مصر

مقالات وتحليلات

النقل العام خطر وبائي لكن ليس خارجًا عن السيطرة

حينما انتشرت جائحة كورونا في العديد من دول العالم خلال الربع الأول من 2020، بادرت الحكومة المصرية باتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية، من أجل حماية الشعب المصري من خطر الإصابة بعدوى الفيروس؛ فعلقت حركة الطيران الدولي من وإلى البلاد، وأوقفت خدمات المؤسسات الحكومية، كما عطلت الدراسة ونشاطات الأندية والمقاهي والمطاعم، وهو ما حدّ بدوره من التجمعات والكثافات البشرية، ليسهم ذلك في حماية البلاد من كارثة وبائية عانت ولا تزال تعاني منها دول عديدة في قارتي أوروبا وأمريكا. 

لكن الإجراءات الوقائية كان لها تأثير سلبي على الاقتصاد الوطني، فقد أوضح صندوق النقد الدولي في أحد تقاريره الصادرة في إبريل 2020، احتمالية معاودة ارتفاع معدلات التضخم للاقتصاد المصري، حيث رجح التقرير أن تصل تلك المعدلات إلى 7.2% خلال العام الجاري وبزيادة قدرها 2.3% عن معدلات 2019. كما توقع الصندوق تراجع الاحتياطيات النقدية للبلاد بنسبة 20% لتصل إلى أقل من 36 مليار دولار، فيما أعلن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار EBRD عن توقعاته بتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي المصري، ليصل إلى 0.5%، وذلك بعد أن كان المستهدف الوصول به إلى 5.6%. 

الحكومة المصرية -من جانبها- لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع الاقتصادي المتأزم، لذلك قررت عودة الأعمال لكافة المصالح الحكومية في مطلع يونيو الماضي، وذلك بعد توقف جزئي دام أكثر من ثلاثة أشهر. كما سمحت لاحقًا بإعادة تشغيل باقي القطاعات الخدمية والاقتصادية المتعطلة بالدولة. وقد ساعد في نجاح تلك القرارات انخفاض معدل الإصابات المسجلة يوميًّا بالفيروس (انظر شكل رقم 1)، لكن العديد من الآراء لا تزال تتخوف من فكرة عودة الحياة إلى طبيعتها في مصر، خاصة مع عدم وضوح الأسباب العلمية التي أدت إلى انحسار موجة الوباء بين المواطنين، فضلًا عن بزوغ بعض التوقعات الدولية التي أفادت باحتمالية وقوع موجة عالمية جديدة من الوباء بحلول الشتاء القادم. 

لهذا تتصاعد الأصوات المطالبة بوضع المزيد من الإجراءات العملية لتأمين المواطنين المستخدمين لكافة المرافق والمنشآت الحيوية في الدولة، وعلى رأسها مرافق النقل العام، من خطر الإصابة بالوباء، حيث ترتبط تلك المرافق بالحياة اليومية للمواطنين، وقد تكون أحد أخطر آليات انتشار الفيروس حال تعرض البلاد لموجة جديدة من الوباء. 

1- تكدس مرافق النقل العام يُنذر بالخطر

تعاني مرافق النقل العام في مصر من تكدس وزحام شديد، حيث يعتمد المواطنون على خدماتها في التنقل بين محافظات الجمهورية وأيضًا في التنقل داخل المدن، خاصة الكبرى منها كالعاصمة القاهرة الكبرى ومدينة الإسكندرية. وقد أوضحت التقارير الرسمية صورة هذا التكدس في بعض مرافق النقل المهمة كمترو أنفاق القاهرة الكبرى الذي ينقل يوميًّا أكثر من 2.4 مليون راكب، فقطارات المترو تشهد معدلات تزاحم عالية، إذ ينقل القطار في الرحلة الواحدة حوالي 1500 راكب، وهو ما يؤدّي إلى وصول معدل التزاحم في رحلة المترو إلى 10.9 مواطنين لكل مقعد واحد.

وقد أوضحت التقارير معاناة هيئتي النقل العام بكل من القاهرة الكبرى والإسكندرية، حيث يشهد كل منهما تكدسات مماثلة لما يشهده مرفق المترو، فهيئة النقل العام بالقاهرة الكبرى تنقل يوميًّا أكثر من 1.5 مليون راكب، فيما تنقل هيئة النقل العام بالإسكندرية 435 ألف راكب يوميًّا، وهو ما يخلق نسب تزاحم تصل في مركبات النقل العام بالقاهرة إلى 3.3 ركاب لكل مقعد، وفي مركبات النقل العام بالإسكندرية إلى 2.4 راكب لكل مقعد. ولا تقتصر المعاناة على مرافق النقل الداخلي بالمدن الكبرى، فمرفق السكك الحديدية الذي يساهم في ربط أطراف البلاد، يتحمل هو الآخر جزءًا من المعاناة، حيث يقوم يوميًّا بنقل 668 ألف راكب، وبمتوسط 2000 راكب في رحلة القطار الواحدة، وهو ما أدى إلى وصول نسب التزاحم بين مستخدميه إلى 3.5 ركاب لكل مقعد واحد.

الحديث عن مرافق المترو والنقل العام والسكك الحديدية ليس كل شيء. فهناك مرافق أخرى شديدة الاكتظاظ، كالنقل بين الأقاليم، سواء بالحافلات أو الميكروباص، فضلًا عن خدمة السرفيس أو النقل الداخلي بالمدن والتجمعات الحضرية، مما يرشح مرافق النقل العام لتكون مركزًا لانتشار العدوى الوبائية، حيث يصعب فيها لدرجة الاستحالة الالتزام بالقواعد الدقيقة للتباعد الاجتماعي. 

2- إجراءات وقائية مقترحة

حالة التكدس التي تشهدها مرافق النقل المصرية تضع صانعي القرار في معضلة، فتطبيق متطلبات التباعد الاجتماعي وتخفيف عدد ركاب القطارات والحافلات يعتبر رفاهية غير قابلة للتنفيذ. كما أن استمرار الضغط والتزاحم يضع المواطنين تحت خطر الإصابة بالفيروس. وأمام هذا التحدي ليس هناك اختيار سوى وضع إجراءات وقائية مشددة للحد من نسب الإصابات. وقد اتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات في هذا الإطار، حيث ألزمت المواطنين بارتداء الكمامات الواقية في وسائل المواصلات، ووضعت غرامات على المخالفين لتلك التعليمات، كما وجهت مرافق النقل لاتخاذ بعض التدابير الإجرائية كتدريب العاملين على قياس الحرارة للركاب، واكتشاف حالات الاشتباه، وتوجيه تلك الحالات للإرشادات الصحيحة.

 لكن هذه التوجيهات كانت محل انتقاد من قبل المتخصصين، فمن الصعب على موظفي مرافق النقل مثل المترو أو السكك الحديدية فحص كافة الركاب، خاصة في ساعات الذروة. كما أن الفرق الإدارية داخل المحطات ليست متخصصة بالأمور الطبية، وتفتقر للموارد اللازمة للتعامل مع ظروف الزحام الشديد، لذا يجب على الحكومة أن تتخذ إجراءات أكثر واقعية في تأمين هذه المرافق الحيوية، ومن ذلك ما يلي: 

– تكوين فرق طبية من المتطوعين الطبيين وطلبة كليات الطب، ليتم توزيعهم على محطات القطارات والمترو، بالإضافة للمواقف العامة والميادين الكبرى، وذلك للكشف على الركاب والتعامل مع الحالات المشكوك فيها بشكل علمي وطبي سليم.

– وضع كاميرات للكشف الحراري على الركاب “Thermal Cameras“ في الأماكن شديدة الاكتظاظ، مثل محطات القطارات والمترو الرئيسية، والتي يصعب فيها الكشف على الركاب واحدًا تلو آخر، حيث توفر تلك الكاميرات إمكانية الكشف على عشرات المواطنين في آن واحد وبدون الحاجة للاقتراب منهم.

– يمكن توفير وحدات طبية داخل محطات المترو والقطارات وأيضًا المواقف العامة، وذلك للإجابة عن استفسارات المواطنين الذين يعتقدون إصابتهم بالفيروس وأيضًا المخالطين لهم، بالإضافة إلى تقديم النصائح والإرشادات الطبية لهؤلاء المواطنين حتى يقوا أنفسهم من مضاعفات المرض، وأيضًا لحماية أهلهم ومجتمعهم من الإصابة به. كما تستطيع تلك الوحدات الطبية أن توفر خدمات الكشف المبدئي على الحالات المرضية المشكوك فيها، وذلك قبل الذهاب للمستشفى أو المركز الطبي المختص.

– يجب ألا ننسى التنويه عن الخطأ الجسيم الذي يشوب عملية بيع الكمامات الطبية على شبابيك التذاكر حاليًّا، فتلقي موظف الشباك للمبالغ المالية بيده ثم تناول الكمامات بعد ذلك وإعطاؤها للراكب يؤدي إلى تلوث تلك الكمامات، وهو ما قد يصيب الراكب بالفيروس بسبب تلك الكمامة الملوثة، لذا يجب بيع الكمامات وهي مغلفة بأكياس بلاستيكية، أو يخصص لبيعها منفذ مستقل داخل المحطات مما يحميها من التعرض للتلوث.

3- وعي الراكب هو خط الدفاع الأول

مهما اتخذت الحكومة من إجراءات وقائية مشددة بهدف تقليص فرص إصابة المواطنين بوباء كورونا المستجد، فإنها لن تنجح في مساعيها إلا بوجود وعي من المواطنين أنفسهم بحجم وخطر الأزمة الوبائية التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى وعيهم بكيفية حماية أرواحهم من خطر الفيروس، وذلك وفق ما يتم إعلانه من خطوات وإرشادات صحية من قبل الجهات المختصة. وهنا ننوه إلى أن قلة الوعي لدى المواطنين خلال الفترة الماضية كان سببًا رئيسيًا في انتشار البؤر الوبائية داخل العديد من المدن والقرى المصرية، وذلك على الرغم من اتخاذ الحكومة عددًا من الإجراءات الاحترازية بداية من منتصف مارس الماضي.

لذا يجب على الحكومة أن تبدأ في حملة توعية تستهدف ركاب مرافق النقل في مصر، وذلك لتعريفهم بطبيعة الوباء المنتشر، وسبل الحماية من أخطاره أثناء التواجد بأحد مرافق النقل العام. ومن المهم تنفيذ تلك الحملة من خلال وسائل تمنع الاحتكاك المباشر بين أطقم العمل الإدارية والطبية المتواجدة وبين الركاب المستخدمين لخدمات تلك المرافق، فيتم الاعتماد على رسائل المحمول النصية ولوحات الإعلانات داخل المحطات وعلى جوانب الطرقات، فضلًا عن إذاعة النشرات التوعوية داخل المواقف العامة ومحطات القطارات، وذلك على غرار التجربة الناجحة التي نفذتها هيئة مترو القاهرة منذ مارس الماضي داخل المحطات، حيث قامت بإذاعة نشرة توعية من خلال الإذاعة الداخلية للمحطات على خطوط المترو الثلاثة. 

ومن المهم توصية الركاب بعدد من الإجراءات التي من شأنها أن تحد من انتقال الفيروس، وأهمها ما يلي: 

– استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في شراء تذاكر المترو والقطار، وأيضًا تذاكر الحافلات الذكية العاملة على بعض خطوط القاهرة الكبرى.

– إرشاد المواطنين بثقافة تنظيم الصفوف داخل المحطات، خاصة أمام شبابيك التذاكر، بما يحقق التباعد الذي نصحت به منظمة الصحة العالمية والمقدر بمسافة مترين. 

– تعريف الركاب بالأوقات التي لا تشهد زحامًا وتكدسًا، وتشجيعهم على استخدام مرافق النقل العام في تلك الأوقات، وهو ما يمكنه أن يساهم في الإقلال من خطر الإصابة بالمرض.

4- زيادة خدمات النقل لتقليل فرص الإصابة

يوجد في مصر الآن أكثر من 76 ألف حافلة متعطلة عن العمل بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة بداية من مارس الماضي، حيث كانت تلك الحافلات تعمل بمجالات النقل السياحي ونقل الرحلات وطلاب المدارس (انظر شكل رقم 2). وهنا توجد فرصة أمام الحكومة لكي تستفيد من تلك الحافلات في دعم مرافق النقل العام وتخفيف الضغط الواقع عليها، سواء على الخطوط بداخل المدن أو بين المحافظات، حيث يمكن للحكومة أن تسمح بعمل تلك الحافلات لنقل الركاب وفق الاشتراطات الصحية التي أقرتها منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة المصرية، وهو ما يعطي للركاب فرصة للتنقل بشكل آمن من خطر الإصابة بالوباء، وإن كانت قيمة التذكرة لاستخدام تلك الحافلات أعلى من نظيرتها في المواصلات العادية. أما إدارة حركة تلك الحافلات فيجب أن تكون بالتنسيق بين الجهات المختصة وأحد كيانات النقل التشاركي، وذلك لوجود خبرة لدى تلك الكيانات في إدارة مثل تلك الخدمات وبسياسات تراعي الجودة المطلوبة.

يترقب العالم خلال الموسم الشتوي القادم ظهور موجة ثانية من COVID-19، ويضع هذا أمام الدولة المصرية تحديًا حقيقيًا من أجل تأمين المواطنين ضد خطر الإصابة بالفيروس، لذا يجب على الحكومة أن تنسق خططها لتأمين المرافق والأماكن العامة ضد احتمالات الانتشار الوبائي للمرض، ويجب أن تكون مرافق النقل العام أول ما تنظر إليه الحكومة في وضع خططها تلك، فمرافق النقل ترتكز بالأساس على حركة المواطنين بين مناطق مختلفة، لذا يمكن لمرافق النقل أن تتحول إلى بؤرة يومية متجددة لتفشي الوباء، وذلك في حال التهاون في اتخاذ الإجراءات الوقائية، والعكس من ذلك صحيح، ففي حال اهتمام الدولة بتعزيز الإجراءات الوقائية بمرافق النقل، فيمكن أن تساهم تلك المرافق في تحييد انتشار الفيروس بين ركابها، وربما تتجاوز مساهمتها ذلك الأمر لتكون سببًا غير مباشر في تحييد تفشي الوباء داخل أقاليم ومحافظات الدولة المختلفة. 

