كوفيد-19

مقالات وتحليلات

غياب البيانات يثير التساؤلات حول اللقاح الروسي

أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، في الحادي عشر من شهر أغسطس الجاري، عن بدء بلاده في إنتاج أول لقاح مُسجل رسميًّا في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، والذي أُطلق عليه اسم “سبوتنيك 5″، بالرغم من عدم إنهاء اللقاح لكافة مراحل الاختبارات السريرية اللازمة للتأكد من سلامته على المرضى وفعاليته في الوقاية من الفيروس. ووفقًا للتصريحات الرسمية، ستتم عملية إنتاج اللقاح بالتوازي مع إجراء المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية للقاح، والتي ستُجرَى بالتعاون مع عدد من الدول، منها السعودية والإمارات والبرازيل والهند، وبمشاركة 2000 متطوع خلال شهر سبتمبر المقبل. لكن مع استمرار غياب البيانات ونتائج الدراسات التي أُجريت على هذا اللقاح، ازدادت مخاوف العلماء حول ما قد يسببه اللقاح من آثار جانبية على صحة المرضى، قد تفوق بمراحل التأثيرات التي من الممكن أن يُسببها الفيروس، والتي قد تصل في بعض الأحيان للوفاة.

اللقاحات ومراحل تطويرها

اللقاح هو مستحضر بيولوجي يقوي مناعة جسم الإنسان لحمايته من الإصابة بالأمراض التي تُسببها الميكروبات (الفيروسات أو البكتيريا)؛ حيث يتكون اللقاح من الميكروب المُسبب للمرض ولكن في أشكال مختلفة يتم تحضيرها معمليًّا، فمن الممكن أن يحتوي اللقاح على الميكروب ميتًا، أو ضعيفًا، أو على أجزاء معينة منه فقط. ويعمل اللقاح على تحفيز جهاز المناعة في الجسم لإنتاج أجسام مضادة ضد هذا الميكروب الميت أو الضعيف. وتظل تلك الأجسام المضادة في الجسم لفترات طويلة لمنع الإصابة بهذا الميكروب مرة أخرى في المستقبل.

وتُعتبر عملية تطوير وإنتاج اللقاحات دقيقه ومعقدة للغاية، فيجب أن يمر اللقاح بعدد من المراحل قبل أن يتم اعتماده رسميًّا وبدء إنتاجه؛ فبعد أن يتم التأكد من فعالية اللقاح مختبريًّا يتم تجربته على حيوانات التجارب، ويطلق على هذه المراحل الاختبارات ما قبل السريرية للقاح. ومن ثم، يتم اختبار اللقاح سريريًّا على البشر، وهي الخطوة التي تستغرق سنوات عدة قبل إتمامها بالكامل، فأسرع مدة تم خلالها إنتاج لقاح بلغت أربع سنوات، فيما تستغرق عمليه إنتاج معظم اللقاحات عادة من عشرة إلى خمسة عشر عامًا.

تقسم اللقاحات إلى عدة أنواع، منها:

1- اللقاحات الحية المضعّفة: يُحضر هذا النوع من اللقاحات باستخدام بكتيريا أو فيروسات كاملة تم إضعافها لتخلق استجابةً مناعيةً وقائيةً تستمر لمدة طويلة.

2- اللقاحات غير الحية: تحتوي هذه اللقاحات على عينات ميتة من الميكروب المُسبب للمرض؛ لذا فهي لا توفر مناعة قوية كاللقاحات الحية المضعّفة، بل وتحتاج أيضًا إلى عدة جرعات تنشيطية من اللقاح مع مرور الوقت للحصول على مناعة مستمرة ضد الأمراض.

3- اللقاحات القائمة على الأحماض النووية: يتم تصنيع هذه اللقاحات باستخدام جزء صغير من الحمض النووي للفيروس أو البكتيريا (RNA أو (DNA، ويتم حقنها بالجسم حتى يتمكن الجهاز المناعي من التعرف عليها وتوليد استجابة مناعية ضدها.

4- اللقاحات القائمة على النواقل الفيروسية: الناقل الفيروسي هو فيروس نُزع منه جين التكاثر؛ أي لا يُمثل خطرًا على الجسم من ناحية العدوى، ويتم استخدامه كناقل في إيصال أجزاء معينة من الميكروب (مثل: البروتينات الموجودة على سطح الفيروس أو الحمض النووي الموجود داخل الفيروس أو البكتيريا) إلى الخلية في جسم الإنسان؛ حتى تُكوّن الخلايا استجابة مناعية تستهدف هذه الأجزاء الرئيسية من الميكروب.

التاريخ الروسي في إنتاج اللقاحات

تمتلك روسيا تاريخًا ثريًّا من الإنجازات في مجال تطوير وتصنيع الأمصال واللقاحات، فالاتحاد السوفيتي كان شريكًا رئيسيًا في الجهود الدولية لإنتاج أول لقاح فموي (يُعطَى عن طريق الفم) ضد مرض شلل الأطفال خلال فترة الخمسينيات. كذلك استطاع العلماء الروس خلال الفترة نفسها ابتكار تقنية جديدة في صناعة المستحضرات الدوائية -يتم استعمالها حتى يومنا هذا- تسمى تقنية التجفيد (Freeze-drying Technique)، وهي تقنية يتم استخدامها خلال عملية التصنيع لتحويل المستحضر من سائل إلى حبيبات جافة (بودرة)؛ من أجل ضمان ثبات المادة الفعالة داخل اللقاح في درجات الحرارة العالية خلال نقلها إلى الدول الأخرى. كما تبرع الاتحاد السوفيتي، خلال فترات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بكميات ضخمة من لقاح الجدري لمنظمة الصحة العالمية في حملتها للقضاء على مرض الجدري.

لكن بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأ الاقتصاد الروسي في الانهيار، وتبع ذلك هجرة أغلب العلماء الروس إلى دول أخرى في أوروبا والولايات المتحدة، وتخلّت روسيا عن صدارتها في مجال الفيروسات وإنتاج اللقاحات. وحاولت روسيا إصلاح ذلك عبر زيادة استثماراتها في مجالات الأبحاث الدوائية، وتبنت استراتيجية “فارما 2020” التي هدفت بشكل رئيسي لتوطين صناعات الأدوية واللقاحات في روسيا، ولكن لا تزال منتجاتها الدوائية غير قادرة على استيفاء المعايير والمتطلبات العالمية. كما أن أغلب اللقاحات التي تم الإعلان عن اكتشافها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لم يتم إنتاجها بالفعل. على سبيل المثال، لقاح فيروس الإيدز الذي تم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من الاختبارات السريرية له في عام 2014، لكن لم يتم البدء في إنتاجه أو إتاحة أي معلومات عنه حتى يومنا هذا. وكذلك هو الحال مع لقاحين لفيروس الإيبولا، اللذين أعلن عنهما الرئيس الروسي لأول مرة في عام 2016، ثم مرة أخرى في عام 2018، ولكنهما ما زالا قيد التطوير.

الجهود الروسية في إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا

تأثرت روسيا بشدة من وباء كورونا المستجد، فهي تحتل المركز الرابع عالميًّا من حيث عدد الإصابات الذي يقترب من مليون حالة إصابة بالفيروس حتى وقت كتابة هذا المقال. فيما بلغ إجمالي عدد الوفيات حوالي 17 ألف حالة. وبالرغم من إعلان الحكومة الروسية عن وجود سبعة وأربعين لقاحًا مختلفًا يتم تطويرها حاليًّا من قبل مراكز الأبحاث وشركات المستحضرات الدوائية في روسيا ضد فيروس كورونا المستجد، ألا أن لقاحين فقط هما الأقرب لإتمام كافة مراحل التطوير. اللقاح الأول الذي تم الإعلان عن تسجيله رسميًّا من قبل وزارة الصحة الروسية ضد فيروس كورونا المستجد، هو لقاح “سبوتنيك 5” الذي يتم تطويره داخل مركز أبحاث غماليا الروسي. أما اللقاح الآخر فيتم تطويره حاليًّا من قبل مركز فيكتور للأبحاث العلمية. ويتصدر الآن “سبوتنيك 5” سباق تطوير اللقاحات في روسيا، بعد أن كان مركز فيكتور البحثي في الصدارة لعدة أشهر؛ نظرًا لاحتكاره التسلسل الجيني لفيروس كورونا المستجد. الصراع الذي واجهته وزارة الصحة الروسية بحجب بيانات المرضى عن مركز فيكتور اضطر المركز في نهاية الأمر إلى إتاحة التسلسل الجيني لكافة مراكز الأبحاث الأخرى.

ووفقًا للموقع الإلكتروني الذي دشنته الحكومة الروسية من أجل الترويج للقاح “سبوتنيك 5″، فإن اللقاح يعتمد على تقنية النواقل الفيروسية؛ حيث يتم استخدام ناقلين فيروسين تم تحضيرهما من نوعين مختلفين من الفيروسات الغدية (adenoviruses)، والتي تسبب الزكام العادي للإنسان، لإيصال الجين الخاص بفيروس كورونا إلى داخل الخلية حتى تكون أجسامًا مضادة ضد الفيروس، ويتم التلقيح على جرعتين يفصل بينهما ٢١ يومًا لتأمين مناعة طويلة الأمد ضد الفيروس.

ويوضح الموقع الإلكتروني أيضًا أن ما سرّع عملية تطوير اللقاح هو أن التقنية المستعملة في تصنيع هذا اللقاح هي نفسها التي تم استخدامها خلال تطوير لقاحات فيروسي الإيبولا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. ولكن بالرغم من ذلك أثار الإعلان عن الإنتاج المبكر للقاح تساؤلات العديد من العلماء حول العالم. التساؤل الأول كان السبب وراءه هو التعتيم الكامل لتفاصيل نتائج التجارب التي أجراها مركز غماليا الروسي خلال المرحلتين الأولى والثانية من الاختبارات السريرية، والتي أجريت على ٧٦ متطوعًا، ولم يتم توفير تلك النتائج حتى لمنظمة الصحة العالمية، والتي لا تزال تُدرج اللقاح في المرحلة الأولى من التجارب الإكلينيكية. أما التساؤل الثاني فتمحور حول التسرع الروسي في تسجيل وإنتاج اللقاح رسميًّا قبل البدء في المرحلة الثالثة والنهائية من الاختبارات السريرية، واللازم إجراؤها لإثبات ما إذا كان اللقاح التجريبي آمنًا ويعمل حقًا، وتُجرَى عادة على عدد كبير من الأفراد يقدر بالآلاف. فوفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، يوجد بالفعل ستة لقاحات في هذه المرحلة الثالثة، ولم تعلن أي من الشركات المطورة لها عن أي خطط لتسجيل أو إنتاج تلك اللقاحات. وأخيرًا، التساؤل حول الحملة الإعلامية الضخمة التي تقوم بها الحكومة الروسية للترويج لهذا اللقاح بسبع لغات، وصدور بعض التصريحات الجدلية التي تُفيد بأن ابنة الرئيس الروسي كانت من أوائل من تم اختبار هذا اللقاح عليهم.

لقد أثّرت هذه التساؤلات بالطبع على انطباعات المواطنين في روسيا حول اللقاح، فوفقًا لأحد استطلاعات الرأي التي أُجريت في منتصف شهر يونيو 2020 من قبل المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، فإن أقل من ١٦٪ من المواطنين الروس يخططون لأخذ لقاح ضد فيروس كورونا فور إتاحة اللقاح؛ فيما سينتظر ٧٪ من المواطنين مرور بضعة أشهر قبل أخذ اللقاح؛ وحوالي ١١٪ سيقررون أخذ اللقاح من عدمه بحلول العام المقبل؛ و٤٪ سينتظرون توفر لقاحات أجنبية ضد الفيروس؛ أما الغالبية العظمى التي تُقدر بـ٣٨٪ من المواطنين الروس فاختاروا عدم أخذ لقاح ضد فيروس كورونا المستجد على الإطلاق.

مصادر:

https://www.thinkglobalhealth.org/article/vaccine-dreams-and-russian-reality

https://www.elisagenie.com/covid19-vaccine-candidates

https://sputnikvaccine.com/ara/about-vaccine/human-adenoviral-vaccines/

https://www.who.int/publications/m/item/draft-landscape-of-covid-19-candidate-vaccines

مقالات وتحليلات

ملاحظات مهمة حول عالم “كوفيد” وما بعده

حاولت تفادي الخوض في محاولات استخلاص الدروس المستفادة من أزمة وباء “كوفيد-19″ والتنبؤ بملامح عالم ما بعده، وما زلت مقتنعًا بأن الوقت مبكر لاستخلاص هذه الدروس أو التنبؤ بهذه الملامح؛ فتحليل أزمة قبل انفراجها ضرورة سياسية (لتسهيل عمل القائمين على الأمر) و”هباء” علمي (الشروط الموضوعية لإجراء بحث رصين غير متوافرة، والخبراء يغيرون رأيهم مع تطورات الأزمة ومساراتها). وما زلت أومن بأن أغلبنا –وأنا منهم- لا يملك كافة الأدوات اللازمة للقيام بهذه العملية، نظرًا لتعقد العلم والعالم. على سبيل المثال لا الحصر، لست طبيبًا ولا خبيرًا اقتصاديًّا، وكل من شرق آسيا وأمريكا اللاتينية قارتان أجهل الكثير عنهما. ولكنني عدلت عن موقفي لأبدي بعض الملاحظات على ما أقرؤه وأسمعه لعلها تفيد القارئ في إيجاد طريق في دهاليز الحوارات والتحليلات والاجتهادات و”المهاترات”.

ما نجهله كثير ومخيف، لا نعلم متى ستنتهي الأزمة ويختفي الوباء، وهل ما شاهدناه جولة ستتبعها جولات؟ هل سيعود الفيروس في الخريف المقبل أم سيختفي نهائيًّا مع نهاية تلك الجولة؟ ولا نعلم إن كنا سنتوصل إلى مصل أو علاج ومتى؟ ولا نعلم على وجه اليقين لو الشفاء من المرض يحصن ضد عودته، ولا نعلم أي شيء عن حدة الركود والانكماش والتقلص في الدول. في دولة مثل فرنسا مثلًا السيناريو الأفضل يتحدث عن ٧٪ انكماش والأسوأ عن ١٧٪، الفارق لا يمكن أن يستهان به. وبالتالي لا نعلم شيئًا عن طول مدة تعافي الاقتصاد إن كان ممكنًا. ولا نعلم إن كان من يحسن الأداء على الأجل القصير يضحي بالمستقبل أم يمهد له، ولا نعلم إن كانت أنماط الحياة والعمل التي ظهرت أيام الوباء ستستمر أم ستختفي، ولهذا السؤال أهمية قصوى بالنسبة لبعض الأنشطة مثل المطاعم والسياحة والحياة الثقافية والتخزين والنقل الجوي.

وأساسًا لا نعلم إن كان الوباء فاصلًا سخيفًا بين دورة حياة عادية وأخرى، أم سبب تعديل طفيف أو مهم للنظام الدولي الحالي، أم إيذانًا بالانتقال من نظام دولي إلى آخر. ولا نعلم إن كان التحدي الهائل الذي يمثله الخروج من الأزمة وتنفيذ ما تعلمناه منها (إن كنا قد تعلمنا شيئًا) سيحث الشعوب -أقصد كل شعب على حدة- على وحدة الصف والعمل أم سيدفعها الاختلاف حول الروشتة الواجب اتّباعها أو على الكعكة التي صغرت إلى استقطاب جديد قد يلهم أو قد يشل، قد يبني وقد يدمر. وإن رفضنا هذه الثنائية لحدتها فكيف ستؤثر الأزمة على توجهات الرأي العام في الدول المختلفة؟ ولا نعرف تأثيرها على التنمية البشرية والأمن الإنساني: هل الإصابة بالمرض تترك آثارًا لا تُمحى؟ من ناحية أخرى، هل المجتمعات ستخسر كفاءات ومهارات قد تكون مطلوبة أم لا، وستكتسب أخرى قد تكون مطلوبة أم لا، وكيف سيميل الميزان؟ ما هي التبعات النفسية للعزل والحظر؟ ما هو تأثير الأزمة وتبعاتها على الأجيال الشابة؟ الجيل البالغ من العمر الثلاثين عامًا لم يعرف عالمًا دون أزمات كارثية. ما تأثير هذا على رؤيته للعالم وعلى أدائه؟ 

وعلى مستوى العلاقات الدولية لا نعلم كيف ستتطور موازين القوى، وكيف ستؤثر الأزمة الاقتصادية على الإنفاق العسكري وعلى إدارة النزاعات، وعلى حركات الهجرة المشروعة وغير المشروعة، وعلى تقسيم العمل الدولي، وعلى الموازنة بين اعتبارات الأمن وحرية الاقتصاد والتجارة، وعلى أهداف الفاعلين. بعضهم يرى في الأزمة فرصة لأنها أضعفت منافسيهم، والبعض الآخر قد يضطر إلى التنازل عن طموحاته. 

