخاطئة بشأن فيروس كورونا كافَّةً، بما في ذلك المشاركات الخاصة بالعلاجات، ووسائل الوقاية المزيفة، إلى جانب أي محتوى يُحاول أن يثني الناس عن تناول الأدوية المقررة. كما قررت الشبكة حذف أي هاشتاجات مضللةٍ حول تفشي الفيروس على موقع تبادل الصور إنستجرام.

وعلى مدار أربعة أشهر، أكدت “فيسبوك” مرارًا إزالة المحتوى الذي يتضمن أي معلوماتٍ خاطئةٍ قد ينجم عنها ضررٌ جسديٌ وشيكٌ، بل وإزالة مئات الآلاف من المعلومات الخاطئة المتعلقة بفيروس كورونا، وبالاستعانة بمدققي الحقائق الذين يُصنّفون المنشورات؛ فإذا صُنف أحدها “كاذبًا”، يحدّ “فيسبوك” من انتشاره ومشاركته، ويضع عليه ملصقاتٍ تحذيريةً. وفي سياقٍ متصلٍ، يُصر “زوكربيرج” على أن الملصقات التحذيرية تعمل بكفاءةٍ، حيث اختار 95٪ من المستخدمين عدم عرض المحتوى الذي وُضعت عليه الملصقات.

وبالتوازي مع حذف المنشورات، اتخذ “فيسبوك” إجراءاتٍ ضد المعلنين الذين يسعون للاستفادة من مخاوف المستخدمين؛ فحظرت مختلف الإعلانات التي تتصل بسبل العلاج أو طرق الوقاية أو تحاول “خلق إحساس بالإلحاح” حول تفشي المرض لتحقيق مكاسب تجاريةٍ (مثل تلك التي تشير إلى محدودية الإمدادات). وهو امتدادٌ لجهود تقصي الحقائق وإزالة المحتوى الذي يتضمن ادعاءاتٍ كاذبةً أو نظريات المؤامرة التي أبلغت عنها السلطات الصحية من قبل.

ومنذ منتصف إبريل الماضي، أدركت شركة “فيسبوك” أن وصف بعض المشاركات بالكاذبة نهجٌ غير مرغوبٍ؛ فلن يرغب المستخدمون في معرفة أنهم تعرضوا للخداع، بل وقد يدفعهم ذلك إلى مشاركتها بشكلٍ متكررٍ. ولذا قررت الشركة من خلال “آخر الأخبار” عرض المعلومات الدقيقة على الأشخاص الذين أعجبوا أو ردوا أو علقوا على معلوماتٍ خاطئةٍ أو ضارةٍ حول فيروس كورونا التي أزالتها الشركة والتي ترتبط بدورها بأساطير فيروس كورونا التي تم الكشف عنها من قبل منظمة الصحة العالمية.

بعبارةٍ أخرى، ربطت “فيسبوك” بين من تفاعل مع المعلومات الخاطئة والمصادر الموثوقة، لتقول له “ساعد الأصدقاء والعائلة على تجنب المعلومات الكاذبة حول فيروس كورونا”، وذلك من خلال إشعارٍ يدعوهم إلى مشاركة رابطٍ إلى موقع منظمة الصحة العالمية لمكافحة الأكاذيب، بالإضافة إلى زر ينقل المستخدمين إذا أعجبهم أو ردوا أو علقوا على منشورات تحتوي على معلوماتٍ خاطئةٍ ضارةٍ حول فيروس كورونا إلى الموقع مباشرةً. أي إن شركة “فيسبوك” لا تقوم بإزالة المعلومات الخاطئة حول فيروس كورونا (مثل نظريات المؤامرة حول أصول الفيروس)؛ إذ تكتفي بحذف المنشورات التي قد تُلحق الضرر بالمستخدمين، وتعتمد بدلًا من ذلك على نظام التحقق من الحقائق التابع لجهةٍ خارجيةٍ. فإذا قام مدقق الحقائق بتقييم ادعاءٍ كاذبٍ، أضافت “فيسبوك” بعد ذلك إشعارًا إلى المنشور، وقللت من انتشاره، ونبهت أي شخصٍ شاركه، وثبطت المستخدمين عن مشاركته.

وفي هذا السياق، كتب “زوكربيرج” على صفحته: “في هذه الأزمة، فإن إحدى أولوياتي القصوى هي التأكد من رؤية معلوماتٍ دقيقةٍ وموثوقةٍ عبر جميع تطبيقاتنا”. ووفقًا لبياناتها الرسمية، وضعت الشركة أكثر من 40 مليون ملصق تحذيري في مارس الماضي فقط على مقاطع فيديو أو منشوراتٍ أو مقالاتٍ كاذبةٍ أو مضللةٍ. وتبعًا لها، منعت علامات التحذير تلك 95% من المستخدمين من النقر على معلوماتٍ كاذبةٍ.

وتمتلك الشركة شبكةً تَضم أكثر من 55 شريكًا في التحقق من الحقائق، وهي الشبكة التي تغطي أكثر من 45 لغةً. كما بدأت في إدراج روابط موثوقةٍ إلى معلوماتٍ مؤكدةٍ عندما يبحث المستخدم عن معلوماتٍ عن الوباء. وتأتي منظمة الصحة العالمية في مقدمة هذه الروابط. كما تستخدم مزيجًا من المراجعين البشريين وأنظمة الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المحتوى الضار قبل إبلاغ المستخدمين عنه. وفي سياقٍ متصلٍ، قال الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في الشركة “مايك شروبفر” إن “الذكاء الاصطناعي ليس الحل لكل مشكلة”. وأضاف: “إن هذه المشكلات هي في الأساس مشكلات إنسانية تتعلق بالحياة والتواصل. لذا نريد أن يتحكم البشر، ويتخذوا القرارات النهائية، وبخاصة عندما تكون المشكلات دقيقة”.

فاعلية منقوصة

على الرغم من جهود الحذف والمنع والتتبع السابقة، وفي دراسته المنشورة في مطلع يونيو الجاري، اتهم مركز مكافحة الكراهية الرقمية CCDH مواقع التواصل الاجتماعي “بالتهرب من مسئوليتها” عن وقف انتشار المعلومات الخاطئة و”الخطيرة”. وتوصلت الدراسة الصادرة عنه إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تُزيل واحدًا فقط من كل عشرة منشوراتٍ مضللة وخطيرة عن فيروس كورونا.