مصادر:

– IMF، Regional Economic Outlook: Middle East Central Asia Report، April 2020. 

– Egypt Overview, The Official Website of EBRD. 

النشرة السنوية لإحصاءات النقل العام للركاب داخل وخارج المدن 2016/2017، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. 

– الباب الثامن: النقل والمواصلات، الكتاب الإحصائي السنوي 2019 الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. – WHO Coronavirus Statistics Report, 20/8/2020.

مقالات وتحليلات

عودة هادئة لحركة السياحة الدولية

في الأول من يوليو 2020 أعادت مصر فتح أبوابها من جديد أمام حركة السياحة الدولية، وذلك بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أشهر، لتحاول مصر بذلك تجاوز أعنف أزمة واجهها القطاع السياحي في تاريخه، حيث عانى القطاع خلال الفترة ما بين 19 مارس إلى الأول من يوليو 2020 من حالة شلل تام، وذلك بسبب تعليق حركة الطيران الدولي من وإلى البلاد كإجراء احترازي للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، وهو ما اضطر كافة مؤسسات الأعمال السياحية إلى تعطيل أعمالها، ليتسبب ذلك في خسائر هائلة قُدرت بأكثر من ثلاثة مليارات من الدولارات. 

عودة الحركة السياحية في ظل ضوابط وقائية مشددة

في ظل الغموض المحيط بالمدى الزمني المحتمل لوباء (كوفيد 19)، اتخذت الحكومة المصرية مجموعة من القرارات الرامية إلى استئناف الحياة الطبيعية، وذلك لإنقاذ الاقتصاد الوطني من خطر الانكماش. وكان من بين تلك القرارات عودة حركة السياحة الدولية وفق مجموعة من الضوابط الصحية والوقائية. 

المجال الفندقي كان أول مجالات العمل السياحية التي فُرضت عليها تلك الضوابط، حيث أطلقت وزارة السياحة والآثار في الرابع من مايو الماضي ضوابط واشتراطات “السلامة الفندقية” Hygiene Safety، وألزمت الفنادق الراغبة في مزاولة أعمالها بالحصول على شهادة تفيد تطبيقها لتلك الاشتراطات، وهو الأمر الذي استجابت له العشرات من المنشآت الفندقية حتى الآن، حيث بلغ عدد الفنادق الحاصلة على تلك الشهادة حتى 18 يوليو 572 فندقًا في 22 محافظة مصرية (انظر الشكل رقم 1). كما فرضت وزارة السياحة والآثار ضوابط وقائية مشابهة على عمل أساطيل النقل السياحي، والبازارات ومراكز رياضات الغطس، فضلًا عن تنفيذها خطة من أجل تشغيل عدد من المزارات السياحية والأثرية في 7 محافظات مختلفة.

مجال النقل الجوي كان له نصيبه هو الآخر من الضوابط الوقائية، فقد وضعت وزارة الطيران المدني العديد من الإجراءات الوقائية وذلك لتأمين حركة المترددين على المطارات الدولية المصرية. كما وضعت إجراءات أخرى ليلتزم بها مستخدمو ومشغّلو الخطوط الجوية التابعة لشركات النقل الجوي المصرية. وبالإضافة إلى تلك الإجراءات، فرضت الوزارة على كل المسافرين الوافدين إلى مصر ضرورة كتابة إقرار بعدم إصابتهم بفيروس كورونا أو مخالطتهم لأي مصاب بالفيروس. كما ألزمت القادمين من الدول التي ينتشر فيها الفيروس بشكل وبائي بعمل تحليل Polymer chain reaction أو المعروف اختصارًا بـPCR، وذلك للتأكد من خلوهم من الفيروس. وفي السادس من أغسطس تم تعديل هذه السياسة، فأصبح جميع الأجانب الواصلين للمطارات والمنافذ الحدودية المصرية مطالبين بتقديم ما يؤكد إجراءهم اختبار PCR بنتيجة سلبية قبل ما لا يزيد على 72 ساعة من وصولهم إلى مصر، على أن يتم إعفاء القادمين إلى مطارات شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم وطابا ومطروح من هذا الإجراء، على أن يحظر عليهم الانتقال إلى خارج محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء ومطروح، إلا بعد إجراء هذا الاختبار بنتيجة سلبية. 

وبعد أن اتخذت الحكومة كافة الضوابط الوقائية على مستوى قطاعي السياحة والطيران، وذلك لضمان العودة الآمنة لحركة السياحة الدولية، قامت بإصدار قرارها بتفعيل حركة السياحة في ثلاث محافظات فقط هي: جنوب سيناء، والبحر الأحمر، ومطروح، وذلك لتركز أغلب المنتجعات السياحية في تلك المحافظات، فضلًا عن انخفاض معدلات الإصابة بوباء كورونا المستجد فيها. وبالإضافة لذلك أعلنت الحكومة تخطيطها لفتح كافة المحافظات أمام حركة السياحة الدولية، وذلك تبعًا لتطورات الموقف الوبائي بتلك المحافظات.

الأسواق المصدّرة للسياحة تتخوف على مواطنيها

الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع السياحي المحلي والعالمي، دفعت بالحكومة المصرية إلى وضع مجموعة من الحوافز وذلك بهدف تشجيع أكبر قدر من الحركة السياحية الدولية على القدوم إلى البلاد، وكان من أبرز تلك الحوافز ما يلي:

– إعفاء السائحين الوافدين إلى محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء ومطروح من دفع قيمة التأشيرة السياحية.

– مد أجل البرنامج الحالي لتحفيز الطيران حتى 29 أكتوبر المقبل.

– منح تخفيضات على خدمات الهبوط والإيواء لكافة خطوط الطيران القادمة إلى مصر بنسبة 50%.

– تخفيض رسوم الخدمات الأرضية بنسبة 20% لكافة الرحلات المتجهة إلى المحافظات السياحية الثلاث السابق ذكرها.

– خفض سعر وقود الطائرات بقيمة 10 سنتات أمريكية للجالون الواحد، وهو ما يعادل 11% من قيمة الجالون.

– تخفيض قيمة أسعار التذاكر لكافة المتاحف والمواقع الأثرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار بنسبة 20%. 

وقد ساهمت تلك الحوافز في إعطاء دفعة متواضعة للحركة السياحية في كل من جنوب سيناء والبحر الأحمر، حيث استقبلت هاتان المحافظتان في الفترة من الأول من يوليو إلى 14 يوليو أكثر من 50 رحلة جوية نقلت أكثر من 10,000 سائح. لكن المتخصصين في الشأن السياحي لا يعلقون أملًا كبيرًا على تلك الحوافز في إعادة الحركة السياحية لما كانت عليه قبل منتصف مارس الماضي؛ فالعديد من الدول المصدرة للسياحة بدأت في دعوة مواطنيها إلى عدم السفر خارج البلاد. ومن أبرز هذه الدول: جمهورية ألمانيا الاتحادية التي حذّرت المواطنين الألمان من السفر إلى الخارج حتى بداية سبتمبر القادم، خاصة إلى دول العالم الثالث التي لا تزال تواجه وباء كورونا. كما قامت دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بتحذير مواطنيها من السفر إلى خارج البلاد طالما أن هذا السفر ليس ضروريًّا.

لهذا تتجه أنظار السائحين الغربيين في الوقت الراهن إلى المناطق السياحية داخل دولتهم الأم أو في الدول الإقليمية القريبة على أقصى تقدير، وذلك لتقليل مخاطر العدوى المرتبطة بركوب الطائرات، ولشعور السائح الغربي بالأمان كلما كان قريبًا من نظام الرعاية الصحية الذي اعتاد عليه.

وقت إضافي لزيادة تهيئة القطاع السياحي

تشير العديد من التوقعات إلى أن السياحة الأجنبية لن تعود بكامل قوتها إلى مصر قبل الموسم الشتوي القادم 2020/2021، وهو ما يمنحنا فرصة لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا من أجل تنفيذ بعض الإجراءات، وذلك لكي نعظم الاستفادة من حركة السياحة المتوقعة خلال الفترة القادمة. ومن ثم، يجب من الآن البدء في اختبار وتقييم ما تم وضعه من ضوابط وقائية لتشغيل المنشآت الفندقية والمطاعم السياحية والمزارات الأثرية وتطويرها إن استدعت الحاجة. كما يجب البدء من الآن في وضع الضوابط الوقائية الخاصة بفتح وتشغيل المزارات السياحية والمناطق السياحية بإقليم وادي النيل ودلتاه أمام السياحة الخارجية؛ فالمنشآت السياحية والعاملون بها في وادي النيل والدلتا أصبحوا يواجهون ضائقة اقتصادية صعبة، لا يمكن مواجهتها أو تخفيفها بشكل جدي عن طريق الإعانات التي تدفعها الدولة. 

كما يجب الإسراع في تقديم المزيد من المحفزات في مجال الطيران المدني، وذلك لكي نتمكّن من جذب المزيد من السائحين الأجانب إلى المقصد المصري. ومن المحفزات المقترحة عمل عروض وتخفيضات على أسعار التذاكر التي تطرحها شركات النقل الجوي الوطنية، وأيضًا ربط رحلات الطيران التي يقوم بها السائح إلى مصر بمنظومات نقاط الفنادق Hospitality rewarding points والتي تتيح للسائح الحصول على خصومات ومكافآت عينية ومادية عند قدومه إلى مصر.

وإلى جانب اختبار وتطوير الضوابط الوقائية وأيضًا وضع الحوافز المختلفة التي من شأنها جذب السائح إلى البلاد، يمكننا أيضًا تطوير المنظومة الطبية الوقائية الخاصة بالقطاع السياحي، والتي سنعتمد عليها في حماية السائحين والعاملين بالقطاع السياحي من خطر الإصابة بـCOVID-19، حيث يمكننا البدء بفرض نوع من الاختبارات الطبية السريعة لكي تُجرَى على كافة السائحين فور وصولهم إلى المطار. كما يمكننا تدشين تطبيق إلكتروني لتتبع حالة السائح الصحية يوميًّا أسوة بما نفذته الصين من تجربة ناجحة في مجال الوقاية الذكي.

وبالإضافة إلى كل الإجراءات الوقائية القائمة والمقترحة، يمكن للقطاع السياحي أن يتعاون مع القطاع الطبي الخاص في توفير مستشفى أو أكثر في كل محافظة سياحية، وذلك لتوفير خدمات الرعاية والعزل الطبي لحالات الإصابة بالفيروس بين السائحين. كما يمكن بمقتضى هذا التعاون أن يتم تخصيص عدد من الوحدات الإسعافية المجهزة لخدمة المنشآت السياحية فقط. وسيساهم هذا المقترح في توفير الاحتياجات الطبية للقطاع السياحي، كما سيخفف عن كاهل الدولة مسئولية رعاية وعلاج المصابين الأجانب لتركز الحكومة جهودها على علاج ورعاية المواطنين المصريين. 

ويحتاج القطاع السياحي أن يتوج كافة مجهوداته التي يبذلها بمعاونة الحكومة، عن طريق السعي لدى منظمة السياحة العالمية وحكومات الدول الغربية، وذلك لكي تعلن تلك الدول أن بمصر عددًا من المدن والمقاصد السياحية الآمنة من خطر الوباء، وهو ما سيكون له أثر كبير في دفع الحركة السياحية خلال الأشهر القادمة.

ختامًا، يمكننا القول إن السياحة المصرية ستعود إلى معدلاتها الطبيعية بشكل هادئ، لكن تلك العودة ستكون مليئة بالتحديات مع استمرار تفشي وباء كورونا، واستمرار المخاوف الدولية من بدء موجة ثانية من الوباء. كما أن عودة الدول السياحية المنافسة لمصر إلى ساحة العمل السياحي ستمثل تحديًا آخر؛ فكل دولة من هذه الدول سوف تدخل قريبًا في صراع شرس مع الدول الأخرى وذلك من أجل ضمان حصة سوقية أكبر من الطلب السياحي الدولي، ذلك الطلب الذي سيكون هزيلًا خلال ما تبقى من فترة موسم الصيف الحالي حتى نصل إلى الموسم الشتوي المقبل 2020/2021.

مقالات وتحليلات

مستقبل التجارة الدولية بعد جائحة كورونا

مع استمرار انتشار فيروس كورونا، وتراجع حجم التجارة الدولية بسبب تطبيق العديد من الدول سياسات الإغلاق التام؛ يسلط الكثيرون الضوء الآن على مخاطر الاعتماد على سلاسل القيمة العالمية. وهناك حديث متواتر عن تراجع العولمة. العولمة تعتمد على الروابط المعقدة (سلاسل القيمة العالمية) التي تربط المنتجين في العديد من البلدان. وغالبًا ما يستخدم هؤلاء المنتجون سلعًا وسيطة عالية التخصص، أو مدخلات ينتجها مورد خارجي واحد فقط.

هذا المقال يُناقش تأثير فيروس كورونا على التجارة الدولية، ومستقبل ظاهرة العولمة بعد جائحة كورونا، وأخيرًا ما يمكن للدول القيام به للحد من الاضطرابات الاقتصادية.