وبصفة عامة، يجمع الكل على أن هذه الأزمة فريدة. على عكس الأزمات الاقتصادية السابقة، فإنها ليست وليدة تناقضات الرأسمالية وعطب آلياتها، ويفضل البعض مقارنتها بحرب ولكن الحروب تدمر البنية التحتية للدول وتقتل شباب الأمم، ولم يحدث هذا، وهي أزمة صحية ولكننا لم نعرف أزمة بمثل حدتها. وإلى جانب هذا المجهول هناك سياسات يتفق الجميع على ضرورة اتباعها، ويختلفون حول التوقيت والتمويل والمدة والتفاصيل وكيفية ضبطها (سياسات تنشيط الاقتصاد) وإنهائها وتقدير أهمية آثارها الثانوية.

الإقرار بكم المجهول وتشعبه لا يعني أننا لا نعرف شيئًا ولم نتعلم شيئًا، وإن تعلمنا فهذا لا يعني بالضرورة قدرتنا على التصرف وفقًا لما تعلمناه.

تقييم أولي لأداء قيادات الدول المتقدمة

هناك إجماع على القول بأن أغلبهم فشل في إدارة الأزمة، باستثناء المستشارة الألمانية “ميركل” وربما رئيس وزراء اليابان. وقد يكون هذا الإجماع ظالمًا بعض الشيء لأن بطء ردود الفعل على أزمة جديدة تمامًا أمر طبيعي، ولأن الدروس السابقة التاريخية التي فرضت نفسها كنموذج في أول الأمر – أزمة فيروس سارس- لعبت دورًا في جعل الجميع يضل الطريق وفي بث طمأنينة في غير محلها. ولأن الخيارات كانت بالغة الصعوبة: الصحة مقابل الاقتصاد، مع ملاحظة أن التراجع الاقتصادي يتسبب في إضعاف القدرة على تمويل منظومة الصحة. وبشكل عام، فإن تعطيل الاقتصاد والتسبب في انكماش غير مسبوق ولأجل غير مسمى هو قرار مرعب، لا سيما مع تصاعد حدة الصراع والتنافس الدوليين. 

وقطعًا لعب الحظ دورًا في حجم الأزمة هنا وهناك، وكان أوفرهم حظًّا الألمان. ورغم هذا، يمكن القول إن القيادات فشلت وإن الأزمة أكدت عيوب كل منها وعيوب أسلوب حكمها وعيوب وأخطاء أسلافها، فالقادة الحاليون ليسوا مسئولين دائمًا عن تدهور حالة منظومة الصحة. لن نتكلم عن المقارنة والمفاضلة بين خيار الحظر وخيار رفضه، لأنني أعتقد أن هذا الحديث سابق لأوانه، سنقول إن هناك من احتقر تمامًا رأي الخبراء، وهناك من خضع لهم تمامًا مما ترك انطباعًا سيئًا. وهناك من توارى تاركًا إدارة الأزمة لرجاله، وهناك من أفرط في الظهور ولم يوفق في خطابه إلى الأمة، وهناك من ضُبط كاذبًا، وبعضهم ارتكب أخطاء في التوقيت تسببت في زيادات كبيرة في عدد الوفيات ولا يمكن نسبتها كلها إلى كون الأزمة غير مسبوقة. هناك من لم يحترم قواعد الحظر الذي فرضته الحكومة، وهناك من بالغ في البحث عن كبش فداء خارجي أو ساهم في تفاقم العلاقات الدولية. وهناك من أفرط في إنكار البعد السياسي للأزمة محولًا إدارتها لمشكلة فنية محضة. وفي المقابل، هناك من أدارها مغلبًا الحسابات الانتخابية. وهناك من أصابه المرض وأثر على أدائه سلبًا، وأغلبهم وظف الإحصاءات لتحسين الصورة أو بالعكس لتشويهها (عند الخصوم) بتعمد عدم تحليلها بصدق. وفي المقابل، هناك قيادات وسيطة ووزراء أظهرت مهارات وحسن تقدير لاقوا استحسانًا كبيرًا لدى الجمهور. وعلينا أن نضيف إلى كل هذا أن أداء المعارضة ليس أحسن بكثير، مع بعض الاستثناءات.

ونشير بسرعة إلى جدلين ثارا حول دور طبيعة الأنظمة في إدارة الأزمة، وحول دور “النوع”، هل إدارة القادة النساء للأزمة أفضل من إدارة القادة الرجال؟ مبدئيًّا السؤال الأول يفترض أن كل الأنظمة الديمقراطية لها نفس الطبيعة وكل الأنظمة السلطوية على نفس الشاكلة، وهذا محل نظر. وبشكل عام، أجرى عميد الدراسات السياسية في فرنسا العلامة “جان لوكا” مقارنة بين أداء الأنظمة الديمقراطية والسلطوية الأوروبية، وخلص إلى أن الأنظمة الديمقراطية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الاقتصادية، وأن الأنظمة السلطوية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الصحية. وحذر من القفز إلى نتائج متسرعة؛ فأوروبا ليست العالم، والفيروس وصل إلى إيطاليا وفرنسا قبل غيرهما مما أعطى للدول الأخرى فرصة لدراسة الموقف وأخذ الاحتياطات.

وفيما يتعلق بالقيادة النسائية للأمور؛ لم أقتنع تمامًا بما قرأته. كما يشير “نيكلاس كريستوف” في “نيويورك تايمز”؛ فهناك فئة من القادة الرجال أداؤهم كان بالغ السوء فأثروا بالسلب على متوسط أداء “النوع”، وهم الرجال الذين لا يستمعون إلى المشورة ويجدون في طلبها “مذلة”، ويتباهون بعدم ثقتهم في الخبراء، ويبالغون في الثقة في قدراتهم. وقال أيضًا إن السببية قد تكون معقدة، إذ يمكن القول إن المجتمع القادر على انتخاب امرأة لقيادة البلاد يكون غالبًا أكثر تقدمًا وانفتاحًا من غيره.

وأود أن أشير إلى ضرورة وضع نجاح المستشارة الألمانية “ميركل” في سياقه. من ناحية، الألمان كانوا محظوظين، في إيطاليا وفرنسا كانت التجمعات الكبيرة سببًا في الانتشار السريع للفيروس، ورغم أن ألمانيا عرفت تجمعات مماثلة، إلا أن الفيروس لم ينتشر. من ناحية أخرى، فإن خلفية “ميركل” العلمية سمحت لها بفهم سريع للمخاطر، وفي فهم ما يقوله الخبراء والتفضيل بينهم إن اختلفوا. من ناحية ثالثة، فإن أسلوبها في إدارة البلاد، وحرصها على تجنب الجدل العام وصراع الأفكار والأيديولوجيات والميل إلى “قتل السياسة” لصالح الإدارة التكنوقراطية، والأخذ بأفكار الخصوم إن كانت مناسبة أو ذات شعبية، والتزام منهج وسطي، كان ملائمًا تمامًا لإدارة مثل هذه الأزمة، ولكنه بصفة عامة عليه مآخذ كثيرة في ملفات أخرى بالغة الأهمية. وأخيرًا وليس آخرًا كانت المنظومة الصحية الألمانية أكثر جاهزية من غيرها (ارتفاع نسبة المسنين في ألمانيا لعبت دورًا في هذا). كل هذا لا يقلل من براعتها وحنكتها، فأحسنت مخاطبة الألمان، وفي تقدير التوقيت، ووفقت في أغلب القرارات. ويمكن القول أيضًا إن رئيسة وزارة نيوزيلندا تعاملت مع وضع أسهل نسبيًّا، فالكثافة السكانية الضعيفة هناك حدت من انتشار المرض.

ويبدو أن اللا مركزية الألمانية لعبت دورًا أيضًا في ارتفاع مستوى أداء المنظومة. قال لي بعض الزملاء الفرنسيين إن أداء أجهزة الدولة ومنظومة الصحة الفرنسية، وتفاني “الجيوش البيضاء” أنقذا فرنسا من كارثة محققة تكون تبعات ونتيجة الأداء السيئ للقيادات الحالية وأسلافها. وهناك صحفيون قالوا إن المركزية الفرنسية تسببت في بطء بعض ردود الأفعال وفي رفض التمييز بين المحافظات فيما يتعلق بالإجراءات. ويبدو لي أن الرأيين صائبان.

ويكثر الحديث عن مستوى الأجيال الحالية للقيادات، هناك شبه إجماع على تدهوره واختلاف حول أسبابه. تراجع الثقافة الاستراتيجية، تأثير أيديولوجيا الدمقرطة وحقوق الإنسان فيما يتعلق بالقيادات الغربية، الانعزال عن الجماهير، ضغط مقتضيات وأبجديات الحديث عبر الشاشة الصغيرة، تراجع مستوى الثقافة والتعليم، تسارع وتيرة الأحداث وتعقد القضايا والعلاقات فيما بينها، التعارض بين المهارات المطلوبة للوصول إلى القمة وتلك المطلوبة لممارسة الحكم، انتشار صبيانية نرجسية في صف القادة. باختصار هناك في عدد مهم من الدول أزمة ثقة بين الحكام والمحكومين قد تكون لها تبعات خطيرة في مرحلة مطلوب فيها من الجميع بذل التضحيات. 

ويلاحظ أن أزمة الثقة طالت الخبراء في بلاد كثيرة؛ التسرع في إعلان نتائج ثم التراجع، الشجار العلني حول كفاءة دواء وحول أهمية الكمامة، وشجار بات واضحًا أن اعتبارات لا تمت بصلة إلى الطب لعبت دورًا فيه، جدل علني يشكك في منهج ونزاهة زملاء.. إلخ. 

تبعات الأزمة

علينا أولًا فهم أنه لا يمكن التوصل إلى توصيات صالحة لكل الدول، إن استثنينا عموميات من طراز “ضرورة دفق أموال ضخمة لتنشيط الاقتصاد ولدعم الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة”، فالدول المتقدمة والدول النامية لا تعاني من نفس المشكلات، وفي وجه المخاطر الاقتصادية والمالية التي تهدد الجميع (انهيار شبكات الإمداد والتموين، إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ارتفاع ضخم في نسبة البطالة، إفلاس البنوك والدول) فإن لكل دولة نقاط قوة وضعف تختلف عن غيرها، وبالتالي تختلف الأولويات والاستراتيجيات. 

هناك دول كانت تعاني من مشكلة ديون قبل حلول الأزمة، ودول وضعها المالي أحسن بل جيد، وهناك دول يعتمد اقتصادها على الصناعة، وهناك دول تكون فيها الخدمات عمودها الفقري، وهناك صناعات تعاني من أزمة (السيارات) سبقت الوباء، وصناعات تعاني من الأزمة بسبب الوباء (الطيران). وبالعكس هناك صناعات قد تستفيد من الأزمة. خبير فرنسي مرموق يقول إن الدول التي تعتمد على الصناعة فرصها أفضل في الخروج من الأزمة من تلك التي تعتمد على الخدمات والسياحة. ومن ناحية أخرى، تلعب التركيبة العمرية دورًا مهمًّا، لأن الوباء يصيب المسنين، وهناك مشكلات لا تخص إلا الدول التي تعرف مركزية شديدة وأخرى تنفرد بها الدول التي تعرف قدرًا مهمًّا من اللا مركزية. وهناك دول معرضة لتهديد عسكري وأخرى تجيد ممارسة الابتزاز ودول في أمان نسبي.

متابعتي لأزمات سابقة، وخطابات السياسيين والخبراء، دفعتني إلى اعتقاد، قد يكون خاطئًا، أن القليلين يغيرون مذهبهم أثناء أزمة، في حين أن الأغلب يميل إلى اعتبار الأزمة تأكيدًا لقناعاته المسبقة، فمن يؤمن بضرورة وجود نظام دولي “ليبرالي” قائم على مبادئ قانونية وعلى التعاون بين الدول لن يغير رأيه، ومن يرى أن النظام العالمي “هوبزي” (نسبة إلى توماس هوبز) وتحكمه مبادئ الواقعية القحة سيستمر على مذهبه. 

وفي أول الأمر بدا أن القراءتين –الواقعية والليبرالية- لهما أنصار وحجج، لأنك تستطيع أن تقول إن مواجهة الأزمة تقتضي تعاونًا دوليًا صادقًا، وتستطيع أيضًا أن تقول إن قسوتها تجبر الجميع على الدفاع عن مصالحه بشراسة وأنانية، إلا أن تطور الجائحة رجح كفة الواقعيين، لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية. حتى الدول الأوروبية التي تنحاز تاريخيًا لنظام دولي ليبرالي لم تهب لمساعدة إيطاليا في أول الأمر، وأحد أسباب ترجيح كفة الواقعيين هو قراءات وسلوك الكبار وغيرهم. الولايات المتحدة والصين وروسيا (وتركيا) انتهجت نهجًا واقعيًا شرسًا. وأعتقد أن القراءة الواقعية أصلح لفك طلاسم عالم متعدد الأقطاب، مع الاعتراف بأن عددًا كبيرًا من الملفات تستوجب مقاربة ليبرالية (تعاون وتحكيم القانون).

ثانيًا، كشفت الأزمة تهافت المنطق الذي حكم العولمة. وباختصار نرجو ألا يكون مخلًا، تجاهل هذا المنطق التعارض بين مقتضيات التجارة والاقتصاد وضرورات الأمن والقوة والاستراتيجية (بمعناها الضيق) أو قلل منه ومن تبعاته. تجاهله أو قلل منه إما بالقول إن الأمن اتسع مفهومه وتغيرت طبيعته، وأصبح يستلزم تعاونًا، وهذا حقيقي في عدد كبير من الملفات مثل الإرهاب والهجرة وتجارة المخدرات والأمن البيئي والتصنيع الحربي، وإما بالقول إن العولمة الاقتصادية ستعمم الثراء والرخاء، وإن الدول الغنية المستفيدة من التجارة العالمية ستتحول حتمًا إلى ديمقراطيات، والديمقراطيات لا تحارب بعضها، وبالتالي فإن الحروب إلى زوال لا سيما في العصر النووي، وهذا الكلام بالغ التبسيط. وإن شئنا الدقة قلنا إن هذا الكلام جائز، ولكن التحول إلى الديمقراطية قد يحدث في سنوات معدودة، وقد يحتاج إلى عقود بل إلى قرون، ولذلك لا يمكن التعويل عليه. 

وكشفت الأزمة عن مخاطر تقسيم العمل الدولي، من يكون مهيمنًا في نشاط أو قطاع سيستغل هذا سياسيًا وأمنيًا، بمكر أو بفجاجة، بلين أو خشونة. وعلى فرض أنه قرر عدم توظيف هذه الورقة والتصرف “بشرف” فإن تعرضه لأزمة كبرى تعطل دائرة الإنتاج فيه يعرض العالم كله لأزمة كبيرة. ولمعالجة هذا الخطر اجتهد السياسيون والخبراء والإعلاميون؛ فهناك من تحدث عن ترحيل المصانع إلى الوطن الأم، ومن شدد على ضرورة تعدد المنتجين وشبكات الإمداد والتوزيع لكي لا نتبع كيانًا واحدًا دون غيره، ومن نادى بخطة مارشال لإفريقيا لتحل محل الصين في عدد من المجالات، ومن قال بضرورة رد الاعتبار للتخزين.. إلخ. 

لم يلتفت أغلبهم إلى حقائق بسيطة، أهمها أن الوضع الحالي ليس وليد الصدفة، وأن أي إصلاح يتطلب إنفاقًا واستثمارات ضخمة، في حين أن الوضع المالي الحالي متأزم بل مهدد بالانهيار. عندما نقول ليس وليد الصدفة، نقصد أن الاستثمار في الصين كان رهانًا رابحًا من الناحية الاقتصادية، وسمح بصنع وبيع بضائع وسلع بثمن رخيص أو معقول. ورغم الارتفاع التدريجي في تكلفة الصناعة في الصين فإنها ما زالت الخيار الأمثل اقتصاديًا في عدد من المجالات المهمة. الانتقال إلى صيغة أخرى سيكون مكلفًا في حد ذاته، وسيعرض بضائع أغلى، على الأقل في البداية. لست اقتصاديًا ولكنني أشك جدًا في رغبة وقدرة أصحاب القرار على خوض تلك المعركة في ظل أزمة مالية ستكون طاحنة، لا سيما أن هناك مآخذ على كل اقتراح. في الدول المتقدمة هناك رفض شعبي للقيام ببعض الأنشطة على أن تُترك للمهاجرين الفقراء، وهناك تراجع في بعض هذه الدول في أعداد العمالة المدربة على بعض الأنشطة. ومع توقع تسريح عدد كبير من العاملين هناك مهارات ستُفْقَد نهائيًا، أما الاستثمار في إفريقيا فعليه أن يكون ضخمًا جدًا لتكون هناك فرصة معقولة للنجاح، فالبنية التحتية ضعيفة أو غير موجودة، والوضع الأمني مخيف لا سيما في مناطق نمو الإرهاب. وعلى عكس ما يقوله الغربيون يبدو أن الكثير يفضل الوجود الصيني على الوجود الغربي بصرف النظر عن دوافع هذا التفضيل.