وتوصلت الدراسة إلى أن 90٪ من المشاركات التي تحتوي على معلوماتٍ خاطئةٍ لا تتخذ حيالها وسائل التواصل الاجتماعي أي إجراءٍ حتى بعد الإبلاغ عنها. ورصدت 649 مخالفةً لشروط خدمة المنصات أو معايير إزالة المعلومات الخاطئة. ومن بين 9.4٪ من المشاركات التي تم الإبلاغ عنها والتي اتُّخذ حيالها إجراءٌ، أُزيل 6.3٪ من المشاركات، ووُضعت علامةٌ مميزةٌ على 2٪ من المنشورات، وصُنف 1.1٪ على أنه خاطئ دون إزالته. وتبعًا للدراسة، حَذف “فيسبوك” فقط 10.2٪ من المنشورات التي أُبلغ عنها. ولا تزال المعلومات الخاطئة المتعلقة بفيروس كورونا متداولةً وبكثرةٍ، لا سيما تلك التي تتعلق بانتقال الفيروس عن طريق الجو، وتصنيعه معمليًا، وتسبب الكمامة في الإصابة بالسرطان، وغير ذلك. 

ويكشف ذلك في مجمله عن المفارقة بين وعود مجابهة المحتوى الضار من ناحيةٍ، والخطوات التي تُتخذ فعليًا من ناحيةٍ أخرى. كما قال الرئيس التنفيذي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان “عمران أحمد” إن “شركات وسائل التواصل الاجتماعي استفادت بشكلٍ كبيرٍ من هذه الأزمة، وقد حان الوقت للقيام بواجبها”. وأضاف: “لقد ادعى عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي مراتٍ عديدة أنهم يأخذون المعلومات الخاطئة المتعلقة بكوفيد-19 بجديةٍ، ولكن هذا البحث الجديد يُظهر أنه حتى عندما يخطرون بالمعلومات الخاطئة، يفشلون في اتخاذ إجراءٍ. إن نظم الإبلاغ عن المعلومات الخاطئة والتعامل معها لا يصلح”. 

ختامًا، لقد دفع البعض بوفرة المعلومات الرسمية حول فيروس كورونا، ما يعني أن المعلومات المضللة المتداولة على “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي يمكن التحقق منها بسهولة، فلا يمكن حماية المستخدمين من أنفسهم من خلال الرقابة الشاملة، فهو أمرٌ قمعي لا طائل منه. وفي المقابل، دفع آخرون بأن استمرار “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي في نشر معلوماتٍ مضللةٍ يُسهم في نشر ثقافة المؤامرة، وبث خطابات الكراهية، والترويج لوجهات النظر المتطرفة. وتكمن الإشكالية الكبرى في أن وسائل التواصل الاجتماعي -بحكم طبيعتها- لا تملك الكثير للحيلولة دون نشر الأكاذيب والمحتويات الضارة ابتداءً من جهة، وتتراجع فعالية سياستها في مواجهتها، من جهةٍ ثانيةٍ.

مقالات وتحليلات

السياحة العالمية تحاول تجاوز أزمة كورونا

على الرغم من تعدد التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي أحاطت العالم خلال عام 2019؛ إلا أن القطاع السياحي استطاع أن يثبت مرونته، وتمكن من الحفاظ على معدل مستقر من النمو؛ فقد قدرت منظمة السياحة العالمية عدد السائحين الدوليين خلال عام 2019 بأكثر من 1.46 مليار سائح، وهو ما يزيد على العام السابق عليه بنحو 6% (انظر شكل رقم 1). كما ساهم القطاع في 2019 بأكثر من 8.9 تريليونات دولار من الناتج الإجمالي العالمي، فضلًا عن مساهمته في توفير 330 مليون وظيفة حول العالم، وهو ما أوصل نسبة الوظائف السياحية إلى 10% من جملة الوظائف المتوفرة في كافة القطاعات عالميًّا. 

هذا الواقع دفع البعض إلى وصف قطاع السياحة بأنه قاطرة الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة. كما طرحت منظمة السياحة العالمية نظرة متفائلة حول نمو اقتصادات السياحة في عام 2020، حيث توقعت المنظمة نمو الحركة السياحية بنسبة تتراوح بين 3 إلى 4 %. وقد دفعها إلى هذه التوقعات قرب انطلاق عدد من الأحداث الرياضية والاجتماعية العالمية، مثل دورة أولمبياد طوكيو ومعرض Dubai Expo 2020، لكن هذه التوقعات سرعان ما أخذت تتلاشى فور انتشار وباء كورونا الذي أخذ في الانتشار بدءًا من يناير الماضي. 

أزمة طاحنة تواجه القطاع السياحي العالمي

لم تستثنِ تأثيرات الوباء أي قطاع اقتصادي في العالم، فإجراءات الإغلاق والعزل الاجتماعي التي طبقتها العديد من الدول أدت إلى تعطيل حركة التجارة، وقلّصت من إنتاجية المصانع والشركات، لكن القطاع السياحي كأن الأكثر تضررًا من هذا الوباء؛ فخلال شهر مارس الماضي فقط سجلت منظمة السياحة العالمية تراجعًا في الطلب على السياحة بأكثر 56.6%، وهو ما سيؤدي لخسارة مبدئية تفوق 80 مليار دولار وفق تقديرات المنظمة، لتعاني من تبعات تلك الخسارة العشرات من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، حيث تمثل السياحة موردًا أساسيًّا للناتج المحلي في تلك الدول (انظر شكل رقم 2). كما ينذر تراجع حركة السياحة العالمية بخسارة 50 مليون عامل لوظائفهم، وذلك على أقل تقدير. 

البحث عن بداية جديدة في ظل الوباء

لا يتوقع العلماء أن يكون هناك علاج لوباء كورونا قبل منتصف العام القادم 2021، فيما يتوقع البعض أن عملية اكتشاف العلاج قد تطول مدتها لتأخذ سنوات. وقد تنتهي تلك المجهودات إلى عدم الوصول للعلاج المنشود، فيصبح الفيروس بلا علاج كما هو الحال مع فيروسات الإيدز وسارس. بناء على هذه المعطيات، تَوَافَقَ العديد من صانعي السياحة حول العالم على ضرورة عودة الحركة السياحية، وذلك بالرغم من استمرار وجود وانتشار وباء (كوفيد-19).

وقد قام المجلس العالمي للسفر والسياحة بترجمة هذا التوافق حينما أطلق في 12 من مايو 2020 مشروع برتوكول السياحة العالمي، الذي يعد أول تجربة عالمية من نوعها لتوحيد جهود القطاع السياحي في مواجهة أزمة الوباء، حيث يتضمن هذا البرتوكول إرشادات عامة عن كيفية إدارة العمل السياحي في ظل وجود وباء كورونا، خاصة في المجالات السياحية المهمة، مثل: الفنادق، وخدمات النقل الجوي، ومحال السلع السياحية، وأماكن التسوق.