تأثير كورونا على التجارة الدولية

توقعت منظمة التجارة العالمية أن تنخفض التجارة الدولية خلال عام 2020 بنسبة تتراوح بين 13٪ – 32٪، ويعود ذلك إلى عدم القدرة على المعرفة الدقيقة بحجم تأثير الأزمة الصحية على الاقتصاد. رغم أنه في ذروة الأزمة المالية في عام 2009، انخفضت التجارة بنسبة 12.5٪. وتوقعت المنظمة أن جميع المناطق تقريبًا ستعاني هذا العام من انخفاض مزدوج الرقم في التجارة، أي أكثر من 10%. كما أن القطاعات ذات سلاسل القيمة المعقدة، مثل الإلكترونيات ومنتجات السيارات، هي القطاعات التي من المتوقع أن تشهد انخفاضًا أكثر حدة، ولكن التجارة في قطاع الخدمات قد تكون هي الأكثر تضررًا من جائحة (كوفيد-19) بسبب قيود النقل والسفر وإغلاق المطاعم والفنادق وأماكن الترفيه. وتتوقع المنظمة انتعاشًا في تجارة السلع العالمية خلال العام المقبل 2021 بنسبة تتراوح بين 21٪-24٪، ويتوقف ذلك على مدة تفشي الفيروس التاجي وفعالية الاستجابات السياسية. 

وبالإضافة إلى ذلك، تتوقع منظمة التجارة العالمية أن تكون الصادرات من أمريكا الشمالية وآسيا أكثر تضررًا. ووفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، انخفضت قيمة الصادرات الصينية في الشهرين الأولين من عام 2020 بنسبة 17.2٪ على أساس سنوي، في حين تباطأت الواردات بنسبة 4٪. وأثر هذا الانخفاض في التجارة الصينية على بعض الأسواق أكثر من غيرها، حيث انخفضت الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 29.9٪ في الشهرين الأولين من هذا العام عن العام السابق، بينما انخفضت الواردات من الاتحاد الأوروبي بنسبة 18.9٪. وانخفضت الصادرات والواردات من الولايات المتحدة بنسبة 27٪ و8٪ على التوالي. في عام 2019، كانت الولايات المتحدة أكثر البلدان اعتمادًا على الصين تجاريًّا، تليها سبع دول أوروبية واليابان. وبحلول عام 2020، تقدمت الدول الأوروبية أكثر في التصنيف العالمي. لذلك فإن هذه الانخفاضات الكبيرة مرتبطة بالاعتماد المتبادل القوي بين الشركات الأوروبية والأمريكية والصينية.

هل هذه نهاية العولمة أو التجارة الدولية؟

هناك نقاش حول تأثير جائحة (كوفيد-19) على هيكل الإنتاج العالمي وسلاسل التوريد العالمية. بالنسبة للبعض، تكشف جائحة كورونا عن أهمية إعادة تأميم سلاسل التوريد، أو على الأقل تقصيرها، للحد من المخاطر العالمية. ومن هذا المنظور، قد تحتاج الشركات إلى إعادة التفكير في قراراتها المتعلقة بمصادر الإمداد، مما يؤدي إلى إعادة ترتيب سلاسل الإنتاج العالمية. وبالمثل، هناك نقاش حول ما إذا كانت الحكومات تحتاج إلى إعادة النظر في قائمة السلع الاستراتيجية التي تتطلب إنتاجًا محليًّا، أو فرض قيود جديدة على مصادر الإمداد على الشركات، وما إذا كانت أيضًا بحاجة إلى إعادة النظر في ممارسات المشتريات الحكومية. على سبيل المثال، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لين”، إلى تقصير سلاسل التوريد العالمية لأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على عدد قليل من الموردين الأجانب. كما دعا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، إلى تعزيز “السيادة الاقتصادية” الفرنسية والأوروبية من خلال الاستثمار داخل البلاد في قطاعات التكنولوجيا والطب. لكن لم يتخذ أي بلد أي إجراء جاد لإلغاء أو عكس تحالفاتهم ومصالحهم واستراتيجياتهم العالمية. فحتى الآن، لم تغير أي من الدول الكبرى استراتيجيتها في السعي من أجل اقتصاد أكثر ترابطًا. فما زالت الصين تواصل استثماراتها الهائلة في مبادرة “الحزام والطريق” التجارية، ويحاول الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية التوصل إلى اتفاق بخصوص فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى (جوجل، فيسبوك، ومايكروسوفت) وهذا لتجنب حرب الرسوم الجمركية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال ألمانيا حريصة على تجنب الخلافات مع الولايات المتحدة أو الصين. 

لذلك، هناك خطر من افتراض افتراضات سريعة حول ما هو ضروري لضمان المرونة. على الصعيد الدولي، غالبًا ما يكون الإنتاج المتنوع مصدرًا للمرونة والتكيف للشركات في بيئة مختلفة، فالاكتفاء الذاتي من العرض يختلف عن ضمان العرض. ستكون هناك أيضًا حاجة لكل من الشركات والحكومات للتفكير مرة أخرى في أفضل السبل لضمان مرونة سلاسل التوريد. وسيتطلب ذلك فهمًا أفضل لنقاط القوة ونقاط الضعف في سلاسل التوريد الرئيسية في الأزمة الحالية، والنظر مرة أخرى في أدوات المرونة في ضوء ذلك. بالنسبة للحكومات، ستكون هناك حاجة للنظر في سياسات التجارة والاستثمار التي يمكن أن تدعم المرونة على أفضل وجه. على سبيل المثال، توفُّر البنية التحتية الرقمية لتقليل الضربات المتعلقة بالإنتاجية والتي تساعد على استئناف التجارة الدولية في أوقات الأزمات. وفي هذا الصدد، قال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية “روبرتو أزيفيدو” في مؤتمر صحفي إن البلدان التي تعمل معًا ستشهد انتعاشًا أسرع مما لو تصرفت كل دولة بمفردها، وأن التحول إلى سياسات الحماية سيخلق صدمات جديدة، ولن تكون أي دولة مكتفية ذاتيًّا بالكامل، وأن الإجابة هي التنويع بحيث تأتي الإمدادات من أكثر من منطقة واحدة أو لاعب واحد. 

وهناك ما يبرر المخاوف بشأن الاعتماد المفرط على سلاسل القيمة العالمية المعقدة في حالة المنتجات المتعلقة بالأمن القومي، مثل الإمدادات الطبية. ولكن هذه ليست نهاية العولمة، بل إعادة تكوين سلاسل القيمة العالمية. فعلى الرغم من أن سلاسل التوريد العالمية معقدة للغاية، إلا أن سلاسل القيمة العالمية تتبع مبدأ الكفاءة، وهذا نتيجة قيام الشركات بتوظيف أفضل المدخلات الممكنة لتلبية احتياجات الإنتاج بأقل تكلفة، أينما كان الموقع الذي تأتي منه هذه المدخلات، مما يضمن بقاء العولمة. فبينما تظل الكفاءة الهدف الرئيسي، ستستمر الشركات في التسوق عالميًّا.

ما الذي يمكن للدول القيام به؟

بعض البلدان غير قادرة على إنتاج الإمدادات الطبية الخاصة بها بكميات كافية أو بشكل فعال من حيث التكلفة. هذا هو الحال بشكل خاص في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث بدأ الفيروس في السيطرة عليها. ففي هذه البلدان، لا ينبغي أن تكون أولوية الميزانيات الصحية المحدودة بناء قدرات التصنيع المحلية. بالنسبة لهذه البلدان -كما كان الحال بالنسبة للبلدان الأخرى التي عانت من الفيروس حتى الآن- فإن التجارة الدولية ضرورية.

وبناء على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وللحفاظ على الثقة في الأسواق العالمية، هناك حاجة لتجنب المزيد من التصعيد في التوترات التجارية المستمرة. ومع التوترات المتزايدة في الشركات بسبب الانهيار في الطلب وعدم اليقين المستمر فيما يتعلق بمدة وشدة جائحة كورونا وتدابير الاحتواء ذات الصلة، فإن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لفرض المزيد من التكاليف. ففرض تكاليف إضافية على الشركات والمستهلكين من خلال التعريفات الجمركية لا يتسبب فقط في مشقة لأولئك الذين يعانون بالفعل من فقدان الدخل بسبب الأزمة، ولكن أيضًا يخاطر بزيادة حجم المساعدة الحكومية اللازمة لدعم تلك الشركات والمستهلكين. لذلك، من بين الخطوات الإيجابية لتعزيز الثقة وتخفيف الأعباء أن تلتزم الحكومات بعدم فرض تعريفات جمركية جديدة أو إجراءات تقييدية تجارية.

وفي حين كانت التجارة الدولية واحدة من أولى ضحايا الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، إلا أن إجراءات تقييد التجارة الجديدة أثرت على حوالي 1٪ فقط من الواردات العالمية. ففي ذلك الوقت، التزم قادة مجموعة العشرين بالامتناع عن تدابير الحماية والتمسك بنظام التجارة القائم على القواعد، وأوجدت قواعد التجارة في منظمة التجارة العالمية بعض اليقين للشركات، واستقر النظام من خلال وضع سقف على الإجراءات الجمركية. وفي حين أن هناك بعض الاختلافات، وكذلك التشابهات، بين أزمة عام 2008 وأزمة كورونا، فإن البيئة الاقتصادية غير المؤكدة الحالية تزيد من الحاجة إلى الالتزام بالتجارة المستندة إلى القواعد والابتعاد عن سياسات الحماية التجارية.

مقالات وتحليلات

التجارة الإلكترونية بعد جائحة “كوفيد-19”

أدت جائحة فيروس “كوفيد-19” إلى خسائر فادحة للعديد من الشركات أجبرت الكثير منها على الخروج من السوق. ولكن في محاولة من جزء كبير من الشركات الأخرى لتكون مرنة وتتكيف مع الأزمة الحالية غير المسبوقة، اتجهت هذه الشركات إلى التجارة الإلكترونية. والتجارة الإلكترونية هي عمليات البيع والشراء للسلع والخدمات، أو إرسال الأموال أو البيانات، عبر شبكة إلكترونية، وبشكل أساسي الإنترنت. تحدث هذه المعاملات إما من شركة إلى شركة، أو من شركة إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى شركة.

هذا المقال يناقش أولًا تأثير فيروس “كوفيد-19” على التجارة الإلكترونية، وبشكل خاص تلك العمليات من الشركة إلى المستهلك، ومن ثم تأثير التجارة الإلكترونية على الخدمات اللوجستية. 

لقد غيرت جائحة “كوفيد-19” العالم كما نعرفه. فقد تغير سلوك الأشخاص بعد أن تعرضوا إلى الصدمة الحالية الناجمة عن الجائحة. وبعض هذا التغيير في سلوك الأشخاص (المستهلكين وبالتالي المنتجين) سوف يظل حتى بعد انتهاء الجائحة. ولكن على الرغم من أن الاتجاه نحو التجارة الإلكترونية كان في تزايد بالفعل قبل تفشي الجائحة؛ إلا أن الجائحة أثرت في سرعة انتشار هذا النمط من التجارة. 

بناء على موقع “ستاتيستا” Statista، وموقع أوبرلو Oberlo؛ من المتوقّع أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية عالميًّا من 1.3 تريليون في عام 2014 إلى 4.5 تريليونات في عام 2021، وهذا يعني نموًّا بنسبة 346% على مدى 7 سنوات. وبناء على ماركت واتش MarketWatch، من المتوقع أن ترتفع معدلات انتشار التجارة الإلكترونية من 15% في 2020 إلى 25% في 2025.

سوق التجارة الإلكترونية في مصر

يشهد سوق التجارة الإلكترونية المصري ازدهارًا ملحوظًا، ومن المقرر أن يكون الأكبر في إفريقيا بفضل العدد الكبير من السكان مقارنة بباقي الدول، وزيادة معدلات انتشار الإنترنت بسرعة. وكدولة مرتبطة بالعالم العربي وإفريقيا، فإن مواقع التجارة الإلكترونية العربية مثل موقع “سوق”، والإفريقية مثل موقع “جوميا”، تحظى بشعبية في مصر، إلى جانب مواقع أخرى وسيطة مثل موقع “اشتريلي” الذي يتعامل مع تسليم المنتجات التي يتم طلبها من الأسواق العالمية، بما في ذلك “أمازون” و”إي باي”.

في عام 2017، نمت مبيعات التجارة الإلكترونية المصرية بنسبة 22% لتصل إلى 5 مليارات دولار أمريكي. ومع ذلك، فإنها لم تمثل سوى 0.4% من مبيعات التجزئة في البلاد في ذلك العام، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في عام 2018. وفيما يتعلق بمدى جاهزية التجارة الإلكترونية، جاءت مصر في ذلك العام أيضًا في الترتيب رقم 116 وفقًا لمؤشر التجارة الإلكترونية للأونكتاد. 

وفي العام نفسه أيضًا، دخلت الحكومة المصرية في شراكة مع الأونكتاد لتطوير استراتيجية جديدة تهدف إلى زيادة حصة التجارة الإلكترونية إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 2.32%، ومضاعفة عدد الشركات التي تبيع عبر الإنترنت (بلغت في عام 2017 حوالي 14725) بحلول عام 2020. ووفقًا لستاتيستا، فإن حوالي 17% من الشركات الكبيرة و3% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في عام 2017 تبيع عبر الإنترنت.

مبيعات التجارة الإلكترونية والعملاء

وفقًا لسوسايتي جينيرال، فإن عدد المتسوقين عبر الإنترنت يزداد بشكل مطرد في مصر، إذ ارتفع من 15.2 مليون في عام 2015 إلى 17.7 مليون في عام 2016، لكنه عدد قليل بالنسبة إلى عدد السكان. أيضًا هناك فرق كبير بين وصول سكان الحضر والريف إلى الأسواق عبر الإنترنت (70% من المتسوقين عبر الإنترنت في المناطق الحضرية). كما أن مستخدمي الإنترنت الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا هم أكثر المتسوقين نشاطًا عبر الإنترنت، ويمثلون نصف المستهلكين. ووفقًا للموقع ذاته، كانت الهواتف المحمولة هي المنتج الأكثر مبيعًا بين المتسوقين عبر الإنترنت في عام 2017 (61%)، تليها أجهزة الكمبيوتر المحمولة (37%) والملابس (34%). ولا يزال الدفع عند التسليم هو أكثر طرق الدفع شيوعًا، كما هو الحال في معظم الدول العربية الأخرى، حيث يمثل 70% من جميع المشتريات، تليها بطاقات الائتمان (16% من المشتريات). ولكن أحد التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية في السوق المصرية هو قلة عدد حاملي بطاقات الائتمان (حوالي 10 ملايين شخص). أيضًا من بين التحديات الأخرى قلة ثقة المستهلكين المصريين في التسوق عبر الإنترنت.