بصفة عامة، الحديث عن إعادة هندسة الاقتصاد العالمي والاقتصاديات الوطنية دون التسبب في صراعات دولية أو داخلية يفترض القدرة على التوصل إلى حلول وسط بين الدول أو الفئات الاجتماعية ذات المصالح المتعارضة والمتنافسة، حلول وسط تجمع بين مميزات كل خيار ولا تجمع بين سلبياتها. أي يفترض قدرة المجتمعات على التماسك وإصرار على تخطي الأزمة، وهو فرض غير مضمون وربما غير راقعي في ظل تدهور العلاقات الدولية والأوضاع الاقتصادية، وفي ظل سلوك بعض الفاعلين المتطرفين الراغبين في استثمار الأزمة لتحقيق مصالحهم، وفي ظل التعارض بين المصالح. أقصد أن حسن نية الجميع قد لا يكون كافيًا لتخطي الأزمة، وهو أصلًا غير موجود.

مقالات وتحليلات

التجارة الإلكترونية بعد جائحة “كوفيد-19”

أدت جائحة فيروس “كوفيد-19” إلى خسائر فادحة للعديد من الشركات أجبرت الكثير منها على الخروج من السوق. ولكن في محاولة من جزء كبير من الشركات الأخرى لتكون مرنة وتتكيف مع الأزمة الحالية غير المسبوقة، اتجهت هذه الشركات إلى التجارة الإلكترونية. والتجارة الإلكترونية هي عمليات البيع والشراء للسلع والخدمات، أو إرسال الأموال أو البيانات، عبر شبكة إلكترونية، وبشكل أساسي الإنترنت. تحدث هذه المعاملات إما من شركة إلى شركة، أو من شركة إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى شركة.

هذا المقال يناقش أولًا تأثير فيروس “كوفيد-19” على التجارة الإلكترونية، وبشكل خاص تلك العمليات من الشركة إلى المستهلك، ومن ثم تأثير التجارة الإلكترونية على الخدمات اللوجستية. 

لقد غيرت جائحة “كوفيد-19” العالم كما نعرفه. فقد تغير سلوك الأشخاص بعد أن تعرضوا إلى الصدمة الحالية الناجمة عن الجائحة. وبعض هذا التغيير في سلوك الأشخاص (المستهلكين وبالتالي المنتجين) سوف يظل حتى بعد انتهاء الجائحة. ولكن على الرغم من أن الاتجاه نحو التجارة الإلكترونية كان في تزايد بالفعل قبل تفشي الجائحة؛ إلا أن الجائحة أثرت في سرعة انتشار هذا النمط من التجارة. 

بناء على موقع “ستاتيستا” Statista، وموقع أوبرلو Oberlo؛ من المتوقّع أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية عالميًّا من 1.3 تريليون في عام 2014 إلى 4.5 تريليونات في عام 2021، وهذا يعني نموًّا بنسبة 346% على مدى 7 سنوات. وبناء على ماركت واتش MarketWatch، من المتوقع أن ترتفع معدلات انتشار التجارة الإلكترونية من 15% في 2020 إلى 25% في 2025.

سوق التجارة الإلكترونية في مصر

يشهد سوق التجارة الإلكترونية المصري ازدهارًا ملحوظًا، ومن المقرر أن يكون الأكبر في إفريقيا بفضل العدد الكبير من السكان مقارنة بباقي الدول، وزيادة معدلات انتشار الإنترنت بسرعة. وكدولة مرتبطة بالعالم العربي وإفريقيا، فإن مواقع التجارة الإلكترونية العربية مثل موقع “سوق”، والإفريقية مثل موقع “جوميا”، تحظى بشعبية في مصر، إلى جانب مواقع أخرى وسيطة مثل موقع “اشتريلي” الذي يتعامل مع تسليم المنتجات التي يتم طلبها من الأسواق العالمية، بما في ذلك “أمازون” و”إي باي”.

في عام 2017، نمت مبيعات التجارة الإلكترونية المصرية بنسبة 22% لتصل إلى 5 مليارات دولار أمريكي. ومع ذلك، فإنها لم تمثل سوى 0.4% من مبيعات التجزئة في البلاد في ذلك العام، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في عام 2018. وفيما يتعلق بمدى جاهزية التجارة الإلكترونية، جاءت مصر في ذلك العام أيضًا في الترتيب رقم 116 وفقًا لمؤشر التجارة الإلكترونية للأونكتاد. 

وفي العام نفسه أيضًا، دخلت الحكومة المصرية في شراكة مع الأونكتاد لتطوير استراتيجية جديدة تهدف إلى زيادة حصة التجارة الإلكترونية إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 2.32%، ومضاعفة عدد الشركات التي تبيع عبر الإنترنت (بلغت في عام 2017 حوالي 14725) بحلول عام 2020. ووفقًا لستاتيستا، فإن حوالي 17% من الشركات الكبيرة و3% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في عام 2017 تبيع عبر الإنترنت.

مبيعات التجارة الإلكترونية والعملاء

وفقًا لسوسايتي جينيرال، فإن عدد المتسوقين عبر الإنترنت يزداد بشكل مطرد في مصر، إذ ارتفع من 15.2 مليون في عام 2015 إلى 17.7 مليون في عام 2016، لكنه عدد قليل بالنسبة إلى عدد السكان. أيضًا هناك فرق كبير بين وصول سكان الحضر والريف إلى الأسواق عبر الإنترنت (70% من المتسوقين عبر الإنترنت في المناطق الحضرية). كما أن مستخدمي الإنترنت الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا هم أكثر المتسوقين نشاطًا عبر الإنترنت، ويمثلون نصف المستهلكين. ووفقًا للموقع ذاته، كانت الهواتف المحمولة هي المنتج الأكثر مبيعًا بين المتسوقين عبر الإنترنت في عام 2017 (61%)، تليها أجهزة الكمبيوتر المحمولة (37%) والملابس (34%). ولا يزال الدفع عند التسليم هو أكثر طرق الدفع شيوعًا، كما هو الحال في معظم الدول العربية الأخرى، حيث يمثل 70% من جميع المشتريات، تليها بطاقات الائتمان (16% من المشتريات). ولكن أحد التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية في السوق المصرية هو قلة عدد حاملي بطاقات الائتمان (حوالي 10 ملايين شخص). أيضًا من بين التحديات الأخرى قلة ثقة المستهلكين المصريين في التسوق عبر الإنترنت.

وقد تفوقت مصر على بقية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نمو مبيعات التجزئة عبر الإنترنت. وتوقعت شركة “البحث والأسواق” أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحلول عام 2022 بمقدار الضعف مقارنة بعام 2019. وبسبب جائحة “كوفيد-19″، وبسبب إغلاق تجار التجزئة الأبواب، ينتقل العديد من المستهلكين من الطريقة التقليدية للشراء إلى الطرق الحديثة مثل التجارة الإلكترونية. وحسب “سعيد أحمد ناجي”، المدير الإداري لوكالة Marketing Egypt للاستشارات الرقمية الرائدة في الشرق الأوسط، تضاعفت مبيعات التجارة الإلكترونية للتجار المصريين منذ 11 مارس؛ وهو اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن (كوفيد-19) جائحة عالمية. 

وبسبب الكساد في الشركات الناشئة -حيث لا تدخل الشركات الجديدة سوق العمل نتيجة للوباء- فإن الحل لهذه الأزمة هو التحول الرقمي والذهاب إلى التجارة الإلكترونية لبيع المنتجات والخدمات، وهو نوع التجارة الذي كان من المتوقع أن يشهد نموًّا بنسبة تزيد على 30% قبل حدوث الجائحة، وفقًا لتقرير سوق التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2019. أما بعد حدوث الجائحة فقد أصبحت صناعة التجارة الإلكترونية واحدة من أعلى القطاعات نموًّا وسط الجائحة، وتشهد نموًّا يتراوح بين 300% – 500%. وذكر منظمو قمة التجارة الإلكترونية في مصر أنه من المتوقع أن تبلغ قيمة المعاملات المالية الإلكترونية في مصر ملياري دولار، بما في ذلك عمليات الشراء عبر الإنترنت وحجوزات الفنادق وشركات الطيران.

وعلى الرغم من أن شركات الخدمات اللوجيستية عانت من خسائر بسبب إغلاق الأعمال؛ إلا أن النمو المطرد في التجارة الإلكترونية أثّر بلا شك على صناعة النقل والإمداد وساعد في الحد من الخسائر. ومع استمرار ارتفاع التجارة الإلكترونية، من المحتمل أن تحتاج الشركات إلى الاستمرار في تعديل نماذج الأعمال لاستيعاب خدمة التوصيل السريعة والمجانية التي يطلبها المستهلكون.

أيضًا، تتطور مصر كواحدة من الدول التجارية الرئيسية، وتخلق مجموعة واسعة من الفرص لمقدمي الخدمات اللوجستية. ومن المتوقع أن يتجاوز الإنفاق اللوجستي المصري 50 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2024. علاوة على ذلك، تهدف الحكومة إلى جعل البلاد مركزًا للإنتاج والتوزيع لخدمة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

مقالات وتحليلات

التباعد الاجتماعي: الأداة الأهمّ للسيطرة على وباء كورونا

مُنذ تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم، بدأت الحكومات في وضع إجراءات وخطط وقائية لوقف انتشار الفيروس. من أهم هذه الإجراءات حَث الناس على ضرورة الالتزام بسياسات التباعد الاجتماعي؛ أي منع الاختلاط مع الآخرين والالتزام بالمنازل، من أجل مكافحة انتشار الوباء. وفي حين استطاعت العديد من بلدان العالم أن تطبق هذه السياسات بشكل فعال، عانت الدول العربية، التي اعتاد مواطنوها على التقارب الاجتماعي بشكل كبير، في تطبيق التباعد الاجتماعي بشكل ناجع. وربما يَرجع السبب في ذلك إلى نقص التوعية اللازمة للمواطنين عن مفهوم التباعد الاجتماعي، وكيفية تطبيقه بشكل فعال؛ باعتباره من الوسائل المهمة للحماية من الإصابة بالفيروس، في ظل تكهنات العلماء حول احتمال الاضطرار للتعايش لفترة طويلة مع الفيروس، قد تصل إلى أكثر من عامين.

مفهوم التباعد الاجتماعي

يُقصد بالتباعد الاجتماعي الحفاظ على مسافة أو مساحة بين الأشخاص للمساعدة في منع انتشار الفيروس فيما بينهم. ويؤكد الخبراء أنه يمكن إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد وتقليل خطر الإصابة به من خلال ابتعاد الأفراد عن بعضهم مسافة لا تقل عن 6 أقدام (1.80 متر). فكما هو موضح بالصورة التالية، عندما يسعل الشخص الذي يحمل الفيروس أو يعطس، من الممكن أن ينتقل رذاذ القطيرات الصغيرة الناتجة منه لمسافة تصل إلى 6 أقدام، لتستقر بعدها هذه القطيرات على أفواه الأشخاص القريبين أو أنوفهم وإصابتهم بالعدوى؛ لذا يعد الحفاظ على التباعد الجسدي أمرًا مهمًّا، حتى ولو لم يكن الفرد مريضًا، مع البقاء في المنزل قدر الإمكان.

وتَهدف سياسات التباعد الاجتماعي بشكل رئيسي إلى إبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد بين الأفراد، وهو ما يطلق عليه العلماء مُصطلح “تسطيح منحنى الفيروس”. ويتم استخدام هذا المنحنى في توضيح العلاقة بين عدد المصابين والفترة الزمنية منذ بدء انتشار الفيروس، مع تحديد الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس الذين يمكن أن تقدم لهم المستشفيات الرعاية الطبية اللازمة. لذا، إذا حدث تباطؤ في انتشار الفيروس أو تم تسطيح منحنى الانتشار، فستكون المستشفيات أكثر قدرة على استيعاب المرضى وتقديم العناية الطبية لهم. على عكس ما سيحدث إذا كان معدل الانتشار سريعًا؛ حيث ستزداد أعداد المصابين بمعدل سريع يفوق الإمكانيات الطبية والبشرية المتوفرة لدى المستشفيات، وهو ما يتسبب في خروج إدارة أزمة الفيروس عن السيطرة كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

هل سيكون هناك منحنى واحد من انتشار الفيروس؟

أجرى الباحثون حول العالم العديد من الدراسات لتوقع موعد انتهاء أزمة فيروس كورونا المستجد، كما قاموا بإنشاء العديد من نماذج المحاكاة لوضع تصور مستقبلي لمسار نشاط الفيروس أثناء تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك في حال رفعها. وأوضحت نتائج هذه النماذج أنه من المحتمل أن يتبع انتشار الفيروس شكلًا متكررًا من المنحنيات -أو ما يعرف بموجات الانتشار- التي تصعد وتنخفض وفقًا لوضع سياسات التباعد الاجتماعي حتى عام 2022، إذا لم يتم إيجاد لقاح ضد فيروس كورونا المستجد.

وأبرزت نتائج إحدى الدراسات التي أجراها مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية، أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتمله لانتشار الفيروس كما هو موضح بالرسم البياني التالي.

1- السيناريو الأول يتوقع حدوث موجة كبيرة من انتشار الفيروس، وهي الموجة التي نعيشها الآن، وسيتبع ذلك موجات صغيرة من الانتشار، يمكن تشبيهُها “بقمم الجبال والوديان”، لكن على مدار العام أو العامين المُقبلين ستتقلص هذه الموجات تدريجيًّا.

2- السيناريو الثاني يفترض أن الموجة الحالية ستتبعها موجة أكبر مع بداية فصل الخريف أو ما يمكن تسميته بـ”ذروة الخريف”، مع موجات أصغر من الانتشار بعد ذلك، على غرار ما حدث خلال جائحة الإنفلونزا خلال عامي 1918-1919.

3- السيناريو الثالث يقترح أن تكون ذروة انتشار الفيروس في فصل الربيع، وسيتبع ذلك موجات انتشار متكررة ولكنها محدودة من الفيروس، أي “الانتشار البطيء للفيروس”.

كما أكد العلماء في نهاية الدراسة أن استمرار الدول في تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي مع غياب اللقاح، سيؤدي إلى استمرار نشاط الفيروس لمدة عام ونصف على أقل تقدير، مع احتمال ظهور بؤر جديدة من تفشي الفيروس في مختلف دول العالم.

أما الدراسة الثانية، التي قام بها علماء بجامعة هارفارد، فتم فيها دراسة تأثير تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي مع تأثيرات أخرى كتغيير المواسم على مدار العام، ومضاعفة قدرات العناية الحرجة في المستشفيات. وتشابهت استنتاجات هذه الدراسة مع نتائج الدراسة السابقة، حيث صورت أيضًا مستقبلًا متموجًا لانتشار الفيروس على هيئة منحنيات متكررة على غرار نموذج القمم والوديان، ولكن في ثلاثة مسارات مختلفة.

أوضح المسار الأول في تلك الدراسة تأثير الاستراتيجية التي تتبعها أغلب الدول في التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي فقط؛ بهدف حماية أنظمتها الصحية من الانهيار. وعكست النتائج معدل الإصابات المتوقع بفيروس كورونا المستجد خلال الفترة من يناير 2020 وحتى يوليو 2022، مع تحديد الحد الأقصى من أعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي سيتم عند الوصول إليه تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، وكذلك الحد الأدنى من المصابين لكل 10 آلاف نسمة والذي سيتم عنده رفع سياسات التباعد الاجتماعي. وكما هو موضح بالرسم البياني التالي، سيظل مسار الفيروس مستمرًّا ولكن في شكل موجات مع تطبيق ورفع سياسات التباعد الاجتماعي وذلك حتى يوليو 2022. فيما يمثل الرسم البياني الأخضر الزيادة المقابلة في مناعة المواطنين في ظل تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وحدها، والذي يوضح أن مستوى المناعة الذي يجب الوصول إليه للسيطرة على انتشار الفيروس دون اتخاذ تدابير أخرى “تحقيق مناعة المجتمع” هو تمنيع 55% من إجمالي المواطنين. ويقصد بمناعة المجتمع أو “مناعة القطيع” أحد أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، وتتحقق عندما تكتسب نسبة كبيرة من المجتمع مناعة لعدوى معينة، إما عن طريق الإصابة بالعدوى مسبقًا أو من خلال التلقيح، وهو ما يوفر حماية للأفراد الذين ليست لديهم مناعة للمرض.