وتركز تلك الإرشادات على تأمين السائح والموظف السياحي من خطر الإصابة بالفيروس. كما تركز أيضًا على توفير أقصى درجة من الرفاهية، حتى لا يشعر السائح بأي اختلاف في الخدمة المقدمة عن فترة ما قبل الجائحة. وقد بدأ المجلس العالمي للسفر والسياحة في تطوير هذا المشروع من خلال التعاون مع منظمة الصحة العالمية ومراكز الوقاية الوبائية الأمريكية CDC، ويجري العمل حاليًّا على مشاركة أكبر عدد من حكومات الدول ومشغلي القطاع السياحي مثل مؤسسات ووكالات السفر والسياحة، لاختبار وتفعيل هذا البرتوكول.

الصين كأول تجربة ناجحة لعودة السياحة

حينما كان العالم منشغلًا بمواجهة جائحة كورونا خلال الفترة الماضية، كانت الصين قد بدأت في إعادة تشغيل كافة الأعمال الاقتصادية، وعلى رأسها المزارات السياحية والترفيهية. ويُعزى هذا إلى نجاح الدولة الصينية في السيطرة على تمدد الوباء، حيث شهد منحنى الإصابات ثباتًا عند حاجز 80000 إصابة منذ بداية مارس الماضي، مع وجود زيادات طفيفة في أعداد الإصابات الجديدة منذ مارس حتى أوائل يونيو الجاري، حيث لم تتجاوز الإصابات في تلك الفترة أكثر من 3000 إصابة.

ولضمان عدم انتشار الوباء مجددًا بسبب تشغيل الحركة السياحية، وضعت الصين منذ منتصف أبريل الماضي عددًا من الضوابط الصحية، مثل عدم السماح للمنشآت السياحية والترفيهية باستضافة أكثر من 30% من طاقة زوارها، كما قصرَت التشغيل على المناطق الترفيهية والسياحية المفتوحة open air areas فقط، لتقليل فرص انتقال العدوى بين المواطنين، فضلًا عن إلزام تلك المنشآت بوجود أطقم طبية مجهزة بأجهزة قياس الحرارة وغيرها من المعدات الطبية المطلوبة.

وكما ألزمت الحكومة المنشآت السياحية والترفيهية بعدد من الضوابط، فقد ألزمت السائحين أيضًا بعدد من تلك الضوابط، مثل ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، وتسجيل السائح لحالته الصحية يوميًّا عن طريق تطبيق إلكتروني. بالإضافة لذلك، منعت السلطات أي تجمعات للسائحين يفوق عددها الثلاثة أفراد، خاصة بعد أن تم تسجيل تزاحمات كبيرة للسائحين في عدد من المواقع السياحية خلال الأسبوع الأول من أبريل الماضي.

عودة السياحة تحتاج لإجراءات إضافية

أوضحت التجربة الصينية أهمية وعي والتزام مقدمي الخدمة السياحية من المنشآت السياحية والترفيهية وأيضًا متلقيها من السائحين، وذلك لضمان أعلى حماية ضد الوباء، لذلك يجب على المؤسسات التي تقوم الآن بوضع البرتوكولات الخاصة بالمنشآت السياحية والترفيهية، أن تضع أيضًا توصيات لتوعية السائحين بشكل مباشر. من ناحية أخرى، يجب على البروتوكولات التي توضع للمنشآت أن تراعي خصوصية كل مقصد سياحي. 

كما يحتاج القطاع السياحي للمزيد من الاعتماد على التكنولوجيا في تقديم الخدمة السياحية وذلك لتقليل التواصل البشري، وهو ما يعني تقليل فرص الإصابة بالمرض. وقد بدأ بعض مقدمي الخدمة السياحية في اعتماد مثل هذا النمط، خاصة الفنادق الكبيرة حول العالم، حيث امتلكت تلك المنشآت من قبل جائحة كورونا بنية تحتية تكنولوجية، تتيح لها التواصل مع النزلاء وتقديم الخدمة لهم عن بعد، إلا أن العديد من مقدمي الخدمة السياحية الآخرين مثل الوكالات السياحية والمحال التجارية والمولات، لا تزال تفتقد لمثل هذه الميزات مما يحتم عليهم التواصل المباشر مع العملاء. 

ومن الجيد أن تستثمر الحكومات والمؤسسات السياحية حول العالم في تطوير الوسائل والتطبيقات الافتراضية، التي تتيح متابعة الحالة الصحية والأمنية للسائحين، حيث تتيح تلك الوسائل الكشف والسيطرة على البؤر الوبائية المحتملة، كما تتيح الوصول للسائحين في أي مكان في حال حدوث طارئ لهم، وإن كان على تلك التطبيقات مراعاة الخصوصية لمستخدميها. كما من المهم أن تتشارك المؤسسات السياحية الدولية في تدشين ما يُسمى بالفيزا الصحية الافتراضية، والتي تتيح معرفة حالة السائح الصحية قبل دخوله إلى كل مقصد سياحي وهو ما من شأنه تقليص فرص انتقال الفيروس بين بلدان العالم. 

كذلك، من المهم أيضًا أن تبدأ المؤسسات السياحية في وضع خططها التسويقية على أساس استهداف شرائح العملاء التي تتقبل فكرة السياحة والسفر سواء المحلي أو الدولي في ظل وباء كورونا، خاصة شرائح الشباب. ومن المهم أيضًا وضع عدد من الإجراءات التحفيزية لجذب هذه الشرائح مثل تخفيض أسعار الإقامات أو الطيران. 

العديد من دول العالم تتسابق خلال هذه الفترة لإعادة افتتاح الحركة السياحية، سواء أمام السائحين المحليين أو الدوليين، لكن فتح الوجهات السياحية حول العالم يجب أن يتم بتخطيط ومتابعة جيدة، فالخطأ في إدارة المعادلة بين حركة السياحة والوقاية من الوباء، سيعني هذه المرة أن دولًا بأكملها قد تتعرض لموجة جديدة من وباء كورونا، وهو ما سيؤدي بدوره إلى إغلاق جديد للحركة السياحية، وربما تكون تلك قاصمة الظهر للعديد من الشركات والوكالات السياحية، ما يعني خسارة العشرات من الملايين لوظائفهم حول العالم. 

مراجع 

WHO, “Coronavirus disease situation” report, 1 June 2020.

WTTC, “Global protocols for the new normal” report, 12 May 2020.

UNWTO, “International tourism and Covid-19” report.