وقد تفوقت مصر على بقية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نمو مبيعات التجزئة عبر الإنترنت. وتوقعت شركة “البحث والأسواق” أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحلول عام 2022 بمقدار الضعف مقارنة بعام 2019. وبسبب جائحة “كوفيد-19″، وبسبب إغلاق تجار التجزئة الأبواب، ينتقل العديد من المستهلكين من الطريقة التقليدية للشراء إلى الطرق الحديثة مثل التجارة الإلكترونية. وحسب “سعيد أحمد ناجي”، المدير الإداري لوكالة Marketing Egypt للاستشارات الرقمية الرائدة في الشرق الأوسط، تضاعفت مبيعات التجارة الإلكترونية للتجار المصريين منذ 11 مارس؛ وهو اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن (كوفيد-19) جائحة عالمية. 

وبسبب الكساد في الشركات الناشئة -حيث لا تدخل الشركات الجديدة سوق العمل نتيجة للوباء- فإن الحل لهذه الأزمة هو التحول الرقمي والذهاب إلى التجارة الإلكترونية لبيع المنتجات والخدمات، وهو نوع التجارة الذي كان من المتوقع أن يشهد نموًّا بنسبة تزيد على 30% قبل حدوث الجائحة، وفقًا لتقرير سوق التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2019. أما بعد حدوث الجائحة فقد أصبحت صناعة التجارة الإلكترونية واحدة من أعلى القطاعات نموًّا وسط الجائحة، وتشهد نموًّا يتراوح بين 300% – 500%. وذكر منظمو قمة التجارة الإلكترونية في مصر أنه من المتوقع أن تبلغ قيمة المعاملات المالية الإلكترونية في مصر ملياري دولار، بما في ذلك عمليات الشراء عبر الإنترنت وحجوزات الفنادق وشركات الطيران.

وعلى الرغم من أن شركات الخدمات اللوجيستية عانت من خسائر بسبب إغلاق الأعمال؛ إلا أن النمو المطرد في التجارة الإلكترونية أثّر بلا شك على صناعة النقل والإمداد وساعد في الحد من الخسائر. ومع استمرار ارتفاع التجارة الإلكترونية، من المحتمل أن تحتاج الشركات إلى الاستمرار في تعديل نماذج الأعمال لاستيعاب خدمة التوصيل السريعة والمجانية التي يطلبها المستهلكون.

أيضًا، تتطور مصر كواحدة من الدول التجارية الرئيسية، وتخلق مجموعة واسعة من الفرص لمقدمي الخدمات اللوجستية. ومن المتوقع أن يتجاوز الإنفاق اللوجستي المصري 50 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2024. علاوة على ذلك، تهدف الحكومة إلى جعل البلاد مركزًا للإنتاج والتوزيع لخدمة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

مقالات وتحليلات

آن الأوان لإقرار قانون التجارب السريرية المصري

حتى هذه اللحظة، لا يوجد تشريع يُقنّن التجارب الطبية السريرية، أو ما يُعرف بالتجارب الإكلينيكية، في مصر. لكن مع اجتياح جائحة فيروس كورونا المستجد للعالم، وبدء الدول في إجراء التجارب السريرية للعلاجات المقترحة للفيروس؛ بدأت مصر هي الأخرى في إجراء تلك التجارب، وذلك بالاعتماد فقط على موافقة لجنة الأخلاقيات بوزارة البحث العلمي، وفي ظل غياب قانون التجارب السريرية الذي من شأنه حماية حقوق المتطوعين المشاركين في هذه التجارب، وذلك بسبب التأخّر في إدخال التعديلات اللازمة على هذا القانون، الذي كان قد أقرّه مجلس النواب في مايو 2018 ولم يُعتمد حتى الآن.

ما هي التجارب السريرية؟

يُمكن تعريف التجارب السريرية بأنها الدراسات الطبية التي تتم على متطوعين من البشر لتقييم سلامة وكفاءة أي تدخلات علاجية أو دوائية أو جراحية أو تشخيصية؛ بهدف التوصل إلى نتائج علمية وقائية أو تشخيصية أو علاجية للأمراض. وتُعد التجارب السريرية هي المرحلة الثالثة لتقييم أي تدخلات طبية بعد تجربتها معمليًا ثم على حيوانات التجارب. وتشترط هيئة الغذاء والدواء الأمريكية وجود ثلاث مراحل في التجارب السريرية قبل الموافقة على استخدام التدخل العلاجي، ومنحه الترخيص اللازم.

تُقيّم المرحلة الأولى من التجارب السريرية درجة أمان التدخل العلاجي، ويتم إجراء الاختبارات على مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة؛ لمعرفة تأثيرات الدواء على البشر، بما في ذلك التأثيرات العلاجية، والجرعات الآمنة من الدواء. ونظرًا لأن تجارب المرحلة الأولى تُجرَى على أشخاص أصحاء، فلا يحصل المشاركون في الدراسة على فوائد طبية مباشرة، ولكن فائدتها على صحة الآخرين تكون كبيرة. ويحصل المشاركون في المرحلة الأولى من التجارب السريرية على تعويض مالي لقاء مشاركتهم فيها، ويعتمد مقدار التعويض على الوقت المطلوب تخصيصه للمشاركة في التجربة، وطبيعة التدخل العلاجي الذي يتم اختباره.

إذا أظهرت نتائج المرحلة الأولى سلامة التدخل العلاجي يتم البدء في تجارب المرحلة الثانية، والتي تتم على مجموعة أكبر من الأشخاص المصابين بالمرض المُستهدف بالتدخل العلاجي. وتساعد تجارب هذه المرحلة على تحديد ما إذا كان استخدام الدواء آمنًا على المرضى. كما أنها تقدم فكرة أولية عن مدى فعالية التدخل العلاجي. 

في حال أظهرت نتائج اختبارات المرحلة الثانية أن التدخل العلاجي آمن وفعال، تبدأ اختبارات المرحلة الثالثة من التجارب السريرية. وخلال هذه المرحلة تُطبق التدخلات العلاجية على مجموعة أكبر من المرضى المصابين بالحالة المراد علاجها. وعادةً ما تجري مقارنة نتائج التدخل العلاجي في المرحلة الثالثة مع العلاج التقليدي، أو مع دواء وهمي أو ما يُعرف بـ”بلاسيبو”، أو كليهما.

تُشكّل التجارب الطبية السريرية التي تتم داخل الجامعات والمراكز والمعاهد البحثية -كجزء من رسائل الماجستير والدكتوراه- حوالي 97% من إجمالي التجارب السريرية التي تتم في مصر. وبسبب غياب التشريعات اللازمة لتقنين هذه التجارب، يُسمح للهيئات البحثية بإجراء التجارب بعد الحصول على موافقه لجان الأخلاقيات العلمية التابعة لها. أما بالنسبة لشركات الأدوية في مصر، فلا يوجد إطار واضح يُمكن تلك الشركات من إجراء الدراسات السريرية على المركبات الدوائية المُكتشفة حديثًا لبدء طرحها في السوق المصري، مع غياب الاستراتيجيات اللازمة للربط بين شركات الأدوية والجهات البحثية للاستفادة من التجارب السريرية.

استدعت تلك الفجوة بين البحث العلمي وصناعة الدواء؛ أن تسعى الدولة بشكل جاد لإقرار تشريع ينظّم التجارب السريرية، وخصوصًا لدورها المهم في تطوير الصناعات الدوائية الوطنية، وإمكانية البدء في تصنيع أدوية الأورام والأمصال واللقاحات بشكل محلي، وتقليل الاستيراد من الخارج. وبالفعل أعدت الحكومة مشروعًا لتقنين التجارب السريرية، واشترطت في مشروع القانون الجديد أن يتم الحصول على موافقة كتابية من المتطوعين المشاركين في التجربة قبل البدء فيها، كما أوضح المشروع كافة الحقوق والمسئوليات لكلٍّ من المتطوع والباحث لضمان الالتزام الكامل بالمعايير الأخلاقية خلال التجارب السريرية، وقدمت الحكومة هذا المشروع للبرلمان.

قانون التجارب السريرية في مصر

أقرّ مجلس النواب مشروع القانون المقدم من الحكومة في مايو 2018، ولكن الرئيس “عبدالفتاح السيسي” أعاد مشروع القانون إلى البرلمان مرة أخرى، بعد حالة الجدل الكبيرة التي أثارها التشريع، وإعلان أوساط علمية وطبية رفضها لمشروع القانون المقترح؛ وذلك لما انطوى عليه مشروع القانون من عرقلة للبحث العلمي. فتم انتقاد العديد من المواد بمشروع القانون، لا سيما المواد الخاصة بصلاحيات المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية (المسئول عن وضع السياسات العامة لإجراء البحوث الطبية ومتابعة تنفيذها)، وكذلك المواد الخاصة بالمسئوليات والعقوبات.

وفيما يلي أهم مواد القانون التي حظيت بالنقد:

1- المواد: 4، 5، 9، 11، 20، 22، التي اشترطت موافقة المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية، والهيئات القومية الرقابية، وجهاز المخابرات العامة، على بروتوكول البحث، وكذلك التفتيش عليه قبل إجرائه، وبعد استيفاء موافقة اللجنة المؤسسية في الجهة البحثية التي يجري فيها البحث. وقد رأى البعض أن هذا الشرط سيعطل إجراء التجارب السريرية في ظل الأعداد الكبيرة للبحوث سنويًّا، سواء الخاصة برسائل الماجستير أو الدكتوراه أو الأبحاث الحرة (حوالي 16000 بحث في العام الواحد).

2- المادة 8، والخاصة بأعضاء المجلس الأعلى للبحوث الطبية الإكلينيكية، حيث يتضمن تشكيل المجلس طبقًا للقانون أربعة ممثلين فقط يختارهم وزير التعليم العالي والبحث العلمي، من أصل 15 عضوًا في المجلس، على أن يتولى الأمانة العامة للمجلس رئيس الإدارة المركزية للبحوث الطبية بوزارة الصحة؛ مع العلم بأن عدد الأبحاث السريرية التي تُجريها وزارة الصحة لا تمثل إلا جزءًا ضئيلًا من إجمالي البحوث السريرية التي تُجرى سنويًا.

3- المادة 25، التي تنصّ على أن إرسال عينات بشرية إلى خارج جمهورية مصر العربية، سوف تترتب عليه عقوبات شديدة (السجن أو الغرامة) إلا في حالات الضرورة التي يصدر بها قرار بالموافقة من المجلس الأعلى بعد استطلاع رأي جهاز المخابرات العامة؛ الأمر الذي قد يصعب إجراء أي أبحاث مشتركة بين الجامعات والمراكز البحثية المصرية مع نظيراتها بالخارج، فضلًا عن أن إرسال العينات للخارج يُتيح فحصها باستخدام تقنيات وأجهزة متطورة غير متوفرة داخل مصر.

4- المواد من 28 وحتى 38، وهي المواد العقابية بمشروع القانون، التي لم تضع في اعتبارها ماهية الأبحاث العلمية، واعتبرت المخالفات متساوية في جميع أنواع التجارب السريرية بغض النظر عن طبيعة وتصميم البروتوكول البحثي؛ وهو ما يمكن أن يتسبب في ترهيب الباحثين وعزوفهم عن إجراء التجارب السريرية.

في ديسمبر 2018، تم تشكيل لجنة خاصة في البرلمان لتلقي كافة المقترحات بخصوص هذا القانون، وإعادة صياغة المواد محل الاعتراض؛ للوصول إلى أقصى درجة ممكنة من التوافق حول المواد الخلافية بين الجهات ذات الصلة بنطاق تطبيق مشروع القانون، ولكن اللجنة لم تنتهِ من تعديل مشروع القانون حتى الآن!

لماذا يجب إصدار القانون بشكل فوري؟

اليوم، نحن في حاجة ماسة لإصدار قانون التجارب السريرية، فهو السبيل الوحيد لخلق إطار تشريعي موحد قوي مدعوم بنظام رقابي فعال لإجراء هذه التجارب، ذلك أن جائحة كورونا المستجد أوضحت للعالم أجمع أن البحث العلمي هو الأساس من أجل حماية صحة الشعوب. ومُنذ أن اجتاح الفيروس العالم في ديسمبر الماضي، تسابقت المراكز البحثية الطبية في العالم لوضع بروتوكولات علاجية للفيروس. ووفقًا لموقع clinical trials التابع لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، يَبلغ إجمالي عدد التجارب السريرية التي تم إجراؤها عالميًّا لتقييم تلك العلاجات –وحتى كتابة هذا المقال- حوالي 1254 تجربة، أُجري منها 25 تجربة سريرية في الجامعات والمراكز البحثية المصرية، من أصل 35 تجربة نُفذت في القارة الإفريقية؛ أي إن مصر لديها الإمكانيات والقدرات العلمية اللازمة للمشاركة في مجال التجارب السريرية العالمية، ولكن تنقصها التشريعات اللازمة لوضعها على خريطة التجارب السريرية الدولية، خاصة أن الدول التي تشارك في تلك التجارب السريرية العالمية يكون لها الحق في الحصول على الأدوية المعالجة بأسعار أقل من الدول التي لم تشارك بها.