فيما يعرض المسار الثاني تأثير التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي، مع التغيير الذي سيحدث في المواسم على مدار العام، على انتشار الفيروس. ومن المتوقع أن تسمح التغيرات الموسمية بترك فترات أكبر بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي؛ أي رفع الحد الأقصى لأعداد المصابين بالفيروس لكل 10 آلاف نسمة من المواطنين والذي يتم عنده تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، حيث إنه من المحتمل أن انتشار الفيروس سيكون أكثر بطئًا في أشهر الصيف. ولكن هذا العام، من المرجح أن تكون التأثيرات الموسمية ضئيلة، حيث إن نسبة كبيرة من السكان ستظل عرضة للفيروس حتى في موسم الصيف؛ لذا لا يمكن الاعتماد على تأثير التغييرات الموسمية وحده لدرء حدوث تفشٍّ آخر من الفيروس خلال أشهر الصيف القادمة.

أما المسار الأخير فيوضح التأثير المهم لمضاعفة السعة السريرية لأقسام العناية الحرجة بالمستشفيات مع تغيير المواسم في ظل التطبيق المتقطع لسياسات التباعد الاجتماعي؛ فمن المتوقع أن تُسهم مضاعفة قدرات العناية الحرجة في السماح بفترات أطول بكثير بين تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي عما كان سيحدث بفعل تغير المواسم، وهو ما سيسمح بتمنيع نسبة أكبر من المواطنين كما هو موضح بالرسوم البيانية التالية.

ما يمكن استنتاجه بشكل عام من نتائج تلك الدراسات، أن سياسات التباعد الاجتماعي تظل شديدة الأهمية في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد وحماية النظم الصحية من الانهيار؛ لذا يجب توعية المواطنين بشكل مكثف حول كيفية تطبيقها في المجتمع بشكل ناجع. لكن لا يمكن للحكومات أن تعتمد فقط على جهود التباعد الاجتماعي وحدها للسيطرة على الوباء على المدى الطويل، والذي يُتوقع أن يمتد لعامين على الأقل، حيث إنه بمجرد رفع تدابير التباعد الاجتماعي من المُحتمل أن ينتشر الفيروس مرة أخرى بنفس السهولة التي انتشر بها في البداية، كل ذلك بالطبع في ظل غياب اللقاح.

مقالات وتحليلات

كيف تحوّل “فيسبوك” إلى مركز للتضليل حول فيروس كورونا؟

دفع فيروس كورونا ملايين المستخدمين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن المعلومات المتعلقة به، والضوابط التي يجب اتّباعها، والمحاذير التي يجب الابتعاد عنها. غير أنها تُروّج منذ يناير الماضي لعددٍ هائلٍ من الشائعات، والمعلومات المغلوطة، والمحتويات الضارة. وبالنظر إلى كيفية مواجهتها على مدار الأشهر القليلة الماضية، وضعت شركة “فيسبوك” ملصقاتٍ تحذيريةً على ما يزيد عن 50 مليون منشور، وحذفت ما يقرب من 2.5 مليون مشاركة. وفي اتجاهٍ مضادٍ لخطواتها الاستباقية تارةً والمتأخرة تارةً أخرى، لا يزال “التضليل” هو السمة المميزة للمحتوى المتداول على “فيسبوك”، ما يقوض من ثقة المستخدمين، ويثير التساؤل عن مسئوليتها عن المحتوى المتداول على منصتها.

دراسة “أفاز”

نشرت “Avaaz” (إحدى مجموعات حقوق الإنسان المعنية بتتبع المعلومات الخاطئة) تقريرًا متعمقًا، فحص 100 معلومة خاطئة متداولة على “فيسبوك” بست لغاتٍ مختلفةٍ (الإنجليزية، والإسبانية، والبرتغالية، والعربية، والإيطالية، والفرنسية)، وذلك خلال الفترة بين 21 يناير إلى 17 أبريل 2020. وهي المعلومات التي بلغ عدد مشاهدتها 117 مليون مرة، وشاركها المستخدمون أكثر من 1.7 مليون مرة. وهو ما يعني تعرض ملايين منهم لمعلوماتٍ مضللةٍ عن فيروس كورونا دون أي تحذيرٍ. ومن بين هذه المعلومات على سبيل المثال قدرة السود على مقاومة فيروس كورونا، وإمكانية تدمير الفيروس بواسطة ثاني أكسيد الكلور، وقدرة الغرغرة بالماء والملح أو الخل على التخلص من الفيروس، وغير ذلك.

ومن بين تلك الادعاءات، تمت مشاركة منشور الغرغرة بالماء والملح أو الخل أكثر من 31 ألف مرة قبل أن يُحذف في نهاية المطاف. ومع ذلك، لا يزال هناك أكثر من 2600 نسخة منه على المنصة، مع ما يقرب من 100 ألف تفاعل، دون أن تحتوي المنشورات المستنسخة على أي ملصقاتٍ تحذيريةٍ. ووفقًا للدراسة، تستغرق شركة “فيسبوك” 22 يومًا للتحذير من المعلومات الخاطئة عن فيروس كورونا حتى يُبلغ شركاء “فيسبوك” عن محتوى ضارٍ.

وطبقًا للدراسة أيضًا، لم يصنف 29٪ من الشائعات والأخبار الكاذبة المتداولة على إصدار الموقع باللغة الإنجليزية تحت بند المعلومات المغلوطة. وتزداد تلك النسبة في اللغات الأخرى لتبلغ 68٪ في إصدار الموقع باللغة الإيطالية، و70٪ في إصدار الموقع باللغة الإسبانية، و50٪ في إصدار الموقع باللغة البرتغالية. وتبعًا للدراسة، تُعد جهود “فيسبوك” لمواجهة الأكاذيب والشائعات في إصدار الموقع باللغة العربية الأكثر نجاحًا؛ إذ يظل 22٪ فقط من عينة المنشورات المضللة دون تصنيف.

في هذا السياق، جادلت “أفاز” بأن “فيسبوك” تقع عليها مسئولية إبلاغ كل شخص شاهد معلوماتٍ مضللةً عن فيروس كورونا بخطأ ما شاهده. ولتحقيق ذلك، أجرت المجموعة اختبارًا لفعالية التصحيحات (وهو نموذجٌ بصريٌ صممته لمحاكاة تجربة المستخدم على المنصة) باستخدام عينةٍ قوامها 2000 أمريكي (تم اختيارهم عشوائيًّا، بل واستطلاع آرائهم من قبل فرع أبحاث الشئون الأكاديمية والسياسية والشئون العامة في YouGov).

هذه العينة تعرضت لبعض الأخبار الكاذبة التي تشاركها المستخدمون على “فيسبوك”. ومن خلال نموذجٍ عشوائيٍ، عُرضت بعض التصحيحات على بعض المستخدمين، ثم أجابوا في استطلاعٍ للرأي عن أسئلةٍ مُصممةٍ لاختبار مدى مصداقية البيانات والأخبار التي شاهدوها. وقد خلصت الدراسة إلى تراجع الاعتقاد في التضليل الإعلامي بنسبة 50٪ على الأقل بين المشاركين.

وعلى خلفية ذلك، قررت “فيسبوك” عرض إشعارات للمستخدمين المعرضين للمعلومات الخاطئة، وهو ما دفع مدير حملة “أفاز” للقول إن “فيسبوك تقع في قلب أزمة التضليل”. وأضاف: “إنها خطوةٌ شجاعةٌ، ولكنها لا تكفي”. إذ ترغب “أفاز” في ظهور إشعارات “فيسبوك” المتعلقة بالمعلومات الخاطئة على نحوٍ أوضحٍ؛ بحيث يَظهر الإشعار لأي مستخدمٍ شاهد المعلومات الخاطئة في خلاصة الأخبار، بغض النظر عن تفاعله مع المنشور.

دراسة “نيوزجارد”

في تحقيق لشركة “نيوزجارد” NewsGuard، وهي شركة تحليلات تتعقب المعلومات الخاطئة، في 36 صفحةً، وصفت “فيسبوك” بالأكثر ترويجًا للمعلومات الخاطئة. وهي الصفحات التي حظي كلٌ منها على ما يزيد على 40 ألف إعجابٍ و13 مليون متابعة. وقد وجدت الشركة أن تلك الصفحات تستهدف الجمهور باللغات الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية.

وفي تقريرها الصادر في 6 مايو الماضي، سلطت الشركة الضوء على نماذج وأمثلةٍ للمعلومات الخاطئة المتداولة حتى 4 مايو الماضي، كتلك التي تتصل بالعلاجات المزيفة للفيروس ونظريات نشأة الفيروس وانتشاره؛ ففي اللغات الأربع، تداولت الشائعات المتعلقة بتخليق فيروس كورونا معمليًا، وتوظيفه كسلاحٍ بيولوجيٍ بكثرةٍ، على الرغم من غياب الأدلة التي تدعم ذلك. 

وفي الصفحات الفرنسية، تمت مشاركة المنشور الذي يشير إلى تخليق الفيروس معمليًا أكثر من 1200 مرة. وتداولت الصفحة مقطع فيديو بالفرنسية، وصف فيه قسيس كونغولي فيروس كورونا بأنه “سم من صنع الإنسان”. وهو الفيديو الذي تمت مشاهدته أكثر من 856 ألف مرة حتى 6 مايو الماضي، وشاركه أكثر من 28 ألف مستخدم. 

وفي ألمانيا، تمت مشاركة نظرية تخليق الفيروس معمليًا من خلال صفحة “”Compact (وهي مجلة معنية بحزب البديل اليميني). وقد نشرت صفحةٌ أخرى باللغة الألمانية خطورة لقاحات الإنفلونزا، لأنها تعزز عدوى الفيروسات التاجية. وهي الصفحة المتصلة بالمؤلف النمساوي وطبيب العلاج الطبيعي “روديغر دالكه” الذي تحظى صفحته بما يقرب من 176 ألف إعجاب. وقد قام خبراء الصحة في المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية بتكذيب ذلك، وتوضيح كيفية اشتقاق لقاحات الإنفلونزا من فيروساتها التي تختلف عن الفيروسات التاجية ومنها فيروس كورونا.

وفي إيطاليا، أكدت الشركة تداول منشوراتٍ تَربط بين فيروس كورونا من ناحيةٍ، والليمون والماء الساخن من ناحيةٍ ثانيةٍ. أما في بريطانيا، فوجدت الشركة صفحةً على “فيسبوك” مرتبطة بموقع EnergyTherapy.biz، وهي الصفحة التي شاركت شائعةً تدفع بارتباط تكنولوجيا الجيل الخامس بانتشار فيروس كورونا، وهو ما قاد إلى حرقٍ متعمدٍ لأبراج الهواتف الخلوية على أرض الواقع. ما دفع منظمة الصحة العالمية لنفي الشائعة، وتأكيد عدم انتقال الفيروسات عبر موجات الراديو أو شبكات الهواتف المحمولة.

وتبعًا للشركة أيضًا، نبهت “فيسبوك” إلى خطأ ثلاثة منشوراتٍ فقط باللغة الفرنسية من أصل 20 منشورًا. وبالإضافة إلى ذلك، تم الإبلاغ عن منشورٍ واحدٍ فقط باللغة الألمانية، ولم يتم الإبلاغ عن خطأ في المنشورات الإيطالية. وعلى الرغم من ذلك، أكدت شركة “فيسبوك” إزالة مئات الآلاف من المعلومات المضللة، وتطبيق ملصقات التحذير على 40 مليون مشاركة في شهر مارس الماضي فحسب.

مجموعات الدعم

تعرضت شركة “فيسبوك” لانتقاداتٍ حادةٍ بسبب استضافتها مجموعات دعم فيروس كورونا التي روّج فيها البعض لمنشوراتٍ تناهض الحجر الصحي، وتَنشر أخبارًا كاذبةً، وتُروّج لعلاجاتٍ مغلوطةٍ للفيروس (مثل شرب المواد المبيضة، واستنشاق الكوكايين على سبيل المثال)، وهي المجموعات التي وصل عدد أعضائها إلى 4.5 ملايين شخص في الولايات المتحدة، و3 ملايين شخص في إيطاليا، و2 مليون شخص في المملكة المتحدة.

لقد هدفت مجموعات الدعم في الأصل إلى مساعدة الجيران، ودعم الشركات المحلية، والتبرع للمنظمات الخيرية، وغير ذلك. وتعددت استخداماتها لتشمل دعم المواطنين في الخارج، ومشاركة النصائح حول سبل التعليم المنزلي، ومشاركة المعلومات التي قد تنقذ الأرواح. وهو ما دفع “زوكربيرج” لوصفها بأنها ملاذٌ للأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم والراحة. غير أنها تحولت -في المقابل- إلى ساحةٍ لتداول الأخبار الكاذبة، حيث يَسهُل مشاركة المعلومات الخاطئة دون التحقق منها.

ولمواجهة ذلك، حاولت شركة “فيسبوك” نشر المعلومات الصحية الموثوقة على مجموعات الدعم، وسمحت لمشرفي المجموعات بمشاركة البث المباشر للمنظمات الصحية ذات المصداقية (مثل منظمة الصحة العالمية، والإدارات الصحية الرسمية). وبالشراكة مع مركز السيطرة على الأمراض CDC، قام “فيسبوك” بتطوير وحداتٍ تعليميةٍ بناءً على إرشادات المركز، وهي الوحدات التي يمكن للمسئولين إضافتها إلى المجموعات.

وأتاحت “فيسبوك” لأعضاء مجموعات الدعم مشاهدة نوافذ تعليمية تابعة للمجموعات نفسها، لتوجيه الأعضاء إلى معلوماتٍ موثوقةٍ من المنظمات الصحية. وفي هذا الإطار، قالت “فيدجي سيمو”، مسئولة الفيديو في فيسبوك، إنه “من أولوياتنا القصوى بناء منتجاتٍ يُمكنها مساعدة الجميع في الوقت الحالي، والتأكد من رؤية أحدث المعلومات الدقيقة من المنظمات الصحية ذات المصداقية للمساعدة في توفير الفرص الاقتصادية والاستقرار للشركات التي تكافح، للمساعدة في تسهيل التواصل عبر الإنترنت”.

ومع التزايد المضطرد في مجموعات الدعم، وعلى أمل تحسين إدارة مشرفيها، أطلقت “فيسبوك” أول حدثٍ رقميٍ لها على الإطلاق بين يومي 21-23 أبريل الماضي؛ حين أطلقت الحدث المعنون “تواصل اجتماعي: تصفح فيروس كورونا”، للتركيز على أفضل الممارسات لمجموعات فيروس كورونا. وعلى الرغم من ذلك، لم تتضمن سياسات “فيسبوك” أي عقوباتٍ تنظيميةٍ تَحول دون انتشار المعلومات الخطرة. ومن المحتمل أن يظل ذلك دون تغير؛ ذلك أن النمو السريع لمجموعات “فيسبوك” نتيجة أزمة كورونا يزيد صعوبة التصدي لهذا النوع من المحتوى، حيث يعمل عددٌ من المجموعات بشكلٍ خاص.

وفي إبريل الماضي، قامت “فيسبوك” بحذف 1887 حسابًا وصفحةً ومجموعةً مضللةً (منها: 732 حسابًا على “فيسبوك”، و162 حسابًا على منصة إنستجرام، و793 صفحة، و200 مجموعة). وهو ما تتبعتها الشركة عبر ثماني شبكاتٍ مختلفةٍ؛ استهدف ست منها الجماهير المحلية (لا سيما في الولايات المتحدة، وجورجيا، وغير ذلك)، واستهدفت اثنتان من روسيا وإيران مواطني دولٍ أخرى.

ومن بين تلك الشبكات، كانت الشبكة الجورجية المرتبطة بشركة إعلامية تسمى “”Espersona هي الأكبر. ومنها فقط أزالت المنصة 511 صفحةً، و101 حساب على “فيسبوك”، و122 مجموعةً، و56 حسابًا على إنستجرام. وقد انصب اهتمامها على الأحداث المحلية والأوضاع الداخلية فحسب. كما قامت “فيسبوك” أيضًا بإزالة شبكةٍ أصغرٍ مقرها جورجيا، وهي الشبكة التي تكونت من 23 حسابًا على “فيسبوك” و80 صفحةً و41 مجموعةً و9 حساباتٍ على إنستجرام، وهي الشبكة المرتبطة بحزب “الحركة الوطنية المتحدة”.

الحذف والحظر والتحذير

منذ فبراير الماضي، دأبت شركة “فيسبوك” على التأكيد على حذف المعلومات الخاطئة بشأن فيروس كورونا كافَّةً، بما في ذلك المشاركات الخاصة بالعلاجات، ووسائل الوقاية المزيفة، إلى جانب أي محتوى يُحاول أن يثني الناس عن تناول الأدوية المقررة. كما قررت الشبكة حذف أي هاشتاجات مضللةٍ حول تفشي الفيروس على موقع تبادل الصور إنستجرام.