مقالات وتحليلات

تعزيز الشمول المالي في مواجهة كورونا

يُعد مصطلح “الشمول المالي” من أهم الركائز التي يقوم عليها النمو الاقتصادي على مستوى العالم. ويقصد بالشمول المالي سعي البنوك للوصول إلى الشرائح المجتمعية التي لا تمتلك تعاملات بنكية من أجل مساعدتهم على الاستفادة من الخدمات المالية المختلفة كالاقتراض والإيداع والادخار. ويسهم الشمول المالي في تخفيف حدة الفقر، بالإضافة إلى أبعاده الاجتماعية، بدءًا من الاهتمام بالأسر محدودة الدخل وتمكين المرأة اقتصاديًّا، وحتى تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر ودمجها بالقطاع المالي الرسمي، ما يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة، وبالتالي خفض معدلات البطالة والفقر وتحسين توزيع الدخل ورفع مستوى المعيشة، الأمر الذي يحقق النمو الاقتصادي والاجتماعي المستدامَيْن.

ومنذ عام 2010، تعهدت أكثر من 55 دولة بتحقيق الشمول المالي، وقامت أكثر من 30 دولة بإطلاق وإعداد استراتيجيات ومبادرات وطنية لتحقيق هذا المفهوم بجوانبه الواسعة، وذلك انطلاقًا من أهميته في تعزيز الإصلاح الاقتصادي ودعم الأنشطة الاقتصادية مع تشجيع جميع الأفراد من كافة المستويات المعيشية على الانخراط في النظام المالي. ولا تقتصر أهمية الشمول المالي على ذلك فقط، بل إنه يُمكن أن يساعد في تعزيز إجراءات مواجهة فيروس كورونا الذي جاء ليفرض ضغوطًا جديدة على النظام المصرفي في ظل زيادة الحاجة إلى التحول الرقمي وتطوير الخدمات المالية الرقمية وتطبيقات المدفوعات الإلكترونية أكثر من أي وقت مضى. ومع البحث وجدنا أن هناك علاقة تبادلية بين تعزيز الشمول المالي وسبل مكافحة تداعيات كورونا.

هذا المقال يحاول إلقاء الضوء على طبيعة العلاقة بين الشمول المالي ومواجهة أزمة كورونا، مع تحديد حالة الشمول المالي في مصر والعالم. 

أولًا- تطور الشمول المالي حول العالم

كشف تقرير صادر عن البنك الدولي في عام 2017 عن قاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي، الذي يغطي أكثر من 140 دولة حول العالم، أن هناك 515 مليون بالغ قاموا بفتح حسابات إما لدى البنوك أو من خلال شركات تقديم الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول في الفترة (2014-2017)، ما يعني أن 69% من البالغين -أي 3.8 مليارات شخص- يمتلكون حسابات مصرفية، مقارنة بحوالي 62% في عام 2014، وحوالي 51% في عام 2011.

وعلى الرغم من تسارع وتيرة تحقيق الشمول المالي عالميًا، إلا أن هناك تفاوتًا بين الدول النامية والمتقدمة في هذا الشأن، حيث يمتلك 94% من البالغين في الدول مرتفعة الدخل حسابات مصرفية، مقابل 63% فقط في البلدان الفقيرة، ولهذا فإن غالبية الأفراد الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية -والبالغ عددهم 1.7 مليار شخص حتى عام 2017- يعيشون في الدول النامية. ويرجع ذلك التفاوت إلى أسباب عديدة، منها أن بعض الأفراد لا يمتلكون أموالًا كافية تستدعي فتح حسابات مصرفية، والبعض الآخر يجد أن تكلفة فتح الحساب مرتفعة، خاصة في حالة وجود مسافة كبيرة بين محل السكن وأقرب فرع مؤسسة مالية، بالإضافة إلى عدم توفر المستندات المطلوبة لدى آخرين، أو انعدام الثقة في النظام المالي والمصرفي.

لكن لا يقتصر مفهوم الشمول المالي على فتح حساب مصرفي فحسب، بل يمتد إلى كيفية استفادة الفرد من هذا الحساب على أكمل وجه، وذلك عن طريق ربط الحساب باستخدام الهواتف الذكية والإنترنت لإجراء المعاملات المالية. فقد ارتفعت نسبة مالكي الحسابات الذين يقومون بإرسال أو تلقي المدفوعات رقميًّا خلال الفترة (2014-2017) من 67% إلى 76% عالميًا. وعلى الرغم من هذا التحسن، إلا أن هناك حوالي مليار فرد بالغ حول العالم من مالكي الحسابات يدفعون فواتير المرافق نقدًا، كما يعمل حوالي 300 مليون بالغ من مالكي الحسابات في القطاع الخاص ولا يزالون يتقاضون أجورهم نقدًا، وهو ما يستدعي الحاجة إلى تطوير التكنولوجيا الرقمية والاستفادة من المعاملات النقدية الحالية لإدخال أكبر عدد ممكن من المواطنين في النظام المصرفي وتعزيز الشمول المالي بدوره.

ثانيًا- أين تقع مصر في خريطة تطوير الشمول المالي؟

تتعامل الحكومة المصرية مع الشمول المالي كأولولية منذ إطلاق استراتيجية التنمية المستدامة 2030 التي ركزت على تعزيز هذا المفهوم. كما دشن البنك المركزي المصري الإدارة المركزية للشمول المالي في نوفمبر 2016 لتعزيز التنسيق والتعاون مع الأطراف المعنية في هذا الشأن. ومنذ ذاك التاريخ وحتى وقتنا هذا، أطلق المصرف المركزي والحكومة المصرية عدة مبادرات، واتخذ عددًا من القرارات التي ارتكزت على دمج الأفراد في القطاع المالي مع تقديم عدد من التسهيلات الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من أجل إدخال القطاع غير الرسمي تحت مظلة نظيره الرسمي، وفيما يلي أبرز هذه المبادرات:

1- إلزام البنوك بتأسيس إدارة للشمول المالي: اتخذ البنك المركزي هذا القرار في مارس 2020 من أجل إزالة العوائق الأساسية التي تحول دون وصول الخدمات والمنتجات المصرفية لكافة فئات المجتمع، خاصة الفئات المستبعدة ماليًّا. كما طالب البنك البنوك التجارية بإعداد استراتيجية متوسطة الأجل لتحقيق الشمول المالي، ووضع خطة عمل سنوية تتضمن التوسع الجغرافي، والتواجد في القرى والمناطق النائية، وتطوير المنتجات القائمة، والعمل على تلبية احتياجات فئات العملاء المستبعدة ماليًّا خاصة المرأة والشباب، فضلًا عن التوسع في تقديم الخدمات المالية الإلكترونية.

2- إعداد الاستراتيجية الوطنية للتكنولوجيا المالية: انتهى البنك المركزي من إعداد هذه الاستراتيجية في 2019 التي تُعَدُّ حلقة الوصل بين رؤية البنك المركزي ورؤية مصر 2030، خاصةً أن الاعتماد على تطبيقات التكنولوجيا المالية يحقق العديد من المنافع الاقتصادية، وتوفر تلك التطبيقات خدمات مالية تلبي احتياجات العملاء بأسعار تنافسية، كما تسهم في خفض تكاليف المؤسسات المالية، وتعظيم عوائدها.