مقالات وتحليلات

أزمة كورونا: تحدٍّ جديد للمشروعات الصغيرة والمتوسطة

“تعتبر الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا هي الأسوأ على مستوى العالم منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تشير التوقعات إلى انكماش اقتصاد 170 دولة في جميع أنحاء العالم انكماشًا حادًا هذا العام. وسوف يتأثر الاقتصاد المصري كسائر اقتصاديات الدول الأخرى تأثرًا سلبيًّا، وبالأخص القطاعات الهشة التي تتأثر بصورة مباشرة وكبيرة بالأزمات، مثل: البورصة، وقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة”، هكذا قالت “ريم السعدي”، المدير الإقليمي لبرنامج المشروعات الصغيرة والمتوسطة في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بشأن تأثير تفشي وباء كورونا على قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي يعتبر من العوامل المحورية في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الاقتصادات الناشئة، حيث يلعب دورًا فاعلًا في توفير فرص العمل، واستيعاب عدد كبير من العاطلين والباحثين عن وظائف مناسبة. ويعمل بالشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر من 75% من العمالة المصرية، ولذا فهي تُعد أكبر موظِّف للعمالة في مصر.

وانطلاقًا من أهمية هذا القطاع للاقتصاد المصري، ومن تأثير هذا الفيروس المستجد على كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية؛ يعرض هذا المقال لأهم آثار انتشار المرض على هذا القطاع، وكيف قدمت الحكومة المصرية ومنظمات المجتمع المدني يد العون لمساعدته في تجاوز هذه الأزمة، مع تقديم أهم التوقعات حول مستقبل الشركات الصغيرة والمتوسطة بعد انتهاء الأزمة.

أولًا- تداعيات انتشار فيروس كورونا على قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة

هناك مجموعة من المعايير المحددة والدقيقة حتى يمكن تصنيف مشروع ما ضمن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تضم المشروعات الصغيرة كل مشروع يبلغ حجم أعماله السنوية ما يتراوح بين مليون جنيه وحتى 5 ملايين جنيه، أما المشروعات المتوسطة فتتضمن كل مشروع يبلغ حجم أعماله السنوية 50 مليون جنيه ولا يتجاوز 200 مليون جنيه. انطلاقًا من هذا التعريف، يمكن الاستدلال على حجم تأثير تفشي الفيروس والإجراءات الاحترازية المتبعة للحد من انتشاره على أعمال هذا القطاع الذي يتسم بحجم صغير نسبيًا من رؤوس الأموال.

تعاني المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الاضطرابات المفاجئة التي تعرّض لها السوق بفعل انتشار فيروس كورونا، مع انخفاض معدلات التجارة الداخلية والخارجية، وتراجع نشاط البيع والشراء. ومن المرجّح أن تتعرض تلك الشركات لنقص وعجز في السيولة النقدية خلال الفترات المقبلة بضغطٍ من هبوط حجم المبيعات الناتج عن خسارة العملاء، وهو الأمر الذي يجعلها تواجه صعوبة في الوفاء بالالتزمات المالية ودفع الرواتب بانتظام من أجل حماية حقوق العمال والموظفين واستمرار النشاط الاقتصادي، ولهذا تزيد احتمالات أن تضطر هذه الشركات إلى تسريح عدد كبير من قوتها العاملة لكي تخفض من حجم التكاليف. وفي الحالات القصوى، ومع استمرار قرار حظر التجوال لفترة أطول، من المتوقع أن تلجأ بعض الشركات إلى إعلان إفلاسها في حالة عدم قدرتها على تجاوز تداعيات الأزمة. وحذر بعض الخبراء الاقتصاديين من خطورة امتلاك الشركات الصغيرة والمتوسطة احتياطات مالية محدودة يُمكنها أن تنتهي في غضون شهرين فقط، وبعد ذلك ستُفلس الشركات بسبب اعتمادها على تلك الاحتياطات في دفع الرواتب وتغطية التكاليف الأخرى، وذلك بالتوازي مع انقطاع مصادر الدخل المتجددة، وانخفاض الإيرادات والتدفقات النقدية بما يصل إلى النصف مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي في ظل خفض عدد ساعات العمل، وبقاء عدد كبير من الموظفين في منازلهم خوفًا من الإصابة بالعدوى.

وعبّر عدد لا بأس به من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة -خاصة تلك العاملة في مجالات مثل: التسويق الإلكتروني، وتوصيل الطعام والتجارة بالتجزئة- عن امتعاضهم بشأن تأثير الفيروس سلبًا على أعمالهم، وذلك بسبب انخفاض عدد العملاء المترددين على تلك المتاجر، وكذلك تراجع عدد الأشخاص الذين يطلبون طعامًا من خارج المنزل خشية انتقال المرض عبر الشخص القائم بأعمال التوصيل.

ثانيًا- إجراءات مساندة الشركات الصغيرة والمتوسطة

لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي أمام وقوع الشركات الصغيرة والمتوسطة تحت وطأة ضغوط فيروس كورونا، ولهذا قدمت العديد من الإجراءات التحفيزية التي تمثلت في تأجيل مدفوعات الضرائب، والمساعدة في تغطية نسبة من أجور العاملين، مع دعم القطاعات المتضررة عن طريق توفير السيولة والائتمان، وتخفيف الأعباء عن الشركات العاملة في هذه القطاعات. ويُمكن تقسيم هذه الجهود وفقًا للجهة المسئولة على النحو الآتي.

1- البنك المركزي

يُعد البنك المركزي المصري من أكثر الجهات الداعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وفي هذا الإطار، قَرر في السادس والعشرين من مارس تأجيل أقساط قروض الشركات الصغيرة والمتوسطة لمدة ستة أشهر لتخفيف حدة تداعيات فيروس كورونا. كما أصدر تعليمات للبنوك تتضمن إجراءات استثنائية كتأجيل الاستحقاقات الائتمانية للشركات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وتعليق غرامات تأخر السداد مع إلغاء الرسوم والعمولات على عمليات نقاط البيع والسحب من الصرافات الآلية والمحافظ الإلكترونية خلال المدة نفسها.

علاوة على ذلك، أعلن “طارق عامر”، محافظ المركزي المصري، أن البنك يخطط لتجديد مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة –التي تُلزم البنوك المحلية بتوجيه ما لا يقل عن 20٪ من محافظ قروضها إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة- لمدة أربع سنوات أخرى، أي حتى عام 2024. وقد ساهمت هذه المبادرة حتى بداية العام الجاري في ضخ 160 مليار جنيه لتمويل 86 ألف شركة صغيرة ومتوسطة. وأخيرًا، حدّد البنك المركزي معدلات إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة عند مستويات منخفضة تتراوح بين 5% إلى 12% وفقًا لحجم الشركة.

2- لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بجمعية رجال الأعمال

جمعية رجال الأعمال هي إحدى الجهات المعنية بتعزيز مكانة المشروعات الصغيرة والمتوسطة داخل المجتمع المصري، ولهذا فهي تبحث دائمًا عن أفضل السبل الممكنة لمساعدة تلك المشروعات. وفي ظل الظروف الراهنة، تدرس لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التابعة للجمعية إمكانية دعم الجمعيات المعنية بتمويل متناهي الصغر عبر تأجيل الأقساط لبعض الشركات التي تواجه مشاكل مالية تتعلق بالسيولة النقدية. كما ساعدت الجمعية في خلق فرص استثمارية جديدة بمجالات تصنيع أقنعة الوجه والقفازات الطبية، وذلك انطلاقًا من فكرة استغلال زيادة الطلب على منتجات بعض القطاعات بعينها دون الأخرى خلال فترة الأزمات، مثل الصناعات الغذائية والمستلزمات الطبية.

3- جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر

استمرّ جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في تقديم الدعم اللازم لجميع الشركات الممولة من خلاله حتى تنتهي أزمة كورونا وتتلاشى آثارها الاقتصادية السلبية. كما قرّر الجهاز تمديد فترة سداد القروض الممنوحة لأي مشروع تضرر أو واجه عقبات أدت لإغلاقه أو تراجعت إنتاجيته لمدة ثلاثة شهور دون فرض أي فوائد أو غرامات. كما ساعد الجهاز في توفير منتجات التعقيم والمسلتزمات الطبية لسد احتياج تلك المشروعات. 

وإلى جانب ما سبق، قدم الجهاز في السابع من أبريل مبادرة جديدة لدعم كافة المشروعات الصغيرة المتضررة من الفيروس، تمثّلت في توفير قرض بقيمة مليون جنيه لهذه الشركات ضمن جهود الاستجابة لمساندة تلك المشروعات.

ثالثًا- ماذا بعد انتهاء الأزمة؟

سيجبر فيروس كورونا الشركات الصغيرة والمتوسطة على اتخاذ مسارات مستقبلية بديلة بعيدة عن الطرق التقليدية المتعارف عليها، وذلك في حالة قدرتها على الاستمرار في أعمالها رغم كل التأثيرات السلبية سالفة الذكر. وتتمثل تلك البدائل الموجودة أمامها في تعزيز مساعيها للعمل على حماية أعمالها من أي أزمات أو صدمات مستقبلية، مثل: زيادة الاحتياطات النقدية المتواجدة لديها، أو تقليص حجم النفقات قدر الإمكان، مع الاعتماد على فكرة العمل عن بعد كي لا تتأثر فيما بعد إذا واجهت مثل هذه الظروف مرة أخرى، فضلًا عن تطبيق وسائل تقنية حديثة للتخفيف من الآثار السلبية للأمراض والأوبئة والاهتزازات السوقية العنيفة.

كما يتطلب استئناف نمو قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بعد انتهاء جائحة كورونا العديد من الإجراءات، ومن أهمها: التوسع في إنشاء الشركات الداعمة للقطاع مثل شركات التأجير التمويلي، مع تشييد جهاز بحثي من أجل استكشاف الفرص الاستثمارية الجديدة في السوقين المحلي والخارجي، وتطوير منصة معلوماتية لشركات الصناعات التكميلية وإعطائها الأولوية في التمويل بهدف توفير احتياجات الصناعات الوطنية من مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والتي تأثرت بتوقف سلاسل التوريد العالمية، هذا بالإضافة إلى ابتكار طرق جديدة لتسويق المنتجات بشكل غير تقليدي.

مقالات وتحليلات

السياحة المصرية: التطلع إلى ما بعد كورونا

خلال السنوات الماضية استطاع القطاع السياحي أن يتجاوز أكبر أزمة شهدها في تاريخه، تلك الأزمة التي بدأت مع اندلاع الفوضى السياسية والأمنية في عموم البلاد بعد بداية أحداث 25 يناير، ليغرق القطاع على إثرها في انتكاسات متتابعة أدت إلى خسارته ما يقرب من 35 مليار دولار، وذلك في الفترة (2011-2016). وقد كانت ذروة تلك الأزمة في عام 2016، بعد الحادث الأليم لسقوط الطائرة الروسية “متروجيت 9268″؛ إذ لم يُحقق قطاع السياحة في هذا العام سوى 2.64 مليار دولار (انظر شكل رقم 1). لكن السياحة المصرية أثبتت صلابةً غير متوقعة، حيث تمكنت من التعافي والصعود مرة أخرى في عام 2017، حيث حقق القطاع في هذا العام 7.7 مليارات دولار من الإيرادات السياحية، واستقبال 8.29 ملايين سائح في ذلك العام. وهذا النجاح غير المتوقع دفع منظمة السياحة العالمية لتسجيل مصر رسميًّا على أنها رائدة النمو السياحي في منطقة الشرق الأوسط لعام 2017.

استمرت النجاحات خلال الأعوام اللاحقة وصولًا إلى عام 2019 الذي شهد استقبال مصر قرابة 13 مليون سائح، فيما تخطت الإيرادات المُحققة من السياحة في هذا العام حاجز 13 مليار دولار، ليسجل القطاع السياحي المصري بذلك أعلى إيرادات في تاريخه، والتي تجاوزت لأول مرة إيرادات عام 2010 التي بلغت في حينها 12.52 مليار دولار.

كيف تحققت الطفرة في قطاع السياحة؟

تلك النجاحات التي حققها القطاع السياحي على مدار ثلاث سنوات، لم تكن وليدة الفراغ، فهناك عوامل عديدة ساهمت في ذلك، نناقشها فيما يلي.

1- التعافي السياسي والأمني في البلاد

بعد ثورة الثلاثين من يونيو في عام 2013، شهدت مصر مرحلة انتقالية بقيادة الرئيس “عدلي منصور”، الذي في عهده توافق المصريون على تعديل الدستور، لتتم في مايو من عام 2014 انتخابات رئاسة الجمهورية التي بمقتضاها تسلم الرئيس “عبدالفتاح السيسي” السلطة، ليتم استكمال العملية السياسية من بعد ذلك بانتخاب الشعب لنوابه في أواخر أكتوبر من عام 2015. ووسط زخم تلك الأحداث السياسية كانت المجهودات الأمنية تسير على الأرض بكل حزم، من أجل تحييد الإرهاب الذي حاولت جماعة الإخوان الإرهابية وحلفاؤها نشره داخل البلاد. ويوضح الشكل رقم 2 تراجع عدد الهجمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في عامي 2017 و2018. وقد كان هذا التعافي السياسي والأمني بالغ الأثر في طمأنة السائحين الراغبين في القدوم إلى مصر، وهو ما مثّل عاملاً لتشجيع الحركة السياحية.

2- التسويق الجيد للسياحة في مصر

في مطلع عام 2018، وضعت وزارة السياحة استراتيجية ترويجية قائمة بالأساس على حملتين إعلاميتين. جاءت الحملة الأولى تحت شعار “التسويق بالوجهة السياحية” Branding by destination، وجاءت الثانية تحت شعار “من الشعوب إلى الشعوب” people to people. وقد قامت الوزارة بتنويع مجهودات الدعاية بين هاتين الحملتين، وذلك لاستهداف أكبر عدد من المتابعين حول العالم. فبينما قامت الحملة الأولى بإبراز جمال وثراء المواقع السياحية والأثرية في كل أنحاء البلاد، ركزت الثانية على عرض ثقافة وإبداعات المجتمع المصري لمحبي التراث حول العالم.