وعلى مدار أربعة أشهر، أكدت “فيسبوك” مرارًا إزالة المحتوى الذي يتضمن أي معلوماتٍ خاطئةٍ قد ينجم عنها ضررٌ جسديٌ وشيكٌ، بل وإزالة مئات الآلاف من المعلومات الخاطئة المتعلقة بفيروس كورونا، وبالاستعانة بمدققي الحقائق الذين يُصنّفون المنشورات؛ فإذا صُنف أحدها “كاذبًا”، يحدّ “فيسبوك” من انتشاره ومشاركته، ويضع عليه ملصقاتٍ تحذيريةً. وفي سياقٍ متصلٍ، يُصر “زوكربيرج” على أن الملصقات التحذيرية تعمل بكفاءةٍ، حيث اختار 95٪ من المستخدمين عدم عرض المحتوى الذي وُضعت عليه الملصقات.

وبالتوازي مع حذف المنشورات، اتخذ “فيسبوك” إجراءاتٍ ضد المعلنين الذين يسعون للاستفادة من مخاوف المستخدمين؛ فحظرت مختلف الإعلانات التي تتصل بسبل العلاج أو طرق الوقاية أو تحاول “خلق إحساس بالإلحاح” حول تفشي المرض لتحقيق مكاسب تجاريةٍ (مثل تلك التي تشير إلى محدودية الإمدادات). وهو امتدادٌ لجهود تقصي الحقائق وإزالة المحتوى الذي يتضمن ادعاءاتٍ كاذبةً أو نظريات المؤامرة التي أبلغت عنها السلطات الصحية من قبل.

ومنذ منتصف إبريل الماضي، أدركت شركة “فيسبوك” أن وصف بعض المشاركات بالكاذبة نهجٌ غير مرغوبٍ؛ فلن يرغب المستخدمون في معرفة أنهم تعرضوا للخداع، بل وقد يدفعهم ذلك إلى مشاركتها بشكلٍ متكررٍ. ولذا قررت الشركة من خلال “آخر الأخبار” عرض المعلومات الدقيقة على الأشخاص الذين أعجبوا أو ردوا أو علقوا على معلوماتٍ خاطئةٍ أو ضارةٍ حول فيروس كورونا التي أزالتها الشركة والتي ترتبط بدورها بأساطير فيروس كورونا التي تم الكشف عنها من قبل منظمة الصحة العالمية.

بعبارةٍ أخرى، ربطت “فيسبوك” بين من تفاعل مع المعلومات الخاطئة والمصادر الموثوقة، لتقول له “ساعد الأصدقاء والعائلة على تجنب المعلومات الكاذبة حول فيروس كورونا”، وذلك من خلال إشعارٍ يدعوهم إلى مشاركة رابطٍ إلى موقع منظمة الصحة العالمية لمكافحة الأكاذيب، بالإضافة إلى زر ينقل المستخدمين إذا أعجبهم أو ردوا أو علقوا على منشورات تحتوي على معلوماتٍ خاطئةٍ ضارةٍ حول فيروس كورونا إلى الموقع مباشرةً. أي إن شركة “فيسبوك” لا تقوم بإزالة المعلومات الخاطئة حول فيروس كورونا (مثل نظريات المؤامرة حول أصول الفيروس)؛ إذ تكتفي بحذف المنشورات التي قد تُلحق الضرر بالمستخدمين، وتعتمد بدلًا من ذلك على نظام التحقق من الحقائق التابع لجهةٍ خارجيةٍ. فإذا قام مدقق الحقائق بتقييم ادعاءٍ كاذبٍ، أضافت “فيسبوك” بعد ذلك إشعارًا إلى المنشور، وقللت من انتشاره، ونبهت أي شخصٍ شاركه، وثبطت المستخدمين عن مشاركته.

وفي هذا السياق، كتب “زوكربيرج” على صفحته: “في هذه الأزمة، فإن إحدى أولوياتي القصوى هي التأكد من رؤية معلوماتٍ دقيقةٍ وموثوقةٍ عبر جميع تطبيقاتنا”. ووفقًا لبياناتها الرسمية، وضعت الشركة أكثر من 40 مليون ملصق تحذيري في مارس الماضي فقط على مقاطع فيديو أو منشوراتٍ أو مقالاتٍ كاذبةٍ أو مضللةٍ. وتبعًا لها، منعت علامات التحذير تلك 95% من المستخدمين من النقر على معلوماتٍ كاذبةٍ.

وتمتلك الشركة شبكةً تَضم أكثر من 55 شريكًا في التحقق من الحقائق، وهي الشبكة التي تغطي أكثر من 45 لغةً. كما بدأت في إدراج روابط موثوقةٍ إلى معلوماتٍ مؤكدةٍ عندما يبحث المستخدم عن معلوماتٍ عن الوباء. وتأتي منظمة الصحة العالمية في مقدمة هذه الروابط. كما تستخدم مزيجًا من المراجعين البشريين وأنظمة الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المحتوى الضار قبل إبلاغ المستخدمين عنه. وفي سياقٍ متصلٍ، قال الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في الشركة “مايك شروبفر” إن “الذكاء الاصطناعي ليس الحل لكل مشكلة”. وأضاف: “إن هذه المشكلات هي في الأساس مشكلات إنسانية تتعلق بالحياة والتواصل. لذا نريد أن يتحكم البشر، ويتخذوا القرارات النهائية، وبخاصة عندما تكون المشكلات دقيقة”.

فاعلية منقوصة

على الرغم من جهود الحذف والمنع والتتبع السابقة، وفي دراسته المنشورة في مطلع يونيو الجاري، اتهم مركز مكافحة الكراهية الرقمية CCDH مواقع التواصل الاجتماعي “بالتهرب من مسئوليتها” عن وقف انتشار المعلومات الخاطئة و”الخطيرة”. وتوصلت الدراسة الصادرة عنه إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تُزيل واحدًا فقط من كل عشرة منشوراتٍ مضللة وخطيرة عن فيروس كورونا.

وتوصلت الدراسة إلى أن 90٪ من المشاركات التي تحتوي على معلوماتٍ خاطئةٍ لا تتخذ حيالها وسائل التواصل الاجتماعي أي إجراءٍ حتى بعد الإبلاغ عنها. ورصدت 649 مخالفةً لشروط خدمة المنصات أو معايير إزالة المعلومات الخاطئة. ومن بين 9.4٪ من المشاركات التي تم الإبلاغ عنها والتي اتُّخذ حيالها إجراءٌ، أُزيل 6.3٪ من المشاركات، ووُضعت علامةٌ مميزةٌ على 2٪ من المنشورات، وصُنف 1.1٪ على أنه خاطئ دون إزالته. وتبعًا للدراسة، حَذف “فيسبوك” فقط 10.2٪ من المنشورات التي أُبلغ عنها. ولا تزال المعلومات الخاطئة المتعلقة بفيروس كورونا متداولةً وبكثرةٍ، لا سيما تلك التي تتعلق بانتقال الفيروس عن طريق الجو، وتصنيعه معمليًا، وتسبب الكمامة في الإصابة بالسرطان، وغير ذلك. 

ويكشف ذلك في مجمله عن المفارقة بين وعود مجابهة المحتوى الضار من ناحيةٍ، والخطوات التي تُتخذ فعليًا من ناحيةٍ أخرى. كما قال الرئيس التنفيذي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان “عمران أحمد” إن “شركات وسائل التواصل الاجتماعي استفادت بشكلٍ كبيرٍ من هذه الأزمة، وقد حان الوقت للقيام بواجبها”. وأضاف: “لقد ادعى عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي مراتٍ عديدة أنهم يأخذون المعلومات الخاطئة المتعلقة بكوفيد-19 بجديةٍ، ولكن هذا البحث الجديد يُظهر أنه حتى عندما يخطرون بالمعلومات الخاطئة، يفشلون في اتخاذ إجراءٍ. إن نظم الإبلاغ عن المعلومات الخاطئة والتعامل معها لا يصلح”. 

ختامًا، لقد دفع البعض بوفرة المعلومات الرسمية حول فيروس كورونا، ما يعني أن المعلومات المضللة المتداولة على “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي يمكن التحقق منها بسهولة، فلا يمكن حماية المستخدمين من أنفسهم من خلال الرقابة الشاملة، فهو أمرٌ قمعي لا طائل منه. وفي المقابل، دفع آخرون بأن استمرار “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي في نشر معلوماتٍ مضللةٍ يُسهم في نشر ثقافة المؤامرة، وبث خطابات الكراهية، والترويج لوجهات النظر المتطرفة. وتكمن الإشكالية الكبرى في أن وسائل التواصل الاجتماعي -بحكم طبيعتها- لا تملك الكثير للحيلولة دون نشر الأكاذيب والمحتويات الضارة ابتداءً من جهة، وتتراجع فعالية سياستها في مواجهتها، من جهةٍ ثانيةٍ.

مقالات وتحليلات

ما الذي سيتغير في العالم بعد كورونا؟

عندما يتم تقييد حركة ثلثي الجنس البشري ووضعهم قيد الاحتجاز المنزلي؛ وتتوقف حركة السفر عبر حدود الدول، ويتوقف الاقتصاد إلا فيما هو ضروري لاستمرار الحياة، فنحن بالتأكيد إزاء أزمة كبرى تضع اقتصادات الدول، والنظم الاجتماعية القائمة، وشرعية الحكومات تحت مستوى من الضغوط لم يحدث منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929. وسوف تغير هذه الضغوط كثيرا من الظواهر التي سادت العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وهذه بعض من اتجاهات التغير المرجحة في عالم ما بعد كورونا.  

إعادة الاعتبار للاقتصاد الحقيقي: بينت الأزمة أن القدرة على إنتاج احتياجات أساسية مثل الغذاء والدواء والمهمات الطبية هي الأساس، وأنه من غير المأمون التضحية بقطاعات الاقتصاد الحقيقي والإنتاج المادي، لصالح القطاعات المالية والخدمات ذات الربحية الأعلى. لقد حاول الرئيس ترامب منذ انتخابه استعادة الصناعات التي هاجرت من الولايات المتحدة إلى الصين، وبغض النظر عن طريقة الرئيس ترامب المثيرة للجدل، فإننا سنرى حكومات كثيرة حول العالم تتصرف بطريقة مشابهة، بما يخفف من اختلال التوازن بين قطاعات الإنتاج والخدمات. التحدي الذي يعترض هذا التحول هو أن قطاعات الاقتصاد الحقيقي، خاصة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، لم تعد قادرة على خلق العدد الكافي من الوظائف، مما يبقي الحاجة الملحة لقطاع الخدمات قائمة.  

اقتصاد الطوارئ وليس اقتصاد الربح: لقد عجز النظام الاقتصادي القائم عن توفير احتياجات أساسية، من نوعية أدوات الحماية الشخصية ضد العدوى والمطهرات وأجهزة التنفس الصناعي، وهو ما أضعف الثقة في نظام السوق الرأسمالي العالمي. لقد وعدنا هذا النظام بأنه يستطيع أن يؤمن لنا أي منتجات تلزمنا عندما نحتاجها، وبتكلفة مناسبة، وأنه لا داعي للمبالغة في المخاوف، واتخاذ إجراءات خاصة لتخزين أو تأمين توفير منتجات ذات حساسية خاصة، فالسوق العالمي كفيل بتوفير أي شيء في الوقت المناسب. لقد تبين أن اقتصاد الربح غير قادر على الوفاء بوعده، وأن على الحكومات تأسيس نظام لاقتصاد الطوارئ لسد الحاجة عندما تحين الأزمة التالية، حتى لو تضمن ذلك إهدارا للموارد، والتضحية باعتبارات الكفاءة الاقتصادية.    

إعادة التوازن بين الكماليات والاحتياجات الأساسية. لقد تصرف العالم لفترة طويلة كما لو كان توفير الأساسيات أمرا مفروغا منه، ولهذا ذهبت الاستثمارات الجديدة والطاقات الإبداعية الهائلة إلى مجالات الترفيه والرياضة والفنون والتعبير. لقد كشفت كورونا عن أوجه الاختلال في هذه الصيغة، وبينت أنه لا بد من إعادة التوزان لهذه العلاقة، فلا يصبح أجر الطبيب أقل من أجر لاعب كرة مغمور في فريق معدوم المشجعين، ولا يصبح أجر الممثل عن فيلم واحد مساويا لكل ما يمكن لعشرة مدرسين كسبه طوال حياتهم. سوف يكون من الضروري في مرحلة ما بعد كورونا استخدام الضرائب بطريقة مختلفة تسمح بالتمييز بين الأنشطة المختلفة، ومدى إسهامها في تلبية احتياجات المجتمع. 

تعاظم الدور الاقتصادي للدولة وتراجع دور آليات السوق: تفرض التحولات، التي سوف يكون مطلوبا إدخالها في الاقتصاد، إدخال عوامل إضافية إلى جانب الربح عند اتخاذ القرارات الاقتصادية. أن الربح هو الدافع الوحيد للمستثمر الخاص، وليس من الواقعي مطالبة القطاع الخاص التصرف وفقا لأي منطق آخر. لهذا فإنه من المرجح أن تسفر أزمة كورونا عن زيادة الدور الاقتصادي للدولة، من أجل معالجة الاختلالات التي كشفت عنها الأزمة في الطريقة التي يعمل بها الاستثمار الخاص ونظام السوق؛ فوظيفة الدولة هي حماية المجتمع، فيما وظيفة السوق هي إنتاج الثروة وتعظيمها، وسيكون من الضروري إعادة صياغة العلاقة بين هذين النوعين من الاعتبارات في مرحلة ما بعد كورونا. 

إعادة الاعتبار لحدود الدولة: لقد تم إضعاف حدود الدولة في عصر العولمة، وتم تخفيف القيود المنظمة للحركة عبر الحدود في الاتجاهين. كان كل هذا مشروطا بالتزام أغلب الدول الرئيسية بتسهيل الحركة عبر حدودها، وبإبقاء الحدود مفتوحة طوال الوقت، ولكن ما حدث في أزمة كورونا هو أن الحدود قد تم إغلاقها أمام صادرات طبية أساسية بسبب الحاجة لها في الداخل. لقد قوض التلاعب بنظم الحركة عبر الحدود، والانتقائية في تطبيق قواعد حرية التجارة من فرضية وجود سوق عالمي واحد بغير حدود تقسمه، لا يميز بين الناس على أساس جنسياتهم، فالجميع متساوون أمام قواعد العرض والطلب التي لا تعرف الحدود، ولا تميز على أساس الجنس والعرق واللون، طالما كانت القدرة الشرائية متوافرة. لقد أعادت أزمة كورونا للحدود الكثير من أهميتها القديمة، خاصة عندما أصبح إغلاق الحدود وتقييد السفر عبرها هو الأجراء الأساسي في منع انتشار الفيروس، وفي الإبقاء على الاحتياجات الأساسية داخل الحدود لتلبية حاجة المواطنين. 

أبعاد جديدة للتنافس بين الديمقراطية والسلطوية: لقد كان أداء بعض النظم السلطوية مميزا في هذه الأزمة. ينطبق هذا بشكل خاص على دول مثل الصين وسنغافورة وفيتنام. صحيح أن أداء بعض النظم السلطوية كان كارثيا، إيران مثلا، إلا أن الملفت للنظر بدرجة أكبر هو ذلك الأداء الرديء الذي ميز العدد الأكبر من الديمقراطيات الغربية، وأنه لولا الأداء الجيد لديمقراطيات أسيوية مثل كوريا وتايوان واليابان للحقت وصمة الأداء الرديء بكل الديمقراطيات تقريبا. لقد حرمت أزمة كورونا الديمقراطيات من مواصلة القدرة على الادعاء بأن أدائها أكثر كفاءة وفاعلية من النظم السلطوية، فبينت أن كفاءة الأداء هي أمر مستقل عن طبيعة النظام السياسي في أفضل الأحوال.

 تجدد الاحتجاجات الجماهيرية: أدى انتشار الوباء إلى إخماد الاحتجاجات الجماهيرية، لكن الوباء الذي سينتح أسوأ ازمة اقتصادية شهدها العالم في تسعين عاما، سيكون سببا في إطلاق موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية في مرحلة لاحقة. إن عدم كفاءة كثير من الحكومات في إدارة الأزمة، بالإضافة إلى الصعوبات الاقتصادية المترتبة على الإغلاق، ستتسبب في موجة احتجاجات شعبية وعدم استقرار سياسي كاسحة؛ وبينما قد تتسبب أزمة كورونا في تغيير شكل العلاقات بين الدول، فإن التغييرات التي ستحدث داخل الدول ستكون أكثر خطورة بكثير.