وتتناول الاستراتيجية عددًا من المحاور الأساسية؛ أهمها: تلبية جانب الطلب على خدمات التكنولوجيا المالية، وتنمية واستغلال المواهب والقدرات الابتكارية، فضلًا عن استهداف زيادة تمويل مشروعات التكنولوجيا المالية، وتعزيز القواعد الرقابية والتنظيمية المشجعة لصناعة التكنولوجيا المالية، بالإضافة إلى تطبيق قواعد الحوكمة الداعمة لصناعة التكنولوجيا المالية.

3- إطلاق بطاقة “ميزة”: تم التشغيل التجريبي لمنظومة بطاقة الدفع ذات العلامة التجارية الوطنية “ميزة” بنهاية ديسمبر 2018. ويتشابه كارت “ميزة” مع البطاقات البنكية الأخرى، حيث تُمكِّن حاملها من إجراء المعاملات الإلكترونية، وسداد مقابل الخدمات الحكومية، والرسوم، وصرف أنواع الدعم المختلفة. وتساهم هذه البطاقة في تحقيق الشمول المالي، خاصة مع انخفاض تكاليف إصدارها.

4- مبادرة “حساب لكل مواطن”: أطلق البنك المركزي في مايو 2017 هذه المبادرة التي تتضمن قيام البنوك بفتح الحسابات بدون مصاريف خلال أسبوع “اليوم العربي للشمول المالي” لتشجيع المواطنين على فتح حسابات بنكية، مع زيادة توعية الأفراد في الأقاليم والمناطق النائية بأهمية المشاركة في المبادرة.

5- مبادرة تمويل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة: ألزم البنك المركزي المصري البنوك بتخصيص نسبة 20% من محافظها الائتمانية لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة على مدار 4 سنوات ابتداء من 2016. وقد بلغت الزيادة في محفظة القروض والتسهيلات لهذه المنشآت خلال الفترة من ديسمبر 2015 حتى سبتمبر 2018 حوالي 115.2 مليار جنيه، واستفاد منها عدد 491 ألف عميل.

ورغم هذه الجهود، كشفت إحصائيات البنك الدولي أن 33% فقط من المصريين الذين تتجاوز أعمارهم 15 عامًا يمتلكون حسابات مالية بالبنوك أو البريد، في حين وصل عدد البطاقات المصرفية ومحافظ الهاتف المحمول إلى 35 مليون بطاقة، و14.5 مليون محفظة على الترتيب. ويوضح الجدول التالي توزيع الحسابات المصرفية في مصر حتى 2018 على فئات مختلفة. 

وترجع نسبة انخفاض مالكي الحسابات المصرفية في مصر رغم الجهود المبذولة من قبل السلطات التنظيمية إلى عدم قدرة النظام المصرفي حتى الآن على الوصول إلى العاملين بالاقتصاد غير الرسمي، مع افتقار المواطنين للمعرفة المالية اللازمة لفتح حسابات بنكية وكيفية الاستفادة من الخدمات المتاحة، وهو ما يتطلب جهدًا إضافيًا من المؤسسات المالية لتوفير التثقيف المالي المناسب للفئات المختلفة. هذا إلى جانب عدم ثقة الأفراد في قنوات الدفع الإلكتروني، ولهذا تفضل نسبة كبيرة من مستخدمي منصات التجارة الإلكترونية اللجوء للدفع النقدي.

ثالثًا- تعزيز الشمول المالي في مواجهة كورونا

يرتبط الشمول المالي بإجراءات مواجهة فيروس كورونا بعلاقة تبادلية، ذلك أن تعزيز الشمول المالي يُمكن أن يساعد في تخفيف حدة تداعيات الوباء. كما أن قرارات مكافحة كورونا يعزز الشمول المالي والتحول الرقمي في مصر والعالم، حيث تتمثل أهم إجراءات الحد من انتشار الفيروس في فرض حظر التجوال ومنع المخالطة الاجتماعية، وهو ما قد يؤدي إلى اتجاه الأفراد لاستخدام المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية من أجل إجراءات المعاملات اليومية دون الحاجة للذهاب إلى فرع البنك. وهكذا، برزت خلال أزمة كورونا أهمية الشمول المالي للأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب ضرورة استخدام مزايا التكنولوجيا الرقمية في القطاع المالي من أجل قضاء المواطنين حاجاتهم المالية والمصرفية عن بعد. ولذلك، من المرجح أن تعزز القيود على حركة الأفراد من التكنولوجيا الرقمية كإحدى دعائم الشمول المالي.

من ناحية أخرى، من المتوقع أن يساعد تعزيز الشمول المالي في مواجهة تداعيات كورونا عن طريق تسهيل وصول حزم المساعدات المالية الحكومية إلى الأفراد والشركات المتضررة من الفيروس. كما يُمكن تطبيق سياسات تحويل الأموال مباشرة إلى الأسر بسهولة إذا كانت الدولة تتمتع بدرجة كبيرة من دمج الأفراد في النظام المصرفي.

مقالات وتحليلات

الجدل حول امتحانات الثانوية العامة في ظل كورونا

ألقت أزمة كورونا المستجد بظلالها على نظام التعليم في مصر، وأثرت بشكل كبير على سير الدراسة وإنهاء المناهج المقررة، وأداء امتحانات نهاية العام. وقد لجأت وزارة التربية والتعليم في مصر إلى أساليب غير تقليدية لإنهاء العام الدراسي بأقل خسائر ممكنة، فقررت الاكتفاء بما تم تدريسه حتى منتصف مارس، واستبدلت امتحانات نهاية العام بمشاريع بحثية يقدمها الطلاب، ولجأت إلى الامتحانات الإلكترونية من المنزل للصفين الأول والثاني الثانوي.

لقد انتهى الجدل الحاد الذي صاحب كل هذه الإجراءات، وتحققت درجة مناسبة من التوافق المجتمعي على أهمية تطوير أساليب التعليم والتقييم عن بعد، وانتهى العام الدراسي لأكثر من عشرين مليون طالب بسلام، ومع هذا فقد تجدد الجدل مرة أخرى بمناسبة اقتراب امتحانات الثانوية العامة، في ظل تزايد أعداد المصابين بالفيروس وقلق أولياء الأمور على أبنائهم. 