ويُعزَى الفضل في نجاح هاتين الحملتين إلى التعاون الذي أقامته الوزارة مع بعض الكيانات الإعلامية الدولية المرموقة، التي كان من بينها شبكات إخبارية ومجلات متخصصة في الدعاية السياحة، وأيضًا قنوات عاملة في تصوير وعرض المواد الوثائقية، حيث نفذت تلك الكيانات الإعلامية خططًا ناجحة لعرض الحملتين الإعلاميتين أمام المشاهدين في كل مكان حول العالم.

وبينما ركزت الوزارة على تدشين حملات إعلامية ناجحة للدعاية للمقصد السياحي المصري، فقد حرصت أيضًا على الترويج للسياحة في مصر عن طريق وسائل أخرى، مثل المشاركة في عدد من المعارض والملتقيات الدولية المتخصصة في الترويج السياحي، حيث قُدرت مشاركات مصر في تلك المعارض في عام 2019 وحده بأكثر من عشرة معارض عالمية، لتفوز في أحدها -وهو معرض Leisure المقام بالعاصمة موسكو في سبتمبر الماضي- بجائزة المشاركة المميزة. كما شاركت وزارة السياحة في العام ذاته بعدد آخر من المنتديات الاقتصادية الدولية، وذلك لعرض التطور التي شهده القطاع السياحي في مصر أمام صنّاع القرار ورجال الأعمال حول العالم.

3- تحفيز الاستثمارات السياحية والفندقية

قامت أجهزة الدولة منذ عام 2017 باتخاذ عدد من الخطوات لدعم وتحفيز الاستثمارات السياحية والفندقية في البلاد. وكان في مقدمة هذه المبادرات تلك التي أطلقها البنك المركزي في فبراير 2017، لتمويل عمليات التجديد التي تحتاجها المنشآت الفندقية وأساطيل السيارات السياحية، حيث خصص المركزي في حينها لتلك المبادرة مبلغ 5 مليارات جنيه. وعاد البنك في مطلع العام الحالي 2020، ليطلق نسخة جديدة من هذه المبادرة، حيث خصص هذه المرة 50 مليار جنيه لشركات السياحة.[1]

وفى خطوة أخرى لدعم الاستثمارات الفندقية، توصلت وزارتا السياحة والمالية في عام 2018 إلى عقد برتوكول تعاون لحل مشكلة الضريبة العقارية على المنشآت الفندقية، وهي المشكلة التي ظلت عالقة أمام المستثمرين السياحيين لأكثر من 9 سنوات منذ صدور قانون الضريبة العقارية في عام 2008. واستكمالًا لمجهودات دعم القطاع الفندقي، قامت وزارة السياحة في عام 2019 بتحديث معايير تصنيف الفنادق في مصر، ليتم لأول مرة منذ 14 عامًا إدراج فئات جديدة من محال الإقامة السياحية، مثل الشقق الفندقية والفنادق البيئية والذهبيات، وذلك لكي يواكب القطاع الفندقي التطورات التي تجري في مجال الخدمة الفندقية على مستوى العالم. وقد كُلل نجاح هذا المشروع بإصدار القانون رقم 670 الخاص بالقواعد الجديدة لتصنيف المنشآت الفندقية.

4- برنامج تحفيز الطيران

سعت وزارة السياحة للاستفادة من برنامج تحفيز الطيران في دفع عجلة السياحة بمصر، وذلك بتشجيع شركات النقل الجوي على توجيه أكبر عدد ممكن من رحلاتها نحو المقاصد السياحية المصرية. فمنذ عام 2018 أخذت الوزارة في انتهاج سياسات جديدة أدت للمساواة بين الطيران العارض charter والطيران المنتظم في استفادتهم من المكافآت المالية التي يرصدها البرنامج، لكنها -في الوقت ذاته- اشترطت على الخطوط الجوية المستفيدة من مكافآت برنامج التحفيز الهبوط في مقاصد سياحية محددة داخل البلاد، خاصة في محافظتي البحر الأحمر وجنوب سيناء، وذلك لدفع الحركة السياحية بتلك المقاصد. ولقد أثبتت إحصاءات وزارة السياحة نجاح هذا الأسلوب الجديد في إدارة برنامج تحفيز الطيران، حيث ارتفعت أعداد السائحين الوافدين إلى مصر على متن الرحلات الجوية المشمولة بالبرنامج المذكور، لتصل إلى 4.5 ملايين سائح في عام 2018، وذلك بعد أن كانت 3.2 ملايين سائح فقط في عام 2017.

5- جودة الخدمة المقدمة للسائح

لرفع مستوى الخدمة المقدمة للسائحين في كافة المقاصد المصرية، حرصت الوزارة في عام 2018 على وضع استراتيجية لتأهيل وتنمية المورد البشري بالقطاع السياحي، وذلك بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، حيث بدأت الوزارة في مشروع تدريبي لمختلف الفئات العاملة بالسياحة، مثل المرشدين السياحين، وعمالة الفنادق، والأنشطة الترفيهية، بالإضافة لمندوبي الشركات وقائدي السيارات السياحية. وقد مكنت تلك الاستراتيجية من توفير التدريب لأكثر من 12200 موظف بالقطاع الخاص من العاملين بالسياحة، وذلك على مدار عامي 2018 و2019. ومن المخطط أن تستكمل الوزارة تلك الاستراتيجية حتى عام 2023، وذلك لكى يحصل كافة العاملين في القطاع السياحي على التدريب المناسب لوظائفهم.

متغيرات طرأت على القطاع السياحي في عام 2020

حتى أواخر عام 2019، كانت مؤشرات السياحة المصرية تتقدم بشكلٍ متنامٍ. وقد كان لهذا التقدم دور رئيسي في دفع منظمة السياحة العالمية إلى إصدار توقعاتها بأن مصر ستشهد خلال عام 2020 نموًّا في أعداد السياح الوافدين بنسبة تزيد على 20%[2]، أي إن مصر كانت تستعد لاستضافة أكثر من 16 مليون سائح. وقد عزز من تلك التوقعات قرب افتتاحات عدد من المنشآت التراثية المهمة، كالمتحف المصري الجديد ومتحف الحضارة. هذه التوقعات المتفائلة شجعت الحكومة المصرية على اتخاذ قرارها بدمج وزارتي السياحة والآثار في نهاية عام 2019، حيث كان الهدف من هذا القرار هو تعظيم فرص الاستفادة من موارد مصر السياحية والأثرية، مما يعود بالزيادة على الإيرادات السياحية المحققة.

وقد سعت وزارة السياحة والآثار إلى تحقيق هدف ورؤية الحكومة منذ اليوم الأول، فرسمت خططها لإنهاء أكبر عدد من المشروعات الجارية في كل من القطاعين السياحي والأثري، وذلك قبيل الموسم السياحي الشتوي 2020-2021. كما بذلت الوزارة مجهوداتها لحل عدد من المعوقات التي تواجه عمل القطاعين. فكانت أولى نتائج تلك المجهودات التي بذلتها الوزارة خلال شهري يناير وفبراير، هي الانتهاء من تطوير وترميم 7 مشروعات أثرية من أصل 26 مشروعًا كان مقررًا استكمالها قبيل نهاية العام الجاري، فيما يجري العمل على بقية المشروعات، وذلك على الرغم من الأزمة الناتجة عن وباء (covid-19).

1- أزمة عالمية طارئة وتعامل مصري ناجع

وضع وباء كورونا المستجد صناعة السياحة حول العالم في أزمة كبيرة، فمع إغلاق حركة الطيران في أغلب دول العالم، وانتشار المرض في عدد من الدول الكبرى، أخذ الطلب على السياحة في الهبوط إلى ما يقرب من الصفر. ولم تكن مصر بمنأى عن تلك الأزمة، فمنذ شهر فبراير الماضي لوحظ انخفاض متزايد في أعداد الحجوزات المستقبلية لدى الوكالات السياحية والفنادق، حيث تم تسجيل عمليات إلغاء لكافة الحجوزات في شهري مارس وأبريل. كما لوحظ إلغاء متزايد في حجوزات الأشهر اللاحقة.

في هذا الإطار، اتخذت وزارة السياحة والآثار عددًا من الإجراءات الصارمة التي ألزمت بمقتضاها جميع المنشآت السياحية بالإبلاغ عن أي حالة مصابة بالمرض، كما قامت الوزارة بالتعاون مع غرفة المنشآت الفندقية بعمل برنامج تدريبي عاجل لكافة العاملين بالفنادق حول كيفية التعامل مع أعراض فيروس كورونا وأيضًا الحالات المصابة بهذا المرض. لكن مع ملاحظة التصاعد في أعداد المصابين بالوباء داخل عدد من الدول السياحية الكبرى، اتجهت الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، حيث تم تعليق حركة الطيران الدولي في كافة أنحاء البلاد ابتداء من يوم 19 مارس الماضي. على إثر هذا القرار أعلن المجلس الأعلى للآثار غلق جميع المزارات الأثرية والمتحفية أمام الجمهور ابتداء من 23 مارس الفائت. كما أعلن المجلس البدء في حملة شاملة لتعقيم وتطهير تلك المزارات. وقامت المنشآت الفندقية بإجراء مماثل، حيث قامت كافة الفنادق على مستوى الجمهورية بتعقيم منشآتها.

2- أجهزة الدولة تتكاتف لتخفف الأزمة عن القطاع السياحي

كان لوباء كورونا أثر سلبي على قطاع السياحة في مصر، فحركة السفر المتوقفة في كل أنحاء العالم أدت إلى شلل القطاع الذي بدأ في التعافي حديثًا، مما دفع مختلفَ أجهزة الدولة للتكاتف من أجل مساندة القطاع، حتى يتمكن من عبور الأزمة بسلام ويعاود العمل سريعًا فور انحسار الوباء العالمي. ونرصد فيما يلي أهم الإجراءات التي أعلنتها الدولة للتخفيف من آثار الأزمة على قطاع السياحة.

– قررت رئاسة الوزراء في 17 مارس الماضي تأجيل سداد الضريبة العقارية على المنشآت السياحية لمدة 3 أشهر، كما سمحت بتقسيط الضرائب العقارية المتأخرة على تلك المنشآت على دفعات بعد انحسار الوباء على 6 أشهر.

– أعلن صندوق الطوارئ بوزارة القوى العاملة في 30 مارس موافقته على طلب وزارة السياحة واتحاد الغرف السياحية لتقديم إعانات مالية لكافة العاملين بالمنشآت السياحية التي اضطرت إلى الإغلاق بسبب تداعيات الوباء.

– أعفى المجلس الأعلى للآثار في الأول من أبريل كافة البازارات والمطاعم الموجودة في المواقع الأثرية والمتاحف من دفع القيم الإيجارية إلى حين انحسار أزمة الوباء.

– قرر الرئيس “عبدالفتاح السيسي”، في 7 أبريل، إسقاط الضريبة العقارية عن كافة المنشآت السياحية والفندقية لمدة 6 أشهر قادمة، وإرجاء تسديد الضرائب المتراكمة على المنشآت لمدة ثلاثة أشهر بدون أي غرامات أو عقوبات تأخير.

– وجه البنك المركزي بإتاحة جزء من أموال مبادرة دعم المنشآت الفندقية والسياحية التي أُطلقت في مطلع العام الجاري لدفع رواتب العمالة القائمة لدى هذه المنشآت، فضلًا عن تغطية مصاريفها التشغيلية.

خلاصة القول، لقد عانى القطاع السياحي في مصر خلال العقد الماضي من أزمات متتالية دفعت بالكثيرين إلى الاعتقاد بأنه لن يتعافى منها مرة أخرى، لكن القطاع تمكن من إثبات عكس ذلك، وعاد لحالته الطبيعية في أقل من ثلاث سنوات. ويدفعنا ذلك إلى التأكيد على أن قطاع السياحة سيعود بعد أزمة كورونا أقوى مما كان عليه من قبل، خاصة أن الدولة تُولي اهتمامًا كبيرًا لدعمه في خضم تلك الأزمة العالمية، وعلينا أن نستعد من الآن لمستقبل سياحي واعد.

المصادر:

[1]  الكتاب الدوري لمبادرة البنك المركزي لدعم القطاع السياحي للأعوام 2017 و2020.

[2] راجع الرابط التالي:

URL: https://www.e-unwto.org/doi/pdf/10.18111/wtobarometereng.2020.18.1.1

مقالات وتحليلات

الموازنة العامة الجديدة 2020/2021 في ظل أزمة كورونا المستجد

كشفت الحكومة المصرية عن ملامح الموازنة العامة للعام المالي الجديد 2020/2021، الذي سيبدأ في الأول من يوليو المقبل 2020. وعبّرت مخصصات الموازنة الجديدة عن توجهات الحكومة المصرية في مواجهة فيروس كورونا المتفشي عالميًّا. 

ونظرًا لما أثاره مشروع الموازنة الجديد من جدل واسع حول ما تضمنه من مؤشرات اقتصادية مستهدفة وتوقعات بشأن هيكل المصروفات والإيرادات، ومدى ملاءمة هذه المؤشرات للظروف الحالية عالميًّا ومحليًّا تأثرًا بانتشار فيروس كورونا المستجد، وأيضًا لأهمية التخطيط المالي ومدى مساهمته في تقديم المساعدة لاتخاذ القرارات المناسبة أثناء وقت الأزمة، مما يؤدي إلى تحقيق المستهدفات التنموية الخاصة بالاقتصاد المحلي؛ يحاول هذا المقال الإجابة عن تساؤل مهم في الوقت الراهن، وهو: هل أثرت أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد عالميًّا على الموازنة المصرية للعام المالي الجديد 2020/2021؟ 

1- المصروفات

بلغ إجمالي المصروفات المقدرة لموازنة 2020/2021 نحو 1.7 تريليون جنيه، بارتفاع قدره 126 مليون جنيه تقريبًا مقارنة بموازنة العام الحالي. وتقدر الأجور وتعويضات العاملين -التي تحتل دائمًا المركز الأول في النصيب الأكبر من المصروفات- بنحو 335 مليار جنيه، بزيادة قدرها 34 مليار جنيه عن العام المالي الحالي، أي بنسبة 11.3% لصرف العلاوات الدورية والحافز الإضافي، مع زيادة بنسبة 75% في بدل المهن الطبية الذي سيصرف للأطباء وهيئات التمريض.