مقالات وتحليلات

تأثيرات فيروس كورونا على أهداف التنمية المستدامة

أزمة فيروس كورونا ليست مجرد أزمة صحية عالمية، بل هي أزمة إنسانية. الأزمة لها العديد من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يكون لهذه الأزمة تأثير عميق وسلبي على جهود التنمية المستدامة؛ ذلك أن التباطؤ الاقتصادي العالمي الممتد سيؤثر سلبًا على تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، حيث إن نسبة كبيرة من موارد العالم ستذهب لمواجهة فيروس كورونا وستبقى نسبة أقل فيما بعد لتنفيذ الخطة.

تشمل أهداف التنمية المستدامة 17 هدفًا عالميًّا، تستهدف بناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع. وقد تم تحديد هذه الأهداف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015 والمزمع تحقيقها بحلول عام 2030، وهي جزء من قرار الأمم المتحدة 70/1 في خطة 2030. وتستند هذه الأهداف السبعة عشر إلى ما تم إحرازه من نجاحات في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية (2000-2015)، كما تشمل كذلك مجالات جديدة، مثل: تغير المناخ، وعدم المساواة الاقتصادية، وتعزيز الابتكار، والاستهلاك المستدام، والسلام، والعدالة، ضمن أولويات أخرى. جميع هذه الأهداف مترابطة، وتحقيق هدف منها سيكون له تأثير إيجابي على الأهداف الأخرى.

من ناحية، سيكون النساء والأطفال وكبار السن والعمال غير الرسميين هم الأكثر تضررًا من جائحة فيروس كورونا. ولكن من ناحية أخرى، من المحتمل أن يكون التأثير على البيئة إيجابيًّا على المدى القصير، حيث أدى الانخفاض الكبير في النشاط الاقتصادي الناجم عن الأزمة إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتلوث في العديد من المجالات. لكن من المتوقع أن تكون هذه التحسينات قصيرة الأجل ما لم تُنفِّذ البلدان التزامها بالتنمية المستدامة بمجرد انتهاء الأزمة، وإعادة تشغيل المصانع والإنتاج بكامل طاقتهما.

الحقيقة الثابتة هي أنه كان بإمكان بلاد العالم الاستعداد بشكل أفضل لهذه الأزمة، حيث كان يمكن لأهداف التنمية المستدامة أن تضعها على الطريق نحو عالم يتمتع بإمكانية الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة، والرعاية الصحية الجيدة، واقتصادات أكثر شمولًا واستدامة. لكن الاستثمار المحدود في هذه الأهداف أدى إلى مضاعفة آثار أزمة كورونا التي أثرت سلبًا على تنفيذ معظم أهداف التنمية المستدامة. بعض الآثار المتوقعة من الوباء تؤثر على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة بطريقة مباشرة، وبعضها الآخر بطريقة غير مباشرة.

في هذا الإطار، يُناقش هذا المقال تأثير فيروس كورونا على العديد من أهداف التنمية المستدامة، وعلى وجه الخصوص: القضاء على الفقر، والقضاء على الجوع، والصحة الجيدة والرفاه، والتعليم الجيد، والمياه النظيفة والنظافة الصحية، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد، والحد من أوجه عدم المساواة، ومدن ومجتمعات محلية مستدامة، والعمل المناخي، والسلام والعدل والمؤسسات القوية، وعقد الشراكات لتحقيق الأهداف، على النحو التالي: 

1- القضاء على الفقر (الهدف رقم 1): أثر فيروس كورونا على هذا الهدف مباشرةً، حيث أدى إلى فقدان الدخل لدى نسبة كبيرة من الناس، مما دفع الشرائح الضعيفة من المجتمع والأسر إلى الوقوع تحت خط الفقر. 

2- القضاء التام على الجوع (الهدف رقم 2): قد تؤدي التدابير اللازمة لاحتواء انتشار المرض من خلال فرض الحجر الصحي، وتقليل ساعات العمل، وغلق المدن؛ إلى تعطيل إنتاج الغذاء وتوزيعه. وهذا قد يؤدي إلى انخفاض العرض من الغذاء، وصعوبة توفره في بعض المناطق. 

3- الصحة الجيدة والرفاه (الهدف رقم 3): أظهر فيروس كورونا العديد من السلبيات في المجال الصحي على مستوى العالم، والتي من أهمها: عدم وجود أعداد كافية من المستشفيات بالدول، وعجز بالمستلزمات الطبية والأجهزة مثل أجهزة التنفس الصناعي، وعجز شديد في الأطباء ومقدمي الخدمة الطبية. كما أظهر عدم وجود خطط مسبقة لمواجهة الكوارث الطارئة، مما أثر على ارتفاع أعداد الوفيات على مستوى العالم.

4- التعليم الجيد (الهدف رقم 4): غلق معظم المدارس والمؤسسات العلمية سيؤدي إلى عدم تلقي الطلاب المناهج المعدة لكل مرحلة. كما أظهرت الأزمة عدم جاهزية غالبية الدول لنظام التعليم عن بعد، خاصة في الدول النامية التي لا تتاح فيها هذه الخدمة لغالبية الطلبة. وبالتالي سيؤثر ذلك على فرص تعلم الكثير من الطلاب، خاصة الذين ليست لديهم فرص للتعليم خارج المدرسة مثل الأسر منخفضة الدخل التي تكون فرصتها أقل في الوصول إلى التكنولوجيا والإنترنت وخدمات رعاية الأطفال.

أيضًا يعتمد العديد من الطلاب على وجبات مجانية أو مخفضة تقدم في المدارس، ومع إغلاق المدارس سيؤثر هذا على تغذيتهم، مما سيؤثر على الصحة العامة لهؤلاء الطلاب وقدرتهم على الاستفادة من التعليم في المستقبل.

5- المياه النظيفة والنظافة الصحية (الهدف رقم 6): من أهم الوسائل الوقائية من فيروس كورونا هو غسيل اليدين بالمياه النظيفة. هذه الوسيلة قد لا تكون متوفرة لبعض المواطنين، خاصة المقيمين ببعض الأماكن العشوائية والقرى النائية. وقد يؤدي هذا إلى انتشار الفيروس في هذه المناطق بسبب ضعف إمكانياتهم، وعدم وصول المياه النظيفة إلى منازلهم.

6- العمل اللائق ونمو الاقتصاد (الهدف رقم 8): أزمة جائحة كورونا أثرت على القوى العاملة في جميع أنحاء العالم، وقد أدت هذه الأزمة إلى إلغاء نسبة كبيرة من إجمالي ساعات العمل، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تقديم المساعدة الفورية للشركات والعمال لحمايتهم، خاصة في القطاعات الأكثر تضررًا التي تضم نسبة عالية من العمالة ذات الأجور المتدنية والعمالة غير الرسمية. وهذا قد يؤدي إلى خطر وقوعهم تحت خط الفقر ومواجهة تحديات أكبر في العودة لأشغالهم بعد فترة التعافي. 

اتساع خطر انتشار فيروس كورونا إلى كل دول العالم أثر سلبًا على حركة الطيران والسفر والتجارة والشحن، كما انعكس سلبًا في انخفاض وتذبذب الأسواق المالية وتراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها. كما أن الاضطرابات في التجارة العالمية والتوريد تسببت في تراجع نشاط التصنيع العالمي. كما تراجع الناتج في القطاعات الاستهلاكية والسلع الوسيطة والاستثمارية. وبالتالي أدى ذلك إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض معدل نمو التجارة العالمية.

7- الحد من أوجه عدم المساواة (الهدف رقم 10): أثر فيروس كورونا على هذا الهدف بطريقة غير مباشرة، حيث إن الأزمة ستؤدي إلى توسعة الفجوة بين الطبقات، خاصة بالنسبة للأسر الفقيرة والأشد فقرًا التي ليست لديها إمكانيات متاحة لمواكبة التعايش مع أزمة كورونا، خاصة الأسر بالمناطق النائية والأماكن العشوائية ذات الكثافة السكانية العالية والتي ليس بها خدمات إنترنت، وليس لديها الإمكانات المادية للحصول على التكنولوجيا، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى تدهور المستوى التعليمي للطلاب لعدم حصولهم على التعليم الموجه مقارنة بالطلاب المقيمين بالمناطق المتاح بها هذه الخدمة. بالإضافة إلى أن غالبية مسئولي هذه الأسر من العمالة غير المستديمة التي تأثرت أكثر بعد جائحة كورونا وفقدوا وظائفهم.

8- مدن ومجتمعات محلية مستدامة (الهدف رقم 11): يواجه السكان الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة خطرًا أكبر للتعرض لـفيروس كورونا بسبب الكثافة السكانية العالية، وسوء ظروف الصرف الصحي وصعوبة توافر مياه نظيفة.

9- العمل من أجل المناخ (الهدف رقم 13): على الرغم من أن فيروس كورونا كان له العديد من الآثار السلبية على مستوى العالم، إلا أنه نتج عنه أثر إيجابي للبيئة، حيث أدى إلى تقليل الغازات المنبعثة من المصانع وعوادم السيارات بسبب حظر التجوال الذي فرض في جميع أنحاء العالم، مما نتج عنه انخفاض في العوادم المنبعثة من السيارات، وأيضًا تقليل عدد ساعات العمل في المصانع التي تنبعث منها غازات ملوثة للبيئة، وهذا أدى إلى تقليل غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

10- السلام والعدل والمؤسسات القوية (الهدف رقم 16): أكثر المناطق في العالم تأثرًا بجائحة كورونا هي مناطق النزاع، لما يعانيه شعوب هذه المناطق من ضعف الإمكانيات في جميع المجالات الطبية والاجتماعية والاقتصادية من قبل ظهور هذا الفيروس. وبعد ظهور هذه الجائحة، تعاني هذه المناطق من عدم وجود وسائل الحماية من الفيروس والعلاجات المتاحة له أو المستشفيات التي يتلقى فيها المرضى العلاج من هذا الفيروس. بالإضافة إلى صعوبة وصول المساعدات الطبية لهذه المناطق بسبب الحروب والنزاعات الموجودة بها. على سبيل المثال، النزاعات الموجودة في سوريا وليبيا واليمن وفلسطين.

11- عقد الشراكات لتحقيق الأهداف (الهدف رقم 17): على الرغم من أن أزمة كورونا أحدثت رد فعل قويًّا ضد العولمة، وإغلاق المجالات الجوية لكل دولة، وعدم استقبال رعايا الدول الأخرى، وإيقاف الرحلات السياحية خوفًا من انتقال العدوى من خلال انتقال رعايا الدول التي بها حالات إصابة كثيرة؛ إلا أنها أكدت على ضرورة إعطاء التعاون الدولي أهمية قصوى لتبادل الخبرات في مجال مكافحة الأمراض والفيروسات وما يستجد من وسائل للمكافحة والعلاج.

مقالات وتحليلات

الصين وكوريا نموذجًا.. فيروس كورونا يمكن إيقافه ولكن بخطوات قاسية

as

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا تحت عنوان: “فيروس كورونا يمكن إيقافه ولكن فقط عبر خطوات قاسية”، نقلت فيه آراء بعض الخبراء حول انتشار فيروس كورونا وإمكانية وسبل مواجهته، إذ قال الخبراء إن فيروس كورونا يمكن إيقافه ولكن فقط باتخاذ خطوات قاسية، على الرغم من أن الفيروس قد يكون مرعبًا، إلا أنه يمكن احتواؤه، وقد أثبتت الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان أنه يمكن عبر اتخاذ جهود وتدابير صارمة القضاء على تفشي الفيروس.

ولكن يتطلب الأمر مستويات استثنائية من التنسيق والتعاون والتدفقات المالية، إضافة إلى مستويات استثنائية من الثقة والتعاون من المواطنين، كما سيتطلب الأمر شراكة دولية غير مسبوقة في عالم مترابط، هناك فرصة لوقف فيروس كورونا، فذلك المرض بقدر ما أثاره من رعب في شتى بقاع العالم، به ضعف. وقال الدكتور ديفيد هايمان، الذي يرأس لجنة خبراء تقدم المشورة لمنظمة الصحة العالمية في حالات الطوارئ، إنه على الرغم من وجود حالات تفشي سريعة، كما حدث في السفينة “Diamond Princess”، إلا أن الفيروس غالبًا ما يصيب مجموعات من أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو زملاء العمل، وبالتالي يمكن احتواء هذه المجموعات، فـ”أنت بحاجة إلى تحديد حالات التفشي المنفصلة وإيقافها، ومن ثم إجراء تتبع صارم للاتصال”. ولكن القيام بذلك يتطلب عملًا ذكيًا وسريع التكيف من قِبل مسؤولي الصحة، وتعاونًا شبه كامل من السكان. يصبح الاحتواء واقعيًا فقط عندما يدرك الناس أن العمل معًا هو السبيل الوحيد لحماية أنفسهم وأحبائهم.

في المقابلات التي أجرتها نيويورك تايمز مع عشرات الخبراء الرائدين في العالم في مجال مكافحة الأوبئة، ومن بينهم مسؤولو الصحة العامة الدوليون الذين حاربوا أمراضًا فتاكة من قبل مثل الإيدز والملاريا والسل والإيبولا، كان هناك اتفاق كبير على الخطوات التي يجب اتخاذها على الفور.

وأول هذه الخطوات هو ضرورة إقناع المواطنين بالبقاء في منازلهم، ووضع نظام لعزل المصابين والعناية بهم خارج المنزل، مع الاستمرار في تمديد قيود السفر، وتسريع إنتاج الأقنعة وأجهزة التهوية وحل مشاكل الفحص.

ولكن إجراءات أخرى كانت محل انقسام بين هؤلاء الخبراء، مثل العزلة القسرية وإغلاق المدارس وتتبع المرضى عبر نظام “GPS”. وقال الدكتور أنتوني فوسي كبير المستشارين الطبيين لقوة مكافحة فيروس كورونا في البيت الأبيض إنه دعا إلى اتخاذ تدابير تقييدية في جميع أنحاء البلاد. ولكن على النقيض من خطوات التوقف التي اتخذت في الولايات المتحدة، أغلقت الصين مدينة ووهان – مركز تفشي المرض في البلاد – وفرضت قيودًا على الحركة في معظم أنحاء البلاد في 23 يناير، عندما كان لديها فقط 500 حالة إصابة و17 حالة وفاة، وكان لهذا التحرك السريع تأثير مهم، فمع عزل الفيروس في الغالب في مقاطعة واحدة، تمكنت بقية الصين من إنقاذ ووهان.

على الرغم من أن العديد من المدن واجهت تفشي الفيروس بها والذي كان بصورة أصغر، إلا أنها أرسلت 40،000 من العاملين الطبيين إلى ووهان، مما يضاعف قوتها الطبية تقريبًا، في مجتمع شاسع ومغلق إلى حد كبير، قد يكون من الصعب معرفة ما يحدث على الأرض، وليس هناك ما يضمن عدم عودة الفيروس مجددًا مع عودة النشاط الاقتصادي الصيني إلى طبيعته. ولكن الأمر يتطلب تطبيق إجراءات صارمة وبسرعة.

أولًا وقف التنقل داخل المدن

داخل المدن، هناك نقاط ساخنة خطيرة: مطعم واحد، صالة رياضية واحدة، مستشفى واحد، حتى سيارة أجرة واحدة قد تكون أكثر تلوثًا من العديد من الأماكن المماثلة لأن شخصًا ما كان يعاني من السعال.

وقال الخبراء إن التأخير كل يوم في وقف الاختلاط والتجمعات قد يخلق المزيد من النقاط الساخنة، والتي لا يمكن تحديد أي منها حتى بعد ذلك بأسبوع تقريبًا، عندما يبدأ الأشخاص المصابون هناك في نقل العدوى.

لوقف الانفجار، يجب تقليص النشاطات الأهلية، ومع ذلك يجب على بعض البعض البقاء في العمل مثل الأطباء والممرضات وسائقي سيارات الإسعاف وضباط الشرطة ورجال الإطفاء والفنيين الذين يقومون بصيانة الشبكة الكهربائية والغاز وخطوط الهاتف، وما إلى ذلك، فيجب أن يستمر توصيل الغذاء والدواء، حتى لا يعاني الناس الماكثون في منازلهم.

ويتكيف الناس في هذه الحالة مع وضعهم الجديد، ففي مدينة ووهان تقدم المجمعات السكنية طلبات جماعية للأغذية والأدوية وغيرها من الضروريات، ويتم تجميع الشحنات في مخازن البقالة أو المخازن الحكومية ثم إرسالها إليهم، ورغم أن هذه الأوضاع قد تكون مخيفة، إلا أنه كلما كانت القيود أضعف كان ذلك سببًا في وفاة المزيد من الناس في المستشفيات المثقلة بالأعباء، وسببًا في أن يستغرق تعافي الاقتصاد وقتًا أطول.