أولًا- مخاوف مجتمعية

منذ أن أعلن وزير التربية والتعليم عن موعد أداء الطلاب لامتحانات الثانوية في السابع من يونيو الجاري، ارتفعت الأصوات المطالبة بالتأجيل حفاظًا على سلامة الطلاب. وكان المطلب الأساسي أن يتم تأجيل الامتحانات لمدة أسبوعين أسوةً بطلاب الدبلومات الفنية، وهو ما تم بالفعل لتعلن الوزارة عن بدء امتحانات الثانوية العامة في الحادي والعشرين من يونيو لتنتهي في الحادي والعشرين من يوليو المقبل. وفي تناقض واضح مع الاعتراضات السابقة، علت الأصوات المطالبة بالتأجيل مرة أخرى، وعبّرت أصوات عن القلق من أداء الطلاب للامتحانات في هذا التوقيت، وتلخصت أسباب القلق فيما يلي: 

1- احتمال إصابة الطلاب ونقل العدوى إلى أسرهم في ظل تزايد أعداد المصابين: يمثل تزايد أعداد المصابين بالفيروس المستجد في مصر مصدر القلق الأول لكل الفئات المجتمعية المطالبة بتأجيل الامتحانات، حيث تخطى إجمالي الإصابات 32 ألف إصابة حتى السادس من يونيو الجاري. ويرى البعض أن أداء أكثر من 650 ألف طالب للامتحان قد يتسبب في انفجار في أعداد الإصابات نتيجة الاحتكاك المباشر بين الطلاب وبعضهم، أو بسبب احتكاكهم بآخرين في وسائل المواصلات العامة التي تنقلهم إلى لجان الامتحان. 

2- تزايد حدة القلق لدى الطلاب أنفسهم: بالإضافة إلى القلق الطبيعي والرهبة من امتحانات الثانوية العامة، يمثل انتشار الفيروس المستجد مصدرًا آخر للقلق لدى الطلاب، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على تركيزهم أثناء فترات التحضير للامتحان أو داخل اللجان، وبالتالي لا يحقق الطلاب المستهدف من درجات الامتحان.

ثانيًا- الجدل حول التوقيت الأنسب

بالرغم من المخاوف سالفة الذكر وتركيز بعض القنوات الإعلامية على ضرورة إعادة النظر في الموعد الذي قررته وزارة التربية والتعليم لامتحانات الثانوية العامة؛ إلا أن وزير التربية والتعليم صرح في أكثر من مداخلة هاتفية مع قنوات تليفزيونية مختلفة بأن التوقيت الذي أعلنته الوزارة هو الأنسب لعدة اعتبارات، أهمها:

1- طول فترة الامتحانات، حيث تستمر امتحانات الثانوية العامة لمدة شهر كامل، ينتهي في الحادي والعشرين من يوليو، لتبدأ بعدها امتحانات الدبلومات الفنية في الخامس والعشرين من يوليو وتنتهي في الثالث عشر من أغسطس، يأتي بعدها امتحانات الدور الثاني التي ستستمر في الغالب حتى سبتمبر 2020.

2- عدم التأكد من موعد انتهاء أزمة كورونا، إذ لا توجد مؤشرات حقيقية توضح موعد انحسار العدوى بالفيروس المستجد، أو موعد إنتاج لقاح يقلل من انتشار المرض. وقد تستمر الأزمة لأكثر من ستة أشهر قادمة، ما يعني أن التأجيل إلى حين انتهاء الأزمة يتسبب في ضياع عامين دراسيين (الحالي والقادم).

3- أن التوقيت المُعلن لامتحانات الثانوية العامة يسمح بالانتهاء من أعمال التنسيق والبدء في عام دراسي جديد في توقيت مناسب.

وعززت الوزارة موقفها بالإشارة إلى أن هذا التوقيت يتزامن مع إلغاء الإجراءات الاحترازية جزئيًّا، والاتجاه لإعادة فتح دور العبادة والنوادي الرياضية والمطاعم. كما أشار الوزير إلى أن عددًا من الدول أعادت فتح مدارسها بغض النظر عن تزايد أعداد الإصابات. وإضافةً إلى ما سبق، فإن المؤشرات تبين أن النسبة الأكبر من طلاب الثانوية العامة تفضل أداء الامتحانات في أسرع وقت ممكن، ويرون أن التأجيل أكثر من ذلك يؤثر سلبًا عليهم ويزيد من الضغوط التي يتعرضون لها.

ثالثًا- الأولوية لأمان الطلاب وسلامتهم

أعلنت وزارة التربية والتعليم حزمة من الإجراءات التي تضمن سلامة الطلاب أثناء أداء الامتحانات، وراعت في قراراتها الطوارئ التي قد يتعرض لها الطالب، فسمحت للطلاب الذين لا يؤدّون الامتحان لظروف قهرية (الخضوع لحجر صحي، أو إصابة الطالب بالكورونا) بتأجيل الامتحان إلى الدور الثاني بالدرجة الفعلية. وفي حالة وجود لجنة سير الامتحان في نطاق الحجر الصحي في أي منطقة يتم تأجيل الامتحان للطلاب إلى الدور الثاني بالدرجة الفعلية.

ومن أبرز الإجراءات الاحترازية المقرر تطبيقها: 

– بلغ عدد المدارس التي تضم لجانًا فرعية خمسة آلاف مدرسة، بحيث لا يزيد عدد الطلاب داخل أي لجنة فرعية عن 11 طالبًا.

– تواجد طبيب وسيارة إسعاف بكل لجنة للتعامل مع أي حالات طارئة داخل لجان الامتحان.

– تخفيف الأعباء عن الطلاب بامتحان المواد التي لا تُضاف للمجموع من المنزل.

– توفير 33 مليون كمامة و17 ألف جهاز قياس للحرارة استعدادًا للامتحان، بالإضافة إلى مرور الطلاب من خلال بوابات تعقيم في طريقهم لدخول لجان الامتحان، تسبقها علامات إلكترونية لإرشاد الطلاب لأماكن الدخول، مع تنظيم دخول الطلبة لمنع التكدس على الأبواب، على أن يُمنع وجود أولياء الأمور مع الطلاب في المدارس أو حولها والتجمهر قبل أو بعد الامتحانات.

– منع تجمهر الطلاب داخل المدرسة أو خارجها قبل أو بعد الامتحانات، على أن يُسمح بدخول الطلاب إلى المدرسة من الساعة الثامنة صباحًا وحتى الساعة التاسعة، ويكون موعد بدء الامتحان الساعة العاشرة صباحًا، للتأكد من تطبيق جميع الإجراءات الاحترازية.

– توزيع أدوات التعقيم وكمامات وواقيات للأحذية قبل كل امتحان على الطلاب، على أن يتم تعقيم وتطهير كافة اللجان قبل وبعد إجراء الامتحان. ويقوم الملاحظ بالتأكد من أن الطالب قام بتعقيم يديه ولبس الكمامة بطريقة صحيحة.