وبلغت مخصصات قطاع الصحة في الموازنة الجديدة نحو 96 مليار جنيه، بزيادة قدرها 24 مليار جنيه عن العام المالي الحالي، كما زادت مخصصات قطاع التعليم والبحث العلمي بنحو 55 مليار جنيه.

وبلغت الاعتمادات المخصصة للسلع والخدمات نحو 100 مليار جنيه، والدعم بنحو 326 مليار جنيه، حيث زادت مخصصات دعم الإسكان الاجتماعي إلى نحو 5.7 مليارات جنيه مقارنة بـ3.9 مليارات جنيه للعام الحالي، وذلك لتوسيع قاعدة المستفيدين من وحدات الإسكان الاجتماعي. وذلك بالإضافة إلى زيادة المخصصات المالية المقررة لمساندة الصادرات بنحو مليار جنيه مقارنة بالعام الحالي لتصبح 7 مليارات جنيه. 

2- الإيرادات

بلغ إجمالي الإيرادات المقدرة نحو 1.3 تريليون جنيه، مقارنة بنحو 1.134 تريليون جنيه للعام الحالي، أي بزيادة قدرها 200 مليار جنيه تقريبًا. وتسعى الحكومة في الموازنة الجديدة لتحصيل ضرائب -باعتبارها الركيزة الأساسية للإيرادات العامة للدولة- بقيمة تبلغ 1.03 تريليون جنيه بزيادة تبلغ 173 مليار جنيه عن العام المالي الحالي. كما تستهدف الموازنة أيضًا تحصيل 3.842 مليارات جنيه في صورة منح بزيادة تبلغ 37 مليون جنيه عن العام المالي الجاري، بالإضافة لإيرادات أخرى بـنحو 217.54 مليار جنيه.

وعلى مستوى الإيرادات المتوقعة في مشروع الموازنة، تجدر الإشارة إلى أنه في ظل السيناريوهات الأقل تشاؤمًا للأزمة الحالية تذهب توقعات “المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية IFPRI” إلى أنه في حال استمرار أزمة تفشي الفيروس عالميًّا من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر فسوف تتأثر جميع البلدان في جميع أنحاء العالم، مع تباطؤ التجارة العالمية بشكل كبير خلال الأشهر المقبلة. وبالتالي قد تنخفض عائدات قناة السويس بنسبة 10%، كما يتوقع أن ينخفض حجم التحويلات المالية للسنة المالية 2019/2020 بنسبة 10% أيضًا، وهو ما يماثل الانخفاض في التحويلات المالية في أعقاب الأزمة المالية في 2008. 

ووفقًا للسيناريو ذاته، يتوقع المعهد خسارة الأسر الريفية الفقيرة في مصر ما بين 104 و130 جنيهًا مصريًّا للشخص الواحد في الشهر، أو ما بين 11.5 و14.4 في المائة من متوسط دخل هذه الأسر، بينما تشهد الأسر الفقيرة في المناطق الحضرية انخفاضًا في دخلها ما بين 80 و94 جنيهًا مصريًّا للفرد الواحد في الشهر، أو ما بين 9.7 و11.5 في المائة من متوسط دخلها. كما يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاض دخل الفرد عالميًّا على مستوى 170 دولة. 

3- العجز الكلي

عند إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة للعام الجديد، تم استخدام متوسط سعر الصرف السائد في السوق خلال الفترة من أول يناير حتى نهاية مارس 2020، وكذلك سعر برميل البترول عند 61 دولارًا، مقارنة بالسعر المعتمد عند 68 دولارًا في الموازنة الحالية. وتعد أسعار البترول العالمية حاليًّا أقل بكثير من تلك التوقعات، إذ يتداول خام برنت عند مستوى أعلى قليلًا من 30 دولارًا. وتبرر وزارة المالية ذلك بأن سعر البترول المرتفع المعتمد في الموازنة مقارنة بالأسعار الفعلية حاليًّا يأتي للتحوط ضد أي زيادات محتملة في سوق النفط العالمية. كما تستهدف الموازنة تخفيض نسبة العجز الكلي للناتج المحلي إلى 6.3%، وتحقيق فائض أولي بنسبة 2% (أي زيادة الإيرادات عن النفقات قبل حساب قيمة فوائد الدين العام). كما خفضت الحكومة معدل النمو المستهدف في الموازنة الجديدة إلى 3.5% حال استمرار الأزمة حتى منتصف العام المقبل. وتحقيق معدل نمو اقتصادي قدره 4.5% خلال العام المالي القادم.

وحول الاستثمارات الكلية، من المتوقع انخفاض حجم الاستثمارات الخاصة مما سيؤثر بدوره في حجم الاستثمارات الكلية، وفي حال استمرار الأزمة حتى منتصف العام المالي المقبل، تنخفض الاستثمارات الكلية من 960 مليار جنيه إلى 740 مليار جنيه، بانخفاض قدره 220 مليار جنيه بما يوازي 23%.

4- الدين العام 

بحسب مشروع الموازنة الجديد، فإنه من المستهدف خفض معدل الدين العام كنسبة من الناتج المحلي ليصل إلى 82.7% مقارنة بـنسبة مستهدفة وصلت إلى 89% للعام الحالي، وهو ما يتوافق ويتطلب تحقيق فائض أولي نسبته 2% من الناتج خلال العام المقبل. كما تستهدف الموازنة خفض معدل العجز الكلي ليصل إلى 6.3% من الناتج المحلي.ختامًا، يمكن القول إن الموازنة المصرية بها بعض البنود التي تأثرت تأثرًا كبيرًا بتفشي فيروس كورونا مما أدى لتعديل هذه البنود، كمخصصات الصحة والدعم والأجور، ولكن يبقى التحدي الأكبر هو ليس تخصيص مبلغ أكبر فقط، وإنما الكيفية التي سيتم استخدام وتوزيع هذا المبلغ بها حتى تتحقق الغاية المرجوة منه.

مقالات وتحليلات

استكمال المناهج في العام المقبل يحتاج قرارات أكثر جذرية

اتخذت وزارة التربية والتعليم عددًا من الإجراءات ضمن الخطة الشاملة للحد من انتشار فيروس كورونا، والذي أثر على الدراسة بالنسبة لتسعين بالمائة من الطلاب حول العالم. كانت البداية بتعليق الدراسة لمدة أسبوعين منذ منتصف مارس الماضي، ثم تبع هذا القرار حزمة من الإجراءات التي تؤكد استكمال الفصل الدراسي الثاني بنظام التعليم عن بعد، سواء عن طريق بنك المعرفة المصري أو القنوات التعليمية. وفيما يخص اختبارات نهاية العام، قررت الوزارة أن يقدم تلاميذ الصفوف من الثالث الابتدائي وحتى الثالث الإعدادي “مشاريع” أو “بحوثًا” يتحدد بناءً عليها نجاح الطالب وانتقاله للمرحلة التالية. أما الصف الثالث الثانوي، فقد تقرر أن تتم الاختبارات بالشكل التقليدي في مواعيدها دون تعديل. وبالنسبة لطلاب الصفين الأول والثاني الثانوي، فسوف يؤدون الاختبارات من المنزل في “بنك المعرفة المصري”. لكن في ظل التطورات المتسارعة، قررت الوزارة ما يلي: 

1- أن يتم الاكتفاء بما درسه الطالب في الفصل الدراسي الثاني حتى يوم 15 مارس 2020 (بداية تعليق الدراسة)، وسيتم مراعاة ذلك في المشروع البحثي. 

2- استكمال أجزاء المناهج المتبقية (والتي كان من المقرر تدريسها بعد تعليق الدراسة لجميع المراحل التعليمية) في العام الدراسي التالي. أما بالنسبة لطلبة الصف الثالث الثانوي فقد تم الاتفاق مع وزارة التعليم العالي على أن يتم تدريسها في السنة التمهيدية لكل الكليات. 

ليكون هذا القرار هو الحل الذي رأت فيه الوزارة الحل الأمثل للخروج من الأزمة؛ فهل كان هذا الحل هو الأنسب للتعامل مع الأزمة؟

الوضع الحالي

استمرت الدراسة لمدة خمسة أسابيع فقط من عمر الفصل الدراسي الثاني. ووفقًا للخطة الزمنية، كان من المقرر أن تبدأ اختبارات نهاية العام في بداية شهر مايو، أي إن مدة الدراسة للفصل الدراسي الثاني كاملًا تصل إلى اثني عشر أسبوعًا، وبذلك تكون الفترة التي تم تعليق الدراسة بها هذا العام سبعة أسابيع، ما يعني أن ما تم تأجيله من المناهج الدراسية للعام القادم يزيد على نصف ما كان مقررًا تدريسه في الفصل الدراسي الثاني.

مع بدء تعليق الدراسة، ومن أجل ضمان استمرار الدراسة حتى نهاية الفصل الدراسي الثاني، أطلقت الوزارة منصتي المذاكرة الإلكترونية والتواصل مع المعلمين “Edmodo”، اللتين تمت إتاحتهما على بنك المعرفة المصري. وبعد أقل من أسبوعين على قرار تعليق الدراسة، أعلنت الوزارة أن الطلاب مسئولون فقط عما تمت دراسته حتى منتصف مارس. وبالرغم من تفعيل منصتي المذاكرة الإلكترونية والتواصل مع المعلمين، وانتظام عرض المواد التعليمية على القنوات التليفزيونية المخصصة لذلك؛ إلا أن الوزارة لم تعلن عن أسباب الاكتفاء بالمقررات الدراسية حتى منتصف مارس، وقد يرجع ذلك إلى مراعاة تكافؤ الفرص بين الطلاب، حيث إن عددًا من الطلاب لا يتمتعون بخدمات الإنترنت التي تُمكّنهم من الدخول إلى بنك المعرفة ومتابعة الدراسة كغيرهم، أو بسبب مقاومة بعض فئات المجتمع لمثل هذا النوع من التعليم.

أما فيما يخص آلية انتقال الطلاب من صف دراسي إلى الصف الذي يليه في السلم التعليمي، فقد قررت الوزارة أن يقدم الطلاب من الصف الثالث الابتدائي وحتى الثالث الإعدادي بحثًا أو مشروعًا فيما درسوه حتى منتصف مارس، وسمحت للطلاب أن يقدموا المشروع فرديًا أو في مجموعات مكونة من خمسة أفراد، ورقيًّا أو إلكترونيًّا. أما طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي فسيؤدون الاختبارات إلكترونيًّا في موعدها المقرر خلال شهر مايو القادم؛ على أن يتم تعويض أجزاء المناهج التي لم يتم دراستها لهذا العام في العام الدراسي القادم. 

إغلاق المدارس لفترة طويلة يستوجب إجراءات جديدة 

يرى العلماء أن استحداث مصل مضاد لفيروس (كوفيد-19) يحتاج لفترة تصل إلى 18 شهرًا، ما يعني أن المصل يمكن أن يكون جاهزًا في شهر يونيو 2021 بافتراض أن العلماء بدءوا العمل على إنتاجه منذ بداية عام 2020، ما يعني أن الاستمرار في اتخاذ الإجراءات نفسها قد يكون سببًا في خسارة العام الدراسي القادم بأكمله، وهو ما ستكون له تكلفة باهظة.

في دراسة قام بها فريق بحثي من “University College London” للأسباب التي من أجلها قامت الحكومات بإغلاق المدارس لمنع انتشار فيروس كورونا، أشارت النتائج إلى أن أدلة الحكومات في هذا الشأن “ضعيفة جدًّا”، واستدلت الدراسة على هذه النتيجة بأن إحصاءات انتشار “الإنفلونزا” توضح أن إغلاق المدارس يمكن أن يكون له تأثير ضئيل على فيروس كورونا، حيث إنه يتصف بقابليته العالية للانتشار وتأثيره الضعيف على الأطفال. وقد استعرضت الدراسة 16 دراسة سابقة حول انتشار فيروسات كورونا الأخرى، ومنها “وباء سارس” في عام 2003، ووجدت أن إغلاق المدارس لم يساعد في السيطرة على انتشار الوباء.

ويقول “راسل فاينر” “Russell Viner”، مدير الكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل في لندن “Royal College of Pediatrics and Child Health”، إنه تجب الموازنة بين المكاسب من وراء إغلاق المدارس في مقابل التكاليف، فقد تأثر تعليم الأطفال، وقد تتأثر صحتهم العقلية، وقد تتأثر الموارد المالية للأسرة، وقد يحتاج العاملون إلى البقاء في المنزل لرعاية الأطفال، ما يعني أن تكلفة إغلاق المدارس قد تكون أعلى من المكاسب المتحققة من ورائه. وأوصت الدراسة في النهاية بضرورة إعادة فتح المدارس في المملكة المتحدة بعد انتهاء الموجة الأولى من انتشار الفيروس. لكن المتحدث باسم الحكومة هناك قال إن قرار إغلاق المدارس كان على أساس نصائح علمية للحد من انتشار الفيروس، ولن يُعاد فتحها مرة أخرى إلا بناء على نصائح علمية تؤكد توفر عامل الأمان لفعل ذلك.