أما كوريا الجنوبية، فتجنبت إغلاق أي مدينة، ولكنها تحركت مبكرًا وبشكل سريع للغاية، ففي شهر يناير كانت هناك أربع شركات في البلاد تجري فحوصات، وحتى 9 مارس الجاري أجرت كوريا الجنوبية فحصًا لـ210 ألف مواطن.

وكل شخص مصاب في كوريا الجنوبية يعزل في الحجر الصحي، ويتم استخدام بيانات الهواتف وبطاقات الائتمان لتتبع تحركاتهم السابقة والعثور على جهات الاتصال الخاصة بهم، مع العزل المنزلي لأي شخص محتمل تعرضه للإصابة، ويقوم تطبيق في الهاتف المحمول عبر “GPS” الشرطة إذا خرج هذا الشخص، وتوقيع غرامة عليه قدرها 8000 دولار.

إصلاح فوضى التحليل

قال الخبراء إن تحليل الفيروس يجب أن يتم بطريقة منسقة وآمنة، إذ يجب إجراؤه للمرضى الخطرين أولًا، ويجب حماية القائمين على عملية التحليل. في الصين، يجب على أولئك الذين يسعون إلى إجراء تحليل، وصف أعراضهم على موقع للتطبيب عن بعد. إذا قررت الممرضة أن الاختبار ضروري، فسيتم توجيههم إلى واحدة من العشرات من “عيادات الحمى” التي تم إنشاؤها بعيدًا عن جميع المرضى الآخرين.

يقوم أفراد يرتدون سترات واقية تغطي كامل أجسادهم، بقياس درجة حراراتهم، واستجوابهم. من الناحية المثالية، يتم إجراء اختبار سريع للإنفلونزا للمرضى ويتم أخذ عينة من كرات الدم البيضاء لاستبعاد الإنفلونزا والالتهاب الرئوي البكتيري. ثم يتم تصوير رئتيهما في جهاز مسح بالأشعة المقطعية للبحث عن “عتامات الزجاج المطحون” التي تشير إلى الالتهاب الرئوي وتستبعد السرطان والسل. عندها فقط يتم إجراء اختبار تشخيصي لكورونا، ويطلب منهم الانتظار في مركز الاختبار.

تستغرق النتائج أربع ساعات على الأقل؛ في الماضي، عندما كان خروج النتائج يستغرق وقتًا طويلًا قد يصل لأيام، كان يتم نقل المرضى إلى فندق للانتظار، – أحيانًا لمدة يومين إلى ثلاثة أيام، إذا اعتقد الأطباء أن إعادة الاختبار مبررة. يمكن أن يستغرق الأمر عدة أيام ليصبح التحليل إيجابيًا.

عزل المصابين

قال الخبراء إنه يجب تطوير بديل لممارسة عزل المصابين في المنزل، لأنه يعرض العائلات للخطر. ففي الصين حدثت حوالي 75% من الإصابات نتيجة نقل العدوى بين العائلات، مقترحين إنشاء مرافق حيث يمكن للمرضى المصابين بمرض متوسط، أن يتعافوا تحت رعاية وملاحظة الممرضات. وقد أنشأت مدينة ووهان الصينية العديد من هذه المراكز، وتسمى “المستشفيات المؤقتة”، وقال الدكتور بروس أيلوارد قائد فريق المراقبين التابع لمنظمة الصحة العالمية في ووهان إن الناس قاوموا مغادرة منازلهم أو رؤية أطفالهم وذهبوا إلى مراكز العزل، “مدركين أنهم بذلك يحافظون على سلامة عائلاتهم”.

البحث عن الحمى

بسبب إصابة الصين وتايوان وفيتنام بالسارس في عام 2003، ثم مع ظهور متلازمة الشرق الأوسط التنفسية ميرس عام 2017، أصبحت فحوصات درجة حرارة الجسم أمرًا روتينيًا أثناء تفشي الأمراض، وفي معظم المدن في البلدان الآسيوية المتأثرة، من الشائع قبل دخول أي حافلة أو قطار أو محطة مترو أنفاق أو مبنى إداري أو مسرح أو حتى مطعم، عمل فحص درجة الحرارة.

في الصين، تعني الإصابة بالحمى رحلة إلزامية إلى عيادة الحمى للتحقق من الإصابة بكورونا، وكان ذلك بشكل أدق في منطقة ووهان، أما مدنًا أخرى في الصين فقد اتخذت مناهج مختلفة، وأظهرت مقاطع فيديو أن ضباط الشرطة الصينيين كانوا يطرقون الأبواب ويقيسون درجات الحرارة، ثم اقتياد من أظهر الفحص ارتفاع درجة حرارته بالقوة.

تتبع جهات الاتصال

قال الخبراء إن تتبع وفحص جميع شبكات الاتصال لكل حالة إيجابية أمر ضروري. في ذروة تفشي الوباء كان لدى ووهان 18000 شخص يتعقبون الأفراد الذين اتصلوا بالعدوى، واصفين استراتيجية الصين بأنها كانت تدخلية تمامًا؛ فلاستخدام مترو الأنفاق في بعض المدن كان يتعين على المواطنين تحميل تطبيق يقوم بتقييم المخاطر الصحية التي يتعرضون لها. فيما كانت التطبيقات الكورية الجنوبية تخبر المستخدمين بالتحديد عن مكان انتقال الأشخاص المصابين.

جعل الأقنعة في كل مكان

انقسمت آراء الخبراء الأمريكيين حول الأقنعة، لكن أولئك الذين عملوا في آسيا يرون قيمتها. هناك القليل من البيانات التي تظهر أن الأقنعة تحمي الأفراد الأصحاء من المرض. ومع ذلك فإن الدول الآسيوية تُلزم الناس عمومًا بارتدائها. في الصين، استخدمت الشرطة طائرات بدون طيار لمطاردة الأفراد في الشوارع، وأمرتهم بالعودة إلى منازلهم وارتداء الأقنعة، أوضح الخبراء أن النهج الآسيوي لا يتعلق بالبيانات بقدر ما يتعلق بعلم النفس الجماهيري.

يتفق جميع الخبراء على أنه يجب على المرضى ارتداء أقنعة للحفاظ على سعالهم. ولكن إذا كان القناع يشير إلى أن مرتديه مريض، فسيتردد الكثير من الناس في ارتدائه. إذا طُلب من الجميع ارتداء الأقنعة، فلن تكون هناك وصمة عار ملاحقة للمصاب بالمرض.

تحديث المستشفيات

في ووهان قامت الحكومة الصينية ببناء مستشفيين جديدين في غضون أسبوعين، كما تم تقسيم جميع المستشفيات الأخرى، وذلك عبر تخصيص 48 مستشفى للتعامل مع 10000 من مرضى فيروس كورونا، وخُصصت المستشفيات الأخرى للتعامل مع حالات الطوارئ الأخرى مثل النوبات القلبية وحالات الولادة

حيثما كان ذلك غير عملي، قُسمت المستشفيات إلى مناطق “نظيفة” و “قذرة”، ولم تعبر الفرق الطبية بين هذه المناطق؛ إذ تم بناء جدران لعزل أجنحة كاملة، وكما هو الحال في أجنحة إيبولا، ذهب الأطباء في أحد طرفي الغرفة مرتدين ملابس واقية وتكون الحالات المصابة بالفيروس في الطرف الآخر، وتعبر الفرق الطبية الخاصة بمتابعتهم إليهم بعد ارتدا ملابس وقائية كاملة مخصصة لذلك.

حشد المتطوعين

قال خبراء إن جزءًا من نجاح الجهود الصينية يرجع الفضل فيه إلى مئات الآلاف من المتطوعين، إذ أعلنت الحكومة حملة كبيرة تطوعية تحت شعار “القتال في ووهان.. القتال في الصين”، كما أنتجت أفلامًا ملهمة جمعت بين إعلانات الخطوط الجوية والدعاية في زمن الحرب على طراز الأربعينيات، وساهمت هذه الإعلانات في حشد المتطوعين.

وقام العديد من الأشخاص الذين تعطلوا بسبب عمليات الإغلاق للعمل كمدققين للحمى، أو لتعقب المتتبعين، أو عمال بناء المستشفيات، أو لتوصيل المواد الغذائية، أو حتى جليسات لأطفال المصابين، ومن خلال التدريب كان المتطوعون قادرين على القيام ببعض المهام الطبية مثل التمريض الأساسي أو عمل فني المختبر أو التأكد من تطهير غرف المستشفى بشكل صحيح.

التعاون والتواصل بين الدول

أشارت نيويورك تايمز في تقريرها إلى أن الدول الثرية تجاهلت التحذيرات اليومية التي يصدرها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس بأن هناك حاجة ماسة إلى جهود أكثر شراسة في العزل وتتبع الاتصال من أجل إيقاف الفيروس. أما الدول ذات الدخل المتوسط والدول الأكثر فقرًا فتتبعت نصيحة المنظمات الدولية، بينما تجد الدول الأكثر تقدمًا صعوبة في تنفيذها، وهو أمر يجب أن يتغير”.

في إعلانه للفيروس التاجي بأنه وباء، دعا مدير منظمة الصحة العالمية البلدان إلى التعلم من نجاحات بعضها البعض، والعمل مع الوحدة والمساعدة في حماية بعضها البعض ضد الجائحة التي تمثل تهديدًا للناس من كل الجنسيات.

مقالات وتحليلات

ورقة بحثية.. تداعيات كورونا حتى الآن على الأسواق العالمية والسوق المصري والسيناريوهات المستقبلية

download

أعلنت منظمة الصحة العالمية في 11 مارس رسميًا تفشي وباء كوفيد-19، حيث انتشر الفيروس إلى الآن في أكثر من 100 دولة، وازداد عدد الإصابات خارج الصين، وتجاوز عدد الإصابات العالمية 300 الف إصابة، وهو ما أثار قلقًا كبيرًا وتقلبات حادة في الاقتصاد العالمي، وتشير المؤشرات إلى أن الاقتصاد العالمي على أبواب ركود اقتصادي، وأشار البعض أنه دخل بالفعل في دورة الركود، ووفقُا لعدد من مؤسسات التقييم والائتمان العالمي من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 1.3% في عام 2020 مقابل معدل نمو بمقدار 2.5% تم توقعه في الأشهر السابقة للإعلان عن اكتشاف كوفيد-19 في الربع الأخير من عام 2019. وللتخفيف من حدة أثر ذلك الوباء على الاقتصاد العالمي اتخذت العديد من الحكومات عددًا من السياسات النقدية والمالية الطارئة لتقليل الضرر المترتب على ذلك الوباء.

اقتصاد التنين الصيني

بدأ فيروس كوفيد-19 في الظهور في أحد أسواق مدينة ووهان الصينية (عاصمة مقاطعة هوبي) قبل أن يبدأ في الانتشار إلى باقي المدن ومنها إلى باقي دول العالم، وقد اتخذت الحكومة الصينية العديد من الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار المرض تمثلت في إغلاق المصانع وخفض ساعات العمل، تسببت تلك الإجراءات في اِنخِفاض الناتج المحلي للصين في الربع الأول من عام 2020 بنسبة 5% (اِنخِفاض 1% مقابل العام الماضي)، وأظهر تقرير مديري المشتريات الصناعية الصادر عن شركتي Caixin / Markit أسرع معدل انكماش في نشاط المصانع في الصين منذ إطلاق المسح في عام 2004، كنتيجة لإصدار للتعليمات التي تم توجيهها لأصحاب المصانع بالبقاء مغلقين بعد عطلة رأس السنة الصينية الجديدة، وهو أمر غير مسبوق تقريبًا في الصين، ويذهب البعض للمقارنة بين فيروس كوفيد-19، وفيروس سارس الذي انتشر في عام 2003 من حيث الخسائر المالية، لكن حقيقة الأمر أن سرعه انتشار فيروس كوفيد-19 أكبر من فيروس السارس، بالإضافة إلى أن الاقتصاد الصيني كان يمثل نسبة 4% من الاقتصاد العالمي في عام 2003 وكانت الصين تساهم بأقل من 4% من الإنفاق السياحي في العالم، اختلفت تلك النسب في عام 2019، حيث تمثل الصين في الوقت الحالي 14% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي تأتي في المركز الثاني بعد للولايات المتحدة الأمريكية، وتساهم بحوالي 20% من الإنفاق السياحي، بالإضافة إلى اعتماد عدد كبير من دول العالم على الصين للإنتاج بها أو للحصول على مستلزمات الإنتاج الأولية أو النصف مصنعة والتي توقفت بإغلاق المصانع في الصين، وهو ما ساهم في زيادة سرعة انتشار العدوى المالية من الصين إلى باقي دول العالم.

الأسواق المالية الآسيوية

تُعدُّ الأسواق المالية أكثر حساسيه للتغيرات الاقتصادية والسياسية التي تحدث عالميًا، فهي تستجيب بشكل سريع للتوقعات والمخاوف نحو الاقتصاد العالمي، وعليه فمنذ بداية عام 2020 ازداد عدد الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد، واتخاذ حكومة الصين لسياسات لمنع انتشار الوباء بها، وازدادت التوقعات نحو تأثر الأرباح المستقبلية للشركات نتيجة انخِفاض الواردات والصادرات، وهو أمر دفع إلى هبوط مؤشر شنغهاي الرئيسي في شهر يناير وفبراير بنسبه 10% قبل أن يعاود السوق ارتداده ليقلص خسائره عند مستوي 6.55% بدعم من مشتريات الحكومة الصينية في أسواق المال.

أما بالنسبة للسوقين الكوري والياباني، فهو نفس الحال؛ إذ تأثر اقتصاد الدولتين بفعل انتشار الفيروس بهما، وتوقف بعض المصانع نتيجة توقف سلاسل التوريد بالدولتين، وتخفيض ساعات العمل واتباع سياسات العمل عن بعد، فعلى سبيل المثال أعلنت شركة هيونداي للسيارات عن توقف انتاجها في فبراير العام الحالي لفترة مؤقته نظرًا لتوقف سلاسل التوريد لبعض مستلزمات الإنتاج التي يتم استيرادها من الصين، وانخفضت إيرادات السياحة نتيجة حظر الطيران الذي تم فرضه ضمن إجراءات مكافحة واحتواء الفيروس، وهي أمور أثرت على اقتصادات تلك الدول، ودفعت بالدولار الأمريكي إلى الارتفاع مقابل عملات الصين واليابان وكوريا بنسب (1.91%، 1.95%، 8.65%).

أسواق العملات الأسيوية أسواق المال الأسيوية

أسواق المال الأوروبية والأمريكية

لا تختلف الأسواق الأمريكية والأوروبية كثيرًا عن نظيرتها الآسيوية، إذ أن اقتصادات تلك الدول مرتبطة بشكل كبير بالاقتصاد الصيني، ومن ثم فقد دفع انتشار فيروس كورونا البلدان الأوروبية إلى وضع قيود على السفر وإغلاق بعض المصانع وتوقفها عن العمل إما لاحتواء الفيروس أو لانقطاع سلاسل التوريد التي تعتمد على إمدادات الصين، واقترح رئيس المفوضية الأوروبية حظرًا لمدة 30 يومًا على السفر غير الضروري، وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في 11 مارس الماضي منع دخول جميع الرعايا الأجانب الذين زاروا الصين وإيران ومجموعة من الدول الأوروبية خلال الـ 14 يومًا الماضية، وتم تمديد الحظر في وقت لاحق ليشمل الأجانب الذين يغادرون المملكة المتحدة أو أيرلندا.

وبالطبع فقد تأثرت الأسواق المالية بتلك الأحداث والقرارات، إذ انخفضت الأسواق المالية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية (داو جونز 30) وفرنسا (كاك 40) وبريطانيا (فوتسي 100) وألمانيا (داكس 30) بنسب تتراوح بين 29% و32%، لتحقق أسوأ أداء اسبوعي منذ الازمة المالية العالمية في عام 2008، وتخسر قيم الأسهم العالمية نحو 1.5 ترليون دولار.


أسواق المال الأوروبية والأمريكية

وانتابت الأسواق حالة من الهلع، خاصة مع إعلان الاحتياطي الفيدرالي قراره المفاجئ بخفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس (0.50%) لحماية الاقتصاد الأمريكي، ونتيجة لذلك القرار تراجعت العقود الآجلة الأمريكية لأدنى مستوى لها، وهو مؤشر على حالة التقلب والتخبط التي تشهدها الأسواق المالية، وانخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 8% عقب افتتاح الجلسة مباشرة مما دعا إدارة البورصة إلى وقف التداول لمدة 15 دقيقة. ويمكن قياس حالة الخوف التي تسود العالم جراء ذلك الفيروس من خلال النظر إلى مؤشر Volatility Index والذي يعرف “بمؤشر الخوف”، حيث ارتفع المؤشر إلى مستوى 84 وهو مستوى يقل بنقاط قليلة عن المستوى القياسي الذي وصله خلال الأزمة المالية العالمية في أكتوبر 2008، وعلى الرغم من أن الحدثين مختلفين من حيث الأسباب، حيث إن الأزمة المالية العالمية كانت بسبب اختلالات تسببت في النظام المَصرِفيّ، لكن الوضع الحالي لكوفيد – 19 لا توجد معلومات عن المدى الذي يمكن أن تصل له الآثار الناجمة عن الفيروس.