– إجراء تحاليل طبية للسادة القائمين على وضع الأسئلة قبل عقد جلسات وضع الأسئلة أو الدخول إلى مقر المطبعة، وإجراء التعقيم اللازم لصناديق نقل كراسات وأوراق الامتحان دون التأثير على المحتوى.

وتمثل هذه الإجراءات مجموعة متكاملة من إجراءات الوقاية الاحترازية، ومن ثم فإن العبء الأكبر يقع الآن على منفذي هذه الإجراءات، فالتنفيذ الصحيح هو الذي يضمن منع انتشار العدوى بالفيروس المستجد بين الطلاب داخل لجان الامتحان. أما فيما يتعلق بالمسافة بين منزل الطلاب واللجنة التي يؤدي الامتحان بها، ووسيلة المواصلات التي تنقله إلى لجنته، فتقع المسئولية على الطالب نفسه في اتخاذ الإجراءات الوقائية التي أعلنتها وزارة الصحة ويتم تداولها باستمرار على القنوات التليفزيونية وصفحات التواصل الاجتماعي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن متوسط عمر طالب الثانوية العامة لا يقل عن سبعة عشر عامًا، ما يعني قدرته على فهم هذه الإجراءات واتخاذ ما يلزم لحماية نفسه.

رابعًا- نحو تطوير بنّاء للحوار المجتمعي حول التعليم

لقد احتاج الأمر للكثير من الجهد والجدل للوصول إلى توافق حول هذه الإجراءات، وذلك بسبب الفجوة بين الأطراف المختلفة، وعدم قدرة كل طرف على توصيل الرسالة كاملة إلى الطرف الآخر، بما يترتب على ذلك من ضعف الثقة المتبادلة، بحيث كانت الفجوة تتسع مع كل قرار تنفيذي تتخذه الوزارة.

وتعتمد الأصوات المعارضة لسياسات وزارة التربية والتعليم على صفحات التواصل الاجتماعي لتوصيل صوتها. ويغلب على هذه الأصوات التخوف من كل تغيير يتم إدخاله على العملية التعليمية أو طريقة التقييم، واعتبار ذلك إفسادًا لنظام التعليم وإهدارًا لمستقبل الطلاب. المشكلة في هذا المنهج المحافظ والمتشكك هي سهولة توظيفة من جانب جماعات المصالح التي تريد الحفاظ على الوضع الراهن رغم عيوبه الخطيرة. على الجانب الآخر، تتسم الطريقة التي تتبعها الوزارة في الإعلان عن خططها وإجراءاتها بأحادية المسار، فالوزير هو الوحيد تقريبًا الذي يتحدث إلى وسائل الإعلام لتوضيح ما تتخذه الوزارة من قرارات في لقاءات قصيرة على قنوات تليفزيونية لا تصل إلى جميع المعنيين أو المستهدف الوصول إليهم، يغلب عليها طابع “المونولوج”، حيث يغيب الحوار، ويحل محله الحديث من طرف واحد. والمطلوب هو توفير قنوات اتصال وحوار مباشر يتواصل من خلالها المسئولون عن التعليم مع ممثلي وجهات النظر والمصالح المختلفة، واستخدام كافة وسائل الإعلام والبث لتوصيل مستجدات ونتائج هذا التواصل، حتى يحل الحوار البناء محل العصبية والتشكيك. 

مقالات وتحليلات

حركة الاندماج والاستحواذ بين الشركات عقب أزمة كورونا

لا تقتصر الخسائر الناجمة عن تفشي فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي على التأثيرات الكلية فقط المتمثلة في تداعيات الجائحة على نمو الناتج المحلي الإجمالي والصادرات أو معدلات البطالة على سبيل المثال؛ بل تمتد لتشمل المكونات الجزئية للاقتصاد، حيث تمثل الشركات جزءًا مهمًّا من تلك المكونات نظرًا لدورها في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير فرص للعمالة وزيادة معدلات الإنتاج. وقد تأثرت أنشطة تلك المؤسسات في جميع القطاعات وعلى كافة الأصعدة، ابتداءً من تسريح عدد كبير من عمالها أو تسجيلها خسائر باهظة في ظل انخفاض مبيعاتها بسبب إغلاق عدد كبير من مصانعها أو فروعها حول العالم، وخفض عدد ساعات العمل وفرض حظر التجوال. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليؤثر على حركة الاندماج والاستحواذ بين الشركات حول العالم، وهو الأمر الذي يستدعي إلقاء مزيد من الضوء على كيفية تأثير الوباء على تلك العمليات، مع عرض أهم التوقعات حول صفقات الاستحواذ بعد انتهاء الأزمة. 

كورونا ينال من عمليات الاندماج والاستحواذ حول العالم

يُقصد بالاستحواذ “قيام كيان بالسيطرة ماليًّا وإداريًّا على نشاط شركة أخرى عبر تملك حصة من رأس المال أو حقوق التصويت”، بينما يشير الاندماج إلى “توحيد شركتين أو أكثر تحت مظلة شركة واحدة لتشكيل كيان أكبر حجمًا”. وتهدف كلا العمليتين إلى تحقيق عدد من الأهداف، يتمثل أهمها في توسيع الأسواق التي تعمل فيها الشركات وزيادة إيراداتها وأرباحها، مع توفير الأيدي العاملة وتعزيز القدرة التنافسية، والنفاذ إلى أسواق تصديرية جديدة، فضلًا عن خلق فرصة للشركات للحيلولة دون الانهيار والإفلاس.

وتشهد الأسواق العربية والعالمية في الفترة الراهنة حالة ملحوظة من الركود في نشاط الاستحواذات والاندماجات من حيث قيمة الصفقات الجديدة وعددها، وذلك وسط انتشار حالة من عدم اليقين حول النشاط الاقتصادي، وعدم القدرة على تحديد سيناريو دقيق لكيفية تجاوز أزمة جائحة كورونا. ولهذا تعجز الشركات عن وضع أي خطط مستقبلية بناء على الوضع الحالي في ضوء ضبابية المشهد وعدم القدرة على معرفة موعد لانتهاء الأزمة. ولذلك، اضطرت الشركات إلى تأجيل التفكير في الأهداف طويلة الأجل مع التركيز فقط على ضمان سلامة موظفيها والحفاظ على استقرار أعمالها، مع دعم سبل استمرار تدفق السيولة النقدية. أما فيما يتعلق بالصفقات الجارية بالفعل، فمن المرجح أن يتم إرجاء تنفيذها بسبب تأخير الحصول على الموافقات التنظيمية الضرورية لإتمامها، مع تأجيل أو إلغاء زيارات المواقع واجتماعات العملاء والإدارة. هذا بالإضافة إلى محاولة معظم المشترين إعادة التفاوض على شروط الصفقة التي تمّ الاتفاق عليها مسبقًا من أجل إعادة تقييم الأسعار وجميع الشروط الأخرى وأخذ الظروف المترتبة على تفشي الوباء في الاعتبار. وأخيرًا من المتوقع أن ترفض العديد من الشركات بعض عروض الاستحواذ في ظل التقييمات المنخفضة خلال الفترة الحالية.