ومن الضروري لنا في مصر إعادة فتح النقاش حول هذه القضية بين متخصصين، وبطريقة علمية منظمة، خاصة أن الانتقال من الإبقاء على المدارس مفتوحة، إلى إغلاق المدارس مع مواصلة الدراسة عن بعد، ثم التخلي عن فكرة الدراسة عن بعد؛ كل هذه التغيرات تمت بدون حوار حقيقي، اللهم إلا ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي لا يمكن اعتباره حوارًا بأي معنى.

ربما ساعد استمرار إغلاق المدارس في مصر على الحد من انتشار فيروس كورونا في ظل الكثافات المرتفعة للفصول، ونقص أدوات التعقيم للمدارس، وضعف التزام الطلاب بتعليمات النظافة؛ لكن يجب أن تضع الوزارة في الاعتبار الأضرار النفسية الناجمة عن إغلاق المدارس لفترة طويلة على الأطفال، وانخفاض مستواهم التعليمي بسبب التوقف التام عن الدراسة، وعلى الأقل فإنه لا بد من التخطيط للعام الدراسي القادم في ضوء جميع السيناريوهات المحتملة للأزمة الراهنة.

إعادة النظر في مدة العام الدراسي قد تُمثل حلًّا أفضل

أعلنت وزارة التربية والتعليم قبل بدء العام الدراسي الحالي 2019/2020 أن إجمالي عدد أيام الدراسة الفعلية يبلغ 205 أيام لمرحلة رياض الأطفال والصفين الأول والثاني الابتدائي، بينما يبلغ 200 يوم فقط لتلاميذ الصفوف من الثالث الابتدائي حتى الثالث الثانوي، وذلك بعد حذف أيام الجمعة والإجازات الرسمية. وبهذا المعدل يكون العام الدراسي في مصر أطول من متوسط مدة الأعوام الدراسية حول العالم، حيث يصل طول العام الدراسي في كوريا الجنوبية إلى 220 يومًا دراسيًا، وفي الدنمارك يصل إلى مائتي يوم، وأستراليا 198 يومًا، وألمانيا 193 يومًا، ونيوزلندا وإنجلترا والنرويج 190 يومًا، وفنلندا 187 يومًا.

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى إعادة قراءة، فالوزارة حذفت من مدة العام الدراسي أيام الجمع والإجازات الرسمية فقط، في حين أن معظم المدارس في مصر لا تعمل يوم السبت أيضًا، ما يعني أن هذا الرقم يقل عن 205 أيام إلى 168 يومًا في رياض الأطفال والصفين الأول والثاني الابتدائي، ومن 200 يوم إلى 165 يومًا في الصفوف الأعلى. فالمدارس التي تعمل أيام السبت هي المدارس التي تعمل بنظام الفترتين، ويبلغ عددها (1503) مدارس فقط وفق الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة التربية والتعليم لعام 2019/2020، وباستبعاد فترة الامتحانات للفصلين الدراسيين، تصل أيام الدراسة الفعلية إلى 153 يومًا فقط.

وفي حال أرادت الوزارة استكمال المناهج الدراسية التي تم تأجيلها لهذا العام في العام الدراسي القادم، ونجحت في التغلب على الضغوط المجتمعية التي لا تكف عن المطالبة بالتخفيف عن الطلاب، فيتوجب على الوزارة أن تعيد النظر في مدة العام الدراسي القادم، بحيث توازن بين أيام الدراسة الفعلية وأيام الإجازات، فالمناهج المؤجلة للعام القادم تحتاج سبعة أسابيع إضافية، أي أن يصل العام الدراسي إلى 44 أسبوعًا بدلًا من 37 أسبوعًا لرياض الأطفال والصفين الأول والثاني الابتدائي، وأن يصل إلى 42 أسبوعًا للمراحل الأعلى.

وقد يكون العمل بنظام (ثلاثة فصول دراسية) أفضل من نظام الفصلين الدراسيين للتغلب على آثار هذه الأزمة في العام القادم، على أن يُخصص الفصل الأول منها لاستكمال المناهج التي تم تأجيلها، ويقوم الطلاب بتنفيذ مشروع أو أكثر كأداة تقييم عوضًا عن الاختبارات التقليدية؛ وذلك لسببين: الأول، أن يتم ترسيخ فكرة التعليم القائم على المشروعات التي بدأ الطلاب في تنفيذها بالفعل بسبب الأزمة الحالية؛ والثاني يتمثل في اختصار الوقت حيث تحتاج عملية خوض اختبارات نهاية كل فصل دراسي أسبوعين على الأقل. ويمكن تقسيم العام الدراسي إلى ثلاثة فصول دراسية مدة كل منها أربعة عشر أسبوعًا، ليبدأ العام الدراسي قبل نهاية أغسطس 2020، وينتهي في منتصف يونيو 2021. وتجدر الإشارة إلى أن كل ذلك يظل مرهونًا بقرار عودة المدارس في العام القادم، سواء انتهت أزمة الفيروس المستجد أم لم تنتهِ.

مقالات وتحليلات

الدور الإيجابي للدولة المصرية تجاه أزمة كورونا

بعيدًا عن التحليلات الاستراتيجية المتدفقة التي تتحدث عن شكل النظام العالمي الجديد في فترة ما بعد انتهاء أزمة كورونا، وجدت نفسي أحاول أن أتخذ منحى آخر في التفكير في آثار هذه الأزمة، ومدى ما يمكن أن تكون قد أدت إليه من ظواهر كاشفة ومؤكدة للعديد من الجوانب المهمة في طبيعة دور الدولة المصرية ومؤسساتها، وكيف يمكن أن تكون هذه الأزمة نقطة انطلاق لإعادة التأكيد على المحددات التي تدعم قوة الدولة ومواطنيها خلال المرحلة المقبلة وفي أعقاب الانتصار على هذا الوباء.

ولا شك أن الدولة المصرية تقدم نموذجًا إيجابيًّا في التعامل مع أزمة كورونا في كافة المجالات الاقتصادية والصحية والاجتماعية. كما أبدت القيادة السياسية كل الاهتمام بالأزمة وجوانبها المختلفة منذ بدايتها. ويتابع الرئيس “عبدالفتاح السيسي” تطورات الأزمة على مدار اليوم حتى يمكن الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، خاصة أن هذا الوباء أصبح أحد معاول الهدم في العديد من الدول المتقدمة في العالم التي أصبحت تعاني أكثر من غيرها من تداعيات هذه الأزمة.

سوف أحاول في هذا المقال التعرض لثلاث عشرة نقطة رئيسية أعتبرها بمثابة دروس مستفادة ومستقاة انطلاقًا من التعامل الجاد والمسئول والإيجابي للدولة مع أزمة كورونا وتطوراتها، وبما يمكن أن يكون مفيدًا لدعم أركان الدولة في مرحلة ما بعد انقشاع هذا الوباء.

النقطة الأولى: أن مفهوم الأمن القومي بمعناه العام الذي يتبادر إلى ذهن الكثيرين لا يرتبط فقط بالتهديدات العسكرية التي قد تتعرض لها الدولة، وإنما يشمل هذا المفهوم كل ما يتعلق بمثل هذه الأزمات والكوارث الطبيعية باعتبارها تؤثر على قوة الدولة وبقائها ومستقبلها، بل ووجودها، ومن ثم كان تعامل الدولة مع هذه الأزمة منطلقًا من كونها قضية أمن قومي.

النقطة الثانية: أن القيادة السياسية كلما كانت قريبة من المواطن وتشعر باحتياجاته ومتطلباته، وقادرة على توصيل كل توجهاتها بمصداقية وشفافية، كان الأمر أكثر سهولة ويسرًا في تحقيق التواصل المطلوب بين القيادة والشعب.

النقطة الثالثة: أن تركيز الدولة ينصب على المواطن وصحته ومعيشته، فهو يمثل اهتمامها الأول وعماد قوتها الحاضرة والمستقبلية، بل يُعد أحد أهم عناصر القدرة الشاملة للدولة، ومن ثم فإن المواطن سوف يظل بمثابة الرقم الأهم في منظومة الدولة، وبالتالي فإن مثل هذه الأزمات تتيح للدولة مساحة كبيرة نحو مزيد من ربط المواطن بها وزيادة ثقته فيها.

النقطة الرابعة: أن الدولة يجب أن تكون على استعداد دائم لمواجهة أية تهديدات تتعرض لها. ومن هنا تأتي أهمية الإعداد المسبق لكافة السيناريوهات المحتملة قبل حدوث الأزمة. أما في حالة حدوث أزمة طارئة ولم تكن هناك فرصة لاستباق الاستعداد لها فمن الضروري أن يتم التعامل مع الأزمة بكل الجدية المطلوبة منذ بدايتها دون أي تأخير أو تأجيل، ووضع البدائل الواقعية الممكنة بما فيها أسوأ الاحتمالات. 

النقطة الخامسة: أهمية وجود جيش قوي قادر على الدفاع عن الدولة ضد أي تهديدات محتملة، وفي الوقت نفسه هناك ضرورة لأن تمتلك القوات المسلحة كافة القدرات المادية لمساعدة الدولة في وقت السلم، ومعاونة القطاع المدني في تحقيق الاكتفاء الذاتي قدر المستطاع، وتوفير كل المستلزمات الضرورية لا سيما في أوقات الأزمات.

النقطة السادسة: أهمية وجود مؤسسات أمنية قوية قادرة على أن تؤدي دورها في كل ما يتعلق بفرض وحفظ النظام والقانون، وأن تلبي بعض احتياجات الدولة داخليًّا وخارجيًّا عندما يُطلب منها ذلك. 

النقطة السابعة: أن وجود مؤسسات متخصصة في إدارة الأزمة داخل الدولة، وتكليفها بمهام ومسئوليات محددة، أصبح ضرورة ملحة حتى يمكن أن تساهم بدور في توفير المعلومات وطرح البدائل التي تساعد الدولة في مواجهة التهديدات التي يُمكن أن تتعرض لها.

النقطة الثامنة: أن الدولة ستظل هي الملجأ والملاذ الآمن للمواطن كلما استشعر وجود أزمة تهدد حياته أو معيشته، الأمر الذي ينطبق على المواطن المصري في الداخل وفي الخارج، وهو ما يفرض على المواطن أن يتعامل مع الدولة بكل ضمير وجدية ومسئولية، وأن يثق في قيادتها ومؤسساتها التي ستساعده على الخروج من الأزمة مهما كانت حدتها.

النقطة التاسعة: أن البحث العلمي لم يعد أمرًا يمكن النظر إليه على أنه نوع من الترف أو مجرد مؤسسات قائمة في منظومة هياكل الدولة، وإنما أصبح وجودها ودعمها بكل احتياجاتها وتوفير الميزانيات والإمكانيات المطلوبة لها ضرورة لا غنى عنها حتى يمكن أن تؤتي ثمارها عندما تتعرض الدولة لأزمة على غرار كورونا أو أي وباء آخر.

النقطة العاشرة: بالتوازي مع دعم الدولة لكافة مؤسساتها على مختلف تخصصاتها بما فيها المنظومة التعليمية والثقافية وتحقيق التناغم بينها، هناك ضرورة لمزيد من الاهتمام الخاص بدعم القطاع الصحي وتوفير كافة الإمكانيات المادية التي تُمكّنه من مواجهة مثل هذه الكوارث قدر المستطاع مما يساعد بشكل كبير على التخفيف من حدتها.

النقطة الحادية عشرة: أن العلاقات الخارجية الجيدة للدولة -على المستويين الإقليمي والدولي- قادرة على أن تمنح الدولة مزيدًا من الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تجنيها من جراء هذه العلاقات والمساعدة في تخفيف حدة الأزمات التي تتعرض لها، بل يمكن أن تخرج الدولة من هذه الأزمات بمزيد من الدعم والثقل لوضعيتها في المجتمع الدولي. 

النقطة الثانية عشرة: أن المنظومة الإعلامية أصبحت شديدة الأهمية في نشر الوعي، ودعم علاقة المواطن بالدولة، وزيادة الانتماء والالتزام، والوصول إلى قلب وعقل المواطن في كل مكان، ومن ثم يجب العمل على تطوير أداء هذه المنظومة بشكل متواصل حتى تكون قادرة على أن تلعب دور الوسيط الجيد والمقبول والمقنع بين الدولة والمواطن. 

النقطة الثالثة عشرة: أن الدولة لا تمانع في أن تكون هناك وسائل وأدوات أخرى يمكن أن تساعدها خاصة خلال فترة الأزمات، ومن أهمها: الأحزاب السياسية، ورجال الأعمال، والمؤسسات الدينية ورموزها، ومنظمات المجتمع المدني (الوطنية)، حيث يمكن لها -على سبيل المثال- أن تنتشر في مناطق جغرافية قد لا تصل الدولة إليها. وفي هذا المجال يمكن استثمار هذه الأدوات بالشكل الملائم الذي يحقق أهداف الدولة. 

وفي الوقت الذي تتعامل فيه الدولة المصرية بهذا الشكل النموذجي مع أزمة كورونا وتداعياتها المختلفة، وتمنحها أكبر قدر من الاهتمام، فإنها حرصت أيضًا على أن تظل تتعامل بكل الجدية المطلوبة مع كافة القضايا الأخرى المرتبطة بالأمن القومي، ومن بينها قضية سد النهضة الإثيوبي، حيث حرص السيد الرئيس “عبدالفتاح السيسي” على أن يوفد وزير الخارجية السيد “سامح شكري” في مهام خارجية متنوعة مؤخرًا لتوضيح موقف مصر تجاه هذه الأزمة وتطوراتها، فضلًا عن الزيارة التي قام بها كل من السيد وزير الري والموارد المائية والسيد رئيس المخابرات العامة للسودان يوم 9 أبريل الجاري. كما تقوم مصر في الوقت نفسه بدعم وتطوير وتحديث قدراتها العسكرية في كافة المجالات، وهذه هي رسالة مصر الواضحة بأن أزمة كورونا لن تطغى على الاهتمامات المتعلقة بدوائر الأمن القومي المصري، خاصة الدوائر المباشرة.