VIX مؤشر

الأسواق المالية العربية

تأثرت الأسواق العربية بفيروس كوفيد-19 أيضًا، وذلك لارتباطها بالأسواق العالمية وتأثرها بنفس المخاوف التي تخشاها باقي أسواق العالم، لكن يوجد سبب آخر خاص بتلك الأسواق وهو ارتباط قدرة اقتصاداتها على توريد إيرادات طرديًا بأسعار النفط، والتي حققت انخفاضات كبيرة خلال هذا الوباء. وقد كان سوق الامارات العربية المتحدة أكثر الأسواق العربية تضررًا، إذ انخفض بنسبة 35.36%، ثم أتت الكويت والسعودية في المرتبة الثانية والثالثة على التوالي بنسب انخِفاض 31% و26%.


الأسواق المالية العربية

سوق الأوراق المالية المصرية

تأثر الاقتصاد المصري بالتأثيرات السلبية لتفشي فيروس كوفيد-19، حيث واجهت الصناعة المحلية صعوبات تتعلق بتعطل حركة التجارة وسلاسل التوريد العالمية، كما أن قطاع السياحة والذي كان بصدد التعافي يعاني الآن من توقف تام بعد أن أغلقت معظم البلدان حول العالم حدودها لاحتواء الفيروس. من جانب آخر يهدد الانهيار في أسعار النفط اثنين من الموارد الرئيسية للعملات الأجنبية، حيث من المحتمل أن يؤثر الانخفاض في أسعار النفط على موارد العملات الأجنبية من تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي كانت قد ارتفعت إلى 6.71 مليار دولار في الفترة من يوليو حتى ديسمبر 2019، بالإضافة إلى تأثر إيرادات قناة السويس التي من المتوقع أن تتراجع مع اِنخِفاض حركة سفن نقل النفط التي تعبر القناة.

ومن ثم فقد تأثر سوق الأوراق المالية المصرية مثل الأسواق العالمية بفيروس كوفيد-19، حيث انخفض المؤشر الثلاثيني منذ بداية عام 2020 بنسبة 37%، واستمر الانخفاض حتى تم إصدار حزمة من القرارات المالية والنقدية التحفيزية للاقتصاد المصري، تتمثل تلك القرارات في خفض أسعار الفائدة، وخفض الضرائب على التعامل في البورصة، بالإضافة إلى ضخ سيولة للشركات التي تواجه أزمات في السيولة، وتخصيص مبلغ 20 مليار جنيه لدعم سوق الأوراق المالية، الأمر الذي ترتب عليه ارتفاع المؤشر الثلاثينى في اليوم التالي لصدور تلك القرارات بنسبة 5%  في 19 مارس و 6% في 22 مارس.

أداء سوق الأوراق المالية المصري

سوق الطاقة

تُعدُّ أسواق الطاقة أحد أكثر الأسواق العالمية تأثرًا بفيروس كورونا المستجد، بسبب توقف الإنتاج في المصانع وانخفاض حركة التجارة على الطلب العالمي للطاقة، حيث تعتبر الصين الأولى عالميًا من حيث استيراد البترول بمتوسط 10 مليون برميل يوميًا، مقابل الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ حجم استيرادها 4.5 مليون برميل يوميًا، تسبب ذلك الانخفاض في الطلب إلى هبوط سعر برميل البترول بنسبة 60% منذ بداية العام، حيث انخفض سعر البرميل من 66 دولارًا إلى 26 دولارًا للبرميل الواحد، وسجل خام النفط الأمريكي ثالث أسوأ تراجع يومي له في التاريخ بنسبة 24% في يوم واحد، وسجل خام برنت أدنى سعر له منذ 17 عامًا.

وانخفضت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 26.5% من مستوي 2.18 دولار إلى 1.60 دولار أمريكي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (mmptu). وما زاد من تفاقم الأمور هو فشل كل من السعودية وروسيا (أحد أكبر ثلاثة منتجين للنفط في العالم) التوصل إلى اتفاق بخفض الإنتاج من البترول، وإعلان شركة النفط السعودية أرامكو سعيها استمرار الانتاج عند المستويات الحالية للحفاظ على الحصة السوقية الحالية وكسب حصة سوقية جديدة، وهو أمر سبق حدوثه من جانب منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” في عام 2015 عندما رفضت التعامل مع طفرة التكسير الأمريكية (النفط الصخري) الأمر الذي ترتب عليه تخمة كبيرة في العرض وانخفاض الأسعار من 100 دولار للبرميل إلى أقل من 25 دولارًا للبرميل.

أسعار البترول 2015-2020 أداء أسواق الطاقة

لكن مع قرب الصين من حالة التوقف التام عن الاستيراد وانخفاض الصادرات، ودخول بلدان أخرى على مسار خفض الإنتاج والاستيراد مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تضاءلت بشدة الحاجة إلى النفط، الأمر الذي دفع أوبك إلى الإعلان في اول مارس عن خفض الإنتاج بمقدار 600 ألف برميل يوميًا، وربما تشير التوقعات إلى أنه من المحتمل أن تُقدم أوبك على خفض آخر بمقدار 1 مليون برميل يوميًا للتعلم من أخطاء الماضي، فيما يرى محللون آخرون أن سعر البترول قد ينهار إلى دون مستوى 10 دولارات للبرميل الشهر المقبل، خاصة مع استمرار اجتياح كورونا لأوروبا، واستمرار السعودية في ضخ البترول بتلك الأسعار، ورفع الإنتاج إلى مستويات قياسية، خاصة بعد اعلان شركة أرامكو انها “مرتاحة للغاية” للأسعار دون الثلاثين دولار، مشيرة إلى أن خطتها زيادة الإنتاج إلى معدلات قياسية للاستحواذ على حصة أكبر من السوق العالمية وستبدأ تلك الاستراتيجية من أبريل وحتى مايو، وكانت أرامكو أعلنت في وقت سابق أنها سترفع طاقتها الإنتاجية إلى 13 مليون برميل في اليوم، بعد أن رفعتها إلى 12.3 مليون برميل في وقت سابق، سيترتب على ذلك الأمر حدوث فائض يومي يصل إلى 10 مليون برميل، الأمر الذي سيتسبب في تكدس مخزونات النفط لتتجاوز 900 مليون برميل خلال الربع الثاني من العام الحالي، وهو أمر يغذي شعور القلق لشركات النفط الصخري الأمريكية حيث سعر التعادل لبرميل البترول حوالي 45 دولارًا.

السياسات المتخذة لاحتواء الأزمة

عالميًا

تسبب فيروس كوفيد-19 في حالة من الخوف دفعت خبراء الاقتصاد إلى التوقع بركود عالمي جراء تفشي الفيروس، وعليه فمنذ بداية العام حتى تاريخ 22 مارس خفض 16 بنكًا مركزيًا أسعار الفائدة، ومن المتوقع أن يقوم 24 بنك مركزي آخر بالتخفيض بحلول منتصف العام.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية خفض البنك الفيدرالي الأمريكي الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس (0.50%)، وأشار إلى أنه سيقدم التمويل اللازم لمساعدة الشركات التي تحتاج إلى تمويل من خلال تأسيس هيئة تيسير تمويلي تقوم بشراء الأوراق المالية غير المؤمن عليها بدعم قدره 10 مليار دولار. بالإضافة إلى إعلان الاحتياطي الفيدرالي ضخ 500 مليار دولار لتحقيق الاستقرار بسوق إعادة الشراء “الريبو” بعد أن فشلت خطة طارئة سبق الإعلان عنها بقيمه 1.5 ترليون دولار في حل أزمة السيولة المتنامية في اقتراض الإنتربنك. أما الحكومة الكندية فقد أعلنت عن خطة تحفيز بقيمة 56.7 مليار دولار، بما يعادل 3% من حجم الاقتصاد، وستشمل تلك الحزمة من المساعدات 38 مليار دولار لصالح التأجيل الضريبي المؤقت للأفراد والشركات ونحو 19 مليار دولار لدعم الأفراد والشركات.

وقد أطلق البنك المركزي الأوروبي برنامجًا جديدًا لشراء الأصول بقيمة 750 مليار يورو، وذلك كإجراء طارئ لمواجهة التداعيات السلبية لفيروس “كوفيد-19″، ويقول إن البرنامج يشمل شراء أوراق تجارية وسندات حكومية وسندات شركات، أما بريطانيا فقد أعلنت عن حزمة دعم جديدة بقيمة 350 مليار جنيه إسترليني للشركات والأفراد، تتمثل في تمديد لآجال القروض بمقدار 330 مليار جنيه إسترليني للشركات والأفراد، ومبلغ 20 مليار جنيه إسترليني تمنح للشركات التي تكبدت خسائر جراء الفيروس، كما أنه سيتم تعليق تحصيل أقساط القروض العقارية للعملاء الذين يواجهون صعوبات مالية.

أما بنك اليابان فقد أعلن عن نيته مضاعفة عمليات شراء الأسهم وتسهيل حصول الشركات على التمويل المطلوب، وتعهد البنك المركزي بشراء الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) بوتيرة سنوية تبلغ 112.55 مليار دولار.

محليًا في مصر

سعيا لمواجهة تداعيات “كوفيد-19” اتخذت الحكومة المصرية عددًا من القرارات الهامة التي تصب في صالح الاقتصاد المصري، تشتمل تلك القرارات على خفض ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة بمقدار 0.25 في الألف لغير المقيمين، لتصبح 1.25% بدلا من 1.5%، وخفض الضريبة على المقيمين بمقدار 1 في الألف لتصبح 0.5 في الألف بدلا من 1.5 في الألف. وتأجيل ضريبة الأرباح الرأسمالية على تعاملات البورصة لمدة عام، وإعفاء غير المقيمين من الضريبة نهائيًا (كانت الحكومة قد قررت في عام 2017 تأجيل تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية لمدة ثلاث سنوات تنتهي في مايو 2020 بعد أن قوبلت برفض كبير من جانب المستثمرين، وفرضت بدلًا عنها ضريبة الدمغة)، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ 20 مليار جنيه من جانب البنك المركزي لدعم سوق الأوراق المالية.

وكذلك خفض الضريبة على توزيعات الأرباح للشركات المقيدة بالبورصة لتصبح 5% بدلا من 10%، وتأجيل سداد الضرائب العقارية المستحقة على المصانع والمنشئات السياحية لمدة 3 أشهر، والسماح بتقسيط مستحقات الضرائب على أقساط شهرية لمدة 6 شهور، وإتاحة مليار جنيه للمصدرين من مستحقاتهم المتأخرة، ووقف تطبيق قانون ضريبة الأطيان الزراعية لعامين آخرين، بعد أن كان من المقرر تطبيقها اعتبارًا من يوليو المقبل. إضافة إلى خفض أسعار الطاقة للمصانع، والتي تتمثل في تثبيت سعر الغاز الطبيعي للقطاع الصناعي بأكمله إلى 4.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وخفض أسعار الكهرباء للجهد العالي والمتوسط بقيمة 10 قروش للكيلو وات في الساعة، بالإضافة إلى تثبيت أسعار الكهرباء لباقي الاستخدامات الصناعية لمدة 3 – 5 سنوات مقبلة، وهو إجراء يكلف الموازنة العامة للدولة 6 مليار جنيه.

أما على صعيد السياسة النقدية، فقد قام البنك المركزي المصري بتخفيض معدل الفائدة الرئيسية بنسبة 3% ليصبح سعر الإيداع والاقراض لليلة واحدة عند مستوى 9.25% و10.25%، ومن المتوقع أن ينعكس ذلك القرار بالإيجاب على نمو الاقتصاد المصري، وأيضًا عجز الموازنة، كما أنه من المفترض أن يدعم أداء البورصة خلال الفترة المقبلة، من جانب آخر منح البنك المركزي للعملاء من الشركات والافراد مهلة 6 اشهر لسداد الأقساط دون احتساب أي غرامات تأخير، وتضمن القرار البطاقات الائتمانية والقروض الاستهلاكية والشخصية، بالإضافة إلى منح الهيئة العامة للرقابة المالية لعملاء شركات التمويل العقاري والتأجير التمويلي والتخصيم الخاضعة لها مهلة 6 أشهر لسداد مستحقاتهم الائتمانية وإعفائها من أي غرامات تأخير. بالإضافة الي توجيه مبلغ 50 مليار جنية ضمن مبادرة تمويل قطاع السياحة لضمان تشغيل الفنادق وتمويل مصروفات التشغيل الخاصة بها، مع خفض تكلفة الاقتراض بتلك المبادرة الي 8%،

سيناريوهات محتملة

عالميًا: في حال مقارنة فيروس كورونا المستجد بفيروس سارس الذي ضرب العالم في الفترة بين 2002-2003، فإنه من المحتمل أن يستمر فيروس كوفيد-19 حتى شهر يونيو، لكن توابع ذلك الفيروس سوف تؤثر على معدل نمو الاقتصاد العالمي في عام 2020، ربما يمكننا رؤية السياسات التي قامت بها البنوك المركزية في العالم من خفض أسعار الفائدة والإعلان عن برامج التيسير النقدي وضخ المزيد من السيولة في السوق، إلا أن تلك البرامج على المدي القصير يمكنها تقليل الضعف لكنها لن تحل أزمه التجارة العالمية التي توقفت نتيجة إغلاق الحدود.

محليًا في مصر: نستبعد أن تتأثر الاستثمارات في الأموال الساخنة المصرية من إجراء البنك المركزي بخفض معدلات الفائدة، لكن الأهم أن المركزي لم يعطِ الأولوية لدعم سعر الجنيه المصري أمام العملات الأخرى او استقطاب استثمارات في أدوات الدين الساخنة، بل أعطي الأولوية لدعم الاقتصاد المصري، وربما يتسبب ذلك في خفض محدود في سعر الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي، حيث أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي كان قد سبق مصر في خفض الفائدة الرئيسية إلى مستوي يقترب من صفر.

 أما عن جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المصري فإن سعر الفائدة الحالي يقدم فائدة حقيقية قدرها 0.95% (معدل الفائدة الحقيقية = معدل الفائدة المعلن – معدل التضخم) بافتراض معدل تضخم بمقدار 9% وهو ما استهدفه البنك المركزي المصري (معدل تضخم 9% ±3 بنهاية عام 2020)، ومن ثم فإن معدل الفائدة الحقيقي يعتبر أفضل من مثيلتها في تركيا الذي يبلغ صفر في المائة.

ومن المتوقع ألا تكون تلك هي الحلقة الأخيرة في سلسلة التحفيز، إذ يمكن للبنك المركزي تخفيض الفائدة مرة أخرى بحوالي 2% خلال الأشهر المقبلة، حيث لم يعد التضخم مصدر قلق كبير لدى البنك المركزي، وهو ما يعني احتمالية استمرار المركزي في سياسة التحفيز النقدي لدعم الاقتصاد.

أما من حيث الإجراءات الأخرى التي يمكن اتخاذها لتوجيه المزيد من الدعم للاقتصاد المصري، فإن ما اتخذته الحكومة المصرية من إجراءات يمثل أمرًا جيدًا في مواجهه الأزمات الاقتصادية، ويمكن أن يتم اتخاذ إجراءات إضافية إذا تأزم الوضع الاقتصادي تتمثل في تأجيل سداد ضريبة القيمة المضافة في الوقت الحالي لحين العبور من آثار فيروس كوفيد-19، أو إجراء المزيد من الخفض لأسعار الطاقة ليصل سعر الغاز إلى مستوي 2.5 و 3 دولار لكل مليون وحدة حرارية لمساعدة المصانع على الاستمرار في ظل الأوضاع الحالية، أو ضخ المزيد من السيولة بخفض اخر لسعر الفائدة وتخصيص مبالغ أخرى لتمويل الشركات التي تعاني من الآثار الاقتصادية لذلك الفيروس.

من جانب اخر يمكن أن تكون هذه الأزمة فرصة من حيث إمكانية استغلال برامج الدعم التي تقدمها الحكومة للأفراد والمتمثلة في الإعانات النقدية في دفع مسار الشمول المالي في الاقتصاد المصري، والترويج للخدمات الإلكترونية الحكومية التي تقدمها الحكومة المصرية كبديل أمثل لحصول المواطنين على الخدمات دون مغادرة المنازل، واستغلال تلك الأزمة التي خلقها الفيروس وحقيقة أن افريقيا تعتبر اقل المتضررين من ذلك الفيروس في جذب المزيد من الاستثمارات من خلال تنويعها لاستثماراتها جغرافيًا لتجنب مثل تلك الكوارث والدخول إلى السوق المصري.