وبحسب توقعات مكتب “بيكر آند ماكينزي” للاستشارات القانونية، من المتوقع انخفاض حجم عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية بنسبة 25% خلال العام الجاري مع تراجع قيمة الصفقات من 2.8 تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار. وفيما يتعلق بالبيانات الفعلية المسجلة خلال الربع الأول من العام الجاري، نجد أن قيمة الاستحواذات بالشرق الأوسط قد تراجعت بنحو 90% على أساس سنوي إلى 9.28 مليارات دولار مقارنة بحوالي 88.27 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من 2019. وهبط عدد الصفقات المسجلة من 109 صفقات إلى 95 صفقة. كما انخفض حجم الصفقات المنفذة بدول الخليج بنسبة 51% على أساس فصلي من 49 صفقة إلى 24 صفقة فقط، وهبط نشاط الاندماج والاستحواذ في الولايات المتحدة وآسيا بمقدار النصف إلى 252 مليار دولار، وحوالي 17% على أساس سنوي إلى 142.9 مليار دولار على الترتيب.

أما على المستوى العالمي، فقد شهد الأسبوع المنتهي في السابع عشر من أبريل عدم الإعلان عن أي صفقات تفوق قيمتها مليار دولار، وذلك لأول مرة منذ سبتمبر 2004. كما تراجع نشاط الاندماج والاستحواذ عالميًّا منذ بداية العام الجاري وحتى أبريل بنحو 33% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي لتسجل 762.6 مليار دولار، وهو المستوى الأقل منذ عام 2013 (انظر الشكل المرفق). 

تاريخ عمليات الاندماج والاستحواذ في مصر

تُعتبر مصر سوقًا نشطة في مجال عمليات الاندماج والاستحواذ، ويظهر ذلك في ارتفاع قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ بنحو 286٪ من 389 مليون دولار خلال عام 2017 إلى 1.5 مليار دولار في عام 2018 لتسجل بعد ذلك 1.6 مليار دولار أمريكي في 2019، وذلك بدعم من استقرار قيمة العملة المحلية، وتعزيز ثقة المستثمرين في السوق المحلية بفضل برنامج الإصلاح الاقتصادي. ووفقًا لمنتدى الاندماج والاستحواذ والاستثمار المباشر الذي تنظمه شركة “ميرجر ماركت”، سجلت مصر ما تصل نسبته إلى 75.1% من قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ بشمال إفريقيا و58.3% من حجم الصفقات في 2019.

ولإيضاح تأثير أزمة فيروس كورونا على عمليات الاستحواذ والاندماج في السوق المصرية –التي شهدت رواجًا كما ذكرنا خلال الأعوام السابقة- كشف أحد مكاتب الاستشارات القانونية عن إرجاء نحو 60% من إجمالي عدد الصفقات التي يتولى تقديم الاستشارات القانونية لها تحت تأثير الوباء. وقد تعطلت بعض الصفقات الكبيرة بسبب عدم وضوح الآفاق الاقتصادية بشكل دقيق، كإيقاف الاستحواذ المحتمل من قبل بنك “أبو ظبي الأول” على بنك عودة في مصر، وتعطيل سير المفاوضات الجارية بشأن استحواذ مجموعة مستشفيات “كليوباترا” على شركة “ألاميدا” القابضة المالكة لمستشفيات دار الفؤاد والسلام الدولي، وذلك بسبب تأثير الفيروس على تقييم الصفقة.

لكن ينبغي الإشارة إلى أن الصورة لم تكن قاتمة بشكل كامل، حيث دخلت مجموعة من عمليات الاستحواذ الأخرى حيز التنفيذ فعليًّا، من بينها عملية شراء شركة “كايرو ثري إيه” للمصرية للنشا والجلوكوز في الحادي عشر من مايو بقيمة إجمالية تبلغ 420.2 مليون جنيه، وإتمام صفقة شراء “سيكا مصر” لكيماويات مواد البناء لشركة “مودرن” للمواد العازلة في أواخر أبريل الماضي، وكذلك استحوذت مجموعة “تانا أفريكا كابيتال” على حصة أقلية بمجموعة مستشفيات “مبرة” العصافرة بالإسكندرية، في حين تتفاوض مؤسسة “CDC” الإنجليزية للاستحواذ على حصة أقلية في شركة “ألفا جروب” الطبية مقابل 1.5 مليار دولار، كما تم الكشف عن مساعي شركة “ازدهار” للاستثمار المباشر للاستحواذ على حصة غير حاكمة بمجموعة مستشفيات التيسير الطبية القابضة.

انتعاش محتمل لعمليات الاستحواذ عقب انتهاء الأزمة

على الرغم من وضوح التداعيات قصيرة الأجل الناتجة عن كورونا على صفقات الاندماج والاستحواذ، إلا أنه من الصعب التنبؤ بكيفية تأثير الجائحة على المدى الطويل. وتُشير التوقعات إلى وجود احتمالات لانتعاش عمليات الاستحواذ والاندماج التي قد تكون طوق النجاة والبديل الأخير أمام الشركات المتعثرة والمثقلة بالديون مع استنفاد كل الحلول الأخرى المطروحة أمامها بسبب حاجتها إلى السيولة الفورية. ومن المرجّح أن تشهد بعض القطاعات رواجًا في تلك العمليات عقب انتهاء الأزمة، مثل: الأغذية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والرعاية الصحية، وهي قطاعات يُمكن أن تقود الانتعاش الاقتصادي العالمي بعد مرور الأزمة.

وانطلاقًا من فرضية أن الكوارث والأزمات تخلق عقب انتهائها حالة من التغيرات في الكيانات الاقتصادية، فسوف تقتنص بعض المؤسسات الناجية من الأزمة والتي تتمتع بملاءة مالية فرصة الاستحواذ على بعض الشركات ذات التقييم المالي المنخفض بسبب عدم قدرة الأخيرة على الصمود أمام الأزمة بسبب تراكم الالتزامات المالية واضطراب سلاسل الإمدادات عالميًّا الذي ساهم في هبوط إيراداتها وأرباحها. وبناء على ذلك، من المتوقع أن تطفو ظاهرة “العروض العدائية” على السطح والتي تقوم على تقديم المؤسسات الكبرى عروضًا للشركات بقيمة أقل من قيمتها الحقيقية استغلالًا للأزمات التي تمرّ بها.